العبدي الكوفي

 

هل في سؤالك رسم المنزل الخرب * برء لقلبك من داء الهوى الوصب؟!
أم حره يوم وشك البين يبرده * ما استحدثته النوى من دمعك السرب؟!
هيهات أن ينفد الوجد المثير له * نأي الخليط الذي ولى ولم يؤب
يا رائد الحي حسب الحي ما ضمنت * له المدامع من ماء ومن عشب
ما خلت من قبل أن حالت نوى قذف * إن العيون لهم أهمى(*) من السحب
بانوا فكم أطلقوا دمعا وكم أسروا * لبا وكم قطعوا للوصل من سبب
من غادر لم أكن يوما أسر له * غدرا وما الغدر من شأن الفتى العربي
وحافظ العهد يبدي صفحتي فرح * للكاشحين(**) ويخفي وجد مكتئب
بانوا قبابا وأحبابا تصونهم * عن النواظر أطراف القنا السلب
وخلفوا عاشقا ملقى رمى خلسا * بطرفه خدر من يهوي فلم يصب
لهفي لما استودعت تلك القباب وما * حجبن من قضب عنا ومن كثب
من كل هيفاء أعطاف هضيم حشا * لعسآء(***) مرتشف غراء منتقب
كأنما ثغرها وهنا وريقتها * ما ضمت الكاس من راح ومن حبب
وفي الخدور بدور لو برزن لنا * بردن كل حشا بالوجد ملتهب
وفي حشاي غليل بات يضرمه * شوق إلى برد ذاك الظلم والشنب (1)
يا راقد اللوعة اهبب * من كراك فقد(****) بان الخليط ويا مضني الغرام ثب
أما وعصر هوى دب العزاء له * ريب المنون وغالته يد النوب

____________

(*) همى يهمي هميا: سال. العين: صبت دمعتها.

(**) كاشح فلانا كشاحا ومكاشحة وكشح له كشحا: عاداه.

(***) لعس: سواد مستحسن في الشفة.

(1) الظلم بالفتح: ماء الأسنان وبريقها. الشنب: بياض الأسنان وحسنها.

(****) أهبه من نومه: أيقظه.


الصفحة 2


 

لأشرقن (1) بدمعي إن نأت بهم * دار ولم أقض ما في النفس من إرب
ليس العجيب بأن لم يبق لي جلد * لكن بقائي وقد بانوا من العجب
شبت ابن عشرين عاما والفراق له * سهم متى يصب شمل الفتى يشب
ماهز عطفي من شوق إلى وطني * ولا اعتزاني من وجد ومن طرب
مثل اشتياقي من بعد ومنتزح * إلى الغري وما فيه من الحسب
أزكى ثرى ضم أزكى العالمين فذا * خير الرجال وهذا أشرف الترب
إن كان عن ناظري بالغيب محتجبا * فإنه عن ضميري غير محتجب

إلى أن يقول:

يا راكبا جسرة تطوي منا سمها * ملاءة البيد بالتقريب والجنب (2)
تقيد المغزل الادماء في صعد * وتطلح الكاسر الفتخاء في صبب (3)
تثني الرياح إذا مرت بغايتها * حسرى الطلائح بالغيطان والخرب
بلغ سلامي قبرا بالغري حوى * أوفى البرية من عجم ومن عرب
واجعل شعارك الله الخشوع به * وناد خير وصي صنو خير نبي
إسمع أبا حسن إن الأولى عدلوا * عن حكمك انقبلوا عن شر منقلب
ما بالهم نكبوا نهج النجاة؟! وقد * وضحته واقتفوا نهجا من العطب (4)
ودافعوك عن الأمر الذي اعتلقت * زمامه من قريش كف مغتصب
ظلت تجاذبها حتى لقد خرمت * خشاشها تربت من كف مجتذب (5)
وكان بالأمس منها المستقيل فلم * أرادها اليوم لو لم يأت بالكذب؟!

وأنت توسعه صبرا على مضض * والحلم أحسن ما يأتي مع الغضب

____________

(1) أشرقه بريقه: أي أغصه ومنه التنفس.

(29 جنبه جنبا جنبا: أبعده ونحاه.

(3) المغزل: من أغزلت الظبية إذا ولدت الغزال. الأدم من الظباء بيضا تعلوهن طرائق فيهن غبرة. طلح: أتعب وأعيى. الكاسر: العقاب. الفتخاء: اللينة الجناح. الصبب: ما انحدر من الأرض.

(4) العطب: الهلاك.

(5) خرم الخرزة: فصمها. شق وترة الأنف. الخشاشة: عود يجعل في أنف الجمل.


الصفحة 3


 

حتى إذا الموت ناداه فأسمعه * والموت داع متى يدع امرءا يجب
حبابها آخرا فأعتاض محتقبا (1) * منه بأفضع محمول ومحتقب
وكان أول من أوصى ببيعته * لك النبي ولكن حال من كثب
حتى إذا ثالث منهم تقمصها * وقد تبدل منها الجد باللعب
عادت كما بدأت شوهاء جاهلة * تجر فيها ذئاب اكلة الغلب
وكان عتها لهم في " خم " مزدجر * لما رقى أحمد الهادي على قتب
وقال والناس من دان إليه ومن * ثاو لديه ومن مصغ ومرتقب
: قم يا علي فإني قد أمرت بأن * أبلغ الناس والتبليغ أجدر بي
إني نصبت عليا هاديا علما * بعدي وإن عليا خير منتصب
فبايعوك وكل باسط يده * إليك من فوق قلب عنك منقلب
عافوك لا مانع طولا ولا حصر * قولا ولا لهج بالغش والريب
وكنت قطب رحى الاسلام دونهم * ولا تدور رحى إلا على قطب
ولا تماثلهم في الفضل مرتبة * ولا تشابههم في البيت والنسب
إن تلحظ القرن والعسال في يده * يظل مضطربا في كف مضطرب
وإن هززت قناة ظلت توردها * وريد ممتنع في الروع مجتنب
ولا تسل حساما يوم ملحمة * إلا وتحجبه في رأس محتجب
كيوم خيبر إذ لم يمتنع زفر * عن اليهود بغير الفر والهرب
فأغضب المصطفى إذ جر رايته * على الثرى ناكصا يهوي على العقب
فقال: إني سأعطيها غدا لفتى * يحبه الله والمبعوث منتجب
حتى غدوت بها جذلان تحملها * تلقاء أرعن من جمع العدى لجب (2)
جم الصلادم والبيض الصوارم والزرق * اللهاذم والماذي واليلب (3)

____________

(1) اعتاض: أخذ بدلا وخلفا. احتقب: أركبه وراءه.

(2) جذل وجذلان: فرح وفرحان. أرعن: أحمق. جيش لجب: ذو كثرة وجلبة.

(3) الصلادم ج الصلدم: الصلب. الأسد. الزرق: يكنى به عن الأسنة والنصال لما في لونها الزرقة. اللهاذم ج اللهذم: الحاد القاطع. الماذي: كل سلاح من الحديد. اليلب: الفولاذ وخالص الحديد.


الصفحة 4


 

فالأرض من لاحقيات مطهمة * والمستظل مثار القسطل الهدب
وعارض الجيش من نقع بوارقه * لمع الأسنة والهندية القضب
أقدمت تضرب صبرا تحته فغدا * يصوب مزنا ولو أحجمت لم يصب
غادرت فرسانه من هارب فرق * أو مقعص (1) بدم الأوداج مختضب
لك المناقب يعيى الحاسبون بها * عدا ويعجز عنها كل مكتتب
كرجعة الشمس إذ رمت الصلاة وقد * راحت توارى عن الأبصار بالحجب
ردت عليك كأن الشهب ما اتضحت * لناظر وكأن الشمس لم تغب
وفي براءة أنباء عجائبها * لم تطو عن نازج يوما ومقترب
وليلة الغار لما بت ممتلأ * أمنا وغيرك ملآن من الرعب
ما أنت إلا أخو الهادي وناصره * ومظهر الحق والمنعوت في الكتب
وزوج بضعته الزهراء يكنفها (2) * دون الورى وأبو أبنائه النجب
من كل مجتهد في الله معتضد * بالله معتقد لله محتسب
هادين للرشد إن ليل الضلال دجا * كانوا لطارقهم أهدى من الشهب
لقبت بالرفض لما إن منحتهم * ودي وأحسن ما ادعى به لقبي
صلاة ذي العرش تترى كل آونة * على ابن فاطمة الكشاف للكرب
وابنيه من هالك بالسم مخترم * ومن معفر خد في الثرى ترب
والعابد الزاهد السجاد يتبعه * وباقر العلم داني غاية الطلب
وجعفر وابنه موسى ويتبعه البر * الرضا والجواد العابد الدئب
والعسكريين والمهدي قائمهم * ذو الأمر لابس أثواب الهدى القشب
من يملأ الأرض عدلا بعد ما ملأت * جورا ويقمع أهل الزيغ والشغب
القائد البهم الشوس الكماة إلى * حرب الطغاة على قب الكلا الشزب (3)
أهل الهدى لا أناس باع بائعهم * دين المهيمن بالدنيا وبالرتب

____________

(1) قعصه وأقعصه. قتله مكانه.

(2) كنف الشيئ. صانه وحفظه وحاطه وضمه إليه.

(3) البهم ج البهمة: الشجاع. الشوس: الشديد الجرئ في القتال. القب: القطع.


الصفحة 5


 

لو أن أضغانهم في النار كامنة * لأغنت النار عن مذك ومحتطب
يا صاحب الكوثر الرقراق زاخرة * ذود النواصب عن سلساله العذب
قارعت منهم كماة في هواك بما * جردت من خاطر أو مقول ذرب
حتى لقد وسمت كلما جباههم * خواطري بمضاء الشعر والخطب
صحبت حبك والتقوى وقد كثرت * لي الصحاب فكانا خير مصطحب
فاستجل من خاطر العبدي آنسة * طابت ولوجا وزتك اليوم لم تطب
جاءت تمايل في ثوبي حيا وهدى * إليك حالية بالفضل والأدب
أتعبت نفسي في مدحيك عارفة * بأن راحتها في ذلك التعب

وذكر ابن شهر آشوب في " المناقب " 1 ص 181 ط ايران للعبدي قوله:

ما لعلي سوى أخيه * محمد في الورى نظير
فداه إذ أقبلت قريش * عليه في فرشه الأمير
وافاه في خم وارتضاه * خليفة بعده وزير

* (الشاعر) *

أبو محمد سفيان بن مصعب العبدي الكوفي. من شعراء أهل البيت الطاهر المتزلفين إليهم بولائه وشعره، المقبولين عندهم لصدق نيته وانقطاعه إليهم، وقد ضمن شعره غير يسير من مناقب مولانا أمير المؤمنين الشهيرة، وأكثر من مدحه ومدح ذريته الأطيبين وأطاب، وتفجع على مصائبهم ورثاهم على ما انتابهم من المحن، ولم نجد في غير آل الله له شعرا.

استنشده الإمام الصادق صلوات الله عليه شعره كما في رواية ثقة الاسلام الكليني في " روضة الكافي " بإسناده عن أبي داود المسترق عنه قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: قولوا لأم فروة: تجيئ فتسمع ما صنع بجدها. قال: فجاءت فقعدت خلف الستر ثم قال: فأنشدنا. قال: فقلت:

فر وجودي بدمعك المسكوب * .  .  .  .  . 

قال: فصاحت وصحن النساء فقال أبو عبد الله عليه السلام: الباب. فاجتمع أهل

 


الصفحة 6


 

المدينة على الباب قال: فبعث إليهم أبو عبد الله: صبي لنا غشي عليه فصحن النساء. و استنشد شعره الإمام أبا عمارة المنشد كما في " الكامل لابن قولويه " ص 105 بإسناده عن أبي عمارة قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا عمارة؟ أنشدني للعبدي في الحسين عليه السلام قال: فأنشدته فبكى ثم أنشدته فبكى ثم أنشدته فبكى. قال: فوالله ما زلت أنشده ويبكي حتى سمعت البكاء من الدار. الحديث.

عده شيخ الطايفة في رجاله من أصحاب الإمام الصادق ولم يك صحبته مجرد ألفة معه، أو محض اختلاف إليه، أو أن عصرا واحدا يجمعهما لكنه حظي بزلفة عنده منبعثة عن صميم الود وخالص الولاء، وإيمان لا يشوبه أي شائبة حتى أمر الإمام عليه السلام شيعته بتعليم شعره أولادهم وقال: إنه على دين الله. كما رواه الكشي في رجاله ص 254 بإسناده عن سماعة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا معشر الشيعة علموا أولادكم شعر العبدي فإنه على دين الله.

وينم عن صدق لهجته، واستقامة طريقته في شعره، وسلامة معانيه عن أي مغمز، أمر الإمام عليه السلام إياه بنظم ما تنوح به النساء في المأتم كما رواه الكشي في رجاله ص 254.

وكان يأخذ الحديث عن الصادق عليه السلام في مناقب العترة الطاهرة فينظمه في الحال ثم يعرضه عليه كما رواه ابن عياش في " مقتضب الأثر " عن أحمد بن زياد الهمداني قال: حدثني علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حدثني أبي عن الحسن بن علي سجاده عن أبان بن عمر ختن آل ميثم قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه سفيان بن مصعب العبدي قال: جعلني الله فداك ما تقول في قوله تعالى ذكره: و على الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم؟! (1) قال: هم الأوصياء من آل محمد الاثنى عشر لا يعرف الله إلا من عرفهم وعرفوه. قال: فما الأعراف جعلت فداك؟! قال: كثائب من مسك عليها رسول الله والأوصياء يعرفون كلا بسيماهم. فقال سفيان: أفلا أقول في ذلك شيئا؟! فقال من قصيدة:

أيا ربعهم هل فيك لي اليوم مربع؟! * وهل لليال كن لي فيك مرجع؟!

____________

(1) سورة الأعراف. آية 46.

 


الصفحة 7


 

يقول فيها: وأنتم ولاة الحشر والنشر والجزاء * وأنتم ليوم المفزع الهول مفزع
وأنتم على الأعراف وهي كثائب * من المسك رياها بكم يتضوع
ثمانية بالعرش إذ يحملونه * ومن بعدهم في الأرض هادون أربع

والقارئ إذا ضم بعض ما ذكرنا من حديث المترجم له إلى الآخر يقف على رتبة عظيمة له من الدين تقصر دون شأوها الوصف بالثقة، ويشاهد له في طيات الحديث والتأريخ حسن حال وصحة مذهب تفوق شؤون الحسان، فلا مجال للتوقف في ثقته كما فعله العلامة الحلي، ولا لعده من الحسان كما فعله غيره، ولا يبقى لنسبته إلى الطيارة [أي الغلو والارتفاع في المذهب] وزن كما رآه أبو عمر والكشي في شعره، ولم نجد في شعره البالغ إلينا إلا المذهب الصحيح، والولاء المحض لعترة الوحي، والتشيع الخالص عن كل شائبة سوء.

ويزيدك ثقة به واعتمادا عليه رواية مثل أبي داود المنشد سليمان بن سفيان المسترق المتسالم على ثقته عنه، وأبو داود هو شيخ الاثبات الأجلة نظراء الحسن بن محبوب، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، وعلي بن الحسين بن فضال.

كما أن إفراد مثل الحسين بن محمد بن علي الأزدي الكوفي المجمع على ثقته وجلالته تأليفه في أخبار المترجم له وشعره عده النجاشي في فهرسته ص 49 من كتبه يؤذن بموقفه الشامخ عند أعاظم المذهب، وينبؤ عن إكبارهم محله من العلم والدين.

نبوغه في الأدب والحديث

إن الواقف على شعر شاعرنا (العبدي) وما فيه من الجودة. والجزالة. و والسهولة. والعذوبة. والفخامة. والحلاوة. والمتانة. يشهد بنبوغه في الشعر، و تضلعه في فنونه، ويعترف له بالتقدم والبروز، ويرى ثناء الحميري سيد الشعراء عليه بأنه " أشعر الناس " من أهله في محله، روى أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 22 عن أبي داود المسترق سليمان بن سفيان: إن السيد والعبدي اجتمعا فأنشد السيد:

إني أدين بما دان الوصي به * يوم الخريبة (1) من قتل المحلينا

____________

(1) الخريبة: موضع موضع بالبصرة كانت به واقعة الجمل.

 


الصفحة 8


 

وبالذي دان يوم النهروان به * وشاركت كفه كفي بصفينا

فقال له العبدي: أخطأت، لو شاركت كفك كفه كنت مثله، ولكن قل:

تابعت كفه كفي، لتكون تابعا لا شريكا. فكان السيد بعد ذلك يقول: أنا أشعر الناس إلا العبدي.

والمتأمل في شعره يرى موقفه العظيم في مقدمي رجال الحديث، ومكثري حملته ويجده في الرعيل الأول من جامعي شتاته، وناظمي شوارده، ورواة نوادره، وناشري طرفه، ويشهد له بكثرة الدراية والرواية، ويشاهد همته العالية، وولعه الشديد في بث الأخبار المأثورة في آل بيت العصمة صلوات الله عليهم، وستقف على ذلك كله في ذكر نماذج شعره.

ولادته ووفاته:

لم نقف على تأريخي ولادة المترجم له ووفاته ولم نعثر على ما يقربنا إليهما إلا ما سمعت من روايته عن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام واجتماعه مع السيد الحميري المولود سنة 105 والمتوفى سنة 178 ومع أبي داود المسترق، وملاحظة تأريخي ولادة أبي داود المسترق الراوي عنه ووفاته يؤذننا بحياة شاعرنا العبدي إلى حدود سنة وفاة الحميري فإن أبا داود توفي 231 كما في فهرست النجاشي أوفي 230 كما في رجال الكشي (1) وعاش سبعين سنة كما ذكره الكشي، فيكون ولادة أبي داود سنة 161 على قول النجاشي و 160 على اختيار الكشي، وبطبع الحال كان له من عمره حين روايته عن المترجم أقل ما تستدعيه الراوية، فيستدعي بقاء المترجم أقلا إلى أواخر أيام الحميري، فما في أعيان الشيعة 1 ص 370 من كون وفاة المترجم في حدود سنة 120 قبل ولادة الراوي عنه أبي داود المسترق بأربعين سنة خال عن كل تحقيق وتقريب.

____________

(1) ما في نسخ الكشي من ذكر تأريخ وفاة أبي داود برقم 130 تصحيف 230، ويشهد بالتصحيف رواية طبقة أصحاب الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام عنه، وكذلك رواية الحسن بن محبوب المولود سنة 149 والمتوفى سنة 224، ورواية محمد بن الحسين بن أبي الخطاب المتوفى سنة 262.

 


الصفحة 9


 

ومن نماذج شعره:

إنا روينا في الحديث خبرا * يعرفه ساير من كان روى
إن ابن خطاب أتاه رجل * فقال: كم عدة تطليق الإما؟!
فقال: يا حيدر كم تطليقة * للأمة؟ اذكره فأومى المرتضى
بإصبعيه فثنى الوجه إلى * سائله قال: اثنتان وانثنى
قال له: تعرف هذا؟ قال: لا * قال له: هذا علي ذو العلا
وقد روى عكرمة في خبر * ما شك فيه أحد ولا امترى
مر ابن عباس على قوم وقد * سبوا عليا فاستراع وبكا
وقال مغتاظا لهم: أيكم * سب إله الخلق جل وعلا؟!
قالوا: معاذ الله قال: أيكم * سب رسول الله ظلما واجترا؟!
قالوا: معاذ الله قال: أيكم * سب عليا خير من وطئ الحصا؟!
قالوا: نعم قد كان ذا فقال: قد * سمعت والله النبي المجتبا
يقول: من سب عليا سبني * وسبتي سب الإله واكتفا
محمد وصنوه وابنته * وابنيه خير من تحفى واحتذا
صلى عليهم ربنا باري الورى * ومنشئ الخلق على وجه الثرى
صفاهم الله تعالى وارتضى * واختارهم من الأنام واجتبى
لولاهم الله ما رفع السما * ولا دحى الأرض ولا أنشا الورى
لا يقبل الله لعبد عملا * حتى يواليهم بإخلاص الولا
ولا يتم لامرء صلاته * إلا بذكراهم ولا يزكوا الدعا
لو لم يكونوا خير من وطئ الحصا * ما قال جبريل بهم تحت العبا
: هل أنا منكم؟! شرفا ثم علا * يفاخر الأملاك إذ قالوا: بلى
لو أن عبدا لقي الله بأعمـــــال جميع الخلق برا وتقى
ولم يكن والى عليا حبطت * أعماله وكب في نار لظى
وإن جبريل الأمين قال لي * عن ملكيه الكاتبين مذ دنا
إنهما ما كتبوا قط على الــــــطهر علي زلة ولا خنا

 


الصفحة 10


 

بيان ما حوته الأبيات من الحديث
مما أخرجه أعلام العامة

* (قوله) *

إنا روينا في الحديث خبرا * يعرف ساير من كان روى

أخرج الحافظ الدارقطني وابن عساكر: إن رجلين أتيا عمر بن الخطاب وسألاه عن طلاق الأمة، فقام معهما فمشى حتى أتى حلقة في المسجد فيها رجل أصلع فقال:

أيها الأصلع ما ترى في طلاق الأمة؟! فرفع رأسه إليه ثم أومى إليه بالسبابة و الوسطى، فقال لهما عمر: تطليقتان. فقال أحدهما: سبحان الله جئناك وأنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه أن أومى إليك. فقال لهما: تدريان من هذا؟! قالا: لا. قال: هذا علي بن أبي طالب أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله لسمعته وهو يقول: إن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعا في كفة ثم وضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي بن أبي طالب.

م - وفي لفظ الزمخشري: جئناك وأنت الخليفة فسألناك عن طلاق فجئت إلى رجل فسألته، فوالله ما كلمتك. فقال له عمر: ويلك أتدري من هذا؟ الحديث].

ونقله عن الحافظين: الدار قطني وابن عساكر] الكنجي في الكفاية ص 129 وقال:

هذا حسن ثابت. ورواه من طريق الزمخشري خطيب الحرمين الخوارزمي في المناقب ص 78، والسيد علي الهمداني في مودة القربى. وحديث الميزان رواه عن عمر محب الدين الطبري في " الرياض " 1 ص 244، والصفوري في " نزهة المجالس " 2 ص 240.

* (قوله) *:

وقد روى عكرمة في خبر * ما شك فيه أحد ولا امترا

أخرج أبو عبد الله الملا في سيرته عن ابن عباس: إنه مر بعد ما كف بصره على قوم يسبون عليا فقال لقائده: ما سمعت هؤلاء يقولون؟! قال: سبوا عليا. قال: ردني إليهم. فرده فقال: أيكم الساب لله عز وجل؟! قالوا: سبحان الله من سب الله فقد أشرك. قال: فأيكم الساب لرسول الله؟! قالوا: سبحان الله ومن سب رسول الله فقد كفر.

قال: أيكم الساب علي بن أبي طالب؟! قالوا: أما هذا فقد كان. قال: فأنا أشهد بالله

 


الصفحة 11


 

وأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله عز وجل ومن سب الله كبه الله على منخريه في النار. ثم ولى عنهم فقال لقائده:

ما سمعتهم يقولون؟! قال: ما قولوا شيئا. قال: فكيف رأيت وجوههم إذ قلت ما قلت؟! قال:

نظروا إليك بأعين محمرة * نظر التيوس إلى شفار الجازر

قال: زدني فداك أبوك. قال:

خزر العيون نواكس أبصارهم * نظر الذليل إلى العزيز القاهر

قال: زدني فداك أبوك. قال: ما عندي غير هذا قال: لكن عندي:

أحياؤهم عار على أمواتهم * والميتون فضيحة للغابر

وأخرجه محب الدين الطبري في " الرياض " 1 ص 166، والكنجي في " الكفاية " ص 27، وشيخ الاسلام الحموي في " الفرايد " في الباب السادس والخمسين، وابن الصباغ المالكي في " الفصول " ص 126.

* (قوله) *:

محمد وصنوه وابنته * وابنيه خير من تحفى واحتذا

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لما خلق الله تعالى آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه إلتفت آدم يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح سجدا وركعا قال آدم: هل خلقت أحدا من طين قبلي؟! قال: لا يا آدم قال: فمن هؤلاء الخمسة الأشباح الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟! قال: هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي لولاهم ما خلقت الجنة والنار، ولا العرش ولا الكرسي، ولا السماء ولا الأرض، ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا الاحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين، آليت بعزتي أن لا يأتيني أحد بمثقال ذرة من خردل من بغض أحدهم إلا أدخله ناري، ولا أبالي يا آدم؟ هؤلاء صفوتي بهم أنجيهم وبهم أهلكهم، فإذا كان لك إلي حاجة فبهؤلاء توسل. فقال النبي صلى الله عليه وآله: نحن سفينة النجاة من تعلق بها نجا، ومن حاد عنها هلك، فمن كان إلى الله حاجة، فليسأل بنا أهل البيت.

 


الصفحة 12


 

أخرجه شيخ الاسلام الحموي في الباب الأول من " فرايد السمطين ". وروى قريبا منه الخطيب الخوارزمي في " المناقب " ص 252. وحديث السفينة رواه الحاكم في المستدرك 3 ص 151 عن أبي ذر وصححه بلفظ: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وأخرجه الخطيب في تاريخه 12 ص 91 عن أنس. والبزار عن ابن عباس. وابن الزبير. وابن جرير، والطبراني عن أبي ذر و أبي سعيد الخدري. وأبو نعيم، وابن عبد البر، ومحب الدين الطبري. وكثيرون آخرون.

وأشار إليه الإمام الشافعي بقوله المأثور عنه في " رشفة الصادي " ص 24:

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجا * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمسكت حبل الله وهو ولائهم * كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل (1)

* (قوله) *:

لا يقبل الله لعبد عملا * حتى يواليهم بإخلاص الولا

عن ابن عباس في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله: لو أن رجلا صفن (2) بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار.

أخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص 149 وصححه والذهبي في تلخيصه.

وأخرج الطبراني في الأوسط من طريق أبي ليلى عن الإمام السبط الشهيد عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: الزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عز وجل وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقنا. و ذكره الهيثمي في " المجمع " 9 ص 172، وابن حجر في " الصواعق "، ومحمد سليمان محفوظ في " أعجب ما رأيت " 1 ص 8. والنبهاني في " الشرف المؤبد " ص 96 والحضرمي في " رشفة الصادي " ص 43.

وأخرج الحافظ السمان في أماليه بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أن عبدا عبد الله سبعة آلاف سنة وهو عمر الدنيا ثم أتى الله عز وجل يبغض علي بن أبي

____________

(1) يأتي شرح هذا البيت الأخير في محله إنشاء الله تعالى.

(2) صفن الرجل: صف بين قدميه.