الصفحة 31


 

الأسود الدؤلي قال: كنا جلوسا عند أبي عمرو ابن العلاء فتذاكرنا السيد فجاء فجلس وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض فقلنا: يا أبا هاشم مم القيام؟ فقال:

إني لأكره أن أطيل بمجلس * لا ذكر فيه لفضل آل محمد
لا ذكر فيه لأحمد ووصيه * وبنيه ذلك مجلس نطف ردي (1)
إن الذي ينساهم في مجلس * حتى يفارقه لغير مسدد

وكان إذا استشهد شيئا من شعره لم يبدأ بشئ إلا بقوله:

أجد بآل فاطمة البكور * فدمع العين منهمر غزير

الأغاني 7 ص 246 - 266

رواة شعره وحفاظه

1 - أبو داود سليمان بن سفيان المسترق الكوفي المنشد المتوفى سنة 230 عن 70 عاما، كان راوية شعره كما في " الأغاني " و " فهرست " الكشي ص 205.

2 - إسماعيل بن الساحر كان راويته كما في " الأغاني " في غير موضع.

3 - أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى 209 / 111، كان يروي شعره كما في " الأغاني " و " لسان الميزان " 1 ص 437.

4 - السدري كان راويته كما في طبقات ابن المعتز ص 7.

5 - محمد بن زكريا الغلابي الجوهري البصري المتوفى 298، كان يحفظ شعر السيد ويقرأه على العباسة بنت السيد ويصححه عليها كما في " أخبار السيد " للمرزباني.

6 - جعفر بن سليمان الضبعي البصري المتوفى 178، كان ينشد شعر السيد كثيرا فمن أنكره عليه لم يحدثه كما في " الأغاني " و " لسان الميزان " 1 ص 437.

7 - يزيد بن محمد بن عمر بن مذعور التميمي كان يروي للسيد ويعاشره كما في " أخبار السيد " للمرزباني وقال أبو الفرج: كان يحفظ شعر السيد وينشده لأبي بجير الأسدي.

8 - فضيل بن الزبير الرسان الكوفي، كان ينشد شعر السيد وقد أنشده للإمام الصادق عليه السلام وقد مر بعض حديثه.

____________

(1) النطف: النجس.

 


الصفحة 32


 

9 - الحسين بن الضحاك قال المرزباني: كان أحفظ الناس بشعره.

10 - الحسين بن ثابت كان يروي كثيرا من شعره.

11 - العباسة بنت السيد، كانت حافظة لشعر أبيها وكانت الرواة يقرأون عليها شعر السيد وتصححه لهم كما ذكره المرزباني في " أخبار السيد ".

وكانت للسيد كريمتان أخرى تحفظان شعره وفي بعض المعاجم كانت كل واحدة تحفظ ثلثمائة قصيدة وقال ابن المعتز في " طبقات الشعراء " ص 8: حكي عن السدري أنه قال: كان له أربع بنات وإنه كان حفظ كل واحدة منهن أربعمائة قصيدة من شعره 12 - عبد الله بن إسحاق الهاشمي، جمع شعره كما مر عن المرزباني.

13 - عم الموصلي جمع شعره في بني هاشم كما مر عن الأغاني.

14 - الحافظ أبو الحسن الدار قطني علي بن عمر المتوفى 385 كان يحفظ ديوان السيد كما في تاريخي الخطيب البغدادي 2 ص 35، وابن خلكان 1 ص 359، وتذكرة الحفاظ 3 ص 200.

مذهبه وكلمات الأعلام حوله

عاش السيد ردحا من الزمن على الكيسانية (1) يقول بإمامة محمد بن الحنفية وغيبته وله في ذلك شعر ثم أدركته سعادة ببركة الإمام الصادق صلوات الله عليه وشاهد منه حججه القوية وعرف الحق ونبذ ما كان عليه من سفاسف الكيسانية عندما نزل الإمام عليه السلام الكوفة عند منصرفه من عند المنصور أو ملاقاته إياه في الحج.

ولعبد الله بن المعتز المتوفى 296، وشيخ الأمة الصدوق المتوفى 381، والحافظ المرزباني المتوفى 384، وشيخنا المفيد المتوفى 412، وأبي عمرو الكشي، والسروي المتوفى 588، والأربلي المتوفى 692 وغيرهم حول مذهبه كلمات ضافية يكتفى بواحدة منها في إثبات الحق فضلا عن جميعها. فإليك نصوصها.

____________

(1) هم أصحاب مختار بن أبي عبيد يقال في تسميتهم بذلك: إن المختار كان يلقب بكيسان مأخوذا مما رواه الكشي في رجاله ص 84 من قول أمير المؤمنين عليه السلام له: يا كيس يا كيس وقيل: إن كيسان اسم صاحب شرطته ويكنى بأبي عمرة كما في رجال الكشي والفصل لابن حزم.

وقيل: إن كيسان هو مولى أمير المؤمنين وهو الذي حمل المختار على الطلب بدم الحسين السبط عليه السلام ودل على قتلته وكان صاحب سره والغالب على أمره كما ذكره الكشي.


الصفحة 33


 

1 - كلمة المعتز:

قال في " طبقات الشعراء " ص 7: حدثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري راوية السيد كان السيد أول زمانه كيسانيا يقول برجعة محمد بن الحنفية وأنشدني في ذلك:

حتى متى؟ وإلى متى؟ ومتى المدى * يا بن الوصي وأنت حي ترزق؟!

والقصيدة مشهورة. وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري: ما زال السيد يقول بذلك حتى لقي الصادق عليه السلام بمكة أيام الحج فناظره وألزمه الحجة فرجع عن ذلك فذلك قوله في تركه تلك المقالة ورجوعه عما كان عليه ويذكر الصادق:

تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
ويثبت مهما شاء ربي بأمره * ويمحو ويقضي في الأمور ويقدر

2 - كلمة الصدوق:

قال في " كمال الدين " ص 20: فلم يزل السيد ضالا في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن الحنفية حتى لقي الصادق جعفر بن محمد عليه السلام ورأى منه علامات الإمامة وشاهد منه دلالات الوصية فسأله عن الغيبة فذكر له أنها حق و لكنها تقع بالثاني عشر من الأئمة عليهم السلام وأخبره بموت محمد بن الحنفية وإن أباه محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام شاهد دفنه فرجع السيد عن مقالته، و استغفر من اعتقاده، ورجع إلى الحق عند اتضاحه له ودان بالإمامة.

حدثنا عبد الواحد بن محمد العطار رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: حدثنا حمدان بن سليمان عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حيان السراج قال: سمعت السيد ابن محمد الحميري يقول: كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي الملقب بابن الحنفية قد ظللت في ذلك زمانا فمن الله علي بالصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وأنقذني به من النار، وهداني إلى سواء الصراط فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها (1) منه أنه حجة الله علي وعلى جميع أهل زمانه، وأنه الإمام الذي فرض الله طاعته، وأوجب الاقتداء به فقلت له: يا بن رسول الله قد روى لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع؟ فقال عليه السلام:

إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله

____________

(1) ستقف على بعض تلكم الدلائل.

 


الصفحة 34


 

صلى الله عليه وآله، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأت جورا وظلما. قال السيد: فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه وقلت قصيدتي التي أولها:

ولما رأيت الناس في الدين قد غووا * تجعفرت باسم الله فيمن تجعفروا
وناديت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
ودنت بدين غير ما كنت داينا * به ونهاني سيد الناس جعفر
فقلت: فهبني قد تهودت برهة * وإلا فديني دين من يتنصر
وإني إلى الرحمن من ذاك تائب * وإني قد أسلمت والله أكبر
فلست بغال ما حييت وراجع * إلى ما عليه كنت أخفي وأضمر
ولا قائلا حي برضوى محمد (1) * وإن عاب جهال مقالي فاكثروا
ولكنه مما مضى لسبيله * على أفضل الحالات يقفى ويخبر
مع الطيبين الطاهرين الأولى لهم * من المصطفى فرع زكي وعنصر

إلى آخر القصيدة وهي طويلة وقلت بعد ذلك قصيدة أخرى:

أيا راكبا نحو المدينة جسرة * عذافرة يطوى بها كل سبب (2)
إذا ما هداك الله عاينت جعفرا * فقل لولي الله وابن المهذب
: ألا يا أمين الله وابن أمينه * أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي
إليك من الأمر الذي كنت مطنبا * أحارب فيه جاهدا كل معرب
وما كان قولي في ابن خولة مبطنا * معاندة مني لنسل المطيب
ولكن روينا عن وصي محمد * وما كان فيما قال بالمتكذب
بأن ولي الأمر يفقد لا يرى * ستيرا (3) كفعل الخائف المترقب
فيقسم أموال الفقيد كأنما * تعيبه بين الصفيح المنصب

____________

(1) في لفظ ابن شهر آشوب: ولا قائلا قولا بكيسان بعدها.

(2) الجسرة: العظيمة من الإبل. والعذافرة: الشديدة منها.

(3) في لفظ المرزباني والمفيد: سنين.


الصفحة 35


 

فيمكث حينا ثم ينبع نبعة * كنبعة جدي من الأفق كوكب (1)
يسير بنصر الله من بيت ربه * على سودد منه وأمر مسبب
يسير إلى أعدائه بلوائه * فيقتلهم قتلا كحران مغضب
فلما روي أن ابن خولة غايب * صرفنا إليه قولنا لم نكذب
وقلنا هو المهدي والقائم الذي * يعيش به من عدله كل مجدب (2)
فإن قلت لا فالحق قولك والذي * أمرت فحتم غير ما معتصب
وأشهد ربي أن قولك حجة * على الخلق طرا من مطيع ومذنب
بأن ولي الأمر والقائم الذي * تطلع نفسي نحوه بتطرب
له غيبة لا بد من أن يغيبها * فصلى عليه الله من متغيب
فيمكث حينا ثم يظهر حينه * فيملأ عدلا كل شرق ومغرب
بذاك أمين الله سرا وجهرة * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب

وكان حيان السراج الراوي لهذا الحديث من الكيسانية، ورواه الأربلي في كشف الغمة.

3 - كلمة المرزباني:

قال في أخبار السيد: كان السيد ابن محمد رحمه الله بلا شك كيسانيا يذهب أن محمد بن الحنفية رضي الله عنه هو القائم المهدي وإنه مقيم في جبال رضوى وشعره في ذلك يدل على أنه كان كما ذكرنا كيسانيا فمن قوله:

يا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى * وبنا إليه من الصبابة أولق (3)
حتى متى؟ وإلي متى؟ وكم المدى * يا بن الوصي وأنت حي ترزق؟
إني لآمل أن أراك وإنني * من أن أموت ولا أراك لأفرق

غير أنه رحمه الله رجع عن ذلك وذهب إلى إمامة الصادق عليه السلام وقال:

تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر

ومن زعم إن السيد أقام على الكيسانية فهو بذلك كاذب عليه، وطاعن فيه

____________

(1) وفي رواية المرزباني:

ويمكث حينا ثم يشرق شخصه * مضيئا بنور العدل إشراق كوكب

(2) في رواية الحافظ المرزباني: يعيش بجدوى عدله كل مجدب.

م (3) الأولق: الجنون أو مس منه.


الصفحة 36


 

ومن أوضح ما دل على بطلان ذلك دعاء الصادق له عليه السلام وثناؤه عليه فمن ذلك ما أخبرنا به محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو العينا قال: حدثني علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال: قيل لأبي عبد الله عليه السلام وذكر عنده السيد: بأنه ينال من الشراب. فقال عليه السلام: إن كان السيد زلت به قدم فقد ثبتت له أخرى.

(وبإسناده) عن عباد بن صهيب قال: كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام فذكر السيد فدعا له فقال له: يا بن رسول الله أتدعو له وهو يشرب الخمر، ويشتم أبا بكر وعمر، ويوقن بالرجعة؟! فقال: حدثني أبي عن أبيه علي بن الحسين أن محبي آل محمد صلى الله عليه وآله لا يموتون إلا تائبين. وإنه قد تاب ثم رفع رأسه وأخرج من مصلى عليه كتابا من السيد يتوب فيه مما كان عليه (1) وفي آخر الكتاب

يا راكبا نحو المدينة جسرة * (إلى آخر الأبيات كما مرت)

و(روى بإسناده) عن خلف الحادي قال: قدم السيد من الأهواز بمال ورقيق وكراع فجئته مهنئا له فقال: إن أبا بجير(2) إمامي وكان يعيرني بمذهبي ويأمل مني تحولا إلى مذهبه فكتبت أقول له: قد انتقلت إليه، وقلت:

أيا راكبا نحو المدينة جسرة * وذكر الأبيات إلى آخرها كما مرت

ثم قال: فقال له أبو بجير يوما: لو كان مذهبك الإمامة لقلت فيها شعرا. فأنشدته هذه القصيدة فسجد وقال: الحمد لله الذي لم يذهب حبي لك باطلا. ثم أمر لي بما ترى.

وروى بإسناده عن خلف الحادي قال: قلت للسيد: ما معنى قولك؟

عجبت لكر صروف الزمان * وأمر أبي خالد ذي البيان
ومن رده الأمر لا ينثني * إلى الطيب الطهر نور الجنان
علي وما كان من عمه * برد الإمامة عطف العنان
وتحكيمه حجرا أسودا * وما كان من نطقه المستبان
بتسليم عم بغير امتراء * إلى ابن أخ منطقا باللسان
شهدت بذلك صدقا كما * شهدت بتصديق آي القرآن

____________

(1) في الأغاني 7 ص 277: أخرج كتابا من السيد يعرفه فيه: إنه قد تاب ويسأله الدعاء له.

(2) هو أبو بجير عبد الله بن النجاشي الأسدي والي الأهواز للمنصور.


الصفحة 37


 

علي إمامي لا أمتري * وخليت قولي بكان وكان

قال لي: كان حدثني علي بن شجرة عن أبي بجير عن الصادق أبي عبد الله عليه السلام: إن أبا خالد الكابلي كان يقول بإمامة ابن الحنفية فقدم من كابل شاه إلى المدينة فسمع محمدا يخاطب علي بن الحسين فيقول: يا سيدي فقال أبو خالد: أتخاطب ابن أخيك بما لا يخاطبك بمثله؟ فقال: إنه حاكمني إلى الحجر الأسود وزعم أنه ينطقه فصرت معه إليه فسمعت الحجر يقول: يا محمد؟ سلم الأمر إلى ابن أخيك فإنه أحق منك. فقلت شعري هذا، قال: وصار أبو خالد الكابلي إماميا. قال: فسألت بعض الإمامية عن هذا، فقال لي: ليس بإمامي من لا يعرف هذا. فقلت: للسيد: فأنت على هذا المذهب أو على ما أعرف؟!؟! فأنشدني بيت عقيل بن علفة.

خذا جنب هرشى (1) أوقفاه فإنه * كلا جانبي هرشى لهن طريق

ومما رواه المرزباني له في مذهبه قوله:

صح قولي بالإمامه * وتعجلت السلامه
وأزال الله عني * إذ تجعفرت الملامة
قلت من بعد حسين * بعلي ذي العلامه
أصبح السجاد للإسلام * والدين دعامه
قد أراني الله أمرا * أسأل الله تمامه
كي الاقيه به في * وقت أهوال القيامة

4 - كلمة المفيد:

قال في " الفصول المختارة " ص 93: وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر رحمه الله وله في مذهبهم أشعار كثيرة ثم رجع عن القول بالكيسانية وتبرأ منه ودان بالحق، لأن أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته، فاستجاب له فقال بنظام الإمامة وفارق ما كان عليه من الضلالة، وله في ذلك أيضا شعر معروف ومن بعض قوله في إمامة محمد رضوان الله عليه ومذهب الكيسانية قوله:

ألا حي مقيم شعب رضوى * وأهد له بمنزله السلاما

____________

(1) ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة وله طريقان يفضيان إلى موضع واحد.

 


الصفحة 38


 

إلى أن قال: وله عند رجوعه إلى الحق وفراقه الكيسانية:

تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
ودنت بدين غير ما كنت داينا * [إلى آخر ما مر باختلاف يسير]

وقال في " الارشاد ": فصل وفيه (يعني الإمام الصادق) يقول السيد إسماعيل ابن محمد الحميري رحمه الله وقد رجع عن قوله بمذهب الكيسانية لما بلغه إنكار أبي عبد الله عليه السلام مقاله ودعاؤه له إلي القول بنظام الإمامة:

أيا راكبا نحو المدينة جسرة * عذافرة يطوى بهاكل سبسب

وذكر منها 13 بيتا ثم قال: وفي هذا الشعر دليل على رجوع السيد عن مذهب الكيسانية وقوله بإمامة الصادق عليه السلام ووجوه الدعوة ظاهرة من الشيعة في أيام أبي عبد الله إلى إمامته والقول بغيبة صاحب الزمان وإنها إحدى علاماته، وهو صريح قول الإمامية الاثنى عشرية.

5 - كلمة ابن شهر آشوب:

روى في " المناقب " 2 ص 323 عن داود الرقي قال:

بلغ السيد الحميري: إنه ذكر عند الصادق عليه السلام فقال: السيد كافر. فأتاه وسأل يا سيدي؟ أنا كافر مع شدة حبي لكم ومعاداتي الناس فيكم؟ قال: وما ينفعك ذاك وأنت كافر بحجة الدهر والزمان؟! ثم أخذ بيده وأدخله بيتا فإذا في البيت قبر فصلى ركعتين ثم ضرب بيده على القبر فصار القبر قطعا فخرج شخص من قبره ينفض التراب عن رأسه ولحيته، فقال له الصادق: من أنت؟ قال: أنا محمد بن علي المسمى بابن الحنفية.

فقال: فمن أنا؟ فقال جعفر بن محمد حجة الدهر والزمان (1) فخرج السيد يقول:

تجعفرت باسم الله فيمن تجعفرا * .  .  .  .  .  .  .  .   

وفي (أخبار السيد): إنه ناظر معه مؤمن الطاق في ابن الحنفية فغلبه عليه فقال:

تركت ابن خولة لاعن قلى * وإني لكالكلف الوامق
وإني له حافظ في المغيب * أدين بما دان في الصادق
هو الحبر حبر بني هاشم * ونور من الملك الرازق

____________

(1) هذه من علامات الإمامة التي مر الايعاز إليها في كلمة الصدوق.

 


الصفحة 39


 

به ينعش الله جمع العباد * ويجري البلاغة في الناطق
أتاني برهانه معلنا * فدنت ولم أك كالمائق
كمن صد بعد بيان الهدى * إلى حبتر وأبي حامق

فقال الطائي: أحسنت الآن أتيت رشدك. وبلغت أشدك. وتبوأت من الخير موضعا ومن الجنة مقعدا. وأنشأ السيد يقول:

تجعفرت باسم الله والله أكبر * .  .  .  .  .  .  .  .   

ذكر منها خمسة أبيات ثم ذكر من بائيته المذكورة ستة أبيات فقال: وأنشد فيه (يعني الصادق عليه السلام):

أمدح أبا عبد الإله * فتى البرية في احتماله
سبط النبي محمد * حبل تفرع من حباله
تغشى العيون الناظرات * إذا سمون إلى جلاله
عذب الموارد بحسره * يروي الخلايق من سجاله
بحر أطل على البحور * يمدهن ندى بلاله (1)
سقت العباد يمينه * وسقى البلاد ندى شماله
يحكي السحاب يمينه * والودق يخرج من خلاله
الأرض ميراث له * والناس طرا في عياله
يا حجة الله الجليل * وعينه وزعيم آله
وابن الوصي المصطفى * وشبيه أحمد في كماله
أنت ابن بنت محمد * حذوا خلقت على مثاله
فضياء نورك نوره * وظلال روحك من ظلاله
فيك الخلاص عن الردى * وبك الهداية من ضلاله
أئني ولست ببالغ * عشر الفريدة من خصاله

6 - كلمة الأربلي:

قال في " كشف الغمة " ص 124: السيد الحميري رحمه الله كان كيسانيا يقول برجعة أبي القاسم محمد بن الحنفية فلما عرفه الإمام جعفر بن محمد

____________

(1) كذا في النسخة وأحسبه: نواله.

 


الصفحة 40


 

الصادق عليهما السلام الحق والقول بمذهب الإمامية الاثنى عشرية ترك ما كان عليه و رجع إلى الحق وقال به، وشعره رحمه الله في مذهبه مشهور لا حاجة إلى ذكره لاشتهاره.

وينبأك عن مذهبه الحق الصحيح قوله:

على آل الرسول وأقربيه * سلام كلما سجع الحمام
أليسوا في السماء هم نجوم؟ * وهم أعلام عز لا يرام
فيا من قد تحير في ضلال * أمير المؤمنين هو الإمام
رسول الله يوم [غدير خم] * أناف به وقد حضر الأنام
وثاني أمره الحسن المرجى * له بيت المشاعر والمقام
وثالثه الحسين فليس يخفى * سنا بدر إذا اختلط الظلام
ورابعهم علي ذو المساعي * به للدين والدنيا قوام
وخامسهم محمد ارتضاه * له في المأثرات إذن مقام
وجعفر سادس النجباء بدر * ببهجته زها البدر التمام
وموسى سابع وله مقام * تقاصر عن أدانيه الكرام
علي ثامن والقبر منه * بأرض الطوس إن قحطوا رهام (1)
وتاسعهم طريد بني البغايا * محمد الزكي له حسام
وعاشرهم علي وهو حصن * يحن لفقده البلد الحرام
وحادي العشر مصباح المعالي * منير الضوء الحسن الهمام
وثاني العشر حان له القيام * محمد الزكي به اعتصام
أولئك في الجنان بهم مساغي * وجيرتي الخوامس والسلام

نقد أو إصحار بالحقيقة

قال الدكتور طه حسين المصري في - ذكرى أبي العلاء - ص 358: التناسخ معروف عند العرب منذ أواخر القرن الأول والشيعة تدين به وببعض المذاهب التي تقرب منه كالحلول والرجعة، وليس بين أهل الأدب من يجهل ما كان من سخافات الحميري وكثير في ذلك. ا هـ

____________

(1) الرهمة: المطر الخفيف الدائم ج رهم ورهام.

 


الصفحة 41


 

كنت لا أعجب لو كان هذا العزو المختلق صادرا ممن تقدم طه حسين من بسطاء الأعصر الخرافية الذين قالوا وهم لا يشعرون، وجمعوا من غير تمييز، وألفوا لا عن تنقيب، وعزوا من دون دراية. لكن عجبي كله من مثل هذا الذي يرى نفسه منقبا ويحسبه فذا من أفذاذ هذا العصر الذهبي، عصر النور، عصر البحث والتنقيب الذي مني بمثل هذا الدكتور وأمثال من جمال مستنوقة (1) يسرون حسوا في ارتغاء (2) يريدون أن يفخذوا أمة كبيرة تعد بالملايين عن الأمة الإسلامية بنسبة الالحاد إليهم من تناسخ وحلول، فتلعن هؤلاء أولئك لاعتقادهم بكفرهم، وتغضب أولئك على هؤلاء عندما يقفون على مثل هذا الإفك الشائن، فيقع ما لا تحمد مغبته من شق العصا وتفريق الكلمة، وذلك منية من قيض طه " حسين " لمثل هذا المعرة وأثابه عليها.

ألم يسائل هذا الرجل باحث عن مصدر هاتين الفريتين؟! هل قرأهما في كتاب من كتب الشيعة؟! أم سمعهما عن شيعي؟! أو بلغه الخبر عن عالم من علماء الإمامية؟! وهؤلاء الشيعة وكتبهم منذ العصور المتقادمة حتى اليوم تحكم بكفر من يقول بالتناسخ والحلول وتدين بالبرائة منه، فهلا راجع الدكتور هاتيك الكتب قبل أن يرمي لا عن سدد؟! وتخط يمينه لا عن رشد؟! نعم سبقه في نسبة التناسخ إلى السيد ابن حزم الأندلسي في " الفصل " وقد عرفت ابن حزم ونزعاته في الجزء الأول ص 323 - 339. وأما القول بالرجعة فليس من سنخ القول بالتناسخ والحلول وقد نطق بها الكتاب والسنة كما فصل في طيات الكتب الكلامية وتضمنته التآليف التي أفردها أعلام الإمامية فيها، وقد عرف من وقف على أخبار السيد وشعره وحجاجه برائته عن كل ما نبذه به من سخافة إن لم يكن الدكتور ممن يرى أن التهالك في موالاة أهل البيت ومودتهم ومدحهم والذب عنهم سخافة.

حديثه مع من لم يتشيع

لم يكن يرى السيد لمناوئي العترة الطاهرة صلوات الله عليهم حرمة وقدرا، وكان يشدد النكير عليهم في كل موقف ويلفظهم بألسنة حداد بكل حول وطول، و

____________

(1) مثل ساير.

(2) مثل يضرب.


الصفحة 42


 

له في ذلك أخبار منها:

1 - عن محمد بن سهل الحميري عن أبيه قال: انحدر السيد الحميري في سفينة إلى الأهواز، فما رآه رجل في تفضيل علي عليه السلام وباهله على ذلك، فلما كان الليل قام الرجل ليبول على حرف السفينة، فدفعه السيد فغرقه، فصاح الملاحون:

غرق والله الرجل. فقال السيد: دعوه فإنه باهلي (1)

2 - إن السيد كان بالأهواز، فمرت به امرأة من آل الزبير تزف إلى إسماعيل ابن عبد الله بن العباس؟ وسمع الجلبة فسأل عنها فأخبر بها، فقال:

أتتنا تزف على بغلة * وفوق رحالتها قبه
زبيرية من بنات الذي * أحل الحرام من الكعبه (2)
تزف إلى ملك ماجد * فلا اجتمعا وبها الوجبة

فدخلت في طريقها إلى خربة للخلاء فنهشتها أفعى فماتت فكان السيد يقول:

لحقتها دعوتي.

3 - عن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر قال: خرج أهل البصرة يستسقون وخرج فيهم السيد وعليه ثياب خز وجبة ومطرف وعمامة فجعل يجر مطرفه ويقول:

إهبط إلى الأرض فخذ جلمدا * ثم ارمهم يا مزن بالجلمد
لا تسقهم من سبل قطرة * فإنهم حرب بني أحمد

4 - حدثني أبو سليمان الناجي قال: جلس المهدي يوما يعطي قريشا صلات لهم وهو ولي عهد، فبدأ ببني هاشم بسائر قريش فجاء السيد فرفع إلى الربيع - حاجب المنصور - رقعة محتومة وقال: إن فيها نصيحة للأمير فأوصلها إليه. فأوصلها، فإذا فيها:

قل لابن عباس سمي محمد * لا تعطين بني عدي درهما
أحرم بني تيم بن مرة إنهم * شر البرية آخرا ومقدما

____________

(1) الظاهر: باهلني.

(2) يعني عبد الله بن الزبير وقد تحصن بالبيت الحرام وقاتل به.


الصفحة 43


 

إن تعطهم لا يشكروا لك نعمة * ويكافئوك بأن تذم وتشتما
وإن إئتمنتهم أو استعملتهم * خانوك واتخذوا خراجك مغنما
ولئن منعتهم لقد بدءوكم * بالمنع إذ ملكوا وكانوا أظلما
منعوا تراث محمد أعمامه * وابنيه وابنته عديلة مريما
وتأمروا من غير أن يستخلفوا * وكفى بما فعلوا هنالك مأثما
لم يشكروا لمحمد إنعامه * أفيشكرون لغيره إن أنعما؟!
والله من عليهم بمحمد * وهداهم وكسا الجنوب وأطعما
ثم انبروا؟؟ لوصيه ووليه * بالمنكرات فجرعوه العلقما

قال: فرمى بها إلى أبي عبيد الله معاوية بن يسار الكاتب للمهدي ثم قال: اقطع العطاء.

فقطعه، وانصرف الناس، ودخل السيد إليه، فلما رآه ضحك وقال: قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل؟ ولم يعطهم شيئا.

5 - عن سويد بن حمدان بن الحصين قال: كان السيد يختلف إلينا ويغشانا، فقام من عندنا ذات يوم فخلفه رجل وقال: لكم شرف وقدر عند السلطان فلا تجالسوا هذا فإنه مشهور بشرب الخمر وشتم السلف. فبلغ ذلك السيد فكتب إليه:

وصفت لك الحوض يا بن الحصين * على صفة الحارث الأعور (1)
فإن تسق منه غدا شربة * تفز من نصيبك بالأوفر
فمالي ذنب سوى أنني * ذكرت الذي فر عن خيبر
ذكرت امرأ فر عن مرحب * فرار الحمار من القسور
فأنكر ذاك جليس لكم * زنيم أخو خلق أعور
لحاني بحب إمام الهدى * وفاروق أمتنا الأكبر
سأحلق لحيته إنها * شهود على الزور والمنكر

قال: فهجر والله مشايخنا جميعا ذلك ولزموا محبة السيد ومجالسته. الأغاني 7 ص 250 - 254.

____________

(1) هو الحارث الأعور الهمداني المتوفى سنة 65 من مقدمي أصحاب أمير المؤمنين يأتي ذكره في ترجمة والد شيخنا البهائي في شعراء القرن العاشر.

 


الصفحة 44


 

6 - عن معاذ بن سعد الحميري قال: شهد السيد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله عند سوار القاضي بشهادة، فقال له: ألست إسماعيل بن محمد الذي يعرف بالسيد؟

فقال: نعم. فقال له: كيف أقدمت على الشهادة عندي وأنا أعرف عداوتك للسلف؟ فقال السيد: قد أعاذني الله من عداوة أولياء الله وإنما هو شيئ لزمني. ثم نهض فقال له:

قم يا رافضي؟ فوالله ما شهدت بحق. فخرج السيد رحمه الله وهو يقول:

أبوك ابن سارق عنز النبي * وأنت ابن بنت أبي جحدر
ونحن على رغمك الرافضون * لأهل الضلالة والمنكر

ثم عمل شعرا وكتبه في رقعة وأمر من ألقاها في الرقاع بين يدي سوار. قال:

فأخذ الرقعة سوار فلما وقف عليها وخرج إلى أبي جعفر المنصور وكان قد نزل الجسر الأكبر ليستعدي على السيد فسبقه السيد إلى المنصور فأنشأ قصيدته التي يقول فيها: (1).

يا أمين الله يا منـ * ـصور يا خير الولاة
إن سوار بن عبد اللـ * ـه من شر القضاة
نعثلي (2) جملي * لكم غير مواتي
جده سارق عنز * فجرة من فجرات
لرسول الله * والقاذفة بالمنكرات (3)
والذي كان ينادي * من وراء الحجرات (4)
يا هناة اخرج إلينا * إننا أهل هنات
فاكفنيه لا كفاه الله * شر الطارقات
سن فينا سننا كانت * مواريث الطغاة

____________

(1) أولها:

قم بنا يا صاح وأربع * في المغاني الموحشات

(2) قال الأستاذ العدوى في تعليقه على الأغاني 7 ص 261: نعثل في الأصل: اسم رجل يهودي من أهل المدينة، وقيل: نعثل: رجل لحياني (طويل اللحية) من أهل مصر. كان يشبه به عثمان رضي الله عنه إذا نيل منه.

(3) آخذنا هذا البيت من الأغاني 7 ص 261، والطبقات لابن المعتز ص 8.

(4) إشارة إلى نزول آية الحجرات في بني العنبر أجداد القاضي سوار.