الموقف.. الفضحية

ولا نشك في أن طائفة الأخيار، والمتقين الأبرار من صحابة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" كانت تلتزم بأوامره "صلى الله عليه وآله وسلم" في كل ما يحكم ويقضي به.

أما من سواهم- وهم الأكثرية بالنسبة لأولئك- من أصحاب الأهواء، وطلاب اللبانات، وذوي الطموحات، ممن لم يسلموا، ولكنهم غلبوا على أمرهم، فاستسلموا، وأصبح كثير منهم يتظاهر بالورع، والدين والتقوى، والطاعة والتسليم لله، ولرسوله، متخذاً ذلك ذريعة للوصول إلى مآربه، وتحقيق أهدافه.

أما هؤلاء، الذين كانوا يظهرون خلاف ما يبطنون، ويسرون غير ما يعلنون، فقد كان لا بد من كشف زيفهم وإظهار خداعهم بصورة أو بأخرى.

وقد راينا: كيف أن هؤلاء الذين كانوا يتبركون بفضل وضوء رسول الله "صلى الله عليه وأله وسلم"، وحتى ببصاقه، ونخامته، وو... ويدّعون الحرص على امتثال أوامر الله سبحانه بتوقيره، وبعدم رفع أصواتهم فوق صوته. (راجع سورة الحجرات: الآية 1 و 2 وقد ورد أنّ هذه الآيات نزلت حينما حصل إختلاف فيما بين أبي بكر وبين عمر حول تأمير بعض الأشخاص من قبل النبي، فأصر أحدهما على شخص وأصر الآخر على آخر، حتى ارتفعت أصواتهما.

راجع الدر المنثور ج 6، ص 84-83 عن البخاري وإبن المنذر وإبن مردويه، وأسباب النزول ص 218، وصحيح البخاري ج 3، ص 122، والجامع الصحيح ج 5، ص 387، وتفسير القرآن العظيم ج 4، ص 206-205، ولباب التأويل ج 4، ص 164، وفتح القدير ج 5، ص 61، والجامع لأحكام القرآن ج 16، ص 301-300 وغرائب القرآن "مطبوع بهامش جامع البيان" ج 26، ص 72.) وبالتأدّب معه، وبأن لا يقدموا بين يدي الله ورسوله وو... لقد رأينا أن هؤلاء بمجرد إحساسهم بأنه "صلى الله عليه وآله وسلم" يريد الحديث عن الأئمة الإثني عشر، وبيان مواصفاتهم، وتحديدهم بصورة أدق، وأوفى وأتم.

الأمر الذي جعلهم يخشون معه: أن يعلن إمامة من لا يرضون إمامته، وخلافه من يرون أنه قد وترهم، وآباد خضراءهم في موافقة المشهورة دفاعاً عن الحق والدين- ألا وهو علي أمير المؤمنين "عليه السلام"..

نعم، إنهم بمجرد إحساسهم بذلك علا ضجيجهم، وزاد صخبهم، وعلى حد تعبير الروايات: "ثم لغط القوم وتكلموا" أو: "وضج الناس".

أو: "فقال كلمة أصمينها الناس".

أو: "فصرخ الناس، فلم أسمع ما قال".

أو: "فكبر الناس، وضجوا".

أو: "فجعل الناس يقومون، ويقعدون".

نعم.. هذا كان موقفهم من الرسول، وهؤلاء هم الذين يدعى البعض لهم مقام العصمة عن كل ذنب، ويمنحم وسام الإجتهاد في الشريعة والدين "!!".

المصارحة المرة وقد تقدمت كلمات أمير المؤمنين "عليه الصلاة والسلام" التي صرح فيها بأن العرب كرهت أمر محمد "صلى الله عليه وآله وسلم"، وحسدته على ما آتاه الله من فضله، واستطالت أيامه، حتى قدفت زوجته، ونفرت به ناقته.

ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة للرياسة، وسلما إلى العز والإمرة، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً.

وعلى هذا، فإن من الطبيعي جداً: بعد أن جرى ما جرى منهم معه "صلى الله عليه وآله وسلم" في منى وعرفات وبعد أن تأكد لديهم إصرار النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" معاملة غريبة، وبصورة بعيدة حتى عن روح المجاملة الظاهرية.

وقد واجههم رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" بهذه الحقيقة، وصارحهم بها، في تلك اللحظات بالذات. ويتضح ذلك من النص المتقدم في الفصل السابق والذي يقول:

عن جابر بن عبدالله:

أن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" نزل بخم فتنحى الناس عنه، ونزل معه علي بن أبي طالب، فشق على النبي تأخر الناس، فأمر علياً، فجمعهم، فلما اجتمعوا قام فيهم متوسد "يد" علي بن أبي طالب، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، إنه قد كرهت تخلفكم عني، حتى خيل إلي: أنه ليس شجرة أبغض إليكم من شجرة تليني".

(راجع: مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 25 والعمدة لإبن بطريق ص 107 والغدير ج 1 ص 22 عنه وعن الثعلبي في تفسيره، كما في ضياء العالمين.)

وروى ابن حبان بسند صحيح على شرط البخاري، -كما رواه آخرون باسانيد بعضها صحيح أيضاً: إنه حين رجوع رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" من مكة،- حتى إذا بلغ الكديد "أو قدير" جعل ناس من أصحابه يستأذنون، فجعل "صلى الله عليه وآله وسلم" يأذن لهم.

فقال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم":

"ما بال شق الشجرة التي تلي رسول الله أبغض إليكم من الشق الآخر؟".

قال: فلم نر من القوم إلا باكياً، قال: يقول أبو بكر: إن الذي يستأذنك بعد هذا لسفيه في نفسي الخ...".

(الإحسان في تقريب صحيح أبن حبان ج 1، ص 444 ومسند أحمد ج 4، ص 16 ومسند الطيالسي ص 182 ومجمع الزوائد ج 10، ص 408 وقال: رواه الطبراني، والبزاز بأسانيد رجال بعضها عند الطبراني والبزاز رجال الصحيح، وكشف الأستار عن مسند البزار ج 4، ص 206 وقال في هامش "الإحسان": إنه في الطبراني برقم: 4556 و 4557 و 4558 و 4559 و 4560).

 

الغدير في ظل التهديدات الإلهية

قريش وخلافة بني هاشم

قد عرفنا في الفصل السابق: أن قريشاً، ومن هم على رأيها هم الذين كانوا يخططون لصرف الأمر عن بني هاشم، وبالذات عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، ويتصدون لملاحقته ومتابعته في جميع تفاصيله وجزئياته.

وقد رأوا: أن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" كان في مختلف المواقع والمواضع لا يزال يهتف باسمه، ويؤكد على إمامته، ولم يكن في مصلحتهم أن يعلن بذلك أمام تلك الجموع الغفيرة، التي جاءت للحج من جميع الأقطار والأمصار، ولأجل ذلك فقد بادروا إلى التشويش والإخلال بالنظام. قريش بالذات هي التي قصدت النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" في منزلة بعد هذا الموقف مباشرة لتستوضح منه ماذا يكون بعد هؤلاء الأئمة. فكان الجواب: ثم يكون الهرج. والصحيح: "الفرج"، كما رواه الخزاز.

(راجع كفاية الأثر: ص 52، ويقارن ذلك مع ما في إحقاق الحق "الملحقات" وغيبة النعماني وغيرهما..

فإنهم صرحوا بان قريشاً هي التي أتته.)

وقد رأى النبي "صلى الله عليه وآله وسلم": أن مجرد التلميح لهذا الأمر، قد دفعهم إلى هذا المستوى من الإسفاف والإسراف في التحدي لإرادة الله سبحانه. ولشخص النبي "صلى الله عليه وآله وسلم"، دون أن يمنعهم من ذلك شرف المكان، ولاخصوصية الزمان، ولا قداسة المتكلم، وشأنه وكرامته.

فكيف لو أنه "صلى الله عليه وآله وسلم" صرح بذلك وجهر باسمه عليه الصلاة والسلام، فقد يصدر منهم ما هو أمر وأدهى وأقبح واشد خطراً على الإسلام وعلى مستقبله بصورة عامة.

التدخل الإلهي ثم جاء التهديد الإلهي لهم، فحسم الموقف، وأبرم الأمر، وظهر لهم أنهم عاجزون عن الوقوف في وجه إرادة الله، القاضية بلزوم إقامة الحجة على الناس كافة، بالأسلوب الذي يريده الله ويرتضيه، وأدركوا: أن استمرارهم في المواجهة السافرة قد يؤدي بهم إلى حرب حقيقة، فيما بينهم وبين الله ورسوله، وبصورة علنية ومكشوفة.

فلم يكن لهم بد من الرضوخ، والانصياع، لا سيما بعد أن افهمهم الله سبحانه:أنه يعتبر عدم إبلاغ هذا الأمر بمثابة عدم إبلاغ أصل الدين، وأساس الرسالة، "وان لم تفعل فما بلغت رسالته" الأمر الذي يعني: العودة إلى نقطة الصفر، والشروع منها، وحتى لو انتهى ذلك إلى خوض حروب في مستوى بدر، وأحد والخندق، وسواها من الحروب التي خاضها المسلمون ضد المشركين من أجل تثبيت أساس الدين وإبلاغه.

ومن الواضح لهم: أن ذلك سوف ينتهي بهزيمتهم وفضيحتهم، وضياع كل الفرص، وتلاشي جميع الآمال في حصولهم على امتياز يذكر، أو بدونه، حيث تكون الكارثة بانتظارهم، حيث البلاء المبرم، والهلاك والفناء المحتّم.

فآثروا الرضوخ إلى الأمر الواقع، والإنحناء أمام العاصفة، في سياسة غادرة وماكرة. ولزمتهم الحجة، بالبيعة التي أخذت منهم له "عليه السلام" في يوم الغدير.

وقامت الحجة بذلك على الأمة بأسرها أيضاً.

ولم يكن المطلوب أكثر من ذلك. ثم كان النكث منهم لهذه البيعة، وذلك بعد وفاة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم"، وإحساسهم بالأمن، وبالقوة. "فمن نكث فإنما ينكث على نفسه".

(سورة الفتح الآية 10).

"وليحملن أثقالهم، واثقالاَ مع أثقالهم وليسألنّ يوم القيامة عما كانوا يفعلون".

(سورة العنكبوت الآية 13).

تذكير ضروري: الورع والتقوى قد يدور بخلد بعض الناس السؤال التالي: إنه كيف يمكن أن نصدق أن يقدم عشرات الألوف من الصحابة على مخالفة ما رسمه النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" لهم في أمر الخلافة والإمامة. وهم أصحابه الذين رباهم على الورع والتقوى، وقد مدحهم الله عز وجل في كتابه العزيز، وذكر فضلهم، وهم الذين ضحوا في سبيل الله هذا الدين، وجاهدوا فيه بأمواله وأنفسهم!!

ونقول في الجواب :

إن ما يذكرونه حول الصحابة أمر مبالغ فيه. وذلك لأن الصحابة الذين حجوا مع النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" قبيل وفاته، وإن كانوا يعدون بعشرات الألوف.

ولكن لم يكن هؤلاء جميعاً من سكان المدينة، ولا عاشوا مع النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" فترات طويلة، تسمح له بتربيتهم وتزكيتهم وتعليمهم وتعريفهم على أحكام الإسلام، ومفاهيمه.

بل كان أكثرهم من بلاد أخرى بعيدة عن المدينة أو قريبة منها وقد فازوا برؤية النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" هذه المرة، وقد يكون بعضهم قد رآه قبلها أو بعدها بصورة عابرة أيضاً وقد لا يكون رآه.

وقد تفرق هؤلاء بعد واقعة الغدير مباشرة، وذهب كل منهم إلى أهله وبلاده. ولعل معظمهم- بل ذلك هو المؤكد- قد أسلم بعد فتح مكة، وفي عام الوفود- سنة تسع من الهجرة: فلم يعرف من الإسلام إلا إسمه، ومن الدين إلا رسمه مما هو في حدود بعض الطقوس الظاهرية والقليلة. ولم يبق مع رسول الله بعد حادثة الغدير، إلا أقل القليل من الناس ممن كان يسكن المدينة، وقد يكونون ألفين أو أكثر، وربما دون ذلك أيضاً.

وقد كان فيهم العدد من الخدم والعبيد، والأتباع، بالإضافة إلى المنافقين والذين مردوا على النفاق ممن أخبر الله عن وجودهم، وأنهم كانوا من أهل المدينة، ومن البلاد المجاورة لها.

ولم يكن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" يعلمهم بصورة تفصيلية، وكان الله سبحانه هو الذي يعلمهم.

هذا إلى جانب فئات من الناس، من أهل المدينة نفسها، كانوا لا يملكون درجة كافية من الوعي للدين، وأحكامه ومفاهيمه، وسياساته، بل كانوا مشغولين بأنفسهم وملذاتهم وتجاراتهم، فإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوا النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" قائماً.

وقد تعرض كثير من الناس منهم لتهديدات النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" بحرف بيوتهم، لأنهم كانوا يقاطعون صلاة الجماعة التي كان يقيمها رسول الله "صلى الله عليه وأله وسلم" بالذات، كما أنه قد كان ثمة جماعة اتخذت لنفسها مسجداً تجتمع فيه، وتركت الحضور في جماعة المسلمين، وهو ما عرف بمسجد الضرار، وقد هدمه "صلى الله عليه وآله وسلم"، كما هو معروف.

وتكون النتيجة هي أنه لا يبقى في ساحة الصراع والعمل السياسي إلا أهل الطموحات، وأصحاب النفوذ من قريش، صاحبة الطول والحول في المنطقة العربية بأسرها. بالإضافة إلى افراد معدودين من غير قريش أيضاً.

فكان هؤلاء هم الذين يدبرون الأمور ويوجهونها بالإتحاد الذي يصب في مصلحتهم، ويؤكد هيمنتهم، ويحركون الجماهير بأساليب متنوعة، أتقنوا الاستفادة منها بما لديهم من خبرات سياسية طويلة. فكانوا يستفيدون من نقاط الضعف الكثيرة التي كانت لدى السذج والبسطاء، أو لدى غيرهم مما لم يستحكم الإيمان في قلوبهم بعد، ممن كانت تسيرهم الروح القبلية، وتهيمن على عقلياتهم وروحياتهم المفاهيم والرواسب الجاهلية.

كما أن اولئك الذين وترهم الإسلام- أو قضى على الإمتيازات التي لا يستحقونها، وقد استأثروا بها لأنفسهم ظلم وعلوا- كانوا يسارعون إلى الإستجابة إلى أي عمل يتوافق مع احقادهم، وينسجم مع مشاعرهم وأحاسيسهم الثائرة ضد كل ما هو حق وخير، ودين وإسلام. وهذا هو ما عبر عنه رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" حينما ذكر: أن تأخيره إبلاغ أمر الإمامة بسبب أنه كان يخشى قومه، لأنهم قريبو عهد بجاهلية، بغيضة ومقيتة، لا يزال كثيرون منهم يعيشون بعض مفاهيمها، وتهيمن عليهم بعض اعرافها.

وهكذا يتضح: أن الأخبار الواعين من الصحابة، مهما كثر عددهم فإن الآخرين هم الذين كانوا يقودون التيار، بما يتهأ لهم من عوامل وظروف فكان أن تمكنوا- في المدينة التي لم يكن فيها سوى بضعة ألوف من الناس، قد عرفنا بعض حالاتهم- من صرف الأمر- أمر الخلافة بعد رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"- عن أصحابه الشرعيين، إلى غيرهم حسبما هو مذكور ومسطور في كتب الحديث والتاريخ..

خلاصة وبيان وبعد ما تقدم، فإنه يصبح واضحاً أن الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله وسلم" كان يواجه عاصفة من التحدي، والإصرار على إفشال الخطط الإلهية، بأي ثمن كان، وبأي وسيلة كانت!

وأن التدخل الإلهي والتهديد القرآني هو للعناصر التي اثارت تلك العاصفة، وإفهامهم: أن إصرارهم على التحدي، يوازي في خطورته وفي زيف نتائجه، وقوفهم في وجه الدعوة الإلهية من الأساس- نعم إن هذا التدخل- هو الذي حسم الموقف، ولجم التيار، لا سيما بعد أن صرح القرآن بكف من يتصدى، ويتحدى، وتعهد بالحماية والعصمة له "صلى الله عليه وآله وسلم"، فقال: "وإن لم بفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين".

(سورة المائدة الآية 67).

وإذا كان الله سبحانه هو الذي سيتصدى لكل معاند وجاحد، فمن الواضح:

أنه ليس بمقدور أحد أن يقف في وجه الإرادة الإلهية، فما عليهم إلا أن يبلغ أن ينسجموا من ساحة التحدي، من أجل أن يقيم الله حجته، ويبلغ الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" دينه ورسالته.

وليبوؤاهم بإثم المكر والبغي، وليحملوا وزر النكث والخيانة... والله لا يهدي كيد الخائنين.

 

  

دراسة الحدث في حدود الزمان والمكان

ونحم في نطاق فهمنا لموقف النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" في حجة الوداع في منى وعرفات، ومنع قريش له من نصب على "عليه السلام" إماماً لأمة، نسجل النقاط التالية:

1 ـ يوم عرفة هو يوم عبادة ودعاء وابتهال، وانقطاع إلى الله، سبحانه، ويكون فيه كل واحد من الناس منشغلاً بنفسه، وبمناجاة ربه، لا يتوقع في موقفه ذاك أي نشاط سياسي عام، ولا يخطر ذلك على بال.

فإذا رأى أن النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله وسلم" يبادر إلى عمل من هذا القبيل، فلا بد وأن يشعر: أن هناك أمراً بالغ الخطورة، وفائق الأهمية، فينشد لسماع ذلك الأمر والتعرف عليه، ويلاحق جزئياته بدقة ووعي، وبانتباه فائق.

2 ـ لماذا في موسم الحج

وإذا كان موسم الحج هو المناسبة التي يجتمع فيها الناس من مختلف البلاد، على اختلاف طبقاتهم، وأجناسهم، وأهوائهم، فإن أي حدث متميز يرونه ويشاهدونه فيه لسوف تنتشر أخباره بواسطتهم على أوسع نطاق، فكيف إذا كان هذا الحدث يحمل في طياته الكثير من المفاجآت، والعديد من عناصر الإثارة، وفيه من الأهمية ما يرتقي به إلى مستوى الأحداث المصيرية للدعوة الإسلامية بأسرها.

3 ـ وجود الرسول أيضاً كما أن وجود الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" في موسم الحج، لسوف يضفي على هذه المناسبة المزيد من البهجة، والإرتياح، ولسوف يعطي لها معنى روحياً أكثر عمقاً، وأكثر شفافية وسيشعرون بحساسية زائدة تجاه أي قول وفعل يصدر من جهته "صلى الله عليه وآله وسلم"، وسيكون الدافع لديهم قوياَ لينقلوا للناس مشاهداتهم، وذكرياتهم في سفرهم الفريد ذاك.

كما أن الناس الذين يعيشون في مناطق بعيدة عنه "صلى الله عليه وآله وسلم"، ويشتاقون إليه، لسوف يلذ لهم سماع تلك الأخبار، وتتبعها بشغف، وبدقة وبانتباه زائد، ليعرفوا كل ما صدر من نبيهم، من: قول، وفعل، وتوجيه، وسلوك، وأمر، ونهين وتحذير، وترغيب وما إلى ذلك.

4 ـ الذكريات الغالية وكل من رافق النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" في هذا السفر العبادي، لسوف يحتفظ في ذاكرته بذكريات عزيزة وغالية على قلبه، تبقى حية غضبة في روحه وفي وجدانه، على مدى الأيام والشهور، والأعوام والدهور، ما دام أن هذه هي آخر مرة يرى فيها رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"، أعظم وأكرم، وأغلى رجل وجد، ويوجد على وجه الأرض.

وحين تتخذ العلاقة بالحديث بعداً عاطفياً، يلامس مشاعر الإنسان، وأحاسسيه، فإنها تصبح اكثر رسوخاً وحيوية، وابعد أثراً في مجال الإلتزام والموقف.

5 ـ الناس أمام مسؤولياتهم

وبعد أن عرفنا أنه "صلى الله عليه وآله وسلم" قد اختار الزمان، ليكون يوم العبادة والإنقطاع إلى الله سبحانه- يوم عرفة- والمكان، وهو نفس جبل عرفات، ثم اختار الخصوصيات والحالات ذات الطابع الخاص، ككونها أخر حجة للناس معه، حيث قد أخبر الناس:

أن الأجل قد أصبح قريباً.

ثم اختار أسلوب الخطاب الجماهيري، لا خطاب الأفراد والأشخاص، كما هو الحال في المناسبات العادية،-إذا عرفنا ذلك، وسواه- فإنه يصبح واضحاً: أنه "صلى الله عليه وآله وسلم" قد أراد أن يضع الأمة امام مسؤولياتها، ليفهمها: أن تنفيذ هذا الأمر يقع على عاتقها جميعاً، فليس لأفراد أن يعتذروا بأن هذا أمر لا يعنيهم، ولا يقع في دائرة واجباتهم، كما أنهم لا يمكنهم دعوى الجهل بأبعاده وملابساته، بل الجميع مطالبون بهذا الواجب، ومسؤولون عنه، وليس خاصاً بفئة من الناس، لا يتعداها إلى غيرها، وبذلك تكون الحجة قد قامت على الجميع، ولم يبق عذر لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة.

6 ـ احتكار القرار وهذه الطريقة في العمل قد أخرجت القضية عن احتكار جماعة بعينها، قد يروق لها أن تدعي: أنها وحدها صاحبة الحل والعقد في هذه المسألة- أخرجها عن ذلك لتصبح قضية الأمة بأسرها، ومن مسؤولياتها التي لا بد وأن تطالب، وتطالب بها، فليس لقريش بقد هذا، ولا لغيرها: أن تحتكر القرار في أمر الإمامة والخلافة، كما قد حصل ذلك بالفعل.

ولنا أن نعتبر هذا من أهم إنجازات هذا الموقف، وهو ضربة موفقة في مجال التخطيط لمستقبل الرسالة، وتركيز الفهم الصحيح لمفهوم الإمامة لدى جميع الأجيال، وعلى مر العصور.

وقد كان لا بد لهذه القضية من أن تخرج من يد أناس يريدون أن يمارسوا الإقطاعية السياسية والدينية، على أسس ومفاهيم جاهلية، دونما اثارة من علم، ولا دليل من هدى وإنما من منطلق الأهواء الشيطانية والأطماع الرخيصة، والأحقاد المقيتة والبغيضة.

7 ـ تساقط الاقنعة ولعل الإنجاز الأهم هنا هو: أنه "صلى الله عليه وآله وسلم" قد استطاع أن يكشف زيف المزيفين، وخداع الماكرين، ويعريهم أمام الناس، حتى عرفهم كل أحد، وبأسلوب يستطيع الناس جميعاً على اختلاف مستوياتهم وحالاتهم ودرجاتهم في الفكر، وفي الوعي، وفي السن، وفي الموقع، وفي غير ذلك من أمور أن يدركوه ويفهموه... فقد رأى الجميع: أن هؤلاء الذين يدعون: أنهم يوقرون رسول الله ويتبركون بفضل وضوئه، وببصاقه، وحتى بنخامته، وأنهم يعملون بالتوجيهات الإلهية التي تقول:

"لا تقدموا بين يدي الله ورسوله". (سورة الحجرات الآية 1).

"لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض". (سورة الحجرات الآية 2).

"ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا". (سورة الحشر الآية 7).

"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول". (سورة النساء الآية 59).

وغير ذلك من آيات تنظم تعاملهم، وتضع الحدود، وترسم معالم السلوك معه "صلى الله عليه وآله وسلم"، مما يكون الفسق والخروج عن الدين، في تجاهله وفي تعديه.

هذا إلى جانب اعترافهم بما له "صلى الله عليه وآله وسلم" من فضل عليهم وأياد لديهم، فإنه هو الذي أخرجهم- بفضل الله: من الظلمات الى النور، ومن الضلال إلى الهدى، وأبدلهم الذل بالعز، والشقاء بالسعادة، والنار بالجنان.

مع أنهم يدعون: أنهم قد جاؤا في هذا الزمان الشريف، إلى هذا المكان المقدس- عرفات- لعبادة الله سبحانه وطلب رضاه، منيبين إليه سبحانه، ليس لهم في حطام الدنيا، وزخارفها، مطلب ولا مأرب.

ولكن مع ذلك كله.. فقد رأى الجميع بأم أعينهم: كيف أن حركة بسيطة منه "صلى الله عليه وآله وسلم" قد أظهرتهم على حقيقتهم، وكشفت خفي مكرهم، وخادع زيفهم، ورأى كل أحد كيف أنهم: لا يوقرون رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"، ويرفعون أصواتهم فوق صوته، ويجهرون له بالقول أكثر من جهر بعضهم لبعضهم، ويعصون أوامره، كل ذلك رغبة في الدنيا، وزهداً في الآخرة،وطلباً لحظ الشيطان، وعزوفاً عن الكرامة الإلهية ورضى الرحمن.

8 ـ وإذا كان هؤلاء لا يتورعون عن معاملة نبيهم بهذا الأسلوب الوقح والقبيح، فهل تراهم يوقرون من هو دونه، في ظروف وحالات لا تصل إلى حالاتهم معه "صلى الله عليه وآله وسلم"، ولا تدانيها؟!.

وماذا عسى أن يكون موقفهم ممن طفحت قلوبهم بالحقد عليه، ولهم قبله ترات وثارات من قتلهم على الشرك من اسلافهم، كعلى بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه.

وهكذا.. فإنه يكون "صلى الله عليه وآله وسلم" قد أفقدهم، وأفقد مؤيدهم كل حجة، وحجب عنهم كل عذر، سوى البغي والإصرار على الباطل، والجحود للحق، فقد ظهر ما كان خفياً، وأسفر الصبح لذي عينين، ولم يعد يمكن الإحالة، على المجهول، بدعوى: أنه يمكن أن يكون قد ظهر لهم ما خفي علينا.

أو أنهم- وهم الأتقياء الأبرار- لا يمكن أن يخالفوا رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"، ولا يبطلوا تدبيره، ويخونوا عهده، وهو لما يدفن.

أو أن من غير المعقول: أن تصدر الخيانة من أكثر الصحابة؟! أو أن يسكتوا بأجمعهم عليها.

وما إلى ذلك من أساليب يمارسها البعض لخداع السذج والبسطاء ومن لا علم لهم بواقع أولئك الناس، ولا بمواقفهم.

فإن كل هذه الدعاوى عد سقطت، وجميع تلكم الأعذار قد ظهر زيفها وبطلانها، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.

9 ـ القرار الالهي الثابت والذي ساهم في قطع كل عذر، وبوار كل حجة: أن ذلك قد كان منهم في الأيام الأخيرة من حياته "صلى الله عليه وآله وسلم"، بحيث لم يبق مجال لدعوى الإنابة والتوبة، أو الندم على ما صدر منهم، ولا لدعوى تبدل الأوضاع والأحوال، والظروف والمقتضيات، ولا لدعوى تبدل القرار الإلهي النبوي.

10 ـ التهديد والتآمر

هذا.. وقد تقدم: أن هؤلاء أنفسهم حينما رأوا جدية التهديد الإلهي، قد سكتوا في المرحلة اللاحقة، حينما قام النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ليعلن إمامة علي "عليه السلام" في غدير خم، فلم نجد منهم أيه بادرة خلاف، إلا فيما ندر من همسات عابرة، لا تكاد تسمع.

وقد بادر هؤلاء أنفسهم الى البيعة له "عليه السلام". وأن كانوا قد أسروا وبيتوا ما لا يرضى الله ورسوله من القول والفعل، والنية والتخطيط. الذي ظهرت نتائجه بعد وفاة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم"، وهو حينما تصدى بعضهم لمنع النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله وسلم" من كتابة الكتاب بالوصية لعلي "عليه السلام" حينما كان النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" على فراش المرض، في ما عرف برزية يوم الخميس! وقال قائلهم: إن النبي ليهجر!

أو: غلبه الوجع!.

(الإيضاح: ص 359، وتذكرة الخواص: 62، وسر العالمين 21، وصحيح البخاري ج 3، ص 60 و ج 4، ص 173 و ج 1، ص 22-21 و ج 2، ص 115، والمصنف للصنعاني ج 6، ص 57 و ج 10، ص 361، وراجع ج 5، ص 438، والإرشاد للمفيد ص 107 والبحار ج 22، ص 498 وراجع: الغيبة للنعماني ص 82-81 وعمدة القاري ج 14 و ص 298 وفتح الباري ج 8، ص 101 و 102 والبداية والنهاية ج 5، ص 227، والبدء والتاريخ ج 5 ص 59، والملل والنحل ج 1، ص 22، والطبقات الكبرى ج 2، ص 244، وتاريخ الأمم والملوك ج 3، ص 193-192، والكامل في التاريخ ج 2، ص 320، وأنساب الأشراف ج 1، ص 562، وشرح النهج للمعتزلي ج 6، ص 51، وتاريخ الخميس ج 2، ص 164، وصحيح مسلم ص 75، ومسند أحمد ج 1، ص 355 و ص 324 و ص 325 والسيرة الحلبية ج 3، ص 344، ونهج الحق: ص 273، والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2، ص 62.

راجع: حق اليقين ج 1، ص 182-181 ودلائل الصدق ج 3 قسم 1، ص 70-63، والصراط المستقيم ج 3 و 6، والمراجعات: 353، والنص والإجتهاد: 163-149).

11- الخير في ما وقع وأخيراً.. فإن ما جرى في عرفة، ومنى، وإظهار هؤلاء الناس على حقيقتهم، وما تبع ذلك من فوائد وعوائد أشير اليها، قد كان ضرورياً ولازماً، للحفاظ على مستقبل الدعوة، وبقائها، فقد عرفت الأمة الوفي من المتآمر، والمؤمن الخالص، من غير الخالص، وفي ذلك النفع الكثير والخير العميم.

"فعسى أن تكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيراً". (سورة النساء الآية 919).

وصدق الله ورسوله، وخاب من افترى... "فمن نكث فإنما ينكث على نفسه". (سورة الفتح الآية 10).

والحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

 

كلمة أخيرة

وإنني في نهاية هذا البحث أشكر القارئ الكريم على حسن متابعته لي، وأود أن أذكره بأن هذا البحث ما هو إلا خطوة أولى على طريق الكشف عن الحقيقة، وعن الظروف التي أحاطت بهذه القضية الحساسة جداً.

ويبقى المجال مفتوحاً أمام الباحثين والمحققين ليتحفونا بالمزيد من ثمار جهودهم، التي من شأنها أن تعرفنا على المزيد مما شاءت له السياسات الظالمة أن ينكتم وينستر، أو أن يتلاشى، وينعدم ويندثر. مع التأكيد على أن هذا البحث لا يغني عن المراجعة إلى ما كتبه علماؤنا الأبرار رضوان الله تعالى عليهم في مجال استخراج نصوص هذا الحدث من مئات المصادر، الموثوقة لدى أهل السنة، فضلاً عما ورد منها في كتب الشيعة ثم في مجال استنطاق الحدث في اشاراته ودلالاته، وفيما يرتبط بظروفه وحالاته ثم في بواعثه وغاياته، فإنهم رضوان الله تعالى عليهم، قد بذلوا من جهدهم الغاية، وأتوا بما فيه مقنع وكفاية، لمن أراد الرشد والهداية.

وفقنا الله للسير على هدى الإسلام القويم، ونسأله تعالى أن يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يأخذ بيدنا في سبيل الخير والصلاح، والنجاح والفلاح، إنه خير مأمول، وأكرم مسؤول.

قم المشرفة- ذوالحجة- سنة 1410 هـ. ق.

جعفر مرتضى العاملي