آية إكمال الدين نزلت يوم الغدير وليس في عرفات !

 

نشكر الله أن المحدثين رووا كثيراً عن الوداع الرسولي المهيب، الذي تم بإعلانٍ ربانيٍّ مسبق، وإعدادٍ نبوي واسع، وإن كانوا ضيعوا في أحاديثه هوية الأئمة الإثني عشر، وكثيراً مما يتعلق بالعترة (عليهم السلام)  .

وقد سجلوا حركة النبي(صلى الله عليه وآله) من المدينة، والأماكن التي مر بها أو توقف فيها، ومتى دخل مكة وأدى المناسك، ثم حركة رجوعه(صلى الله عليه وآله)  حتى دخل إلى المدينة , وعاش فيها نحو شهرين هي بقية عمره الشريف(صلى الله عليه وآله) . وكله يؤكد قول أهل البيت (عليهم السلام)، ونجمل ذلك في نقاط:

 

 أولاً: إن التعارض بين ما دلَّ على سبب نزول الآية، ليس بين حديثين أحدهما أصح سنداً وأكثر طرقاً، كما صور أو تصور ابن كثير والسيوطي والطبري وغيرهم، بل تعارضٌ بين حديث نبوي رواه أهل البيت (عليهم السلام) وعدد من الصحابة، وبين قولٍ لعمر ومعاوية رواه عنه بخاري وغيره ولم يسندوه إلى النبي(صلى الله عليه وآله)  !

ولو تنزلنا وقلنا إن أحاديث أهل البيت أقوال لهم (عليهم السلام) يكون التعارض بين قول صحابي وقول أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا شك في أن قولهم مقدم بحكم وصية النبي(صلى الله عليه وآله) بهم وأنهم عِدْلُ القرآن وأحد الثقلين، بالحديث الصحيح المتواتر، كالذي رواه أحمد:3/14:(عن أبي سعيد قال رسول الله (ص): إني تاركٌ فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض). ورواه أيضاً في:3/17 و26 و59، و4/366، و371، والدارمي:2/431، ومسلم 7/122، والحاكم على شرط الشيخين، و:3/109 و148، وغيرهم.

 

ثانياًً: إن جواب عمر لليهودي غير مقنعٍ لليهودي ولا للمسلم !

 

لأنه إن قصد أن نزولها صادف يوم جمعة ويوم عرفة ! فيقول له اليهودي: إن كان ربكم لايعلم أنه يوم عيد فيا ويلكم من عبادته ! وإن يعلم فكيف أنزل عيد إكمال الدين على عيد أو اثنين، وهو يعلم أنهما سيأكلانه ؟! فلماذا خرَّب عليكم ربكم هذا العيد ؟!

وإن قصد عمر أن عيد إكمال الدين أدغم وصار مشتركاً في يوم واحد مع عيد عرفة والجمعة، فأين هو إلا عند الشيعة ؟!

وأسوأ من ذلك أن يكون قصده أنه تعالى تعمد تذويب عيد إكمال الدين، أو نسي فأنزله في يوم عيد، فتدارك المسلمون الأمر بالدمج والإدغام أو التنصيف ! فمن الذي اتخذ قرار الإدغام ؟ ومن يحق له أن يدغم عيداً إلهياً في عيد آخر، أو يطعم عيداً ربانياً لعيد آخر؟!

وما بال الأمة الإسلامية لم يكن عندها خبر بحادثة اصطدام الأعياد في عرفات حتى جاء هذا اليهودي في خلافة عمر ونبههم، فأخبره عمر بأنه يوافقه على كل ما يقوله، وأخبر المسلمين بقصة تصادم الأعياد في عرفات، وأن الحكم الشرعي فيه الإدغام لمصلحة العيد السابق، أو إطعام العيد اللاحق للسابق !

وهل هذه الأحكام للأعياد أحكامٌ إسلامية ربانية، أم عمرية اعتباطية شبيهاً بقانون تصادم الأعياد الوطنية والدينية، أو تصادم السيارات ؟!

لقد اعترف عمر بالمشكلة التي طرحها اليهودي، لكنه لم يحلها !

ثم رتب عليها أحكاماً من عنده لم يقل إنه سمعها من النبي(صلى الله عليه وآله)  !

وأصل مشكلته أنه اعترف بأن يوم نزول الآية يوم عظيمٌ ومهمٌّ في دين الإسلام، لأنه يوم أكمل الله فيه تنزيل الإسلام وأتمَّ فيه النعمة على أمته، وأنه يستحق أن يكون عيداً شرعياً للأمة تحتفل فيه وتجتمع فيه كبقية أعيادها الشرعية الثلاث: الفطر والأضحى والجمعة، بل ادعى أنه عيد فعلاً ! ووافق كعباً على أنه لو كان عند أمة أخرى لأعلنته عيداً ربانياً شرعياً. وعليه يجب أن يكون عيد إكمال الدين شرعياً في فقه السنيين، يضاف إلى عيدي الفطر والأضحى وعيد الجمعة، فأين هو ؟!

 

ثالثاً: إن قول عمر في الآية مردود لأنه متناقض ! فقد فهم هذا اليهودي من الآية أن الله أكمل تنزيل الإسلام وختمه يوم نزول الآية وقبل عمر منه هذا التفسير، ومعناه أن نزولها بعد نزول جميع الفرائض والأحكام، فصح عنده ما قاله أهل البيت (عليهم السلام) وما قاله السدي وابن عباس وغيرهما من أنه لم تنزل بعدها فريضةٌ ولا حكم .

ثم قال عمر وبسند صحيح: لكن نزل بعدها آيات الكلالة وأحكام الإرث وغيرها ،كما يأتي في بحث آخر ما نزل من القرآن، فوجب أن يقول لليهودي: ليست الآية آخر ما نزل ليكون يومها عيداً !

ومن ناحية ثانية، فتح عمر على نفسه وأتباعه فقهاء المذاهب المطالبة بعيد الآية ! الذي لاعين له ولا أثر ولا إسم ولا رسم عندهم !

ومن ناحية ثالثة، نقض عمر إجماع المسلمين على أن الأعياد الإسلامية توقيفية، ولا يجوز لأحد أن يشرع عيداً من نفسه؟!

فحجة الشيعة في جعل يوم الغدير عيداً أنهم رووا عن النبي(صلى الله عليه وآله) أن يوم الآية عيدٌ شرعي، وأن جبرئيل أخبره بأن الأنبياء (عليهم السلام) كانوا يأمرون أممهم أن تتخذ يوم نصب الوصي عيداً . فما هي حجة عمرفي تأييد كلام اليهودي وموافقته على أن ذلك اليوم يستحق أن يكون عيداً شرعياً للأمة ! ثم أخذ يعتذر له بمصادفة نزولها في يوم عيد..الخ.!

فإن كان حَكَمَ بذلك من عند نفسه فهو تشريع وبدعة ! وإن كان سمعه من النبي(صلى الله عليه وآله) فلماذا لم يروه ولا رواه غيره، إلا الشيعة ؟!

والواقع أن عمر تورط في(آية علي بن أبي طالب)من نواح عديدة ولم يخرج من ورطتها، ولا أتباعه، الى يومنا هذا !

 

رابعـاًً: الرواية عن عمر متعارضة، وهذا يوجب سقوطها، فقد رووا عنه بسند صحيح أن يوم عرفة كان يوم خميس ! ( قال يهودي لعمر: لو علينا نزلت هذه الآية لاتخذناه عيداً: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ! قال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والليلة التي أنزلت، ليلة الجمعة ونحن مع رسول الله بعرفات) ! رواه النسائي:5/251، وروى في:8/114، أنها نزلت في عرفات يوم جمعة !

 

خامساًً: جزم سفيان الثوري جازماً أن يوم عرفة في حجة الوداع لم يكن يوم جمعة ! قال بخاري في روايته: (قال سفيان وأشك كان يوم الجمعة أم لا). وإنما قال (وأشك) مداراة لجماعة عمر الذين رتبوا كل أحداث حجة الوداع وأحداث التاريخ الإسلامي على أن يوم عرفات كان يوم جمعة ! وستأتي رواية النسائي في ذلك وتوافقها روايات نصت على أن الآية نزلت يوم الإثنين، ففي دلائل البيهقي:7/233: (عن ابن عباس قال: ولد نبيكم(صلى الله عليه وآله) يوم الإثنين، ونبئ يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، وفتح مكة يوم الإثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وتوفي يوم الإثنين).

قال في الزوائد:1/196: (رواه أحمد والطبراني في الكبير وزاد فيه: وفتح بدراً يوم الإثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين:الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف،وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح).

وعلة الحديث عندهم مخالفته لعمر، وليس ابن لهيعة الذي وثقه عدد منهم، وللحديث طرقٌ بدون ابن لهيعة، وقد صرح بذلك السيوطي وابن كثير ! قال في سيرته:1/198: (تفرد به أحمد ورواه عمرو بن بكير عن ابن لهيعة، وزاد: نزلت سورة المائدة يوم الإثنين: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وهكذا رواه بعضهم عن موسى بن داود به، وزاد أيضاً: وكانت وقعة بدر يوم الإثنين . وممن قال هذا يزيد بن حبيب، وهذا منكرٌ جداً ! قال ابن عساكر: والمحفوظ أن بدراً ونزول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، يوم الجمعة، وصدق ابن عساكر). ومعنى (منكر) أنه مخالف لعمر، ومعنى (المحفوظ) أي الرسمي الذي يُدَرِّسونه لرواتهم !

واخيراً، إن إشكالنا عليهم بأحاديث نزول الآية يوم الإثنين، إلزامٌ لهم بما صححوه، وإلا فالمعتمد عندنا أنها نزلت يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة وأن وفاته(صلى الله عليه وآله) كانت في الثامن والعشرين من صفر، فتكون الفاصلة بينهما نحو سبعين يوماً. وعندنا أن بعثته(صلى الله عليه وآله) كانت يوم الإثنين وصلى عليٌّ (عليه السلام) معه يوم الثلاثاء، ووفاته(صلى الله عليه وآله) يوم الإثنين، وقد تكون سورة المائدة نزلت يوم الإثنين أي أكثرها، ثم بقيتها ومنها آيتا التبليغ وإكمال الدين .

 

سادساً: أن عيد المسلمين يوم الأضحى وليس عرفة، لكن عمر جعله يوم عرفة، وهو بميزان الوهابية بدعة ! فعلى رواية النسائي أن الآية نزلت ليلة عرفة، لا يبقى عيد حتى يصطدم به العيد النازل، ولا يحتاج الأمر إلى إدغام الأعياد أو تنصيفها، كما ادعى عمر !

 

سابعاً: لو كان يوم عرفة يوم جمعة كما صححوا عن عمر، لصلى النبي(صلى الله عليه وآله) بالمسلمين صلاة الجمعة، بينما لم يروِ أحدٌ أنه صلاها في عرفات، وأجمعوا على أنه صلى الظهر والعصر كالنسائي وغيره ! وقد وضع في سننه:1/290، عنواناً بإسم (الجمع بين الظهر والعصر بعرفة) روى فيه عن جابر بن عبد الله قال: (سار رسول الله (ص) حتى أتى عرفة... ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً)! وفي رواية أبي داود:1/429:(فجمع بين الظهر والعصر)..

فلو كان عرفة يوم جمعة ولم يصلها النبي(صلى الله عليه وآله) لذكر ذلك ألوف المسلمين الذين حضروا حجة الوداع !

 

ثامنـاً: تورط علماء الجرح والتعديل السنيون في حديث أبي هريرة الذي رواه الخطيب والحسكاني وابن عساكر وابن المغازلي وابن كثير والخوارزمي بأسانيد عن أبي هريرة، في أن آية إكمال الدين نزلت يوم غدير خم بعد خطبة النبي(صلى الله عليه وآله) ووصيته الأمة بالقرآن والعترة، وبعد أن رفع يد علي (عليه السلام) وأعلنه خليفة من بعده ! فقد روى أبو هريرة أن النبي(صلى الله عليه وآله) أمرهم أن يصوموا ذلك اليوم شكراً لله تعالى، قال: (من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي(ص) بيد علي بن أبي طالب فقال: ألست ولي المؤمنين؟ قالوا: بلى يا رسول الله . قال: من كنت مولاه فعلي مولاه . فقال عمر بن الخطاب بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ! فأنزل الله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا).(تاريخ دمشق:42/233، وغيره).

وسبب تحيرهم أنهم لايمكنهم الطعن في سند الحديث، لأن رجاله موثقون من رجال الصحاح ! ولا يمكنهم قبوله لأن عمر أنكر أن تكون الآية نزلت في يوم الغدير وقال نزلت قبله بأيام ! بينما أبو هريرة ينسف كل ذلك وينسف السقيفة ويقول: نزلت ولاية علي من الله تعالى وبلغها النبي(صلى الله عليه وآله) فنزلت آية إكمال الدين، وهنأه عمر وبخبخ له !

وعادة المتعصبين لعمر عندما يقعون في مأزق أن يفقدوا توازنهم ويردوا الحديث النبوي المخالف لقول عمر حتى (دفعاً بالصدر) وهو مصطلح لمن رد حديثاً بلا حجة تشبيهاً له بمن يدفع أحداً في صدره ! ويصفون الحديث بأنه منكر أو مكذوب لأنه يخالف قول عمر، كما فعل الذهبي وابن كثير ! قال السيد حامد النقوي في خلاصة عبقات الأنوار:7/246: (رويّ حديث صوم يوم الغدير بطريق صحيح رجاله كلهم ثقات، فقد أخرج الحافظ الخطيب، عن عبد الله بن علي بن محمد بن بشران، عن علي بن عمر الدار قطني، عن أبي نصر حبشون الخلال، عن علي بن سعيد الرملي، عن ضمرة بن ربيعة، عن عبد الله بن شوذب، عن مطر الوراق  عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير خم..الخ. ). وعدَّد الأميني في الغدير:1/236، ستة عشر من علماء السنة رووا الحديث، وقال: (رواية أبي هريرة صحيحة الإسناد عند أساتذة الفن، منصوص على رجالها بالتوثيق... وحديث أبي سعيد له طرق كثيرة كما مر في كلام الحمويني في فرائده، على أن الرواية لم تختص بأبي سعيد وأبي هريرة فقد عرفت أنها رواها جابر بن عبد الله، والمفسر التابعي مجاهد المكي، والإمامان الباقر والصادق صلوات الله عليهما، وأسند إليهم العلماء مخبتين إليها... وقد سمعت عن السيوطي نفسه في دره المنثور رواية الخطيب وابن عساكر وعرفت أن هناك جمعاً آخرين أخرجوها بأسانيدهم مثل الحاكم النيسابوري، والحافظ البيهقي، والحافظ ابن أبي شيبة، والحافظ الدارقطني، والحافظ الديلمي، والحافظ الحداد وغيرهم، كل ذلك من دون غمز فيها من أي منهم).انتهى. فكلام ابن كثير وشيخه الذهبي غير صحيح، أما العجلوني (كشف الخفاء:2/258)فكان أكثر إنصافاً منهما فنقل تكذيب الذهبي للحديث بدليل واه ولم يؤيده ولا ذكر أسانيده الصحيحة !

أما من طرقنا فروته مصادرنا المعتبرة، كأمالي الصدوق/50، والكافي:4/148، ونحوه الفقيه:2/90، وتهذيب الأحكام:4/305، وثواب الأعمال/74 .

 

  تاسعاً: قالت بعض رواياتهم إن النبي(صلى الله عليه وآله) عاش بعد نزول الآية إحدى وثمانين ليلةً، وهذا ينفي أن يكون يوم عرفة يوم جمعة ! فوفاة النبي(صلى الله عليه وآله) عندهم في الثاني عشر من ربيع الأول،فيكون من9 ذي الحجة إلى12ربيع الأول أكثر من تسعين يوماً ! فإما أن يوافقونا على رواية وفاته قبل ذلك وأنها في28 صفر، أو يوافقونا على نزول الآية يوم الغدير18ذي الحجة ! قال في الدر المنثور:2/259: (عن ابن جريج قال: مكث النبي(ص)بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة، قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ). ونحوه البيهقي في شعب الإيمان:2/257 . وفي تلخيص الحبير بهامش مجموع النووي:7/3: عن ابن جريح أنه(ص) لم يبق بعد نزول قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم، إلا إحدى وثمانين ليلة . والطبراني في الكبير برقم12984، وتفسير الطبري:4/106، عن ابن جريح قال: مكث النبي(صلى الله عليه وآله) بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة . وراجع الغدير:1/230 .

 

عاشراً: القول بأن يوم عرفة كان يوم جمعة، تنفيه الروايات التي سجلت حركة النبي(صلى الله عليه وآله) من المدينة وأنها كانت الخميس لأربعٍ بقين من ذي القعدة. وهو المشهور عن أهل البيت (عليهم السلام) وهو منسجم مع تاريخ نزول الآية في يوم الغدير الثامن عشر من ذي الحجة . فسفر النبي(صلى الله عليه وآله)  كان يوم الخميس السابع والعشرين من ذي القعدة، لأربع بقين من ذي القعدة هي: الخميس والجمعة والسبت والأحد.. فيكون أول ذي الحجة الإثنين، ووصول النبي(صلى الله عليه وآله) إلى مكة عصر الخميس سلخ الرابع من ذي الحجة كما نصت رواية الكافي:4/245، ويوم عرفة الثلاثاء، والغدير الخميس الثامن عشر من ذي الحجة .  ففي الوسائل:9/318: (خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) لأربعٍ بقين من ذي القعدة، ودخل مكة لأربعٍ مضين من ذي الحجة، دخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين، وخرج من أسفلها).

وفي الكافي:4/245: (عن أبي عبدالله (عليه السلام)  قال: حج رسول الله(صلى الله عليه وآله)  عشرين حجة...إن رسول الله أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج ثم أنزل الله عز وجل عليه: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول الله(صلى الله عليه وآله) يحج في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب...فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أربع بقين من ذي القعدة فلما انتهى إلى ذي الحليفة زالت الشمس فاغتسل...حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجة فطاف بالبيت سبعة أشواط). وفي المسترشد/119: (عن أبي سعيد أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) دعا الناس إلى علي (عليه السلام) بغدير خم وأمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فَقُمَّ، وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس وأخذ بضبعيه ورفعه حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه، ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي من بعدي ).انتهى.

ويؤيد قول أهل البيت (عليهم السلام) رواية عيون الأثر:2/341، أن سفر النبي(صلى الله عليه وآله)  كان الخميس، وما روته مصادر الفريقين من أنه(صلى الله عليه وآله) كان لايبدأ سفره إلا يوم خميس، أو قلما يبدؤه في غيره . (بخاري:4/6، وأبو داود:1/586).

ويؤيده روايتهم عن جابر أن حركته(صلى الله عليه وآله) كانت لأربعٍ بقين من ذي القعدة  كما في سيرة ابن كثير . وأن بخاري وأكثر الصحاح رووا أن سفره(صلى الله عليه وآله) كان لخمسٍ بقين من ذي القعدة بدون تحديد يوم . راجع صحيح بخاري:2/146 و184 و187 و4/7 وفيه: وقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة، والنسائي:1/154 و208 و5/121، ومسلم:4/32، وابن ماجة:2/993، والبيهقي:5/33، وغيرها .

  ويؤيده أن مدة سيره(صلى الله عليه وآله) من المدينة إلى مكة لاتزيد على ثمانية أيامٍ وذلك بملاحظة الطريق الذي سلكه، وهو في حدود400كيلومتراً وملاحظة سرعة السير حتى أن بعض الناس شكوا له تعب أرجلهم فعلمهم النبي(صلى الله عليه وآله) أن يشدوها ! وأن أحداً لم يرو توقفه في طريق مكة أبداً . وبذلك تسقط رواية خروجه من المدينة لستٍّ بقين من ذي الحجة، كما في عمدة القاري، وإرشاد الساري، وهامش الحلبية:3/257لأنها تستلزم أن تكون مدة السير إلى مكة عشرة أيام !

وبهذا يتضح تكلف المخالفين حيث اعتمدوا رواية (خمس بقين من ذي القعدة) وحاولوا تطبيقها على يوم السبت ليجعلوا أول ذي الحجة الخميس، ويجعلوا يوم عرفة يوم الجمعة تصديقاً لقول عمر ! بل كانوا ملكيين أكثر من الملك لأنه روي عنه أنه الخميس. لاحظ ابن سعد في الطبقات:2/124، والواقدي في المغازي:2/1089، وتاريخ الطبري:3/148، وتاريخ الذهبي:2/701، وهامش السيرة الحلبية:3/3، وغيرهم . وقد حاول ابن كثير الدفاع عن هذا القول الحكومي، وارتكب التكلف والمصادرة، راجع سيرته:4/217.

 

والنتيجة: أن القول بنزول آية إكمال الدين في يوم عرفة، ترد عليه إشكالاتٌ عديدةٌ، في منطقه وتاريخه وتوقيته، وكلها تستوجب تركه وعدم الأخذ به، فيكون رأي أهل البيت (عليهم السلام) ومن وافقهم في سبب نزولها بدون معارض معتد به، لأن المعارض الذي لايستطيع النهوض كعدمه، والمتن الكسيح لاينهضه السند الصحيح !

عيد الغدير عيدٌ سنيٌّ أيضاً

ختاماً: إن المجمع عليه عند المسلمين أن يوم نزول الآية عيدٌ إلهيٌّ عظيم (عيد إكمال الدين وإتمام النعمة). بل ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) أنه أعظم الأعياد الإسلامية على الإطلاق، ودليله المنطقي أن العيد الأسبوعي للمسلمين مرتبط بصلاة الجمعة، وعيد الفطر بعبادة الصوم، وعيد الأضحى بعبادة الحج . أما هذا العيد فهو مرتبطٌ بإتمام الله تعالى نعمة الإسلام كله على الأمة، وقد تحقق في رأي السنيين بتنزيل أحكام الدين وإكمالها بدون تعيين رباني لقيادة الأمة . وتحقق برأينا بإكمال تنزيل الأحكام وحل مشكلة القيادة وإرساء نظام الإمامة في عترة خاتم النبيين(صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة . فالكل المسلمين متفقون على أنه عيدٌ شرعي، فلماذا تخسر الأمة أعظم أعيادها، ولا يكون له ذكر في مناسبته ولا مراسم تناسب شرعيته وقداسته؟! ولماذا لا يحييه أتباع المذاهب السنية بالشكل الذي ينسجم مع عقيدتهم وفقه مذاهبهم ؟!

 

 

أسباب النزول تكشف تحريفات السلطة

 

باستطاعتك أن تكشف رواة السلطة من أحاديث أسباب النزول أكثر من غيرها، لأن الجانب الرياضي فيها أوضح ! فعندما تجد خمسة أسباب في نزول آية، متنافية في المكان والزمان والحادثة، لايمكن أن تقبلها وتقول كلها صحيحة ورواتها صحابة عدول وكلهم نجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا ! بل لابد أن يكون السبب واحداً، والباقي غير صحيح، أو كلها غير صحيحة ! لذا أدعو الباحثين في تفسير القرآن وعلومه الى العمل في هذا الحقل ليقدموا إلى الأمة والأجيال نتائج جديدة في فهم القرآن والسيرة، بل في فهم العقائد والفقه والإسلام .

ولهذا أكد أمير المؤمنين (عليه السلام) على أهمية معرفة أسباب النزول، لأنها تميز الحق من الباطل وتضع حداً للمحرفين المبطلين ! قال (عليه السلام) : (كنت إذا سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله) أجابني، وإن فنيت مسائلي ابتدأني فما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار ولا سماء ولا أرض ولا دنياً ولا آخرة ولا جنة ولا نار ولا سهل ولا جبل ولا ضياء ولا ظلمة، إلا أقرأنيها وأملاها عليَّ وكتبتها بيدي، وعلمني تأويلها وتفسيرها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها، وكيف نزلت وأين نزلت وفين أنزلت، إلى يوم القيمة، ودعا الله لي أن يعطيني فهماً وحفظاً، فما نسيت آية من كتاب الله ولا على من أنزلت ). (بصائر الدرجات/218) .

ومن أوضح الأمثلة لأسباب النزول، مسألة آخر ما نزل من القرآن !

فقد تتفهم أن يختلف المسلمون في أول ما نزل من القرآن، لأنهم لم يكونوا مسلمين يومها، ثم لم يكتبوا عن النبي(صلى الله عليه وآله) ماعدا علي (عليه السلام)  ! ثم منعتهم السلطة من كتابة سنة النبي(صلى الله عليه وآله) بعد وفاته، فأوقعت الأجيال في مشكلات لاآخر لها !

لكن العجيب اختلافهم في آخر ما نزل من القرآن، وقد كانوا دولةً وأمةً ملتفَّةً حول نبيها، وقد أعلن لهم أنه راحل عنهم عن قريب، وحج معهم حجة الوداع، ومرض قبل وفاته أسبوعين، وودعوه وودعهم ! فلماذا اختلفوا في آخر ما نزل عليه ؟

الجواب: إنها الأغراض السياسية التي دخلت في كل شئ !

 

 

آخر ما نزل من القرآن: سورة المائدة وآيات الغدير

 

اتفق أهل البيت (عليهم السلام) على أن آخر ما نزل من القرآن سورة المائدة فروى العياشي في تفسيره:1/288، عن علي (عليه السلام) قال: (كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بآخره، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة فنسخت ما قبلها ولم ينسخها شئ . لقد نزلت عليه وهو على بغلته الشهباء وثقل عليه الوحي حتى وقفت وتدلى بطنها، حتى رأيت سُرَّتها تكاد تمسُّ الأرض، وأغميَ على رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي، ثم رفع ذلك عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقرأ علينا سورة المائدة فعمل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعملنا). وقصده (عليه السلام) أن المسح على القدمين في الوضوء هو الواجب وليس غسلهما، لأنه نزل في سورة المائدة .

وفي الكافي:1/289، بسند صحيح عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (أمر الله عز وجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وفرض ولاية أولي الأمر فلم يدروا ما هي؟ فأمر الله محمداً(صلى الله عليه وآله) أن يفسر لهم الولاية كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلما أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتخوف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه، فضاق صدره وراجع ربه عز وجل فأوحى الله عز وجل إليه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فصدع بأمر الله تعالى ذكره فقام بولاية علي (عليه السلام)  يوم غدير خم فنادى الصلاة جامعة وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب. قال عمر بن أذنية: قالوا جميعاً غير أبي الجارود وقال أبو جعفر (عليه السلام) : وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى وكانت الولاية آخر الفرائض فأنزل الله عز وجل:الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي . قال أبو جعفر (عليه السلام) : يقول الله عز وجل: لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم الفرائض) . وفي تاريخ اليعقوبي:2/43: (وقد قيل إن آخر ما نزل عليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً . وهي الرواية الصحيحة، الثابتة الصريحة).

 

  

رأي السنيين الموافق لرأي أهل البيت (عليهم السلام) في سورة المائدة

 

رووا عن عائشة بسند صحيح ما يوافق رأي أهل البيت (عليهم السلام)، قالت: (إن سورة المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها حلالاً فحللوه، وما وجدتم فيها حراماً فحرموه). ( أحمد:6/188، وسنن البيهقي:7/172، وطبقات الحنابلة:1/427 . والحاكم:2/311، على شرط الشيخين، والمحلى:9/407، وفي الغدير:1/228: ونقل ابن كثير من طريق أحمد والحاكم والنسائي . ومجمع الزوائد:1/256 عن ابن عباس: فإنها أحكمت كل شئ، وكانت آخر سورة نزلت من القرآن ) . فالمتسالم عند أهل البيت (عليهم السلام) أن آخر ما نزل من القرآن المائدة  وتؤيده رواياتٍ صحيحة في مصادر السنة . بل إن آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.. تكفي وحدها دليلاً على أنها آخر ما نزل من القرآن، لأنها تقول إن نزول الأحكام قد تم، وتنفي نزول أي حكم بعدها، مضافاً الى ما تقدم من النص على ذلك .

 

 

ودخلت السياسة على الخط فظهرت الهرطقة !

 

سئل الخليفة عمر ذات يوم عن بعض أحكام الربا فلم يعرفها فقال: متأسف، فآية الربا آخر آية نزلت، وتوفي النبي(ص) ولم يبينها لنا ! ومن يومها صار ختام ما نزل من القرآن مردداً بين المائدة وآيات الربا ! وصارت المائدة (من) آخر ما نزل، وليس آخر ما نزل !

ففي الدر المنثور: 2/252، أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: (المائدة (من) آخر القرآن تنزيلاً فأحلوا حلالها وحرموا حرامها).

فهل عرفت أن (من) موظفة من الحكومة لتصديق قول الخليفة؟ ولكن آية الربا التي قال عمر إنها آخر ما نزل ! موجودة في أربع سور: في الآيتين275 و276 من سورة البقرة والآية161 من سورة النساء، والآية39 من سورة الروم، والآية130 من سورة آل عمران.. وبعض هذه السور مكي وبعضها مدني ! فأي آية منها قصد الخليفة ؟!

هنا تبرع الموظفون فقالوا إنه يقصد الآية278من سورة البقرة ! فصار مذهبهم أن آخر آية نزلت من القرآن وضعت في سورة البقرة التي نزلت في أول الهجرة ! وصار تحريم الربا تشريعاً إضافياً، لأنه نزل بعد آية إكمال الدين ! وكأنهم لا يرون بأساً بهذا التهافت في نزول القرآن، لأنهم يدافعون بذلك عن عمر الذي يعتقدون أنه خليفة النبي(صلى الله عليه وآله) !

قال أحمد:1/36: (قال عمر: إن آخر ما نزل من القرآن آية الربا وإن رسول الله قبض ولم يفسرها، فدعوا الربا والريبة). وكنز العمال:4/186، عن تسع مصادر .

وقال السرخسي في المبسوط:2/51 و12/114: (فقد قال عمر رضي الله عنه:إن آية الربا آخر ما نزل وقبض رسول الله قبل أن يبين لنا شأنها) ! فكلام عمر يجب أن يكون صحيحاً، حتى لو استوجب تكذيب القرآن في إكمال الدين، واستوجب تقصير النبي(صلى الله عليه وآله) في بيان الوحي ! وقال في الإتقان:1/101: (وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت آية الربا . وروى البيهقي عن عمر مثله..وعند أحمد وابن ماجة عن عمر: من آخر ما نزل آية الربا). انتهى. ولكن إضافتهم (من) في حديث لاتحل المشكلة، لأن غيره ليس فيه (من) !

 

 

 

مصيبة الكلالة عند عمر أكبر من مصيبة الربا

 

وذات يوم، لم يعرف الخليفة عمر معنى الكلالة واستعصى عليه فهمها وداخ فيها ! فقال إنها آخر آية نزلت وتوفي النبي(صلى الله عليه وآله) ولم يبينها له، أو بينها له بياناً ناقصاً ! روى بخاري:5/115: (عن البراء قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ.. ونحوه:5/185. وفي الإتقان: 1/101: (فروى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، وآخر سورة نزلت براءة ). ونحوه أحمد:4/298. ومن يومها دخلت آية الكلالة على الخط ! وصار ختام ما نزل مردداً بين آيات الربا والكلالة، والمائدة وإكمال الدين !

وقد راجعت ما تيسر لي من مصادرهم في الربا والكلالة، فهالتني مشكلة الخليفة معهما وخاصةً الكلالة، حتى أنه جعلها قضية هامة على مستوى قضايا الأمة الكبرى، وكان يطرحها على المنبر حتى آخر أيامه ويوصي المسلمين بحلها ! وهو أمر غريب يدل على شعوره العميق بالحرج أمام المسلمين لعدم تمكنه من استيعابها !

ففي صحيح بخاري:6/242: (عن ابن عمر قال: خطب عمر على منبر رسول الله فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل . والخمر ما خامر العقل . وثلاث وددت أن رسول الله(ص) لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهداً: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا). ومسلم في:2/81، بتفصيل، ونحوه في:5/61 و8/245، ورواه ابن ماجة في:2/910  وفي الدر المنثور:2/249: وأخرج عبد الرزاق، والبخاري، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، عن عمر..الخ. ويدل هذا الصحيح المؤكد على أن عمر لم يسأل النبي(صلى الله عليه وآله) عن الكلالة، وصرح به الحاكم وصححه:2/303، أن عمر قال: ( لأن أكون سألت رسول الله عن ثلاثٍ أحب إلي من حمر النعم: عن الخليفة بعده، وعن قوم قالوا نقرُّ بالزكاة في أموالنا ولا نؤديها إليك أيحل قتالهم، وعن الكلالة).

لكن صحيح مسلم المؤكد أيضاً روى قول عمر إنه سأل النبي(صلى الله عليه وآله)  عنها مراراً ! قال مسلم في:5/61: (أن عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي الله وذكر أبا بكر ثم قال: إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة ! ما راجعت رسول الله(ص)في شئ ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شئ ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟! وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لايقرأ القرآن).انتهى. فقد سأل النبي(صلى الله عليه وآله) عنها مراراً فوضحها له لكنه كرر سؤاله حتى غضب عليه النبي(صلى الله عليه وآله) لعدم فهمه لشرحه! ويدل الصحيحان التاليان على أن النبي(صلى الله عليه وآله) أخبره أنه لن يفهم الكلالة طول عمره أو دعا عليه بذلك ! ففي الدر المنثور:2/250: (وأخرج العدني والبزار في مسنديهما، وأبو الشيخ في الفرائض، بسند صحيح عن حذيفة قال: نزلت آية الكلالة على النبي في مسيرٍ له فوقف النبي(ص) فإذا هو بحذيفة فلقَّاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر فلقَّاها إياه، فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة فدعا حذيفة فسأله عنها فقال حذيفة: لقد لقَّانيها رسول الله فلقَّيتك كما لقَّاني، والله لا أزيدك على ذلك شيئاً أبداً). وفي كنز العمال:11/80  أن عمر سأل رسول الله: كيف يورث الكلالة؟قال: أو ليس قد بين الله ذلك ثم قرأ: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ . فكأن عمر لم يفهم فأنزل الله:يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَئٍْ عَلِيمٌ، فكأن عمر لم يفهم فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله طيب نفس فاسأليه عنها ! فقال: أبوك ذكر لك هذا؟ ما أرى أباك يعلمها أبداً ! فكان يقول: ما أراني أعلمها أبداً، وقد قال رسول الله (ص) ما قال ! وذكر صحة الحديث . بل روى في الدر المنثور:2/249: أن النبي(صلى الله عليه وآله) قد كتبها لعمر في كتف، أي جلد معد للكتابة ! قال: (وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن مردويه عن طاوس، أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي عن الكلالة فسألته فأملاها عليها في كتف وقال: من أمرك بهذا أعمر، ما أراه يقيمها أوما تكفيه آية الصيف؟! قال سفيان: وآية الصيف التي في النساء: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ.. فلما سألوا رسول الله نزلت الآية التي في خاتمة النساء). كما رووا أن عمر ألف في الكلالة كتاباً، ثم مزقه !

فتأمل هذه التناقضات الصحيحة السند في حديث عمر والكلالة ! والمسائل الثلاث التي قال بخاري لم يبينها النبي(صلى الله عليه وآله) للأمة ولا سأل عمر عنها النبي(صلى الله عليه وآله)، كيف رووا أن النبي(صلى الله عليه وآله) كتبها لعمر !

إن دلالات هاتين القصتين متعددة وخطيرة، تستحق أن يكتب الباحث فيها عشرات الصفحات ! ونكتفي منها: بأن صحاح الخلافة فيها متناقضاتٌ لايمكن لعاقل أن يقبلها، بل لابد أن يرد بعضها أو جميعها ! وكيف يمكن أن تقبل أن عمر لم يسأل النبي(صلى الله عليه وآله) عن آية لأنها آخر آية نزلت، ثم سأله عنها فكتبها له، ثم سأله عنها مراراً فشرحها له فلم يفهمها، حتى غمزه بإصبعه في صدره وغضب منه ! وأن تقبل أن الكلالة آخر آية نزلت، وآيات الربا، وأنهما نزلتا بعد إكمال الدين وانتهاء تنزيل أحكامه ! فهل معنى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ: عفواً، لم أكمل أحكام الإرث والربا..الخ.!

ونكتفي منها: بأن سلطة عمر على السنيين بلغت حداً تجعل ادعاءه غير المعقول معقولاً ! وتجعل وظيفة علمائه تكييف الإسلام وأحداث نزول آيات القرآن حسب ما قاله حتى لو تناقضت أقواله واتهمت النبي(صلى الله عليه وآله) بالتقصير في التبليغ، أو اتهمت الله تعالى بالتناقض في قرآنه وأفعاله !

يريدونك أن تجادل عن شخص غير معصوم، فتبرئه من الخطأ والتناقض، ولو رميت به الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله) ! وإلا فأنت رافضي عدوٌّ للإسلام ورسوله(صلى الله عليه وآله) وصحابته، مهدور الدم والمال والعرض !

 

 

تخبطهم في آخر مانزل لإبعاد الآية عن ولاية علي (عليه السلام)

 

يظهر أن السيوطي استحى لجماعته من كثرة الأقوال في آخر ما نزل من القرآن، فأجملها إجمالاً ولم يعددها أولاً وثانياً، كما عدد الأقوال الأربعة في أول ما نزل ! ونحن نعدها باختصار !

1 - أن آخر آية هي آية الربا، وهي الآية 278 من سورة البقرة .

2 - أنه آية الكلالة: الورثة من الأقرباء غير المباشرين.آية176- النساء .

3 - أنه آية (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) آية281 - البقرة .

4 - أنه آية (لقد جاءكم رسول من أنفسكم ...) لآية 128 - التوبة .

5 - أنه آية (وما أرسلنا من قبلك من رسول ...) لآية 25 - الأنبياء .

  6 - أنه آية (فمن كان يرجو لقاء ربه ...) الكهف - 110 .

7 - أنه آية (ومن يقتل مؤمنا متعمداً ...) النساء - 93 .

8 - أن آخر سورة نزلت هي سورة التوبة .

9 - أن آخر سورة نزلت هي سورة النصر .

هذا ما جاء فقط في إتقان السيوطي:1/101، وقد تبلغ رواياتهم ضعف هذا ! وأحاديثها عندهم صحيحة، والمطلوب المركزي لهم إبعاد الأمر عن سورة المائدة وآية إكمال الدين، وإبعاد السورة والآية عن ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ثم لا مانع إن لزم الأمر أن يتنازلوا عن قول عمر، لكن لمصلحة قول آخر يبعد الأمر عن ولاية علي (عليه السلام) ! ولذا دخل معاوية على الخط، ونفى على المنبر أن تكون آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، آخر ما نزل !

ففي الطبراني الكبير:19/392، ووثقه مجمع الزوائد:7/14، عن عمرو بن قيس أنه (سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر نزع بهذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم .. قال: نزلت يوم عرفة في يوم جمعة، ثم تلا هذه الآية: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)! والشاميين:3/396، وتفسير الطبري:16/51، والدر المنثور:4/257، والإتقان:1/85 .

ولذا نسب بخاري الى ابن عباس في صحيحه:5/182، قال: (سمعت سعيد بن جبير قال: آية اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ..هي آخر ما نزل وما نسخها شئ). آية93: النساء، ونحوه:6/15، والدر المنثور:2/196، عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن جرير والطبراني، وأحمد، وسعيد بن منصور، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم...الخ. فهل يمكن لمسلم أن يقبل أن تحريم قتل المؤمن تشريع إضافي في الإسلام، نزل بعد إكمال الدين ! ونسب الطبراني في الكبير:12/19، الى ابن عباس: (آخر آية أنزلت: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ). 281 من سورة البقرة !

ونسب الحاكم:2/338، الى أبيّ بن كعب وصححه على شرط الشيخين: (آخر ما نزل من القرآن: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ). وهي في سورة التوبة:128، ورواه في الدر المنثور:3/295، عن بن أبي شيبة، وابن راهويه، وابن منيع، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي، وابن الضريس، وابن الأنباري، وابن مردويه، عن ابن كعب وفيه : إن أحدث القرآن عهداً بالله وفي لفظ بالسماء هاتان الآيتان...الخ.

 

تحايلهم على معنى إكمال الدين من أجل عمر !

 

قال في الإتقان:1/102: (من المشكل على ما تقدم قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع، وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها . وقد صرح بذلك جماعة منهم السدي فقال: لم ينزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ، مع أنه ورد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعدها ! وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال: الأولى أن يتأول على أنه أكمل لهم الدين بإفرادهم بالبلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون، لايخالطهم المشركون) ! انتهى.

 

أقول: معنى كلام ابن جرير الطبري:أنه يعترف بأن الآية تنص على إكمال الدين فمعناه أنه لم ينزل بعدها أحكام، لكن بما أن عمر قال إن آيات نزلت بعدها في أحكام الربا والإرث، وسياقها الذي وضعت فيه في القرآن يأتي فيه بعدها مجموعة أحكام للحوم والطعام والزواج..الخ. فالحل عند الطبري أن نلغي معنى إكمال الدين في الآية ونجعله إكماله بتحرير مكة ! حتى تسلم لنا أحاديث عمر عن الكلالة والربا وغيرها ! وهذا يعني وجوب تطويع آيات القرآن لكلام عمر ولو استلزم تفريغها من معناها ! لكن ماذا يصنعون بإقرار عمر لليهودي بأن يوم إكمال الدين عيد إكمال تنزيل الأحكام .

والصحيح، ما نص عليه عامة فقهائهم وهو أن آية إكمال الدين إعلان عن إكمال تنزيل الشريعة: (فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام)، وأرسلوا ذلك إرسال المسلمات، كعمدة القاري:18/199، وتفسير مقاتل:1/280، وتفسير الطبري نفسه:6/106، عن إمامه السدي، وتفسير ابن كثير:2/14، والإتقان:1/86، وغيرهم .

أما عندنا فقد فسير الإمام الباقر (عليه السلام) الآية بسند صحيح، قال (عليه السلام) : (لا أنزل عليكم بعد هذه الفريضة فريضة . قد أكملت لكم هذه الفرائض).

والفريضة عندنا تعني: كل تكليف شرعي، ففي الكافي:2/644، عن الصادق (عليه السلام) قال: (قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : السلام تطوع والرد فريضة). وفي:2/33، عن الباقر (عليه السلام) قال: (قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) : من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان مؤمناً؟ قال: فأين فرائض الله؟... كان علي (عليه السلام)  يقول: لو كان الايمان كلاماً لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام).انتهى. فهذا الإجماع بيننا وبينهم، دليل كاف لرد كل رواية أو مقولة، تدعي نزول شئ من الأحكام بعد آية إكمال الدين .

 

معنى الإكمال يؤكد موقع علي (عليه السلام) ومنظومة الإمامة

 

حاول اللغويون التمييز بين الإكمال والإتمام، وأعمقهم في ذلك الراغب في مفرداته، والعسكري في الفروق اللغوية، وأخطأ بعضهم فعدهما مترادفين مع أن القرآن ليس فيه مترادف بالكامل !

والظاهر أن مادة (كمل) تستعمل للمركب الذي لايحصل الغرض منه ولا يكمل إلا بكل أجزائه فإن نقص منها شئ كان وجوده ناقصاً أو مثلوماً ! ولذا قال علي (عليه السلام) سيد الفصحاء بعد النبي(صلى الله عليه وآله) في عهده للأشتر : (فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووفِّ ما تقربت به إلى الله من ذلك،كاملاً غير مثلوم ولا منقوص بالغاً من بدنك ما بلغ ) . (نهج البلاغة:3/103) .

فإكمال الدين رفع نقصه بتكميل أجزائه، أو رفع ثلمه، لأن الإسلام مركب من الدين وآلية تطبيقه التي هي الإمامة، وعدم تبليغ الجزء المكمل للمركب يساوي عدم تبليغ شئ منه، وبذلك يتضح أن الإمامة جزء لايتجزأ من الإسلام، فلا وجود له وجوداً حقيقياً بدونها .

أما النعمة فليست مركباً واحداً بل هي وجود متفاوت ودرجات وأجزاء، فهي موجودة قبل تبليغ النبي(صلى الله عليه وآله) للإمامة،لكنها لاتكون تامة إلا بها ! فمعنى: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، أتممتها بتكميل الإسلام ومنظومة الإمام فيه، فإكمال مركب الدين بالإمامة، وبها تتم النعمة على المسلمين، إن هم أطاعوا الإمام الذي نصبه ربهم لهم .

ويدل على ذلك آية جمعت الإكمال والإتمام، هي قوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ).(البقرة-233).

فالكمال للحولين لأنهما إسم لمركب ينتفي بانتفاء جزء منه، فلو نقصت يوماً لم تتحقق الرضاعة لحولين . والتمام للرضاعة لأنها إسم للأعم فإن نقصت عن حولين فهي رضاعة، وإن كانت غير تامة .

هذا، وللراغب الأصفهاني هنا لفتة جيدة، هي أن إكمال الدين يعني ثبات صيغته النهائية وعدم حدوث النسخ فيه، فالنسخ كان مفتوحاً في القرآن والسنة حتى نزلت الإمامة فانتهى وكمل الدين بصيغته الخالدة وتمت به النعمة. قال في مفرداته/440: (وقوله: وتمت كلمة ربك، إشارة إلى نحو قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، الآية.. ونبه بذلك أنه لاتنسخ الشريعة بعد هذا).


 

 

تفسير آية: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ

 

العذاب الذي طلبته قريش

 

قال الله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع. (المعارج:1-2).

  تبدو هاتان الآيتان سؤالاً عن عذاب موعود سيقع حتماً، لا أكثر، ويمكن لأحد أن يقول إنه عذاب الآخرة الموعود، فليس بالضرورة أن يكون عذاباً في الدنيا . لكن الآيات والأحاديث تدلك على أن هذا العذاب في الدنيا، وقد وقع منه مفردات، وبقيت مفردات !

وفي آيات العذاب الدنيوي تجد طلباً عجيباً من مشركي قريش، لم تطلبه أي أمة من نبيها عبر التاريخ ! قال الله تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَلِينَ . وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَالْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . وَمَا لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . (الأنفال:31-34) .

لقد حطَّمَ القرشيون الرقم القياسي في العناد اليهودي البدوي ! فلم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، بل قالوا ما لم يقله أحد قبلهم ولا بعدهم: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ! ومعناه أنا لانريد نبوة ابن بني هاشم، حقاً كانت أو باطلاً، فإن كانت حقاً من عندك، فأهلكنا فذلك خير لنا ! وصدق الله تعالى حيث أخبر أن أكثرهم لن يؤمنوا، فقال: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. (يس:6-8) .

وقد وعد الله هؤلاء الأكثر وإن أظهروا الإيمان بعذاب الدخان فقال: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ . يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ . رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ . أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ . ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ. إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ . يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) (الدخان:10-15).

أما مصادر السلطة فقد زعمت أن العذاب بهذا الدخان تحقق عندما دعا النبي(صلى الله عليه وآله) على قريش فأصابهم القحط والجوع فكان أحدهم يرى أمامه كالدخان من الجوع ! قال بخاري:2/15: (إن النبي(ص) لما رأى من الناس إدباراً قال: اللهم سبعاً كسبع يوسف فأخذتهم سنة حصت كل شئ حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، قال الله تعالى: فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين إلى قوله عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى، فالبطشة يوم بدر، وقد مضت الدخان والبطشة واللزام وآية الروم). و:2/19، و:5/217، و:6/41 .

وفي صحيح مسلم:8/130: (عن مسروق قال: كنا عند عبد الله جلوساً وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصاً عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجئ فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام! فقال عبد الله وجلس وهو غضبان: يا أيها الناس إتقوا الله، من علم منكم شيئاً فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم..). ثم أورد حديث بخاري وقال: (فالبطشة يوم بدر وقد مضت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم).انتهى.

أقول: ترى علماء السلطة يصرون على إبعاد العذاب الدنيوي والأخروي عن هذه الأمة وخاصة عن قريش حتى عن فراعنتها وأئمة الكفر منها كأبي جهل (بخاري:5/199) ! وقصدهم بالبطشة قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ . إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ . يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ . (الدخان:14-16)، وباللزام آخر سورة الفرقان: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً) . فهم يفسرون البطشة الكبرى واللزام والعذاب ببدر،! ويقولون إن أنواع العذاب الموعود قد مضت !

بل تراهم افتروا على النبي(صلى الله عليه وآله) بأنه دعا على قومه فوبخه الله تعالى ! فاقرأ مالا تصدقه عيناك في تفسير قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَئٌْ، وكيف صوروا النبي(صلى الله عليه وآله) ضيق الصدر مبغضاً لقريش عدوانياً عليها ! فينزل الوحي مدافعاً عن هذه القبائل المقدسة !

قال في الميزان:18/137: (واختلف في المراد بهذا العذاب المذكور في الآية، فقيل: المراد به المجاعة التي ابتلى بها أهل مكة.. وقيل إن الدخان المذكور في الآية من أشراط الساعة وهو لم يأت بعد...والقولان كما ترى).ونحوه مجمع البيان:9/105 .

 

أقول: التأمل في آيات العذاب يوجب القول بوجود عذاب دنيوي أيضاً وعد الله به بعض الناس، منه ما تحقق ومنه ما يكون على يد المهدي (عليه السلام)  ومنه ما يكون قبله، أو بعده في الرجعة، أو قرب القيامة .

ومن أدلته الواضحة قوله تعالى: (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ . وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).(هود:7-8). فهو ينص على عذاب موعود مؤخر الى (الأمة المعدودة) الذين يبعثهم الله لعذاب الظالمين، وقد ورد أنهم أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) . وكذا قوله تعالى لنبيه عيسى (عليه السلام) : (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ... فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ. (آل عمران:55-56). ولايتسع المجال لبحث الموضوع، وغرضنا منه العذاب الموعود في قوله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، وقد وردت أحاديث في أنه يتعلق بقريش، وأنه وقع بعضه يوم بدر، وبعضه على أثر يوم الغدير . وبعضه يكون عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) كما قال الإمام الصادق (عليه السلام) : (تأويلها فيما يأتي، عذابٌ يقع في الثوية يعني ناراً حتى تنتهي إلى الكناسة ) . (غيبة النعماني/272).

 

 

أحجار من السماء للمعترضين باسم قريش !

 

تحركت قافلة النبوة من غدير خمٍ نحو المدينة، وسكن قلب النبي(صلى الله عليه وآله) واطمأن لأنه بلغ رسالة ربه، لكن قلوب قريش كانت تغلي من الغيظ، ثم رأت نفسها أفاقت بعد سكرة، فأخذت بالنشاط !

هنا استعمل الله تعالى أسلوباً آخر لعصمة نبيه(صلى الله عليه وآله) من قريش، هو كشف مؤامرتها لقتله بعد الجحفة في عقبة هرشى، وكانت نسخة عن مؤامرتها في عقبة تبوك .

كما استعمل الله أسلوب العذاب السماوي الذي لا تفهم قريش غيره تماماً كاليهود مع أنبيائهم (عليهم السلام)  ! وقد روت مصادر السنة والشيعة عدة أسماء لأشخاص اعترضوا على إعلان النبي(صلى الله عليه وآله) ولاية علي (عليه السلام) في غدير خم وهم: جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، والحارث بن النعمان الفهري، وعمرو بن عتبة المخزومي، والنضر بن الحارث الفهري، والحارث بن عمرو الفهري، والنعمان بن الحارث اليهودي، والنعمان بن المنذر الفهري، وعمرو بن الحارث الفهري، ورجل من بني تيم،  ورجل أعرابي.. ورجل أعرابي من أهل نجد من ولد جعفر بن كلاب بن ربيعة . وكلهم قرشيون إلا الربيعي واليهودي ! وليس فيهم أنصاري لأنهم لم يعترض منهم أحد على ما أعطى الله تعالى لعترة نبيه(صلى الله عليه وآله)، وإن خذلوهم بعد وفاته !

وخلاصة الحادثة: أن أحد القرشيين الكبار، أو أكثر من شخص، اعترض على النبي(صلى الله عليه وآله) واتهمه بأن إعلانه علياً (عليه السلام) ولياً على الأمة، كان عملاً من عنده وليس بأمر ربه عز وجل ! ولم يقتنع القرشي بتأكيد النبي(صلى الله عليه وآله) له أنه ما فعل ذلك إلا بأمر ربه عز وجل ! وخرج من عند النبي(صلى الله عليه وآله) غاضباً مغاضباً، وهو يدعو الله بدعاء قريش أن يمطر الله عليه حجارة من السماء إن كان هذا الأمر حقاً من عنده، فرماه الله بحجرٍ من السماء فأهلكه ! أو أنزل عليه ناراً من السماء فأحرقته ! وهذه الحادثة تعني أن الله استعمل التخويف مع قريش أيضاً، ليعصم رسوله(صلى الله عليه وآله) من تكاليف حركة الردة التي قد تُقْدِم عليها، ويتعزز عند زعمائها الإتجاه القائل بفشل المواجهة الحسية مع النبي(صلى الله عليه وآله)، وضرورة الصبر حتى يتوفاه الله تعالى !

وأقدم من روى هذا الحديث أبو عبيد الهروي في كتابه: غريب القرآن، قال ابن شهراشوب في مناقب آل أبي طالب:2/240: أبو عبيد، والثعلبي، والنقاش، وسفيان بن عينيه، والرازي، والقزويني، والنيسابوري، والطبرسي، والطوسي في تفاسيرهم، أنه لما بَلَّغَ رسول الله (ص)بغدير خم ما بَلَّغ وشاع ذلك في البلاد، أتى الحارث بن النعمان الفهري وفي رواية أبي عبيد: جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري فقال: يا محمد ! أمرتنا عن الله بشهادة أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبالصلاة والصوم والحج والزكاة  فقبلنا منك، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شئ منك أم من الله؟! فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : والذي لاإله إلا هو إن هذا من الله . فولى جابر يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ! فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع..الآية). انتهى. وقد أحصى علماؤنا، كصاحب العبقات، وصاحب الغدير  وصاحب إحقاق الحق، وصاحب نفحات الأزهار، وغيرهم عدداً من أئمة السنيين الذين أوردوا هذا الحديث في مصنفاتهم، فزادت على الثلاثين .. نذكر منهم اثني عشر:

1 - الحافظ أبو عبيد الهروي، في تفسيره(غريب القرآن) .

2 - أبو بكر النقاش الموصلي البغدادي، في تفسيره .

3 - أبو إسحاق الثعلبي، في تفسيره (الكشف والبيان).

4 - الحاكم أبو القإسم الحسكاني في كتاب (أداء حق الموالاة) .

5 - أبو بكر يحيى القرطبي، في تفسيره .

6 - أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته .

7 - شيخ الإسلام الحمويني، روى في فرائد السمطين في الباب الثالث عشر بسنده الى الثعلبي عن سفيان بن عيينه سئل عن قوله عز وجل: سأل سائل بعذاب واقع، فيمن نزلت فقال ...

8 - أبو السعود العمادي، في تفسيره:8/292، وقال: قيل هو الحرث بن النعمان الفهري، وذلك أنه لما بلغه قول رسول الله (عليه السلام) في علي رضي الله عنه: من كنت مولاه فعلي مولاه، قال ...

9 - شمس الدين الشربيني القاهري الشافعي، قال: في تفسيره السراج المنير:4/364: اختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس: هو النضر بن الحرث، وقيل: هو الحرث بن النعمان...

10 - الشيخ برهان الدين علي الحلبي الشافعي، رواه في السيرة الحلبية:3/302، قال: لما شاع قوله(ص): من كنت مولاه فعلي مولاه في ساير الأمصار وطار في جميع الأقطار، بلغ الحرث بن النعمان الفهري...

11 - شمس الدين الحفني الشافعي، في شرح الجامع الصغير:2/387 .

12 - أبو عبد الله الزرقاني المالكي، في شرح المواهب اللدنية/13.

 

 

طرق وأسانيد حديث حجر الغدير

 

طرق المصادر السنية: الطريق الأول: حديث أبي عبيد الهروي: في كتابه: غريب القرآن، وسنده عند أهل الجرح والتعديل سند مقبول .

  الثاني: حديث الثعلبي عن سفيان بن عيينة: وله أسانيد كثيرة، وأكثر الذين ذكرهم صاحب الغدير أسانيدهم عن الثعلبي أو من كتابه، كما عدد السيد المرعشي جملة منهم في إحقاق الحق:6/358، ونص الحديث:  (عن سفيان بن عيينة سئل عن قوله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع، فيمن نزلت؟ فقال للسائل: لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه رضي الله عنهم أن رسول الله (ص) لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي رضي الله عنه وقال من كنت مولاه فعلي مولاه  فشاع ذلك فطار في البلاد، وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فأتى رسول الله(ص)على ناقة له فأناخ راحلته ونزل عنها، وقال: يا محمد أمرتنا عن الله عز وجل أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا منك، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلنا منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا منك، وأمرتنا أن نصوم رمضان وأمرتنا بالحج فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه...الخ. وشواهد التنزيل:2/381، بسندين إلى ابن عيينة، برقم (1030و1031).

الثالث والرابع والخامس للقاضي الحسكاني في شواهد التنزيل:2/382، رقم1032، عن جابر الجعفي . و:2/383 رقم1033، عن حذيفة , و:2/385 رقم1034، عن أبي هريرة .

طرق وأسانيد مصادرنا إلى سفيان بن عيينة

1. سند فرات بن إبراهيم الكوفي إلى سفيان بن عيينة/505، برقم(3).

2. سند محمد بن العباس إلى سفيان في تأويل الآيات:2/722 .

3. سند الشريف المرتضى إلى سفيان في مدينة المعاجز:1/407 .

4. سند منتجب الدين الرازي إلى سفيان في الأربعين حديثاً /82 .

5. سند الطبرسي إلى سفيان بن عيينة، كما في تفسير الميزان:6/58 .

طرق وأسانيد مصادرنا من غير طريق سفيان بن عيينة

1- أسانيد الكليني:1/422، و: 8/57، عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) .

2. أسانيد فرات الكوفي/503،عن أبي هريرة وابن عباس وسعد بن وقاص.

3. سندا محمد بن العباس في تأويل الآيات:2/722، عن أبي بصير...

4. سند جامع الأخبار، كما في بحار الأنوار:33/165.

5. سند مدينة المعاجز للبحراني:2/267، عن السيد حيدر بن علي الآملي .

6. رواية المناقب لابن شهرآشوب، عن عدد من المصادر، وقد تقدمت .

7. رواية علي بن إبراهيم في تفسيره:2/385، بسنده عن أبي الحسن (عليه السلام)  .

وهناك أسانيد أخرى، يصعب استقصاؤها فراجع: شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي، وكنز الحقائق للكراجكي، والفضائل لشاذان بن جبرئيل، وتفسير القمي  والمناقب لابن شهرآشوب، وغاية المرام للبحراني، وغيرها.

 

والنتيجة الأولى التي يصل المتأمل أن أصل الحديث مستوفٍ لشروط الصحة، فمهما كان الباحث بطئ التصديق، وأجاز لنفسه اتهام الشيعة بأنهم وضعوها في مصادرهم، فلا يمكنه أن يفسر وجودها في مصادر السنة ورواية عدد من أئمتهم لها، وتبني بعضهم لها .

نعم قد يعترض متعصبٌ بأن هؤلاء الأئمة السنيين رووه عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) . وجوابه أولاً، أن طرق الحديث فيها  عن حذيفة، وأبي هريرة، وابن وقاص وغيره . وأن مقام أهل البيت (عليهم السلام) عند السنة لايقل عن مقام كبار أئمتهم، خاصة الإمامين الباقر والصادق‘اللذين يروي عنهما عدد من كبار أئمتهم كأبي عبيد والسفيانين والزهري ومالك وأحمد، وغيرهم .

والنتيجة الثانية أن الحادثة التي روتها هذه الأحاديث لايمكن أن تكون واحدة بل متعددة، بسبب تعدد الإسماء، والتصحيف يصح في بعضها لا في جميعها، وبسبب نوع العقوبة، والأمكنة، والأزمنة، والقرائن المذكورة في روايات الحديث . فرواية أبي عبيد والثعلبي وغيرها تقول إن الإعتراض والحادثة وقع في المدينة أو قربها، وإن العذاب كان بحجرٍ من سجيل، ورواية أبي هريرة وغيرها تقول كان في نفس غدير خم بعد خطبة النبي(صلى الله عليه وآله) ، وإن العقوبة كانت بنارٍ نزلت من السماء، وبعضها يقول إنها كانت بصاعقة .

 

 

نموذج من تفسير علماء الخلافة لآية: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع

 

قال الشوكاني في فتح القدير:5/352: (وهذا السائل هو النضر بن الحارث حين قال: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . وهو ممن قتل يوم بدر صبراً . وقيل: هو أبو جهل . وقيل: هو الحارث بن النعمان الفهري . والأول أولى لما سيأتي).انتهى. وقصده بما يأتي ما ذكره/356، من رواياتهم التي تثبت أن السورة مكية وأن صاحب العذاب الواقع هو النضر، وليس ابنه جابراً، ولا الحارث الفهري قال: (وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: سأل سائل، قال: هو النضر بن الحارث قال: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ) . انتهى. ومع أن الشوكاني ذكر القولين لكنه ذكر رواية أحدهما دون الآخر، وهذا تحيز ! بل ينبغي أن يذكر رواية القولين وسبب ترجيحه لأحدهما  كما فعل الشربيني القاهري في تفسير المعروف فقال كما نقل عنه صاحب عبقات الأنوار:7/398: (اختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس: هو النضر بن الحارث . وقيل هو الحارث بن النعمان، وذلك أنه لما بلغه قول النبي(صلى الله عليه وآله) من كنت مولاه فعلي مولاه ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته في الأبطح ثم قال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك...إلخ.). انتهى.  وقال القرطبي في تفسيره:18/278: (وهو النضر بن الحارث حيث قال: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فنزل سؤاله وقتل يوم بدر صبراً هو وعقبة بن أبي معيط، لم يقتل صبراً غيرهما، قاله ابن عباس ومجاهد . وقيل: إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك أنه لما بلغه قول النبي(ص)في علي رضي الله عنه: من كنت مولاه فعلي مولاه، ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح.. بنحو رواية أبي عبيد . ثم قال: وقيل: إن السائل هنا أبو جهل وهو القائل لذلك، قاله الربيع. وقيل إنه قول جماعةٍ من كفار قريش . وقيل: هو نوح (عليه السلام) سأل العذاب على الكافرين . وقيل: هو رسول الله (ص) أي دعا بالعقاب، وطلب أن يوقعه الله بالكفار وهو واقع بهم لامحالة، وامتد الكلام إلى قوله تعالى: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً، أي لاتستعجل فإنه قريب). انتهى.

أقول: رجح المفسرون السنيون كما رأيت تفسير الآية بنزول العذاب على النضر بن الحارث العبدري بقتله في بدر، لكن اعترافهم برواية العذاب عقوبة للمعترض على ولاية علي (عليه السلام) في الغدير، يدل على وجود إعلان نبوي رسمي بحق علي (عليه السلام) ووجود اعتراضٍ قرشي عليه !

أما الفخر الرازي فاختار في تفسيره:30/122، أن العذاب المذكور في مطلع السورة هو العذاب الأخروي، وأن الدنيوي مخصوص بالنضر بن الحارث، قال: (لأن العذاب نازل للكافرين في الآخرة لايدفعه عنهم أحد، وقد وقع بالنضر لأنه قتل يوم بدر)، ثم وصف هذا الرأي بأنه سديد.. وهو بذلك يتابع المفسرين السنيين الذين قالوا بانتهاء العذاب الدنيوي الموعود، مع أن السورة لاتشير إلى انتهاء أي نوع منه .

ويرد على تفسيرهم عدة إشكالات: أولها: أن القول الذي رجحوه قول صحابي أو تابعي وهما ابن عباس ومجاهد، وليس حديثاً نبوياً، بينما تفسيرها بعذاب المعترض على ولاية علي (عليه السلام) حديث نبوي صحيح السند .

وثانيها: أن سؤال النضر بالعذاب الواقع كان قبل بدر، وعذابه في بدر، لكن آية مطر الحجارة نزلت في الأنفال بعد بدر وبعد قتل النضر، فكيف يكون جواب قوله في سورة مكية، وقوله في سورة مدنية بعد هلاكه ؟!

وثالثها: أن العذاب بحجر من السماء أكثر تناسباً وانطباقاً على قوله تعالى: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، من قولهم أن العذاب كان بالقتل .

ورابعها: أنه لاتعارض بين التفسيرين، فيكون العذاب وقع على النضر بن الحارث في بدر، ثم وقع على ولده جابر بن النضر، كما في رواية أبي عبيد، ثم وقع ويقع على آخرين من مستحقيه ! بل هو المتعين الذي يقتضيه إطلاق النص، فقد تحدوا النبي(صلى الله عليه وآله) وتساءلوا عن العذاب الموعود وطلبوه، فأجابهم الله تعالى بأنه واقعٌ بالكفار لامحالة في الدنيا وفي الآخرة، وقد وقع على قريش في بدر والخندق، كما عذبهم بالجوع والقحط، وفتح مكة . ومنه عذاب المعترضين منهم على النبي(صلى الله عليه وآله) لإعلانه ولاية عترته (عليهم السلام)  ! بل يبقى العذاب الواقع مفتوحاً الى آخر الدنيا !

 

 

محاولات النواصب رد تفسير آية العذاب !

 

لم أعثر على أحد من النواصب المبغضين لأهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله)، رد هذا الحديث وكذبه قبل ابن تيمية، فقد هاجمه بعنف وتخبط في رده ! وتبعه على ذلك محمد رشيد رضا في تفسير المنار، وهو ناصبي مقلد لابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كثير من أفكارهما، وقد أدخلها في تفسيره، واستفاد لنشرها من إسم أستاذه الشيخ محمد عبده فخلط أفكاره بأفكار أستاذه ! ويلمس القارئ الفرق بين الجزءين الأولين من تفسير المنار اللذين كتبهما في حياة الشيخ محمد عبده وما سجله من دروسه، ففيهما من عقلانية الشيخ محمد عبده واعتقاده بولاية أهل البيت (عليهم السلام) ، وبين الأجزاء التي كتبها رشيد رضا بعد وفاة أستاذه أو أعاد طباعتها ووضع فيها أفكاره الناصبة لأهل البيت (عليهم السلام) .  وقد نقل رشيد رضا في المنار:6/464، الحديث من تفسير الثعلبي، ثم قال: (وهذه الرواية موضوعة، وسورة المعارج هذه مكية، وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش:اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ.. كان تذكيراً بقول قالوه قبل الهجرة، وهذا التذكير في سورة الأنفال وقد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنين، وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتد، ولم يعرف في الصحابة، والأبطح بمكة والنبي(صلى الله عليه وآله)  لم يرجع من غدير خم إلى مكة، بل نزل فيه منصرفه من حجة الوداع إلى المدينة).انتهى. ولم يزد رشيد رضا على ما ذكره ابن تيمية ! وعمدة إشكالهما:

1- أن مكان الأبطح في مكة والنبي(صلى الله عليه وآله) لم يرجع بعد الغدير إلى مكة . وجوابه: أن الأبطح كل مسيل ماء فيه حصى (العين:3/173)، وأبطح المدينة مشهور، لكن ابن تيمية لا يعرفه أو تعمد الكذب ! وقد رده صاحب الغدير :1/239، بما رواه بخاري:1/181 (أن رسول الله (ص) أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها ). وذو الحليفة بالمدينة لا في مكة .

2- وإشكاله الثاني أن سورة المعارج مكية نزلت قبل المائدة، والحديث يقول إن آيتها نزلت وسط آيات سورة المائدة !

وجوابه: أن سورة المعارج مختلف فيها، ويبدو أن فيها آيات مدنية ولو سلمنا أنها كلها مكية فتكون آية (سأل سائل) نزلت مرة ثانية، لأنه جاء تأويلها عندما طلب المعترض نزول العذاب عليه ونزل . وتوجد آيات عديدة نزلت أكثر من مرة وكان نزولها الثاني لتحقق تأويلها أو لتأكيدها، وقد نصت رواية بحار:37/167، على أن جبرئيل هبط بعد هلاك المعترض على النبي(صلى الله عليه وآله) وهو يقول: (إقرأ يا محمد: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع). وهذا نص في أن جبرئيل (عليه السلام) نزل بتطبيق الآية أو تأويلها، بل يظهر من أحاديثنا أن ما حل بالعبدري والفهري ما هو إلا جزءٌ صغيرٌ من (العذاب الواقع) الموعود، وأن أكثره سينزل في المستقبل تمهيداً لظهور المهدي (عليه السلام) أو نصرةً له..وقد روى المحدثون والمفسرون أن آية: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، نزلت في سورة الضحى عندما أبطأ جبرئيل على رسول الله(صلى الله عليه وآله)  (الطبراني الكبير:2/173)، ونزلت عندما عيَّر المشركون المسلمين بالفقر(لباب النقول/213)، ونزلت عندما عُرض على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ماهو مفتوح على أمته من بعده (الطبراني الكبير:10/277)، ونزلت عندما رأى النبي(صلى الله عليه وآله) على فاطمة÷كساء من وبر الإبل وهي تطحن فبكى وقال: يا فاطمة إصبري على مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غداً، فنزلت: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى.(كنز العمال:12/422) . فلا الأبطح عرفوه، ولا تكرار النزول فهموه، وتشبثوا بالباطل لينكروا ولاية علي (عليه السلام) التي صدع بها رسول الله(صلى الله عليه وآله)  .

هذا، وقد رد علماؤنا كلام الناصبي ابن تيمية في منهاجه:4/13، بنقد علمي مفصل كما ترى في الغدير:1/239، وعبقات الأنوار: مجلد 7 و8 .

 

 

 

بنو عبد الدار "أبطال" العذاب الواقع !!

 

اختلفت الروايات في إسم الشخص الذي نزل عليه حجر السجيل، ولكن ذلك لايضر في صحة الحديث، خاصة أن المرجح تعدد الحادثة في غدير خم وفي المدينة، وطبيعي أن يخفي القرشيون إسم الذي اتهم النبي(صلى الله عليه وآله) فنزل عليه العذاب، لأن إسمه صار سوأةً على أقاربه وعشيرته ! وأقوى الروايات في إسمه: جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، بدليل أن الحافظ أبا عبيد الهروي المتوفى سنة223، ضبطه في كتابه بهذا الإسم، والعلماء يحترمون خبرة أبي عبيد بالحديث، وجابر بن النضر شخصيةٌ قرشية معروفة، فوالده زعيم بني عبد الدار حامل لواء قريش الذي قتل يوم بدر، فهو بنظره صاحب ثأر مع النبي(صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) الذي قتل أباه !

كما أنه في الكفر كأبيه الذي كان من أشد فراعنة قريش على النبي(صلى الله عليه وآله) ! وقد ردد جابركلمة أبيه: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَالْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ !

قال ابن هشام في سيرته:1/195: (وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله(ص)وينصب له العدواة، وكان قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله(ص)مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً مني ؟! قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله . قال ابن إسحاق: وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول فيما بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن، قول الله عز وجل: إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين . وكل ما ذكر فيه الأساطير من القرآن) . وقال السيوطي في الدر المنثور:3/181: (وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: نزلت في النضر: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم .. وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ .. وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .. وسَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع ! قال عطاء: لقد نزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله ). ونحوه في:5/297، عن عبد بن حميد .

وأرسلته قريش الى اليهود ليعينوهم على النبي(صلى الله عليه وآله)  (بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء... فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول فَرَوْا فيه رأيكم . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه؟ وسلوه عن الروح ما هي ). (ابن هشام:1/195).

وهوكاتب الصحيفة الملعونة الأولى ضد بني هاشم . (ابن هشام:1/234).

 وختاماً، نلاحظ أن كثيراً من الرواة خلطوا بين جابر بن النضر الذي نزل عليه العذاب بحجر من السماء، وبين أبيه النضر الذي قتل قبله بعشر سنين في بدر ! وذلك لتشابه شخصيتهما وعدائهما لله ولرسوله، ولا يبعد أن يكون الرواة أرادو إخفاء الإبن المقتول لاعتراضه على ولاية علي (عليه السلام) ، وفأدغموه في أبيه، وجعلوا أخبارهما واحدة !

 

***