الصفحة 29


 

تنفيذه، وإمضاء ما قصرت يدهم عن إمضائه حاز أن يكون دون هذه الرتبة في القدر والخطر بعد أن لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يستشفه الطمع إلى رشوة. إلى آخر ما في (الأحكام السلطانية) ص 64 - 82.

الولاية على الحج:

الولاية على الحج ضربان: أحدهما أن تكون على تسيير الحجيج، والثاني على إقامة الحج، فأما تسيير الحجيج فهو ولاية سياسة وزعامة وتدبير. والشروط المعتبرة في المولى أن يكون مطاعا ذا رأي وشجاعة وهيبة وهداية، والذي عليه في حقوق هذه الولاية عشرة أشياء.

1 - جمع الناس في مسيرهم ونزولهم حتى لا يتفرقوا فيخاف عليهم التوى والتغرير.

2 - ترتيبهم في المسير والنزول بإعطاه كل طائفة منهم مقادا حتى يعرف كل فريق منهم مقاده إذا سار، ويألف مكانه إذا نزل، فلا يتنازعون فيه ولا يضلون عنه.

3 - يرفق بهم في السير حتى لا يعجز عنه ضعيفهم، ولا يضل عنه منقطعهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: الضعيف أمير الرفقة. يريد أن من ضعف دوابه كان على القوم أن يسيروا بسيره.

4 - أن يسلك بهم أوضح الطرق وأخصبها ويتجنب أجدبها وأوعرها.

5 - أن يرتاد لهم المياه إذا انقطعت والمراعي إذا قلت.

6 - أن يحرسهم إذا نزلوا ويحوطهم إذا رحلوا حتى لا يتخطفهم داعر ولا يطمع فيهم متلصص.

7 - أن يمنع عنهم من يصدهم عن المسير، ويدفع عنهم من يحصرهم عن الحج بقتال إن قدر عليه، أو ببذل مال إن أجاب الحجيج إليه، ولا يسعه أن يجبر أحدا على بذل الخفارة أن امتنع منها، حتى يكون باذلا لها عفوا ومجيبا إليها طوعا، فإن بذل المال على التمكين من الحج لا يجب.

8 - أن يصلح بين المتشاجرين ويتوسط بين المتنازعين، ولا يتعرض للحكم بينهم إجبارا إلا أن يفوض الحكم إليه، فيعتبر فيه أن يكون من أهله فيجوز له حينئذ الحكم بينهم، فإن دخلوا بلدا فيه حاكم جاز له ولحاكم البلد أن يحكم بينهم فأيهما

 


الصفحة 30


 

حكم نفذ حكمه.

9 - أن يقوم زائغهم ويؤدب خائنهم ولا يتجاوز التعزير إلى الحد إلا أن يؤذن له فيستوفيه إن كان من أهل الاجتهاد فيه.

10 - أن يراعي اتساع الوقت حتى يؤمن الفوات ولا يلجئهم ضيقه إلى الحث في السير، فإذا وصل إلى الميقات أمهلهم للاحرام وإقامة سننه.

وأما الولاية على إقامة الحج فالوالي فيه بمنزلة الإمام في إقامة الصلوات، فمن شروط الولاية عليه مع الشروط المعتبرة في أئمة الصلوات أن يكون عالما بمناسك الحج وأحكامه، عارفا بمواقيته وأيامه، وتكون مدة ولايته مقدرة بسبعة أيام أولها من صلاة الظهر في اليوم السابع من ذي الحجة وآخرها يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وعلى الذي يختص بولايته خمسة أحكام متفق عليها وسادس مختلف فيه ألا وهي:

1 - إشعار الناس بوقت إحرامهم والخروج إلى مشاعرهم ليكونوا له متبعين وبأفعاله مقتدين.

2 - ترتيبهم للمناسك على ما استقر الشرع عليه لأنه متبوع فيها فلا يقدم مؤخرا ولا يؤخر مقدما سواء كان الترتيب مستحقا أو مستحبا.

3 - تقدير المواقف بمقامه فيها ومسيره عنها كما تقدر صلاة المأمومين بصلاة الإمام.

4 - إتباعه في الأركان المشروعة فيها، والتأمين على أدعيته بها ليتبعوه في القول كما اتبعوه في العمل.

5 - إمامتهم في الصلوات. وأما السادس المختلف فيه: حكمه بين الحجيج فيما لا يتعلق بالحج، وإقامة التعزير والحد في مثله. ا هـ.

تولى الشريف الرضي هذه الإمارة منذ صباه في أكثر أيام حياته ووزيرا لأبيه ونائبا عنه، ومستقلا بها من سنة 380، وله فيها مواقف عظيمة سجلها التاريخ وأبقى له ذكرى خالدة، قال أبو القاسم بن فهد الهاشمي في (إتحاف الورى بأخبار القرى) في حوادث سنة 389: حج فيها الشريفان المرتضى والرضي فاعتقلهما في الطريق ابن الجراح الطائي فأعطياه تسعة آلاف دينار من أموالهما.

 


الصفحة 31


 

ولادته ووفاته:

ولد الشريف الرضي ببغداد سنة 359 بإطباق من المؤرخين ونشأ بها (1) وتوفي بها يوم الأحد 6 محرم (2) سنة 406 كما في معجم النجاشي. وتاريخ بغداد للخطيب. و عمدة الطالب. والخلاصة. وغيرها.

فما في شذرات الذهب: إنه توفي بكرة الخميس. فهو من خطأ النساخ فإنه نقله عن تاريخ ابن خلكان وفي التاريخ: بكرة يوم الأحد. لا الخميس. وأما ما في (دائرة المعارف) لفريد وجدي 4 ص 253 من أنه توفي 404 فأحسبه مأخوذا من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، أو أنه خطأ من الناسخ، وقد أرخه فريد وجدي صحيحا في دائرة المعارف ج 9 ص 487 ب 6 محرم سنة 406، وقد رثى الشريف الرضي معاصره أبا الحسن أحمد بن علي البتي المتوفى سنة 405 في شعبان بقصيدة توجد في ديوانه ج 1 ص 138، وقال جامع الديوان: وبعده بشهور توفي الرضي (رض).

وعند وفاته حضر إلى داره الوزير أبو غالب فخر الملك وسائر الوزراء والأعيان والأشراف والقضاة حفاة ومشاة وصلى عليه فخر الملك ودفن في داره الكائنة في محلة الكرخ بخط مسجد الأنباريين (3) ولم يشهد جنازته أخوه الشريف المرتضى ولم يصل عليه ومضى من جزعه عليه إلى الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته، ومضى فخر الملك بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الكاظمي فألزمه بالعود إلى داره.

ذكر كثير من المؤلفين نقل جثمانه إلى كربلاء المشرفة بعد دفنه في داره بالكرخ فدفن عند أبيه أبي أحمد الحسين بن موسى، ويظهر من التاريخ أن قبره كان في القرون الوسطى مشهورا معروفا في الحائر المقدس قال صاحب (عمدة الطالب): وقبره في كربلاء ظاهر معروف. وقال في ترجمة أخيه المرتضى: دفن عند أبيه وأخيه وقبورهم

____________

(1) قال جرجي زيدان في تاريخ آداب اللغة 2 ص 257: وكان يقيم في سر من رأى (سامرا) وكم له لدة هذا في تاريخه مما يميط الستر عن جهله بتاريخ الشيعة ورجالهم.

(2) في تاريخ ابن خلكان: وقيل: في صفر. وفي تاريخ ابن كثير: خامس المحرم.

(3) ينسب إليهم لكثرة من سكنه منهم.


الصفحة 32


 

ظاهرة مشهورة. وقال الرفاعي المتوفى 885 في (صحاح الأخبار) ص 62: نقل المرتضى إلى مشهد الحسين بكربلا كأبيه وأخيه ودفن هناك وقبره ظاهر معروف.

وهذا قريب إلى الاعتبار لأن بني إبراهيم المجاب قطنوا الحائر المقدس و جاوروا الإمام السبط سلام الله عليه فدفن فيه إبراهيم المذكور بمقربة مما يلي رأس قبر الإمام عليه السلام فاتخذ بنوه تربته مدفنا لهم، وكان من قطن منهم بغداد أو البصرة كبني موسى الأبرش ينقل بعد موته إلى تربة جده، وقد ثبت أن والد الشريف المترجم نقل إلى الحائر المقدس قبل دفنه ودفن بها، م - أو دفن في داره أولا ثم نقل إلى مشهد الحسين كما في (المنتظم) لابن الجوزي 7 ص 247] وصح أيضا نقل جثمان الشريف علم الهدى المرتضى إلى الحائر بعد دفنه في داره، وكانت تولية تلك التربة المقدسة بيدهم، وما كان يدفن هناك أي أحد إلا بإجازة منهم كما مر في ترجمة الوزير أبي العباس الضبي في هذا الجزء ص 106.

وقد رثى الشريف الرضي غير واحد ممن عاصروه وفي مقدمهم أخوه علم الهدى بقوله:

يا للرجال لفجعة جذمت يدي * ووددت لو ذهبت علي برأسي
ما زلت أحذر وقعها حتى أتت * فحسوتها في بعض ما أنا حاسي
ومطلتها زمنا فلما صممت * لم يجدني مطلي وطول مكاسي
لا تنكروا من فيض دمعي عبرة * فالدمع غير مساعد ومواسي
لله عمرك من قصير طاهر * ولرب عمر طال بالأدناس

وممن رثاه تلميذه في الأدب مهيار الديلمي المترجم في شعراء القرن الخامس رثاه بقصيدتين إحديهما ذات 70 بيتا توجد في ديوانه ج 3 ص 366 مستهلها.

من جب غارب هاشم وسنامها؟! * ولوى لويا فاستزل مقامها؟!
وغزا قريشا بالبطاح فلفها * بيد؟! وقوض عزها وخيامها؟!
وأناخ في مضر بكلكل خسفه * يستام واحتملت له ما سامها؟!
من حل مكة فاستباح حريمها * والبيت يشهد واستحل حرامها؟!
ومضى بيثرب مذعجا ما شاء من * تلك القبور الطاهرات عظامها؟!

 


الصفحة 33


 

يبكي النبي ويستنيح لفاطم * بالطف في أبنائها أيامها
الدين ممنوع الحمى، من راعه؟! * والدار عالية البنا، من رامها؟!
أتناكرت أيدي الرجال سيوفها * فاستسلمت أم أنكرت إسلامها؟!؟!
أم غال ذا الحسبين حامي ذودها * قدر أراح على الغدو سوامها؟!

وقصيدته الأخرى 40 بيتا توجد في ديوانه ج 1 ص 249 مطلعها:

أقريش لا لفم أراك ولا يد * فتواكلي(*) غاض الندى وخلي الندي

ولشهرة القصيدتين ووجودهما في غير واحد من الكتب والمعاجم فضلا عن ديوان مهيار ضربنا عنهما صفحا.

ومن نماذج شعر الشريف الرضي في المذهب قوله يفتخر بأهل البيت ويذكر قبورهم ويتشوق إليها:

ألا لله بادرة الطلاب * وعزم لا يروع بالعتاب
وكل مشمر البردين يهوي * هوي المصلتات إلى الرقاب
أعاتبه على بعد التنائي * ويعذلني على قرب الإياب
رأيت العجز يخضع لليالي * ويرضي عن نوائبها الغضاب
5 ولولا صولة الأيام دوني * هجمت على العلى من كل باب
ومن شيم الفتى العربي فينا * وصال البيض والخيل العراب
له كذب الوعيد من الأعادي * ومن عاداته صدق الضراب
سأدرع الصوارم والعوالي * وما عريت من خلع الشباب
واشتمل الدجى والركب يمضي * مضاء السيف شذ عن القراب
10 وكم ليل عبأت له المطايا * ونار الحي حائرة الشهاب
لفيت الأرض شاحبة المحيا * تلاعب بالضراغم والذئاب
فزعت إلى الشحوب وكنت طلقا * كما فزع المشيب إلى الخضاب
ولم نر مثل مبيض النواحي * تعذبه بمسود الإهاب
أبيت مضاجعا أملي وإني * أرى الآمال أشقى للركاب

____________

(*) يقال: تواكل القوم: اتكل بعضهم على بعض.

 


الصفحة 34


 

إذا ما اليأس خيبنا رجونا * فشجعنا الرجاء على الطلاب 15
أقول إذا استطار من السواري * زفون القطر رقاص الحباب (1)
كأن الجو غص به فأومى * ليقذفه على قمم الشعاب
جدير أن تصافحه الفيافي * ويسحب فوقها عذب الرباب (2)
إذا هم التلاع رأيت منه * رضابا في ثنيات الهضاب (3)
سقى الله المدينة من محل * لباب الماء والنطف العذاب 20
وجاد على البقيع وساكنيه * رخي الذيل ملآن الوطاب
وأعلام الغري وما استباحت * معالمها من الحسب اللباب
وقبر بالطفوف يضم شلوا * قضى ظمأ إلى برد الشراب
وبغداد وسامرا وطوس * هطول الودق منخرق العباب
قبور تنطف العبرات فيها * كما نطف الصبير (4) على الروابي 25
فلو بخل السحاب على ثراها * لذابت فوقها قطع السراب
سقاك فكم ظمئت إليك شوقا * على عدواء داري واقترابي
تجافي يا جنوب الريح عني * وصوني فضل بردك عن جنابي
ولا تسري إلي مع الليالي * وما استحقبت(*) من ذاك التراب
قليل أن تقاد له الغوادي (5) * وتنحر فيه أعناق السحاب 30
أما شرق التراب بساكنيه * فيلفظهم إلى النعم الرغاب
فكم غدت الضغائن وهي سكرى * تدير عليهم كأس المصاب
صلاة الله تخفق كل يوم * على تلك المعالم والقباب
وإني لا أزال أكر عزمي * وإن قلت مساعدة الصحاب

____________

(1) زفون القطر: دفاع المطر. الحباب: فقاقيع الماء.

(2) الرباب: السحاب الأبيض.

(3) التلاع ج التلعة: ما علا الأرض. ما سفل منها. الهضاب: أعالي الجبال.

(4) نطف: سال. الصبير: السحاب الذي يصير بعضه فوق بعض.

(*) استحقبت: ادخرت.

(5) الغوادي جمع الغادية وهي: السحابة.


الصفحة 35


 

35 واخترق الرياح إلى نسيم * تطلع من تراب أبي تراب
بودي أن تطاوعني الليالي * وينشب في المنى ظفري ونابي
فأرمي العيس نحوكم سهاما * تغلغل بين أحشاء الروابي
ترامى باللغام على طلاها * كما انحدر الغثاء عن العقاب (1)
وأجنب بينها خرق المذاكي * فأملي باللغام على اللغاب (2)
لعلي أن أبل بكم غليلا * تغلغل بين قلبي والحجاب
40 فما لقياكم إلا دليل * على كنز الغنيمة والثواب
ولي قبران بالزوراء أشفي * بقربهما نزاعي واكتئابي
أقود إليهما نفسي وأهدي * سلاما لا يحيد عن الجواب
لقائهما يطهر من جناني * ويدرأ عن ردائي كل عاب
قسيم النار جدي يوم يلقى (3) * به باب النجاة من العذاب 45
وساقي الخلق والمهجات حرى * وفاتحة الصراط إلى الحساب
ومن سمحت بخاتمه يمين (4) * تضن بكل عالية الكعاب
أما في باب خيبر معجزات * تصدق؟! أو مناجاة الحباب؟!
أرادت كيده والله يأبى * فجاء النصر من قبل الغراب (5)
أهذا البدر يكسف بالدياجي؟ * وهذي الشمس تطمس بالضباب؟ 50
وكان إذا استطال عليه جان * يرى ترك العقاب من العقاب
أرى شعبان يذكرني اشتياقي * فمن لي أن يذكركم ثوابي
بكم في الشعر فخر لا بشعري * وعنكم طال باعي في الخطاب
أجل عن القبائح غير أني * لكم أرمي وأرمى بالسباب

____________

(1) اللغام: لعاب الإبل. والطلى: العنق. الغثاء: البالي من ورق الشجر المخالط زبد السيل العقاب جمع عقبة: مرقى صعب من الجبال.

(2) أجنب: أقود. اللغاب: السهم لم يحسن بريه.

(3) أشار إلى حديث مر بيانه في ج 3 ص 299.

(4) أشار إلى تصدقه بخاتمه وقد مر حديثه ج 2 ص 47 و ج 3 ص 155 - 162.

(5) أشار إلى حديث الحباب الذي أسلفناه ج 2 ص 241، 242.


الصفحة 36


 

فأجهر بالولاء ولا أوري * وأنطق بالبراء ولا أحابي 55
ومن أولى بكم مني وليا * وفي أيديكم طرف انتسابي؟!
محبكم ولو بغضت حياتي * وزائركم ولو عقرت ركابي
تباعد بيننا غير الليالي * ومرجعنا إلى النسب القراب

وقال يرثي الإمام السبط المفدى الحسين بن علي عليهما السلام في يوم عاشوراء سنة 391.

هذي المنازل بالغميم فنادها * واسكب سخي العين بعد جمادها
إن كان دين للمعالم فاقضه * أو مهجة عند الطلول ففادها
يا هل تبل من الغليل إليهم * اشرافة للركب فوق نجادها؟!
نوئ كمنعطف الحنية دونه * سحم الخدود لهن إرث رمادها
ومناط أطناب ومقعد فتية * تخبو زناد الحي غير زنادها 5
ومجر ارسان الجياد لغلمة * سجفوا البيوت بشقرها وورادها
ولقد حبست على الديار عصابة * مضمومة الأيدي إلى أكبادها
حسرى تجاوب بالبكاء عيونها * وتعط بالزفرات في ابرادها
وقفوا بها حتى كأن مطيهم * كانت قوائمهن من أوتادها
ثم انثنت والدمع ماء مزادها * ولواعج الأشجان من أزوادها 10
من كل مشتمل حمايل رنة * قطر المدامع من حلي نجادها
حيتك بل حيت طلوعك ديمة * يشفي سقيم الربع نفث عهادها
وغدت عليك من الخمايل يمنة * تستام نافقة على روادها (1)
هل تطلبون من النواظر بعدكم * شيئا سوى عبراتها وسهادها؟!
لم يبق ذخر للمدامع عنكم * كلا ولا عين جرى لرقادها 15
شغل الدموع عن الديار بكاؤنا * لبكاء فاطمة على أولادها
لم يخلفوها في الشهيد وقد رأى * دفع الفرات يزاد عن أورادها
أترى درت أن الحسين طريدة * لقنا بني الطرداء عند ولادها؟!

____________

(1) الخمايل ج خميلة: القطيفة. اليمنة: برد يمنى. تستام: تسأل السوم.

 


الصفحة 37


 

كانت مآتم بالعراق تعدها * أموية بالشام من أعيادها
20 ما راقبت غضب النبي وقد غدا * زرع النبي مطنة لحصادها
باعت بصائر دينها بضلالها * وشرت معاطب غيها برشادها
جعلت رسول الله من خصمائها * فلبئس ما ذخرت ليوم معادها
نسل النبي على صعاب مطيها * ودم النبي على رؤوس صعادها
وا لهفتاه لعصبة علوية * تبعت أمية بعد عز قيادها
25 جعلت عران الذل في آنافها * وعلاط وسم الضيم في أجيادها (1)
زعمت بأن الدين سوغ قتلها * أو ليس هذا الدين عن أجدادها؟!
طلبت تراث الجاهلية عندها * وشفت قديم الغل من أحقادها
واستأثرت بالأمر عن غيابها * وقضت بما شاءت على شهادها
الله سابقكم إلى أرواحها * وكسبتم الآثام في أجسادها
30 إن قوضت تلك القباب فإنما * خرت عماد الدين قبل عمادها
إن الخلافة أصبحت مزوية * عن شعبها ببياضها وسوادها
طمست منابرها علوج أمية * تنزو ذئابهم على أعوادها
هي صفوة الله التي أوحى لها * وقضى أوامره إلى أمجادها
أخذت بأطراف الفخار فعاذر * أن يصبح الثقلان من حسادها
35 الزهد والأحلام في فتاكها * والفتك لولا الله في زهادها
عصب يقمط بالنجاد وليدها * ومهود صبيتها ظهور جيادها
تروي مناقب فضلها أعداؤها * أبدا وتسنده إلى أضدادها
يا غيرة الله اغضبي لنبيه * وتزحزحي بالبيض عن أغمادها
من عصبة ضاعت دماء محمد * وبنيه بين يزيدها وزيادها
40 صفدات مال الله ملء أكفها * وأكف آل الله في أصفادها (2)
ضربوا بسيف محمد أبناءه * ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها

____________

(1) العران: عود يجعل في أنف البعير العلاط: حبل يجعل في عنق البعير.

(2) الصفدات من الصفد: العطاء. والأصفاد: الأغلال.


الصفحة 38


 

قد قلت للركب الطلاح كأنهم * ربد النسور على ذرى أطوادها (1)
يحدو بعوج كالحني أطاعه * معتاصها فطغى على منقادها
حتى تخيل من هباب رقابها * أعناقها في السير من أعدادها
قف بي ولو لوث الأزار فإنما * هي مهجة علق الجوى بفؤادها 45
بالطف حيث غدا مراق دمائها * ومناخ اينقها ليوم جلادها
الفقر من أرواقها والطير من * طراقها والوحش من عوادها
تجري لها حبب الدموع وإنما * حب القلوب يكن من أمدادها
يا يوم عاشوراء كم لك لوعة * تترقص الأحشاء من إيقادها
ما عدت إلا عاد قلبي غلة * حرى ولو بالغت في إبرادها 50
مثل السليم مضيضة آناؤه * خزر العيون تعوده بعدادها
يا جد لا زالت كتائب حسرة * تغشى الضمير بكرها وطرادها
أبدا عليك وأدمع مسفوحة * إن لم يراوحها البكاء يغادها
هذا الثناء وما بلغت وإنما * هي حلبة خلعوا عذار جوادها
أأقول: جادكم الربيع؟ وأنتم * في كل منزلة ربيع بلادها 55
أم استزيد لكم علا بمدائحي؟! * أين الجبال من الربى ووهادها؟!
كيف الثناء على النجوم إذا سمت * فوق العيون إلى مدى أبعادها؟!
أغنى طلوع الشمس عن أوصافها * بجلالها وضيائها وبعادها

وقال يرثي جده الإمام السبط الشهيد في عاشوراء سنة 377:

صاحت بذودي بغداد فآنسني * تقلبي في ظهور الخيل والعير
وكلما هجهجت بي عن منازلها * عارضتها بجنان غير مذعور
أطغى على قاطنيها غير مكترث * وأفعل الفعل فيها غير مأمور
خطب يهددني بالبعد عن وطني * وما خلقت لغير السرج والكور
إني وإن سامني ما لا أقاومه * فقد نجوت وقدحي غير مقمور 5

____________

(1) الطلح: المهزول والمعى ج أطلاح. الربدة: الغبرة. يقال: أربد لونه: تغير. وتربد الرجل: تعبس.

 


الصفحة 39


 

عجلان ألبس وجهي كل داجية * والبر عريان من ظبي ويعفور
ورب قايلة والهم يتحفني * بناظر من نطاف الدمع ممطور
: خفض عليك فللأحزان آونة * وما المقيم على حزن بمعذور
فقلت: هيهات فات السمع لائمه * لا يفهم الحزن إلا يوم عاشور
10 يوم حدى الظعن فيه بابن فاطمة * سنان مطرد الكعبين مطرور
وخر للموت لا كف تقلبه * إلا بوطئ من الجرد المحاضير
ظمأن سلى نجيع الطعن غلته * عن بارد من عباب الماء مقرور (1)
كأن بيض المواضي وهي تنهبه * نار تحكم في جسم من النور
لله ملقى على الرمضاء عض به * فم الردى بين إقدام وتشمير
15 تحنو عليه الربى ظلا وتستره * عن النواظر أذيال الأعاصير (2)
تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه * وقد أقام ثلاثا غير مقبور
ومورد غمرات الضرب غرته * جرت إليه المنايا بالمصادير
ومستطيل على الأزمان يقدرها * جنى الزمان عليها بالمقادير
أغرى به ابن زياد لؤم عنصره * وسعيه ليزيد غير مشكور
20 وود أن يتلافى ما جنت يده * وكان ذلك كسرا غير مجبور
تسبى بنات رسول الله بينهم * والدين غض المبادي عير مستور
إن يظفر الموت منا بابن منجبة * فطالما عاد ريان الأظافير
يلقى القنا بجبين شان صفحته * وقع القنا بين تضميخ وتعفير
من بعد ما رد أطراف الرماح به * قلب فسيح ورائ غير محصور
25 والنقع يسحب من أذياله وله * على الغزالة جيب غير مزرور
في فيلق شرق بالبيض تحسبه * برقا تدلى على الآكام والقور (1)
بني أمية ما الأسياف نائمة * عن شاهر في أقاصي الأرض موتور

____________

(1) مقرور من القر. البرد.

(2) الأعاصير ج الإعصار. ريح ترتفع بالتراب.

(3) القور جمع القارة: الجبل الصغير المنقطع عن الجبال.


الصفحة 40


 

والبارقات تلوى في مغامدها * والسابقات تمطى في المضامير
إني لأرقب يوما لا خفاء له * عريان يقلق منه كل مغرور
وللصوارم ما شاءت مضاربها * من الرقاب شراب غير منزور 30
أكل يوم لآل المصطفى قمر * يهوى بوقع العوالي والمباتير!؟
وكل يوم لهم بيضاء صافية * يشوبها الدهر من رنق وتكدير
مغوار قوم يروع الموت من يده * أمسى وأصبح نهيا للمغاوير
وأبيض الوجه مشهور تغطرفه * مضى بيوم من الأيام مشهور
ما لي تعجبت من همي ونقرته * والحزن جرح بقلبي غير مسبور 35
بأي طرف أرى العلياء إن نضبت * عيني؟ ولجلجت عنها بالمعاذير
ألقى الزمان بكلم غير مندمل * عمر الزمان وقلب غير مسرور
يا جد لا زال لي هم يحرضني * على الدموع ووجد غير مقهور
والدمع يخفره عين مؤرقة * خفر الحنية عن نزع وتوتير
إن السلو لمحظور على كبدي * وما السلو على قلب بمحظور 40

وقال يرثي سيدنا الإمام الشهيد في يوم عاشوراء سنة 387:

راحل أنت والليالي تزول * ومضر بك البقاء الطويل
لا شجاع يبقى فيعتنق البيض ولا آمل ولا مأمول
غاية الناس في الزمان فناء * وكذا غاية الغصون الذبول
إنما المرء للمنية مخبوء وللطعن تستجم الخيول
من مقيل بين الضلوع إلى طول عناء وفي التراب مقيل (1) 5
فهو كالغيم ألفته جنوب * يوم دجن ومزقته قبول
عادة للزمان في كل يوم * يتناء خل وتبكي طلول
فالليالي عون عليك مع البين كما ساعد الذوابل طول
ربما وافق الفتى من زمان * فرح غيره به متبول (2)

____________

(1) من قال قيلا وقيلولة ومقيلا. نام نصف النهار.

(2) يقال: تبلهم الدهر أي أفناهم.


الصفحة 41


 

10 هي دنيا إن واصلت ذا جفت هذا ملالا كأنها عطبول (2)
كل باك يبكى عليه وإن طال بقاء والثاكل المثكول
والأماني حسرة وعناء * للذي ظن أنها تعليل
ما يبالي الحمام أين ترقي * بعد ما غالت ابن فاطم غول
أي يوم أدمى المدامع فيه * حادث رائع وخطب جليل
15 يوم عاشور الذي لا أعان الصحب فيه ولا أجار القبيل
يا ابن بنت الرسول ضيعت العهد رجال والحافظون قليل
ما أطاعوا النبي فيك وقد مالت أرواحهم إليك الذحول
وأحالوا على المقادير في حربك لو أن عذرهم مقبول
واستقالوا من بعد ما أجلبوا فيها أألآن أيها المستقيل؟!
20 إن أمرا قنعت من دونه السيف لمن حازه لمرعى وبيل
يا حساما فلت مضاربه الهام وقد فله الحسام الصقيل
يا جوادا أدمى الجواد من الطعن وولى ونحوه مبلول
حجل الخيل من دماء الأعادي * يوم يبدو طعن وتخفى حجول
يوم طاحت أيدي السوابق في النقع وفاض الونى وعاض الصهيل
25 أتراني أعير وجهي صونا * وعلى وجهه تجول الخيول!؟
أتراني ألذ ماء ولما * يرو من مهجة الإمام الغليل؟!
قبلته الرماح وانتضلت فيه المنايا وعانقته النصول
والسبايا على النجائب تستاق وقد نالت الجيوب الذيول
من قلوب يدمي بها ناظر الوجد ومن أدمع مراها الهمول
30 قد سلبن القناع عن كل وجه فيه للصون من قناع بديل
وتنقبن بالأنامل والدمع على كل ذي نقاب دليل
وتشاكين والشكاة بكاء * وتنادين والنداء عويل
لا يغب الحادي العنيف ولا يفتر عن رنة العديل العديل

____________

(2) العطبول: المرأة الفتية الجميلة.

 


الصفحة 42


 

يا غريب الديار صبري غريب * وقتيل الأعداء نومي قتيل
بي نزاع يطغى إليك وشوق وغرام وزفرة وعويل 35
ليت أني ضجيع قبرك أو أن ثراه بمدمعي مطلول
لا أغب الطفوف في كل يوم * من طراق الأنواء غيث هطول
مطر ناعم وريح شمال * ونسيم غض وظل ظليل
با بني أحمد إلى كم سناني * غائب عن طعانه ممطول؟!
وجيادي مربوطة والمطايا؟! * ومقامي يروع عنه الدخيل؟! 40
كم إلى كم تعلو الطغاة؟! وكم يحكم في كل فاضل مفضول؟!
قد أذاع الغليل قلبي ولكن * غير بدع إن استطب العليل
ليت إني أبقى فأمترق الناس وفي الكف صارم مسلول.
وأجر القنا لثارات يوم الطف يستلحق الرعيل الرعيل
صبغ القلب حبكم صبغة الشيب وشيبي لولا الردى لا يحول 45
أنا مولاكم وإن كنت منكم * والدي (حيدر) وأمي (البتول)
وإذا الناس أدركوا غاية الفخر شآهم من قال جدي الرسول
يفرح الناس بي لأني فضل * والأنام الذي أراه فضول
فهم بين منشد ما أقفيه سرورا وسامع ما أقول
ليت شعري من لائمي في مقال ترتضيه خواطر وعقول؟! 50
أترك الشئ عاذري فيه كل الناس من أجل أن لحاني عذول
هو سؤلي إن أسعد الله جدي * ومعالي الأمور للذمر سول (1)

____________

(1) الذمر: الشجاع ج أذمار: والذمارة الشجاعة.

***