ص 5

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

ص 6

كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الشعوب الإسلامية في كل أنحاء العالم بإمكانها نيل الوحدة وتحقيق الأخوة بمختلف الطرق، وأحدها الوحدة وتحقيق الأخوة بمختلف الطرق، وأحدها في العقيدة والمبدأ لأن الاختلاف في المباني الفكرية والأيديولوجية تمثل الأساس الذي تتفرع عليه الاختلاف في السلوك المترجم على أرض الواقع، الجميع يتسائلون: الجواب على هذه الأسئلة واضح، لأنه: لأن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا إبهام فيها، وبما أن جميع الفرق والمذاهب الإسلامية تعتقد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجميع المسلمين يتعشقونه، ويأتون إلى زيارته من كل فج عميق، فلا بد أن يتعرفوا على سيرته وأحاديثه، ويتخذوا منها منهجا يسيرون عليه في حياتهم، وهكذا تزول الاختلافات باتباع سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

إن علماء السنة يؤمنون بسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقد سموا أنفسهم باسم السنة لذلك، ولشدة عشقهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يحترمون أصحابه أيضا، حتى أولئك الذين لم يصحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أياما قلائل نجدهم ينظرون إليهم بإجلال وإكبار ويقبلون آراءهم، إذا، فلا بد أن يقبلوا وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع، في أرض الجحفة في غدير خم حيث اختار صلى الله عليه وآله وسلم عليا لإمامة المسلمين، وذلك عندما رجع 120 ألف من حجاج بيت الله الحرام من مكة المكرمة وبايعوا عليا، وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدوا أيديهم لمبايعة الإمام علي عليه السلام، وقد تناقل خبر هذه الواقعة جميع الحاضرين ودونوها في كتبهم، وحفظت صدورهم، حديث الغدير وتناقلته أفواههم وأنشد فحول الشعراء من العرب آنذاك القصائد العصماء في تلك الحادثة الهامة، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقبولا، وقوله وفعله حجة.

فحديث الغدير وخطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في نصب علي بن أبي طالب عليه السلام إماما من بعده، وسلوكه صلى الله عليه وآله وسلم في أخذ البيعة للإمام علي عليه السلام حجة، تلك حقيقة لا تقبل الرد، ومن هذا الجهد المبارك الكتاب الروض النضير في معنى حديث الغدير، من تأليفات الأستاذ فارس حسون كريم، حول واقعة الغدير الكبرى ونسأل الله أن يوفقه في الدنيا بالمكارم الأخلاقية وفي القيامة بالوصول إلى الشفاعة العترة النبوية.

إن شاء الله قم المقدسة، مؤسسة أمير المؤمنين عليه السلام للتحقيق محمد الدشتي محرم الحرام 1375 هـ ش.

ص 7

الإهداء

إلى من كان رضاهما مصدر التوفيق.

إلى من ليس أحب إليها من أن تسمع وترى أني سعيد محظوظ.

إلى من قدمت إلي كل غال ورخيص في سبيل إسعادي.

إلى الكنز الزاخر من الحنان والعطف الصادقين، أعب منهما كلما أظلمت الحياة في وجهي، وصدمتني الأيام بمصائبها.

إلى أمي الحنون حفظها الله ورعاها بعنايته.

إلى من حفرت وصاياه كما يشاء على قلبي بأحرف لا تمحوها يد النوى، ولا تعبث بها نار الغربة.

إلى من ترعرعت على مهد آدابه، وشبت على رحيب صدره.

إلى من أتذكره كلما لاح غصن وهدلت حمامة.

إلى سيدي الوالد الأكرم أعزه الله.

أقدم هذه الصفحات

 فارس

ص 8

ص 9

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

نحمدك يا من هدانا الصراط المستقيم وسبيل السداد، وجعلنا أكمل العباد، وأسكننا في أحسن البلاد، وأسعدنا في ذكر مناقب الأئمة والأوصياء المرضيين، واستسعد أنفسنا بمدائح الأنبياء والأولياء الصديقين، وصيرنا غير من يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وأعطانا الجنان وعينا فيها تسمى سلسبيلا.

وجعلنا من الزمرة الناجين الاثني عشرية القائلين: بأن عليا عليه السلام بلا فصل بعد خير المرسلين، خليفة ومقتدى العالمين، وإمام المخلوقين، وأمير المؤمنين، ويعسوب الدين، وقائد الغر المحجلين.

ووفقنا للتمسك بأذيال الأئمة الطاهرين، مولانا أمير المؤمنين وعترته الميامين، ودلنا إلى سواطع أنوار الملة البيضاء، ولوامع أخبار الشريعة الغراء، ومشارق شموس الهداية، وشوارق أقمار الرواية والدراية، فبذلك صرنا أشياعا لسادة يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا، وأتباعا لقادة يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا.

ص 10

والصلاة على من ختمت به النبوة والرسالة، وكملت به الرفعة والجلالة، وغلت به الشرافة والنبالة، وعلت به النجابة والأصالة.

وعلى أهل بيته أقطاب رحى الإسلام والإيمان، ومراكز دائرة الفتوة والإحسان، ومطالع أنوار السعادة، ومنابع أنهار السيادة.

لا سيما من تمت به الولاية، ونمت به الوصاية، وسمت به الدراية، ووسمت به الرواية، يد الله الواهب، وهزبره السالب، وشهابه الثاقب، علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، ما طلع الشارق، وغرب الغارب.

جعلني الله تعالى من مواليهم، وصيرني ممن يتبرأ من أعاديهم.

وبعد: لا يذهب على اللبيب السالك مهيع الانصاف، التارك لهواه، النائي بجنبه عن العصبية الباردة التي هي تراث الكامنين بغض آل الرسول صلى الله عليه وآله لأحقاد بدرية وحنينية، إن هذا الحديث الشريف من المتواترات بين النقلة وحفاظ الأحاديث النبوية، قد بلغت كثرة أسانيده واستفاضتها إلى درجة لو ارتاب فيه أحد لم يجد متواترا في الدنيا، ولعد المكابر له من السوفسطائية في الحسيات، فكيف يتطرق إلى صدوره الإنكار، وإلى صراحة دلالته الاحتمال، وقد شهد بتواتره فطاحل الآثار وحفظة الأخبار؟! أودعوه في كتبهم على تنوعها، وأذعنوا بعد التأويلات الباردة بصراحته في ما نقول نحن معاشر شيعة أهل البيت عليهم السلام.

فممن صرح بتواتره:

 1 - السيد محمد بن إسماعيل بن صلاح الدين الأمير، قال في كتابه الروضة الندية في شرح التحفة العلوية : وحديث الغدير متواتر عند أكثر أئمة

ص 11

الحديث.

2 - أبو سعيد مسعود بن ناصر السجستاني، وهو من أوثق رجال المذاهب الأربعة، له كتاب دراية حديث الولاية وهو سبعة عشر جزءا، روى فيه نص النبي صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام بالخلافة عن مائة وعشرين صحابيا وست صحابيات، وعدد أسانيد هذا الكتاب ألف وثلاثمائة.

3 - الشيخ ضياء الدين صالح بن المهدي المقبلي في كتاب الأبحاث المسددة في الفنون المتعددة .

حيث قال - بعد ذكر الغدير - ما لفظه: وطرقه كثيرة جدا ولذا ذهب بعضهم إلى أنه متواتر لفظا فضلا عن المعنى.

4 - صاحب كتاب نخب المناقب لآل أبي طالب حيث قال ما لفظه: قال جدي شهرآشوب: سمعت أبا المعالي الجويني يتعجب ويقول: شاهدت مجلدا ببغداد بيد صحاف فيه روايات هذا الخبر مكتوبا عليه: المجلدة الثامنة والعشرون من طرق قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه . وتتلوه المجلدة التاسعة والعشرون. وذكره ابن كثير أيضا في التاريخ .

5 - صاحب كتاب السراج المنير في شرح الجامع الصغير في أحاديث شير النذير .

6 - أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني النيسابوري الرازي، صنف كتابا في حديث الغدير سماه دعاة الهداة إلى أداء حق الموالاة في مجلد كبير.

7 - القاضي سناء الله الهندي الباني بتي في كتاب السيف المسلول على ما نقله صاحب عبقات الأنوار .

8 - العلامة الشيخ جلال الدين عبد الرحمان السيوطي في كتابه الأزهار

ص 12

المتناثرة في الأحاديث المتواترة .

9 - شمس الدين التركماني الذهبي، حيث إنه بعد معلومية حاله من التسرع في تضعيف الأسانيد حكم بكون هذا الحديث متواترا، وجعل يتكلف في دلالته ويحمله على محامل بعيدة.

10 - الشيخ ابن كثير الشامي في تاريخه عند ترجمة محمد بن جرير الطبري، وأنه رأى كتابا جمع فيه أسانيد هذا الحديث في مجلدين ضخمين.

11 - الجزري في أسنى المطالب ، حيث قال: إنه حديث صحيح رواه الجم الغفير عن الجم الغفير.

12 - الشيخ جمال الدين النيسابوري في الأربعين ، حيث قال: حديث الغدير تواتر عن أمير المؤمنين عليه السلام، وهو متواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رواه جمع كثير وجم غفير من الصحابة.

13 - الميرزا مخدوم بن مير عبد الباقي الشريفي الحنفي المتعصب في كتاب نواقض الروافض .

14 - المولوي محمد مبين الهندي الحنفي في كتاب وسيلة النجاة كما في العبقات .

إلى غير ذلك من كلماتهم المودعة في كتبهم قد طوينا عن نقلها كشحا روما للاختصار، ورعاية لحال النظار، وما نقلناه قطرة بالنسبة إلى ما لم ننقل، ومن أراد أن يقف على أكثر مما ذكر فليرجع إلى كتبهم.

ونعم ما قال سيدنا ذو المجدين علم الهدى الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي في كتابه المسمى ب‍ الشافي في الرد على القاضي المعتزلي : وما المطالب بتصحيح خبر الغدير إلا كالمطالب بتصحيح غزوات النبي صلى الله

ص 13

عليه وآله الظاهرة المنثورة وأحواله المعروفة، وحجة الوداع نفسها، لأن ظهور الجميع وعموم العلم به بمنزلة واحدة، وقد أورد مصنفو الحديث في جملة الصحيح، وقد استبد هذا الخبر بما لا يشركه فيه سائر الأخبار لأن الأخبار على ضربين: أحدهما: أن يعتبر في نقله الأسانيد المتصلة كالخبر عن واقعة بدر وخيبر والجمل وصفين وما جرى مجرى ذلك من الأمور الظاهرة التي يعلمها الناس قرنا بعد قرن بغير إسناد وطريق مخصوص.

والثاني: يعتبر فيه اتصال الأسانيد كأخبار الشريعة، وقد اجتمع في خبر الغدير الطريقان مع تفرقهما في غيره.

وخبر الغدير قد رواه بالأسانيد الكثيرة المتصفة بالصحة الجمع الكثير.

وكذلك تجد أكثر المصادر الشيعية التي تتناول حديث الغدير تركز على المصادر السنية.

ونحن آثرنا أن نعطي صورة من الحديث في مصادر المسلمين غير الشيعة وقد فعلنا بعونه تعالى.

مع أنهم ذكروا في صحاحهم في فضيلة نزول آية *(اليوم أكملت لكم دينكم)*(1) ما رواه مسلم في صحيحه في الجلد الثالث عن طاوس بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر: لو علينا معشر اليهود نزلت هذه الآية ونعلم اليوم الذي أنزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدا.

وها هم يروون أنه يوم غدير خم يوم نصب أمير المؤمنين عليه السلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة: 3.

ص 14

كما في رواية أبي هريرة قال: من صام ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا .

وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ .

قالوا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: من كنت مولاه فعلي مولاه .

فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا بن أبي طالب!! أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة (1)، فأنزل الله تعالى: *(اليوم أكملت لكم دينكم)* الآية.

ولم تجد أو تسمع أحدا من أهل السنة من يتخذ ذلك اليوم عيدا في جميع الأعصار والأمصار، بل يكتمونه عن العوام، وينكرونه عند الجهال أشد الإنكار، فهل كان إلا عنادا لربهم، وخلافا لنبيهم، وتسفيها لحلوم أهل شريعتهم، وردا على كتابهم، وقد تمحض قيام ذلك عند شيعة أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله فإنهم هم الذين عملوا بمقتضى ما أنزله الله في كتابه، وأكده نبيه حينئذ في خطابه، واستقاموا على سنن الهادين من آل نبيهم، وهذا لا ينكره أحد كما أفاد الفاضل في نهج المحجة .

وبعد اطلاعك بما نقلناه، وفهم الفصحاء والشعراء منه ما أوردناه، واستحضارك بنزول رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك الزمان الشديد الحرارة، والمكان الممتلئ بالأشواك الضارة، الذي لم يكن نزول المسافر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد بن حنبل: 4 / 281، وذكره عن أحمد في كنز العمال: 6 / 397، الرياض النضرة: 2 / 169، وسيلة المآل في عد مناقب الآل: 109 (مخطوط).

ص 15

فيه متعارفا حتى أن الرجل يستظل بناقته من شدة الحرارة، ويضع رداءه تحت قدميه من شدة الرمضاء، وصعوده صلى الله عليه وآله على منبر من الأقتاب والدعاء لعلي عليه السلام على وجه يناسب لشأن الملوك والخلفاء وولاة العهد تقطع بأن ذلك لم يكن إلا لنزول الوحي الايجابي الفوري لإظهار أمر عظيم الشأن، جليل القدر، يختص بعلي عليه السلام دون سائر أهل البيت عليهم السلام، كنصبه للإمامة والخلافة، واختصاصه بصفة النبالة والشرافة، لا لمجرد طلب المحبة والنصرة، وأمثالهما المعلومة بديهة للبررة والفجرة، سيما مع قوله صلى الله عليه وآله: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ فإنه نص صريح في إرادة رئاسة الدين والدنيا، وقول عمر: بخ بخ، إلخ.

وبهذا ظهر أن ما ذكر الفاضل القوشجي وأجيب بأنه غير متواتر إلى آخر ما قال في شرحه على تجريد العقائد بعيد عن الانصاف.

وأنا لشديد التعجب من أهل السنة فإنهم إذا رأوا رواية الأخبار من متقدمي محدثيهم دالة على إمامة علي عليه السلام مع كونها متواترة ومتفقا عليها بين الفريقين، كحديث الغدير والمنزلة وما ضاهاهما ينكرون تواترها وحجيتها بسبب عدم ذكرها بعض متأخري محدثيهم الذي تفطن بدلالتها على مطلوب الإمامية للعصبية! وليت شعري كيف يقبلون روايتهم في ما سوى ذلك مع كونها غير متواترة وغير متفق عليها بين الفريقين، بل غير متفق عليها بينهم أيضا نقلا ودلالة وسندا؟! فوالله لا عيب أشد من الجهل، ولا داء أضر من خفة العقل، ولا فساد أعظم من التعصب، ولا مرض أكبر من التغلب والتقلب.

ص 16

ولم تكن رغبتي في غور البحث في حديث الغدير وليدة الساعة، فقد كانت أمنيتي أن أوفق لتبييض مسوداتي، وإذا أشرق - إن شاء الله تعالى - بدره المنير من أفق التمام، وتفتق زهره النضير من حجب الكمام، وسمته ب‍ الروض النضير في معنى حديث الغدير ، والله أسأل أن يوفقني لإتمامه، ويشفع حسن ابتدائه بحسن ختامه.

وهذا بدء الكتاب، والله الهادي إلى طريق الصواب.

وهو مشتمل على مقدمة وسبعة فصول.

فارس حسون كريم قم المقدسة جمادى الثانية 1417 هـ. ق