الصفحة 45


 

فهجوناه ومن يهجو * يصب بالفاقرات (1)

قال: فضحك أبو جعفر المنصور وقال: نصبتك قاضيا فامدحه كما هجوته فأنشد رحمه الله يقول:

إني امرؤ من حمير أسرتي * بحيث تحوي سروها حمير
آليت لا أمدح ذا نائل * له سناء وله مفخر
إلا من الغر بني هاشم * إن لهم عندي يدا تشكر
إن لهم عندي يدا شكرها * حق وإن أنكرها منكر
يا أحمد الخير الذي إنما * كان علينا رحمة تنشر
حمزة والطيار في جنة * فحيث ما شاء دعا جعفر
منهم وهادينا الذي نحن من * بعد عمانا فيه نستبصر
لما دجا الدين ورق الهدى * وجار أهل الأرض واستكبروا
ذاك علي بن أبي طالب * ذاك الذي دانت له خيبر
دانت وما دانت له عنوة * حتى تدهدا عرشه الأكبر
ويوم سلع إذ أتى عاتبا * عمرو بن عبد مصلتا يخطر
يخطر بالسيف مدلا كما * يخطر فحل الصرمة الدوسر (2)
إذ جلل السيف على رأسه * أبيض عضبا حده مبتر
فخر كالجذع وأوداجه * ينصب منها حلب أحمر

وكان أيضا مما جرى له مع سوار ما حدث به الحرث بن عبيد الله الربيعي، قال: كنت جالسا في مجلس المنصور وهو بالجسر الأكبر وسوار عنده والسيد ينشده:

إن الإله الذي لا شيئ يشبهه * آتاكم الملك للدنيا وللدين
آتاكم الله ملكا لا زوال له * حتى يقاد إليكم صاحب الصين
وصاحب الهند مأخوذ برمته * وصاحب الترك محبوس على هون

حتى أتى القصيدة والمنصور يضحك فقال سوار: هذا والله يا أمير المؤمنين؟ يعطيك

____________

(1) الفاقرة: الداهية الشديدة. هذا البيت أخذناه من طبقات ابن المعتز ص 7.

(2) الصرمة بالكسر: القطيعة من الإبل. الدوسر: الضخم الشديد.


الصفحة 46


 

بلسانه ما ليس في قلبه، والله إن القوم الذين يدين بحبهم لغيرك، وإنه لينطوي في عداوتكم. فقال السيد: والله إنه لكاذب وإنني في مديحكم لصادق، ولكنه حمله الحسد إذ رآك على هذه الحال، وإن انقطاعي ومودتي لكم أهل البيت لعرق لي فيها عن أبوي، وإن هذا وقومه لأعداؤكم في الجاهلية والاسلام، وقد أنزل الله عز وجل على نبيه عليه وآله السلام في أهل بيت هذا (1) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. (سورة الحجرات 4) فقال المنصور: صدقت. فقال سوار: يا أمير المؤمنين إنه يقول بالرجعة، ويتناول الشيخين بالسب والوقيعة فيهما. فقال السيد: أما قوله: باني أقول بالرجعة فإن قولي في ذلك على ما قال الله تعالى: و يوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (سورة النمل 83) و قد قال في موضع آخر: وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (سورة الكهف 47) فعلمت أن ها هنا حشرين أحدهما عام والآخر خاص. وقال سبحانه: ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (سورة غافر 11) وقال الله تعالى: فأماته الله مائة عام ثم بعثه (سورة البقرة 259) وقال الله تعالى: ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم (سورة البقرة 243) فهذا كتاب الله عز وجل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحشر المتكبرون في صور الذر يوم القيامة (2) وقال صلى الله عليه وآله: لم يجر في بني إسرائيل شئ إلا ويكون في أمتي مثله حتى المسخ والخسف و والقذف (3) وقال حذيفة: والله ما أبعد أن يمسخ الله كثيرا من هذه الأمة قردة و خنازير (4) فالرجعة التي نذهب إليها ما نطق به القرآن وجاءت به السنة. وإنني لاعتقد أن الله تعالى يرد هذا - يعني سوارا - إلى الدنيا كلبا أو قردا أو خنزيرا أو ذرة فإنه والله متجبر متكبر كافر. قال: فضحك المنصور وأنشد السيد يقول:

____________

(1) راجع تفسير الخازن 4 ص 174.

(2) أخرجه الترمذي والنسائي والمنذري في الترغيب والترهيب 3 ص 225، وابن الدبيع في تيسير الوصول 4 ص 151.

(3) راجع سنن ابن ماجة 2 ص 503.

(4) راجع سنن ابن ماجة 2 ص 489، والترغيب والترهيب 3 ص 107.


الصفحة 47


 

جاثيث سوارا أبا شملة * عند الإمام الحاكم العادل
فقال قولا خطأ كله * عند الورى الحافي والنائل
ما ذب عما قلت من وصمة * في أهله بل لج في الباطل
وبان للمنصور صدقي كما * قد بان كذب الأنوك الجاهل
يبغض ذا العرش ومن يصطفي * من رسله بالنير الفاضل
ويشنأ الحبر الجواد الذي * فضل بالفضل على الفاضل
ويعتدي بالحكم في معشر * أدوا حقوق الرسل للراسل
فبين الله تزاويقه * فصار مثل الهائم الهائل

قال: فقال المنصور: كف عنه. فقال السيد: يا أمير المؤمنين البادي أظلم يكف عني حتى أكف عنه. فقال المنصور لسوار: تكلم بكلام فيه نصفة، كف عنه حتى لا يهجوك. الفضول المختارة 1 ص 61 - 64.

وروى أبو الفرج للسيد مما أنشده المنصور في سوار القاضي قوله:

قل للإمام الذي ينجى بطاعته * يوم القيامة من بحبوحة النار
لا تستعينن جزاك الله صالحه * يا خير من دب في حكم بسوار
لا تستعن بخبيث الرأي ذي صلف * جم العيوب عظيم الكبر جبار
تضحي الخصوم لديه من تجبره * لا يرفعون إليه لحظ أبصار
تيها وكبرا ولولا ما رفعت له * من ضبعه كان عين الجائع العاري

فدخل سوار، فلما رآه المنصور تبسم وقال: أما بلغك خبر أياس (1) بن معاوية حيث قبل شهادة الفرزدق واستزاد في الشهود، فما أحوجك للتعريض للسيد ولسانه ثم أمر السيد بمصالحته وأمره بأن يصير إليه معتذرا ففعل فلم يعذره، فقال:

أتيت دعي بني العنبر * أروم اعتذارا فلم أعذر
فقلت لنفسي وعاتبتها * على اللؤم في فعلها: أقصري
أيعتذر الحر مما أتى * إلى رجل من بني العنبر؟!

____________

(1) هو أياس بن معاوية بن قرة المزني البصري ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء البصرة توفي سنة 122، وحديث قبوله شهادة الفرزدق يوجد في الأغاني 11 ص 50 طبع 19 ص 50 طبع بولاق

 


الصفحة 48


 

أبوك ابن سارق عنز النبي * وأمك بنت أبي جحدر
ونحن على رغمك الرافضون * لأهل الضلالة والمنكر

قال: وبلغ السيد أن سوار قد أعد جماعة يشهدون عليه بسرقة ليقطعه، فشكاه إلى أبي جعفر، فدعا بسوار وقال له: قد عزلتك عن الحكم للسيد أو عليه، فما تعرض له بسوء حتى مات.

7 - عن إسماعيل بن الساحر قال: تلاحى رجلان من بني عبد الله بن دارم في المفاضلة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فرضيا بحكم أول من يطلع فطلع السيد، فقاما إليه وهما لا يعرفانه، فقال له مفضل علي بن أبي طالب عليه السلام منهما: إني وهذا اختلفنا في خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: علي بن أبي طالب. فقطع السيد كلامه ثم قال: وأي شيئ قال هذا الآخر ابن الزانية؟! فضحك من حضر ووجم الرجل ولم يحر جوابا. الأغاني ج 7 ص 241، وطبقات الشعراء لابن المعتز ص 7 عن محمد بن عبد الله السدوسي عن السيد نفسه.

8 - في كتاب الحيوان للجاحظ ج 1 ص 91 شبه السيد ابن محمد الحميري عائشة رضي الله عنها في نصبها الحرب يوم الجمل لقتال بنيها بالهرة حين تأكل أولادها فقال:

جاءت مع الأشقين في هودج * تزجى إلى البصرة أجنادها
كأنها في فعلها هرة * تريد أن تأكل أولادها

أخباره وملحه

روى أبو الفرج وغيره شطرا وافيا من أخبار السيد وملحه ونوادره لو جمعت ليأتي كتابا ونحن نضرب عن ذكر جميعها صفحا ونقتصر منها بنبذة يسع لذكرها المجال.

1 - روى أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 250 بإسناده عن رجل قال: كنت أختلف إلى إبني قيس، وكانا يرويان عن الحسن (1) فلقيني السيد يوما وأنا منصرف من عندهما، فقال: أرني ألواحك أكتب فيها شيئا وإلا أخذتها فمحوت ما فيها. فأعطيته ألواحي فكتب فيها.

____________

(1) هو أبو سعيد الحسن بن أبي يسار البصري المتوفى 110، قال ابن أبي الحديد: كان ممن قيل: إنه يبغض عليا عليه السلام ويذمه.

 


الصفحة 49


 

لشربة من سويق عند مسغبة * وأكلة من ثريد لحمه واري
أشد مما روى حبا إلي بنو * قيس ومما روى صلت بن دينار
مما رواه فلان عن فلانهم * داك الذي كان يدعوهم إلى النار

2 - جلس السيد يوما إلى قوم فجعل ينشدهم وهم يلغطون. فقال:

قد ضيع الله ما جمعت من أدب * بين الحمير وبين الشاء والبقر
لا يسمعون إلى قول أجيئ به * وكيف تستمع الأنعام للبشر؟!
أقول ما سكتوا: إنس فإن نطقوا * قلت: الضفادع بين الماء والشجر

3 - اجتمع السيد في طريقه بامرأة تميمية إباضية، فأعجبها وقالت: أريد أن أتزود بك ونحن على ظهر الطريق. قال: يكون كنكاح أم خارجة قبل حضور ولي وشهود، فاستضحكت وقالت: ننظر في هذا، وعلى ذلك فمن أنت؟ فقال:

إن تسأليني بقومي تسألي رجلا * في ذروة العز من أحياء ذي يمن
حولي بها ذو كلاع في منازلها * وذو رعين وهمدان وذو يزن
والأزد أزد عمان الأكرمون إذا * عدت مآثرهم في سالف الزمن
بانت كريمتهم عني فدارهم * داري وفي الرحب من أوطانهم وطني
لي منزلان بلحج منزل وسط * منها ولي منزل للعز في عدن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة به * من كبة النار للهادي أبي حسن

فقالت: قد عرفناك ولا شيئ أعجب من هذا يمان وتميمية، ورافضي وإباضية، فكيف يجتمعان؟ فقال: بحسن رأيك في، تخسو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا. قالت: أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور، وظهرت خفيات الأمور؟؟!! قال: أعرض عليك أخرى. قالت: ما هي؟ قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد. قالت: تلك أخت الزنا. قال: أعيذك بالله أن تكفري بالقرآن بعد الإيمان. قالت: فكيف؟ قال: قال الله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة). فقالت: ألا تستخير الله وأقلدك إن كنت صاحب قياس؟! قال: قد فعلت. فانصرفت معه وبات معرسا بها، وبلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعدوها بالقتل وقالوا: تزوجت بكافر؟! فجحدت ذلك ولم يعلموا بالمتعة. فكانت

 


الصفحة 50


 

مدة تختلف إليه على هذه السبيل من المتعة وتواصله حتى افترقا.

* (قول السيد) *

في صدر القصة: يكون كنكاح أم خارجة: إيعاز إلى المثل الساير: أسرع من نكاح أم خارجة. يضرب به في السرعة، وأم خارجة هي عمرة بنت سعد بن عبد الله بن قدار بن ثعلبة كان يأتيها الخاطب فيقول: خطب. فتقول: نكح.

فيقول: انزلي. فتقول: أنخ. قال المبرد: ولدت أم خارجة للعرب في نيف وعشرين حيا من آباء متفرقة، وكانت هي إحدى النساء اللاتي إذا تزوجت واحدة الرجل فأصبحت عنده كان أمرها إليها إن شاءت أقامت وإن شاءت ذهبت، وعلامة ارتضائها للزوج أن تعالج له طعاما إذا أصبح.

4 - قال علي بن المغيرة: كنت مع السيد على باب عقبة بن سلم ومعنا ابن لسليمان ابن علي ننتظره وقد أسرج له ليركب، إذ قال ابن سليمان بن علي يعرض بالسيد:

أشعر الناس والله الذي يقول:

محمد خير من يمشي على قدم * وصاحباه وعثمان بن عفانا

فوثب السيد وقال: أشعر والله منه الذي يقول:

سائل قريشا إذا ما كنت ذاعمه * من كان أثبتها في الدين أوتادا؟!
من كان أعلمها علما؟! وأحلمها * حلما؟! وأصدقها قولا وميعادا؟!
إن يصدقوك فلن يعدو أبا حسن * إن أنت لم تلق للأبرار حسادا

ثم أقبل على الهاشمي فقال: يا فتى؟ نعم الخلف أنت لشرف سلفك، أراك تهدم شرفك، وتثلب سلفك، وتسعى بالعدواة على أهلك، وتفضل من ليس أصلك من أصله على من فضلك من فضله، وسأخبر أمير المؤمنين عنك بذا حتى يضعك، فوثب الفتى خجلا ولم ينتظر عقبة بن سلم. وكتب إليه صاحب خبره بما جرى عند الركوبة حتى خرجت الجائزة للسيد.

5 - روى أبو سليمان الناجي: أن السيد قدم الأهواز وأبو بجير بن سماك الأسدي يتولاها وكان له صديقا، وكان لأبي بجير مولى يقال له يزيد بن مذعور يحفظ شعر السيد وينشده أبا بجير، وكان أبو بجير يتشيع. فذهب السيد إلى قوم من إخوانه

 


الصفحة 51


 

بالأهواز فنزل بهم وشرب عندهم فلما أمسى إنصرف، فأخذه العسس (1) فحبس.

فكتب من غده بهذه الأبيات وبعث بها إلى يزيد بن مذعور، فدخل على أبي بجير و قال: قد جنى عليك صاحب عسسك ما لا قوام لك به. قال: وما ذلك؟! قال: اسمع هذه الأبيات كتبها السيد من الحبس، فأنشده يقول:

قف بالديار وحيها يا مربع * واسأل وكيف يجيب من لا يسمع؟!
إن الديار خلت وليس بجوها * إلا الضوايح والحمام الوقع
ولقد تكون بها أوانس كالدمى (2) * جمل وعزة والرباب ويوزع
حور نواعم لا ترى في مثلها * أمثالهن من الصيانة أربع
فعرين بعد تألف وتجمع * والدهر - صاح - مشتت ما تجمع
فاسلم فإنك قد نزلت بمنزل * عند الأمير تضر فيه وتنفع
تأتي هواك إذا نطقت بحاجة * فيه وتشفع عنده فيشفع
قل للأمير إذا ظهرت بخلوة * منه ولم يك عنده من يسمع
: هب لي الذي أحببته في أحمد * وبنيه إنك حاصد ما تزرع
يختص آل محمد بمحبة * في الصدر قد طويت عليها الأضلع

ويقول فيها:

قم يا بن مذعور فأنشد نكسوا * خضع الرقاب بأعين لا ترفع
لولا حذار أبي بجير أظهروا * شنآنهم وتفرقوا وتصدعوا
لا تجزعوا فلقد صبرنا فاصبروا * سبعين عاما والأنوف تجدع
إذ لا يزال يقوم كل عروبة (3) * منكم بصاحبنا خطيب مصقع
مستحفز في غيه متتابع * في الشتم مثله بخيل يسجع
ليسر مخلوقا ويسخط خالقا * إن الشقي بكل شر مولع

فلما سمعها أبو بجير دعا صاحب عسسه فشتمه وقال: جنيت علي ما لا يدلى

____________

(1) جمع العاس من عس عسا: طاف بالليل يحرس الناس.

(2) الدمى ج الدمية: الصورة المزينة فيها حمرة كالدم.

(3) يوم الجمعة كان يسمى قديما: يوم عروبة ويوم العروبة. والأفصح عدم إدخال الألف واللام.


الصفحة 52


 

به. إذهب صاغرا إلى الحبس وقل: أيكم أبو هاشم؟ فإذا أجابك فأخرجه واحمله على دابتك وامش معه صاغرا حتى تأتيني به. ففعل، فأبى السيد ولم يجبه إلى الخروج إلا بعد أن يطلق له كل من أخذ معه، فرجع إلى أبي بجير فأخبره، فقال: الحمد لله الذي لم يقل: أخرجهم وأعط كل واحد منهم مالا. فما كنا نقدر على خلافه، إفعل ما أحب برغم أنفك الآن. فمضى فخلى سبيله وسبيل كل من كان معه ممن أخذ في تلك الليلة، وأتى به إلى أبي بجير: فتناوله بلسانه وقال: قدمت علينا فلم تأتنا وأتيت بعض أصحابك الفساق، وشربت ما حرم عليك حتى جرى ما جرى. فاعتذر من ذلك إليه؟ فأمر له أبو بجير بجائزة سنية وحمله وأقام عنده مدة.

6 - قال أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 259: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا حاتم بن قبيصة قال: سمع السيد محدثا يحدث: إن النبي صلى الله عليه وآله كان ساجدا فركب الحسن والحسين على ظهره، فقال عمر رضي الله عنه: نعم المطي مطيكما. فقال النبي صلى الله عليه وآله: ونعم الراكبان هما. فانصرف السيد من فوره فقال في ذلك.

أتى حسن والحسين النبي * وقد جلسا حجره يلعبان
ففداهما ثم حياهما * وكانا لديه بذاك المكان
فراحا وتحتهما عاتقاه * فنعم المطية والراكبان
وليدان أمهما برة * حصان مطهرة للحسان
وشيخهما ابن أبي طالب * فنعم الوليدان والوالدان
خليلي لا ترجيا واعلما * بأن الهدى غير ما تزعمان
وأن عمى الشك بعد اليقين * وضعف البصيرة بعد العيان
ضلال فلا تلججا فيهما * فبئست لعمر كما الخصلتان
أيرجى علي إمام الهدى * وعثمان ما أعند المرجيان
ويرجى ابن حرب وأشياعه * وهوج الخوارج بالنهروان
يكون إمامهم في المعاد * خبيث الهوى مؤمن الشيصبان (1)

____________

(1) الشيصبان: اسم الشيطان.

 


الصفحة 53


 

وذكر ابن المعتز في طبقاته ص 8 أبياتا من دون ذكر الحديث وهي:

أتى حسنا والحسين الرسول * وقد برزوا ضحوة يلعبان (1)
وضمهما وتفداهما * وكان لديه بذاك المكان
وطأطأ تحتهما عاتقيه * فنعم المطية والراكبان

وذكر المرزباني في أخبار السيد ستة أبيات منها ولم يذكر الحديث وزاد:

جزى الله عنا بني هاشم * بإنعام أحمد أعلى الجنان
فكلهم طيب طاهر * كريم الشمائل حلو اللسان

* (قال الأميني) *:

هذه القصيدة تتضمن أحاديث وردت في الإمامين السبطين وقد تلفت جملة من أبياتها فقوله:

أتى حسن والحسين النبي * وقد جلسا حجره يلعبان

إشارة إلى ما أخرجه الطبراني وابن عساكر في تاريخه 4 ص 314 عن أبي أيوب الأنصاري قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله والحسن والحسين يلعبان بين يديه في حجره فقلت: يا رسول الله؟ أتحبهما؟! فقال: كيف لا أحبهما؟! وهما ريحانتي من الدنيا أشمهما.

وعن جابر: قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما فقلت: نعم الجمل جملكما. فقال: نعم الراكبان هما. وفي لفظ:

دخلت عليه والحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما على أربع يقول صلى الله عليه وآله: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما. أخرجه ابن عساكر في تاريخ الشام 4 ص 207.

وقوله:

أتى حسنا والحسين الرسول * وقد برزوا ضحوة يلعبان

وبعده من أبيات إشارة إلى ما أخرجه الطبراني عن يعلى بن مرة وسلمان قالا : كنا حول النبي صلى الله عليه وآله فجاءت أم أيمن فقالت: يا رسول الله؟ لقد ضل الحسن و الحسين وذلك راد النهار. يقول: ارتفاع النهار. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قوموا فاطلبوا إبني وأخذ كل رجل تجاه وجهة وأخذت نحو النبي صلى الله عليه وآله فلم يزل حتى أتى سفح جبل وإذا الحسن والحسين يلتزق كل واحد منهما صاحبه وإذا شجاع على ذنبه

 


الصفحة 54


 

يخرج من فيه شبه النار فأسرع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فالتفت مخاطبا لرسول الله صلى الله عليه وآله ثم انساب فدخل بعض الأحجرة ثم أتاهما فأفرق بينهما ومسح وجوههما وقال: بأبي وأمي أنتما ما أكرمكما على الله. ثم حمل أحدهما على عاتقه الأيمن والآخر على عاتقه الأيسر فقلت: طوبا لكما نعم المطية مطيتكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ونعم الراكبان هما وأبوهما خير منهما. الجامع الكبير للسيوطي كما في ترتيبه 7 ص 106.

وأخرج ابن عساكر في تاريخه 4 ص 317 عن عمر: قال: رأيت الحسن والحسين على عاتقي النبي فقلت: نعم الفرس راحلتكما. وفي لفظ ابن شاهين في السنة: نعم الفرس تحتكما: فقال النبي صلى الله عليه وآله: ونعم الفارسان هما.

7 - عن سليمان بن أرقم قال: كنت مع السيد فمر بقاص على باب أبي سفيان ابن العلاء وهو يقول: يوزن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم القيامة في كفة بأمته أجمع فيرجح بهم، ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح، ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح، فأقبل على أبي سفيان فقال: لعمري إن رسول الله صلى الله عليه وآله ليرجح على أمته في الفضل، والحديث حق، وإنما رجح الآخران الناس في سيئاتهم، لأن من سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها (1) قال: فما أجابه أحد فمضى فلم يبق أحد من القوم إلا سبه. [الأغاني 7 ص 271].

8 - عن محمد بن كناسة قال: أهدى بعض ولاة الكوفة إلى السيد رداءا عدنيا، فكتب إليه السيد فقال:

وقد أتانا رداء من هديتكم * فلا عدمتك طول الدهر من وال
هو الجمال جزاك الله صالحة * لو أنه كان موصولا بسربال

فبعث إليه بخلعة تامة وفرس جواد وقال: يقطع عتاب أبي هاشم واستزادته إيانا.

9 - روى المرزباني مسندا عن الحرث بن عبيد الله بن الفضل قال: كنا عند المنصور فأمر بإحضار السيد فحضر قال: أنشدني مدحك لنا في قصيدتك الميمية التي أولها:

أتعرف دارا عفى رسمها * .  .  .  .  .  .     

____________

(1) أخرج حديث: من سن. ابن ماجة في سننه 1 ص 90 ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم.

 


الصفحة 55


 

ودع التشبيب. فأنشده وقال:

فدع ذا وقل في بني هاشم * فإنك بالله تستعصم
بني هاشم حبكم قربة * وحبكم خير ما يعلم
بكم فتح الله باب الهدى * كذاك غدا بكم يختم
ألام وألقى الأذى فيكم * ألا لائمي فيكم ألوم
وما لي ذنب يعدونه * سوى أنني بكم مغرم
وإني لكم وامق ناصح * وإني بحبكم معصم
فأصبحت عندهم مأثمي * مآثر فرعون أو أعظم
فلا زلت عندكم مرتضى * كما أنا عندهم متهم
جعلت ثنائي ومدحي لكم * على رغم أنف الذي يرغم

فقال له المنصور: أظنك أوديت في مدحنا كما أودى حسان بن ثابت في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وما أعرف هاشميا إلا ولك عليه حق. والسيد يشكره وهو يكلمه بكلام من وصفه ما سمعته يقول لأحد مثله.

10 - روى المرزباني في أخبار السيد بإسناده عن جعفر بن سليمان قال: كنا عند المنصور فدخل عليه السيد فقال له: أنشدني قصيدتك التي تقول فيها:

ملك ابن هند وابن أروى قبله * ملكا أمر بحله الابرام
وأضاف ذاك إلى يزيد ملكه * إثم عليه في الورى وغرام
أخزى الإله بني أمية إنهم * ظلموا العباد بما أتوه وحاموا
نامت جدودهم وأسقط نجمهم * والنجم يسقط والجدود تنام
جزعت أمية من ولاية هاشم * وبكت ومنهم قد بكى الاسلام
إن يجزعوا فلقد أتتهم دولة * وبها تدوم عليكم الأيام
فلكم يكون بكل شهر أشهر * وبكل عام واحد أعوام
يا رهط أحمد إن من أعطاكم * ملك الورى وعطاؤه أقسام
رد الوراثة والخلافة فيكم * وبنوا أمية صاغرون رغام
لمتمم لكم الذي أعطاكم * ولكم لديه زيادة وتمام

 


الصفحة 56


 

أنتم بنو عم النبي عليكم * من ذي الجلال تحية وسلام
وورثتموه وكنتم أولى به * إن الولاء تحوزه الأرحام
ما زلت أعرف فضلكم ويحبكم * قلبي عليه وإنني لغلام
أوذى وأشتم فيكم ويصيبني * من ذي القرابة جفوة وملام
حتى بلغت مدى المشيب فأصبحت * مني القرون كأنهن ثغام (1)

قال: فرأيت المنصور يلقمه من كل شيئ كان بين يديه ويقول: شكرا لله و لك يا إسماعيل حبك لأهل البيت صلى الله عليهم، ومدحك لهم، وجزاك عنا خيرا، يا ربيع إدفع إلى إسماعيل فرسا وعبدا وجارية وألف درهم واجعل الألف له في كل شهر.

11 - عن الجاحظ عن إسماعيل الساحر قال: كنت أسقي السيد الحميري وأبا دلامة فسكر السيد وغمض عينيه حتى حسبناه نام فجاءت بنت لأبي دلامة قبيحة الصورة فضمها إليه ورقصها وهو يقول:

ولم ترضعك مريم أم عيسى * ولم يكفلك لقمان الحكيم

ففتح السيد عينه وقال:

ولكن قد تضمك أم سوء * إلى لباتها وأب لئيم

" لسان الميزان 1 ص 438 "

12 - روى شيخ الطايفة كما في أمالي ولده ص 124 بإسناده عن محمد بن جبلة الكوفي قال: اجتمع عندنا السيد بن محمد الحميري وجعفر بن عفان الطائي (1) فقال له السيد: ويحك أتقول في آل محمد عليهم السلام شرا:

ما بال بيتكم يخرب سقفه * وثيابكم من أرزل الأثواب؟!؟!

فقال جعفر: فما أنكرت من ذلك؟ فقال له السيد: إذا لم تحسن المدح فاسكت أيوصف آل محمد بمثل هذا؟! ولكني أعذرك هذا طبعك وعلمك ومنتهاك وقد قلت

____________

(1) الثغام: شجر أبيض الزهر واحدته: ثغامة. يقال: صار الراس ثاغما. أي أبيض.

(2) أبو عبد الله المكفوف من شعراء الكوفة له في أهل البيت مراثي استنشدها الإمام الصادق صلوات الله عليه.


الصفحة 57


 

أنحو عنهم عار مدحك:

أقسم بالله وآلائه * والمرء عما قال مسئول
إن علي بن أبي طالب * على التقى والبر مجبول
وإنه كان الإمام الذي * له على الأمة تفضيل
يقول بالحق ويعني به * ولا تلهيه الأباطيل
كان إذا الحرب مرتها القنا * وأحجمت عنها البهاليل
يمشي إلى القرن وفي كفه * أبيض ماضي الحد مصقول
مشي العفرني (1) بين أشباله * أبرزه للقنص (2) ألغيل (3)
ذاك الذي سلم في ليلة * عليه ميكال وجبريل
ميكال في ألف وجبريل في * ألف ويتلوهم سرافيل
ليلة بدر مددا أنزلوا * كأنهم طير أبابيل
فسلموا لما أتوا حذوه * وذاك إعظام وتبجيل

كذا يقال فيه يا جعفر؟ وشعرك يقال مثله لأهل الخصاصة والضعف. فقبل جعفر رأسه وقال: أنت والله الراس يا أبا هاشم. ونحن الأذناب. وهذا الحديث رواه أبو جعفر الطبري في الجزء الثاني من " بشارة المصطفى " عن الشيخ أبي علي ابن شيخ الطايفة عن أبيه بإسناده.

خلفاء عصره:

أدرك السيد عشرا من الخلفاء: خمسة من بني أمية وخمسة من بني العباس وهم:

1 - هشام بن عبد الملك المتوفى 125 عن خلافة 19 سنة و 9 شهرا. ولد السيد في أول خلافته.

2 - وليد بن يزيد بن عبد الملك المقتول 126.

3 - يزيد بن الوليد المتوفى 126 عن ملك ستة أشهر.

____________

(1) يقال: أسد عفرني. أي: شديد.

(2) قنص الطير قنصا: صاده. والقنص بفتح القاف والنون: المصيدة.

(4) الغيل: الأجمة. موضع الأسد ج أغيال وغيول.


الصفحة 58


 

4 - إبراهيم بن الوليد المتوفى 127 عن ملك ثلاثة أشهر.

5 - مروان بن محمد بن مروان الحكم المقتول 132 وبه انقرضت دولتهم.

6 - السفاح أول من تسنم بالملك من بني العباس سنة 132 توفي 136 وللسيد فيه شعر يوجد في الأغاني، وفوات الوفيات، وشرح النهج لابن أبي الحديد 2 ص 214. وكانت جراية السيد منه كل سنة جارية ومن يخدمها، وبدرة دراهم وحاملها، وفرسا وسائسها، وتختا من صنوف الثياب وحامله.

7 - المنصور المتوفى 158 وكان حسن الحال عنده يطلق لسانه بما أراد، و كانت جرايته للسيد كل شهر ألف درهم.

8 - المهدي بن المنصور المتوفى 169 تورع عنه السيد في أول خلافته وهجاه فأخذ واعتذر فرضي عنه فمدحه. مر بعض أخباره معه.

9 - الهادي بن المهدي المتوفى 170.

10 - الرشيد المتوفى 193 بعد ملك 23 عاما مدحه السيد بقصيدتين فأمر له ببدرتين ففرقهما فبلغ ذلك الرشيد فقال: أحسب أبا هاشم تورع عن قبول جوائزنا.

قال المرزباني في أخبار السيد: لما ولي الرشيد رفع إليه في السيد أنه رافضي فأحضره فقال: إن كان الرافضي هو الذي يحب بني هاشم ويقدمهم على سائر الخلق فما أعتذر منه ولا أزول عنه، وإن كان غير ذلك فما أقول به ثم أنشد:

شجاك الحي إذ بانوا * فدمع العين هتان
كأني يوم ردوا العيس * للرحلة نشوان
وفوق العيس إذ ولوا * بها حور وغزلان
إذا ما قمن فالإعجاز * في التشبيه كثبان
وما جاوز للأعلى * فأقمار وأغصان

ومنها:

علي وأبو ذر * ومقداد وسلمان
وعباس وعمار * وعبد الله إخوان
دعوا فاستودعوا علما * فأدوه ما خانوا

 


الصفحة 59


 

أدين الله ذا العزة * بالدين الذي دانوا
وعندي فيه إيضاح * عن الحق وبرهان
وما يجحد ما قد قلـ * ـت في السبطين إنسان
وإن أنكر ذو النصب * فعندي فيه عرفان
وإن عدوه لي ذنبا * وحال الوصل هجران
فلا كان لهذا الذنب * عند القوم غفران
وكم عدت إساءات * لقوم وهي إحسان
وسري فيه يا داعي * دين الله إعلان
فحبي لك إيمان * وميلي عنك كفران
فعد القوم ذا رفضا * فلا عدوا ولا كانوا

قال: فألطف له الرشيد ووصله جماعة من بني هاشم.

صفته في خلقته

كان السيد الحميري أسمر، تام القامة، أشنب (1) ذا وفرة (2)، جميل الوجه، رحيب الجبهة، عريض ما بين السالفتين، حسن الألفاظ، جميل الخطاب، إذا تحدث في مجلس قوم أعطى كل رجل في المجلس نصيبه من حديثه، وكان من أظرف الناس.

قال شيبان بن محمد الحراني - وكان يلقب بعوضة من سادات الأزد -: كان السيد جاري وكان أدلم وكان ينادم فتيانا من فتيان الحي فيهم فتى مثله أدلم غليظ الأنف والشفتين مزنج الخلقة. وكان السيد من أنتن الناس إبطين وكانا يتمازحان فيقول له السيد: أنت زنجي الأنف والشفتين. ويقول الفتى للسيد: أنت زنجي اللون والإبطين. فقال السيد:

أعارك يوم بعناه رباح (3) مشافره وأنفك ذا القبيحا

وكانت حصتي إبطي منه * ولونا حالكا أمسى فضوحا

____________

(1) الشنب: البياض والبريق والتحديد في الأسنان.

(2) الوفرة: ما جاود شحمة الأذنين من الشعر.

(3) من أسماء العبيد.