الخليفة الثاني يتحدث أيضا

قال عمر لإبن عباس وهو يتحدث عن سبب صرف الأمر عن علي "عليه السلام" :والله، ما فعلنا الذي فعلنا معه عن عداوة، ولكن استصغرناه، وخشينا أن لا يجتمع عليه العرب، وقريش، لما قد وترها".

( الغدير ج 1، ص 389 عن محاضرات الراغب، والبحار ج 8، ص 209- الطبعة الحجرية.) وقال لإبن عباس أيضا: "كرهت قريش أن تجمع لكم النبوة والخلافة، فتجفخوا الناس جفخا،

( الجفخ: التكبر.) فنظرت قريش لأنفسها، فاختارت، ووفقت، فأصابت".

( قاموس الرجال ج 6، ص 33 و 403، وقال: رواه الطبري في أحوال عمر، والمسترشد في إمامة علي "عليه السلام": ص 167 وشرح النهج للمعتزلي ج 12، ص 53، و راجع ص 9 و عبر ب "قومكم " وفيه: "إنهم ينظرون إليه نظر الثور إلى جازره"، وراجع ج 2، ص 58 والإيضاح: ص 199.) وفي موقف آخر له أيضا معه، قال الخليفة له: " استصغر العرب سنه". كما أنه قد صرح أيضا بأن قومه قد أبوه.

( راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 12، ص 46 وراجع ج 2، ص 58 و 81، وفي هامشه عن الرياض النضرة ج 2، ص 173، وراجع: بهج الصباغة ج 4، ص 361، وقاموس الرجال ج 7، ص 201 و ج 6، ص 35 عن الموفقيات.)

وفي مناسبة أخرى قال له: "لا، ورب هذه البنية، لا تجتمع عليه قريش أبدا".

( شرح النهج ج 12، ص 20 و 21 عن كتاب بغداد لأحمد بن أبي طاهر، وراجع ج 12، ص 79 و 85 و 86 و 84 و 80 و 82، وكشف الغنة ج 2، ص 49، وقاموس الرجال ج 6، ص 398 و ج 7، ص 188، وبهج الصباغة ج 6، ص 244 و ج 4 ص 381، ونقل عن البحار- طبع كمباني- ج 8، ص 213 و 266 و 292، وعن ناسخ التواريخ "الجزء المتعلق بالخلفاء": ص 80-72.)

وقال أيضا لإبن عباس: "إن عليا لأحق الناس بها، ولكن قريشا لا تحتمله....".

( تاريخ اليعقوبي ج 2، ص 158، وقاموس الرجال ج 6، ص 36 عنه.)

 

قريش في كلمات علي "عليه السلام"

وإذا رجعنا إلى كلمات أمير المؤمنين "عليه الصلاة والسلام" نفسه، فإننا نجده يحمل قريشا مسؤولية كل المصائب والرزايا والبلايا التي واجهها هو وكل المخلصين بعد وفاة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ولا سيما فيما يرتبط بأمر الخلافة، وما نشأ عن ذلك من تمزق في جسم الأمة، وتوزع في أهوائها. ثم ما كان من تقاتل وتناحر، وانحراف عن خط الإسلام وعن مفاهيمه وأحكامه؟

وإلى يوم يبعثون...

ونذكر من كلماته "عليه السلام" هنا، ما يلي:

قال "عليه السلام": "اللهم أخز قريشا، فإنها منعتني حقي، وغصبتني أمري".

( شرح النهج، للمعتزلي ج 9، ص 306.)

وعنه "عليه السلام": "فجزى قريشا عني الجوازي، فإنهم ظلموني حقي، واغتصبوني سلطان ابن أمي".

( المصدر السابق.)

وفي النهج البلاغة وغيره قال "عليه السلام": "اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي ثم قالوا: ألا في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه".

وزاد في نص آخر: "فاصبر كمدا، أو فمت متأسفا حنقا، وأيم الله لو استطاعوا أن يدفعوا قرابتي- كما قطعوا سنتي- لفعلوا- ولكن لم يجدوا إلى ذلك سبيلا".

( راجع نهج البلاغة ج2، ص 227، والمسترشد في إمامة علي "عليه السلام": ص 80 وشرح النهج المعتزلي ج 4، ص 104 و ج 6 ص 69، راجع: البحار الطبعة الحجرية ج 8، ص 730 و 672 والغارات ج 2، ص 570.)

وفي خطبة له "عليه السلام"، يذكر فيها فتنة بني أمية، ثم ما يفعله المهدي "عليه السلام" بهم، يقول:

"فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها، لو يرونني مقاما واحدا، ولو قدر جزر جزور، لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه، فلا يعطونيه".

( نهج البلاغة ج 1 ص 184.) وعنه "عليه السلام": " حتى لقد قالت قريش: ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب ".

( الأغاني ج 15، ص 45، ونهج البلاغة ج 1 ص 66.)

وقال عليه السلام: "إني لأعلم ما في أنفسهم، إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر في صلاح شأنها، فتقول، إن ولي الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبدا،وما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش".

( راجع: قاموس الرجال ج 6، ص 384 و 385، وشرج النهج للمعتزلي ج 12، ص 266 ج 9، ص 57 و 58.)

وقال "عليه السلام": "إن العرب كرهت أمر محمد "صلى الله عليه وآله" وحسدته على ما آتاه الله من فضله، واستطالت أيامه، حتى قذفت زوجته، ونفرت به ناقته،مع عظيم إحسانه إليها، وجسيم مننه عندها، وأجمعت مذ كان حيا على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته.

ولو لا أن قريشا جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة، وسلما إلى العز والإمرة، لما عبدت الله بعد موته يوما ولا واحدا، ولا ارتدت في حافرتها، وعاد قارحها جذعا وبازلها بكرا.

( البازل من الإبل: الذي قطر نابه.)

ثم فتح الله عليها الفتوح، فأثرت بعد الفاقة، وتمولت بعد الجهد والمخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجا، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطربا، وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا.

ثم نبست تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكد عند الناس نباهة قوم، وخمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره، وخبت ناره،وانقطع صوته وصيته، حتى أكل الدهر علينا وشرب......".

( شرح النهج للمعتزلي ج 20، ص 298 و 299.)

وفي نص آخر عنه "عليه السلام" أنه قال: "فلما رق أمرنا طمعت رعيان البهم من قريش فينا"

( الأمالي، للشيخ المفيد: ص 324.)

وعنه "عليه السلام": "يا بني عبد المطلب، إن قومكن عادوكم بعد وفاة النبي، كعداوتهم النبي في حياته، وإن يطع قومكم لا تؤمروا أبدا".

وعنه صلوات الله وسلامه عليه: "ما رأيت منذ بعث الله محمدا رخاء، لقد أخافتني قريش صغيرا، وأنصبتني كبيرا، حتى قبض الله رسوله، فكانت الطامة الكبرى".

وقال له رجل يوم صفين: لم دفعكم عن قومكم هذا الأمر، وكنتم أعلم الناس بالكتاب والسنة؟!.

فقال "عليه السلام": "كانت إمرة شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين".

كما أنه "عليه السلام" قد كتب لأخيه عقيل في رسالة جوابية له:

"فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على حرب رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" قبل اليوم، وجهلوا حقي، وجحدوا فضلي، ونصبوا لي الحرب، وجدوا في إطفاء نور الله، اللهم فاجز قريشا عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، وظاهرت علي.......". وفي بعض المصادر ذكر "العرب" بدل قريش.

( راجع الامامة والسياسة ج 1، ص 56، وراجع المصادر التالية: الغارات ج 2، ص 431، وشرح النهج للمعتزلي ج 2، ص 199 وراجع ج 16،ص 152-148 وأنساب الأشراف ج 2، ص 75 بتحقيق المحمودي، والأغاني ج 15، ص 46، ونهج البلاغة ج 3، ص 68، والدرجات الرفيعة: ص 156، وعن البحار- طبعة حجرية- ج 8، ص 621 و 673، وراجع أيضا نهج السعادة ج 5، ص 302، وراجع: جمهرة رسائل العرب ج 1، ص 595. والعبارات في المصادر متفاوتة فيلاحظ ذلك.)

وأما بالنسبة لمعاوية الخليفة الأموي، فقد أخبر "عليه السلام": أنه لو استطاع لم يترك من بني هاشم نافخ ضرمة.

( تفسير العياشي ج 2، ص 81، والبحار ج 32، ص 592، وعيون الأخبار- لإبن قتيبة- ج 1، ص 181.)

وبعد... فإن الأمام الحسن "عليه السلام" قد ذكر في خطبة له أن قريشا هي المسؤولة عن موضوع إبعاد أهل البيت عن الخلافة، فراجع.

( راجع: شرح للمعتزلي ج 16 ص 24 و 33.)

 

بعض ما قاله المعتزلي هنا

هذا.. وقد أكد المعتزلي هذه الحقيقة في مواضع من شرحه لنهج البلاغة. ونحن نذكر هنا فقرات من كلامه، ونحيل من أراد المزيد على ذلك الكتاب، فنقول:

قال المعتزلي: "إن قريشا اجتمعت على حربه منذ بويع، بغضا له وحسداً، وحقداً، فأصفقوا كلهم يداً واحدة على شقاقه وحربه، كما كانت في ابتداء الإسلام مع رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"، لم تخرم حاله من حاله أبداً".

( شرح النهج ج 16، ص 151.)

وقال: "إنه رأى من بغض الناس له، وانحرافهم عنه، وميلهم عليه، وثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم، واحتدام النيران التي كانت في قلوبهم وتذكروا الترات التي وترهم فيما قبل بها، والدماء التي سفكها منهم، وأراقها- إلى أن قال: -ى وانحراف قوم آخرين عنه للحسد الذيكان عندهم له في حياة رسول الله "صلى الله عليه وآله" لشدة اختصاصه له وتعظيمه إياه، وما قال فيه فأكثر من النصوص الدالة على رفعة شأنه، وعلى مكانه، وما اختص به من مصاهرته واخوته، ونحو ذلك من أحوله.

وتنكر قوم آخرين له، لنسبتهم إليه العجب والتيه- كما زعموا- وإحتقاره العرب،واستصغاره الناس، كما عددوه عليه، وإن كانوا عندنا كاذبين، ولكنه قول قيل، وأمر ذكر....".

( شرح النهج ج 11، ص 112 و 113.)

وقال: "فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها، حين بويع بالخلافة، بعد وفاة رسول الله "صلى الله عليه وآله" بخمس وعشرين سنة، وفي دون هذه المدة تنسى الأحقاد، وتموت الترات، وتبرد الأكباد الحامية،وتسلوا القلوب الواجدة، ويعدم قرن من الناس، ويوجد قرن، ولا يبقى من أرباب تلك الشحناء والبغضاء إلا الأقل".

فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه "صلى الله عليه وآله" من إظهار ما في النفوس، وهيجان ما في القلوب، حتى إن الأخلاف من قريش، والأحداث والفتيان، الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم، فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله، وتقاعست من بلوغ شأوه".

( شرح النهج ج 11، ص 114.)

وقال: "اجتهدت قريش كلها، من مبدأ الأمر في إخمال ذكره، وستر فضائله، وتغطيه خصائصه، حتى محي فضله ومرتبته من صدور الإسلام".

( شرح النهج ج 8، ص 18.)

وقال: "إن قريشا كلها كانت تبغضه أشد البغض- إلى أن قال: ولست ألوم العرب، ولا سيما قريشا في بغضها له، وانحرافها عنه، فإنه وترها، وسفك دماءها، وكشف القناع في منابذته. ونفوس العرب وأكبادها كما تعلم!؟".

( شرح النهج ج 14، ص 299.)

وهذا وقد أشار إلى بفض قريش ومنابذتها له في منابذتها له في مواضع عديدة أخرى من كتابه، فليراجعها من أراد.

( راجع شرح النهج ج 9، ص 28 و 29 و 52 و ج 4، ص 104-74.)

وبعد ما تقدم: فإن الوقت قد حان للوقوف على حقيقة موقف هؤلاء مما جرى في قضية "الغدير"، والظرف الذي كان يواجهه الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله وسلم" مع هؤلاء، في هذه المناسبة بالذات، فإلى الفصل التالي.

 

الرسول الأكرم يعرفهم

الرسول والمتآمرون

ونحن إذا رجعنا إلى كلمات الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله وسلم"، المنقولة لنا بصور متعددة، وفي موارد مختلفة، فإننا نجد، أنه "صلى الله عليه وآله وسلم" كان يؤكد على معرفته بنوايا المتآمرين من قومه قريش تجاه أهل بيته عموماً، وأمير المؤمنين علي "عليه السلام" بصورة خاصة، وقد تقدم عنه "صلى الله عليه وآله وسلم" بعض من ذلك، وما تركناه أكثر من أن يحاط به بسهولة، ويسر، لكثرته، وتنوعه.

ويكفي أن نذكر هنا: أن تأخيره إبلاغ ما أنزل غليه في شأن الإمامة والولاية، قد كان بسبب المعارضة الكبيرة التي يجدها لدى قريش، التي كانت لا تتورع عن إتهام شخص الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم"، والطعن في نزاهته، وفي خلوص عمله ونيته.

وقد صلحت طائفة من النصوص المتقدمة بأن قريشاً كانت رائدة هذا الإتجاه، وهي التي تتصدى وتتحدى، وإليك نموذجا أخر من تصريحات الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" الدالة على معرفته بهؤلاء المتآمرين، ووقوفه على حقيقة نواياهم في خصوص هذا الأمر. وبالنسبة لقضية الغدير بالذات.

 

أمثلة وشواهد

1 ـ قال الطبرسي: "قد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر، وأبي عبدالله "عليهما السلام": أن الله أوحى إلى نبيه "صلى الله عليه وآله وسلم": أن يستخلف علياً "عليه السلام"، فكان يخاف أن يشق ذلك جماعة من أصحابه، فأنزل الله هذه الآية تشجيعاً له على القيام بما أمره الله بأدائه.......".

(مجمع البيان ج 3 ص 223.)

والمراد ب "هذه الآية" قوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك.........".

2 ـ عنه "صلى الله عليه وآله وسلم": أنه لما أمر بإبلاغ أمر الإمامة قال: "إن قومي قريبة اعهد بالجاهلية، وفيهم تنافس وفخر، وما منهم رجل إلا وقد وتره وليّهم، وإني أخاف، فأنزل الله: "يا أيّها الرسول بلّغ......".

(شواهد التنزيل ج 1، ص 191).

3 ـ عن ابن عباس إنّه "صلى الله عليه وآله وسلم" قال في غدير خم: "إن الله أرسلني إليكم برسالة وإني ضقت بها ذرعاً، مخافة أن تتهموني، وتكذبوني، حتى عاتبني ربي بوعيد أنزله علي بعد وعيد.......".

(شواهد التنزيل ج 1 ص 193.)

4 ـ عن الحسن أيضاً: "إن الله بعثني برسالة، فضقت بها ذرعاً، وعرفت: أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغنّ أو ليعذبني، فأنزل الله: "يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك......".

(الدر المثور ج 2، ص 193 و ص 298 عن أبي الشيخ.)

5 ـ عن ابن عباس، وجابر الأنصاري، قالا: أمر الله تعالى محمداً "صلى الله عليه وآله وسلم": أن ينصب علياً للناس، فيخبرهم بولايته، فتخوف النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" أن يقولوا: حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك فأوحى الله: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك.........".

(راجع: مجمع البيان ج 3، ص 223، وتفسير العياشي ج 1، ص 331، وتفسير البرهان ج 1، ص 489، وشواهد التنزيل ج 1، ص 192، والغدير ج 1، ص 219 و 223 و 377 عن المجمع، وعن روح المعاني ج 2، ص 348.)

6 ـ عن جابر نن عبد الله: أن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" نزل بخم، فتنحى الناس عنه، ونزل معه علي بن أبي طالب، فشقّ على النبي تأخر الناس، فأمر علياً فجمعهم،فلمّا اجتمعوا قام فيهم، متوسد "يد" علي بن أبي طالب،فحمد الله، واثنى عليه، ثم قال: "قال الناس، إنه قد كرهت تخلفكم عني حتى خيّل إلي: أنه ليس شجرة أبغض إليكم من شجرة تليني......".

(راجع: مناقب علي بن أبي طالب: لإبن المغازلي: ص 25 والعمدة: لإبن البطريق ص 107، والغدير ج 1، ص 22 عنه وعن الثعلبي في تفسيره، كما في ضياء العالمين.)

7 ـ ويقول نص آخر: إنه لما أمر "صلى الله عليه وآله وسلم" بنصب علي "عليه السلام": "خشي رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" من قومه، وأهل النفاق، والشقاق: أن يتفرقوا ويرجعوا جاهلية لما عرف من عداوتهم، ولما ينطوي عليه أنفسهم لعلي "عليه السلام" من العداوة والبغضاء، وسأل جبرئيل أن يسأل ربّه العصمة من الناس".

ثم تذكر الرواية: "أنه انتظر ذلك حتى بلغ مسجد الخيف. فجاءه جبرئيل، فأمره بذلك مرة أخرى، ولم يأته بالعصمة، ثم جاء مرة أخرى في كراع الغميم- موضع بين مكة والمدينة- وأمره بذلك، ولكنه لم يأته بالعصمة.

ثم لما بلغ غدير خم جاءه بالعصمة، فخطب "صلى الله عليه وآله وسلم" الناس، فأخبرهم: أن جبرئيل هبط إليه ثلاث مرات يأمره عن الله تعالى، بنصب علي "عليه السلام" إماماً ووليّاً للناس- إلى أن قال:- وسألت جبرئيل: ان يستعفي لي عن تبليغ ذلك إليكم- ايها الناس- لعلمي بقلة المتقين، وكثرة المنافقين، وإدغال الآثمين، وختل المستهزئين بالاسلام، الذين وصفهم الله في كتابه بأنهم: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويحسبونه هيناً، وهو عند الله عظيم. وكثرة أذاهم لي في غير مرّة، حتى سمّوني أذناً، وزعموا: أنّي كذلك لكثرة ملازمته إيّاي، وإقبالي عليه، حتى أنزل الله عز وجل في ذلك قرآناً: "ومنهم الذين يؤذون النبي، ويقولون هو أذن"......

إلى أن قال، ولو شئت أن أسميهم باسمائهم لسميت، وأن أومي إليهم بأعيانهم لأومأت، وأن أدل عليهم لفعلت. ولكني والله في أمورهم تكرّمت .......

(الاحتجاج ج 1، ص 69 و 70 و 73 و 74، وراجع: روضة الواعظين: 90 و 92 والبرهان ج 1، ص 438-437 والغدير ج 1، ص 216-215 عن كتاب "الولاية" للطبري.)

8 ـ عن مجاهد، قال: "لما نزلت: "بلّغ ما أنزل إليك من ربك ". قال: يا رب، إنما أنا واحد كيف أصنع، يجتمع عليّ الناس؟ فنزلت "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته".

(الدر المنثور ج 2، ص 298 عن إبن أبي حاتم، عبد بن حميد وإبن جرير.)

9 ـ قال إبن رستم الطبري: "فلما قضى حجة وصار بغدير خم، وذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجة، أمره الله عز وجل بإظهار أمر علي، فكأنه أمسك لما عرف من كراهة الناس لذلك، إشفاقاً على الدين، وخوفاً من ارتداد القوم، فأنزل الله "يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك....".

(المسترشد في إمامة علي "عليه السلام": ص 95-94.)

10 ـ وفي حديث مناشدة علي "عليه السلام" للناس بحديث الغدير، أيّام عثمان، شهد ابن أرقم، والبراء بن عازب، وأبو ذر، والمقداد، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال، وهو قائم على المنبر، وعلي "عليه السلام" إلى جنبه:

"أيها الناس، أن الله عز ودل أمرني أن أنصب لكم إمامكم، والقائم فيكم بعدي، ووصي، وخليفتي، والذي فرض الله عز وجل على المؤمنين في كتابه طاعته، فقرب

(لعل الصحيح: فقرن.) بطاعته طاعتي، وأمركم بولايته، وإني راجعت ربّي خشية طعن أهل النفاق، وتكذيبهم، فأوعدني لأبلغها، أو ليعذبني...".

(فرائد السمطين ج 1، ص 315 و 316، والغدير ج 1 ص 166-165 عنه، وإكمال الدين ج 1، ص 277 وراجع البرهان ج 1، ص 445 و 444 وسليم بن قيس: 149، وثمة بعض الإختلاف في التعبير.)

وعند سليم بن قيس: "إن الله عز وجل أرسلني برسالة ضاق بها صدري، وظننت الناس يكذبوني، وأوعدني......".

(سليم بن قيس: ص 148، والبرهان ج 1، ص 444 و 445، والغدير ج 1، ص 196 عن سليم بن قيس.)

11 ـ وعن ابن عباس: لما أمر النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" أن يقوم بعلى ابن أبي طالب المقام الذي قام به، فانطلق النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" إلى مكة، فقال: رأيت الناس حديثي عهد بكفر- بجاهلية- ومتى أفعل هذا به، يقولوا: صنع هذا بابن عمّه ثم مضى حتى قضى حجة الوداع.

(الغدير ج 1، ص 52-51 و 217 و 378، عن كنز العمال ج 6، ص 153 عن المحاملي في أماليه،وعن شمس الأخبار ص 38، عن أمالي المرشد بالله، وراجع كشف الغمة ج 1، ص 318 وغير ذلك.)

وعن زيد بن علي، قال: لما جاء جبرئيل بأمر الولاية ضاق النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" بذلك ذرعاً، وقال: قومي حديثو عهد بجاهليّة، فنزلت الآية.

(الغدير ج 1، ص 217 عن كشف الغمة ج 1، ص 317.)

12 ـ وروي: انه "صلى الله عليه وآله وسلم" لما انتهى إلى غدير خم "نزل عليه جبرئيل، وأمره أن يقيم علياً، وينصبه إماماً للناس.فقال: إن أمتي حديثو عهد بالجاهلية. فنزل عليه: إنها عزيمة لا رخصة فيها، ونزلت الآية: "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس.......".

(اعلام الورى: ص 132.)

13 ـ وفي رواية عن الإمام الباقر "عليه السلام" جاء فيها أنه حين نزلت آية إكمال الدين بولاية علي "عليه السلام": "قال عند ذلك رسول الله: إن أمتي حديثو عهد بالجاهلية، ومتى أخبرهم بهذا في ابن عمي، يقول قائل، ويقول قائل. فقلت في نفسي من غير أن ينطلق لساني، فأتتني عزيمة من الله بتلة أوعدني: إن لم ابلغ أن يعذبني فنزلت "يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك".

(البرهان في تفسير القرآن ج 1، ص 488، والكافي ج 1، ص 230.)

وفي بعض الروايات: إنه "صلى الله عليه وآله وسلم" إنما أخر نصبه "عليه السلام" فرقاً من الناس، أو لمكان الناس.

(تفسير العياشي ج 1، ص 332 والبرهان "تفسير" ج 1، ص 489.)

 

ممن الخوف يا ترى

14- عن: "ضاق بها ذرعاً، وكان يهاب قريشاً، فازال الله بهذه الآية تلك الهيبة".

(مجمع البيان ج 3، ص 223.)

يريد: أن الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" ضاق ذرعاً وخاف قريشاُ بالنسبة لبلاغ أمر الإمامة، فأزال الله بآية: "والله يعصمك من الناس" خوفه بذلك.

 

المتآمرون

هذا غيض من فيض مما يدل على دور المتآمرين من قريش، ومن يدور في فلكها في صرف الأمر عن أمير المؤمنين علي "عليه السلام"، وتصميمهم على ذلك، لأسباب أشير إلى بعضها في ما نقلناه من كلمات ونصوص.

وفي مقدمة هذه الأسباب حرص قريش على الوصول إلى السلطة، وحقدها على أميرالمؤمنين "عليه السلام" لما قد وترها في سبيل الله والدين.

وكل ما تقدم يفسر لنا السر فيما صدر من هؤلاء الحاقدين من صخب وضجيج، حينما أراد الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" في منى وعرفات: أن يبلغ الناس أمر الإمامة، ودورها، وأهميتها، وعدد الأئمة، وأنهم إثنا عشر إماماً، وغير ذلك.

حيث قد تخوفوا من أن يكون قد أراد تنصيب علي"عليه السلام" إماماً للناس بعده.

فكان التصدي منهم. الذي انتهى بالتهديد الإلهي.

فاضطر المتآمرون إلى السكوت في الظاهر على مضض، ولكنهم ظلوا في الباطن يمكرون، ويتآمرون، "ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين".

(سورة الانفال الآية 30.)

فإلى توضيح ذلك فيما يلي من صفحات، وما تحويه من مطالب.

 

الصخب والغضب

لقد ذكرت الروايات الصحيحة: أن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"، قد خطب الناس في حجة الوداع، في عرفة، فلما أراد أن يتحدث في أمر الإمامة وذكر حديث الثقلين،

(راجع: حديث الثقلين، للوشنوي: ص 13 وما ذكره من مصادر.) ثم ذكر عدد الأئمة، وأنهم إثنا عشر، واجتهه فئات من الناس بالضجيج والفوضى، إلى حد أنه لم يتمكن من إيصال كلامه إلى الناس.

وقد صرح بعدم التمكن من سماع كلامه كل من: أنس، وعبدالملك بن عمير، وعمر بن الخطاب، وأبي جحيفة، وجابر بن سمرة

(راجع: كفاية الأثر، للخزاز، وراجع أيضا: إحقاق الحق "الملحقات" ج 13 وغير ذلك.) - ولكن رواية هذا الأخير، كانت أكثر وضوحاً.

ويبدو أنه قد روى ذلك مرات عديدة، فرويت عنه بأكثر من طريق. فنحن نختار بعض نصوصها- ولاسيما ما ورد منها في الصحاح والكتب المعتبرة، فنقول:

1 ـ في مسند أحمد، حدّثنا عبدالله حدثني أبو الربيع الزهراني، سليمان بن داود، وعبدالله بن عمر القواريري، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، قالوا: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال:

خطبنا رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" بعرفات- وقال المقدمي في حديثه: سمعت رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" يخطب بمنى.

وهذا لفظ حديث أبي الربيع:

فسمعته يقول: لن يزال هذا الأمر عزيزاً ظاهراً، حتى يملك إثنا عشر كلهم- ثم لغط القوم، وتكلموا، -فلم أفهم قوله بعد "كلّهم"، فقلت لأبي: يا أبتاه، ما بعد كلّهم؟.

قال: كلّهم من قريش......

وحسب نص النعماني: "فتكلم الناس فلم افهم فقلت لأبي......".

(مسند أحمد ج 5، ص 99، والغيبة- للنعماني ص 122 و 124.)

2 ـ عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم": "لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً، ينصرون على من ناواهم عليه إلى إثني عشر خليفة. قال: فجعل الناس يقومون ويقعدون "زاد الطوسي": وتكلم بكلمة لم أفهمها، فقلت لأبي، أو لأخي".......

(مسند أحمد ج 5، ص 99، والغيبة- للطوسي ص 88 و 89، واعلام الورى: 384، والبحار ج 63، ص 236،منتخب الأثر20).

وفي حديث آخر عن جابر بن سمرة صرّح فيه: أن ذلك قد كان في حجة الوداع.

(مسند أحمد ج 5، ص 99.)

3 ـ عن جابر بن سمرة، قال:

"خطبنا رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" بعرفات، فقال: لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناواه حتى يملك إثنا عشر، كلهم- قال: فلم أفهم ما بعد- قال: فقلت لأبي: ما قال بعد كلّهم؟ قال: كلّهم من قريش".

(مسند أحمد ج 5، ص 93 وفي ص 96 في موضعين.)

وعن أبي داود وغيره:- وإن لم يصرّح بأن ذلك كان في عرفات- زاد قوله: كلّهم تجتمع عليه الأمة، فسمعت كلاما من النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" لم أفهمه، فقلت لأبي....

(سنن أبي داود ج 4، ص 106، ومسند أبي عوانة ج 4، ص 400، وتاريخ الخلفاء: ص 10 و 11، وراجع: فتح لباري ج 13، ص 181 وكرر عبارة "كلهم تجتمع عليه الأمة" في ص 182 و 183 و 184، وذكرها أيضاً في الصواعق المحرقة: ص 18 وفي إرشاد الساري ج 10، ص 273، وينابيع المودة ص 444 وراجع: الغيبة للطوسي ص 88، و الغيبة- للنعماني ص 121 و 122 و 123 و 124.)

وفي لفظ آخر: كلهم يعمل بالهدى ودين الحق.

(الخصال ج 2، ص 474، والبحار36، ص 240 عنه وعن عيون أخبار الرضا "عليه السلام".)

وفي بعض الروايات: ثم أخفى صوته، فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته؟

قال: قال: كلهم من بني هاشم.

(ينابيع المودة ص 445 عن كتاب: مودة القربى، للسيد على الهمداني، المودة العاشرة.)

4 ـ وحسب نص آخر، ذكر أن ذلك كان في حجة الوداع، وقال: ثم خفي عليّ قول رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلّم"، وكان أبي أقرب إلى راحلة رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" مني، فقلت: يا أبتاه، ما الذي خفي عليّ من قول رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"؟!

قال: يقول "كلهم من قريش".

قال: فأشهد على أبي إفهام أبي إيّاي: قال: كلهم من قريش".

(مسند أحمد ج 5، ص 90.)

5 ـ وبعد أن ذكرت رواية أخرى عنه حديث أن الأئمة إثنا عشر قال: ثم تكلم بكلمة لم أفهمها، وضج الناس، فقلت لأبي: ما قال؟.

(مسند أحمد ج 5، ص 93.)

6 ـ ولفظ مسلم عن جابر بن سمرة، قال: انطلقت إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"، معي أبي، فسمعته يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعا ألى إثني عشر خليفة، فقال كلمة صمنيها الناس.

فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش.

وعند أحمد وغيره: فقلت لأبي- أو لأنبي-: ما الكلمة التي أصمنيها الناس. قال: كلهم من قريش.

(صحيح مسلم ج 6، ص 4، وإحقاق الحق "الملحقات" ج 13، ص 1 عنه مسند أحمد ج 5 ص 101-98، والبحار ج 36، ص 235 والخصال ج 2 ن ص 470 و 472، والعمدة- لإبن البطريع: ص 421، وراجع: النهاية في اللغة ج 3، ص 54، ولسان العرب ج 12، ص 343 ونقل عن كتاب: القرب في محبة العرب ص 129.)

7 ـ وعن جابربن سمرة قال: كنت عند النبي "صلى الله عليه وآله وسلم"، فقال: يلي هذا الأمر إثنا عشر، فصرخ الناس، فلم اسمع ما قال، فقلت لأبي- وكان أقرب إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" مني- فقلت: ما قال رسول الله؟

فقال:

قال: كلّهم من قريش، وكلهم لا يرى مثله.

(أبواب الإثني عشر، وإكمال الدين ج 1، ص 273-272، والبحار ج 36، ص 239.)

8 ـ ولفظ أبي دواد: فكبر الناس وضجوا، ثم قال كلمة خفية........

(سنن أبي داود ج 4، ص 106، وفتح الباري ج 13، ص 181، وإرشاد الساري ج 10، ص 237.)

ولفظ أبي عوانة: فضج الناس.

وقد قال النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" كلنة خفيت عليّ.......

(مسند أبي عوانة ج 4، ص 394.)

وعلى كل حال.. فإن حديث الإثني عشر خليفة بعده "صلى الله عليه وآله وسلم"، والذي قال فيه "صلى الله عليه وآله وسلم" كلمة لم يسمعها جابر، وغيره- ممن كان حاضرا وروى الحديث: أولم يفهمها، أو خفض بها صوته، أو خفيت عليه، أو نحو ذلك- هذا الحديث- مذكور في كثير من المصادر والمراجع، فليراجعها طالبها.

(راجع المصادر التالية: صحيح مسلم ج 6، ص 3 بعدة طرق، ومسند أحمد ج 5، ص 93 و 92 و 94 و 95 و 97 و 96 و 98 و 99 و100 و 101 و 106 و 107 و 108، ومسند ابي عوانة ج 4، ص 394، وحلية الأولياء ج 4، ص 333، واعلام الورى: 382، والعمدة لإبن البطريق ص 422-416، وإكمال الدين ج 1 ص 273-272، والخصال ج 2، ص 469 و 475 وفتح الباري ج 13، ص 185-181 والغيبة للنعماني ص 125-119 وصحيح البخاري ج 4، ص 159 وينابيع المودة ص 446-444 وتاريخ بغداد ج 2، ص 126 و ج 14، ص 353 ومستدرك الحاكم ج 3، ص 618 وتلخيصه للذهبي "مطبوع بهامش المستدرك" نفس الصفحة، ومنتخب الأثر ص 23-10 عن مصادر كثيرة، والجامع الصحيح ج 4، ص 501 وسنن أبي داود ج 4، ص 116 وكفاية الأثر ص 49 إلى أخر الكتاب، والبحار ج 36، ص 231 إلى أخر الفصل، وإحقاق الحق "الملحقات" ج 13، ص 50-1 عن مصادر كثيرة.)

الفات النظر الى أمرين وقبل أن نواصل الحديث، فيما نريد التأكيد عليه، فإننا نلفت النظر إلى أمرين.

الأول: المكان فقد اختلفت الروايات حول المكان الذي أورد فيه النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" هذه الخطبة. فذكرت طائفة من الروايات: أن ذلك قد كان في حجة الوداع، في عرفات...

ورواية واحدة تردد فيها الرواي بين عرفات ومنى.

وهناك طائفة من الروايات عبّرت ب "المسجد".

(راجع بالنسبة لخصوص هذه الطائفة من الروايات الخصال ج 2، ص 469 و 472، كفاية الأثر: ص 50، ومسند أبي عوانة ج 4، ص 398، وإكمال الدين ج 1، ص 272، وحلية الأولياء ج 4، ص 333 والبحار ج 36، ص 234، ومنتخب الأثر: ص 19.)

وسكتت روايات أخرى عن التحديد. مع أنها جميعاً قد تحدثت عن حدوث فوضى وضجيج، لم يستطع معه الراوي أن يسمع بقية كلام الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله وسلم"، وتوجد روايات أشارت إلى عدم فهم الرواي، ولم تشر إلى الضجيج.

فهل كرر النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ذلك في المواضع المختلفة فكان يواجه بالضجيج والفوضى؟!

ويكون المقصود بالمسجد، هو المسجد الموجود في منى، أو عرفة؟!

إن لم يكن ذكر منى إشتباهاً من الراوي. أم أنه موقف واحد، اشتبه أمره على الرواة والمؤرخين؟!

أم أن ثمة يداُ تحاول التلاعب والتشويش بهدف طمس الحقيقة، وإثارة الشبهات حول موضوع هام وحساس جداً. ألا وهو موضوع الإمامة بعد رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم".

قد يمكن ترجيح احتمال تعدد المواقف، التي أظهرت إصرار فئات الناس على موقف التحدي، والخلاف. وذلك بسبب تعدد الناقلين، وتعدد الخصوصيات والحالات المنقولة..

الثاني: كلهم من قريش ما ذكرته الروايات من أنه "صلى الله عليه وآله وسلم" قد قال:

"كلهم من قريش" موضع شك وريب.

وذلك لأن ما تقدم من حقيقة الموقف الظالم لقريش، ومن هم على رايها، وخططهم التي تستهدف تقويض حاكمية خط الإمامة، يجعلنا نجزم بأن العبارة التي لم يسمعها جابر بن سمرة، وأنس، وعمر بن الخطاب، وعبد الملك بن عمير، وأبو جحيفة، بسبب ما أثاره المغرضون من ضجيج هي كلمة: "كلهم من بني هاشم" كما ورد في بعض النصوص.

(ينابيع المودة: ص 445 عن مودة القربى وراجع: منتخب الأثر: ص 14 وهامش ص 15 عنه.)

وهي الرواية التي استقر بها القندوزي الحنفي، على أساس: أنهم "لا يحسّنون خلافة بني هاشم".

(ينابيع المودة: ص 446.)

إلا ان يكون "صلى الله عليه وآله وسلم" قد قال الكلمتين معاً، أي أنه "صلى الله عليه وآله وسلم" قال: "كلهم من قريش ن كلهم من بني هاشم". ويكون ذكره الفقرة الأولى توطئة، وتمهيداً لذكر الثانية، فثارت ثائرة قريش وأنصارها، وعجبوا وضجوا، وقاموا وقعدوا....!!

وإلا.. فإن قريشاً، ومن يدور في فلكها لم يكن يغضبهم قوله "صلى الله عليه وآله وسلم": "كلهم من قريش" بل ذلك يسرهم، ويفرحهم، لأنه هو الأمر الذي ما فتئوا يسعون إليه، بكل ما أوتوا من قوة وحول، ويخططون ويتآمرون، ويعادون ويحالفون من أجله، وعلى اساسه، فلماذا الهياج والضجبج، ولماذا الصخب والعجيج، لو كان الأمر هو ذلك؟!.