ص 139

 

 

الفصل الرابع

أجوبة المسائل الغديرية

 

ص 141

أخرج الملا في المجلد الخامس من الوسيلة فيما خص به علي عليه السلام من حديث الغدير: نادى النبي صلى الله عليه وآله: الصلاة جامعة وأخذ بيد علي عليه السلام وقال: ألست بأولى من كل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى.

قال صلى الله عليه وآله: هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ، فلقيه عمر بعد ذلك وهنأه بأنه مولى كل مؤمن ومؤمنة (1).

قالوا: لفظ المولى يشتمل على العتق والنصرة وغيرها فلا تتعين ولاية المؤمنين بها.

قلنا: تالي الخبر يبني على مقدمة، وفي مقدمته ولاية النبي صلى الله عليه وآله على المؤمنين، ولأن صاحب الوسيلة ذكر ذلك فيما يختص بأمير المؤمنين عليه السلام، ولو أريد غيره لشاركه كثير من المسلمين، ولو أريد ما قالوه من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصواعق المحرقة: ص 25، نقلا عن الطبراني، كنز العمال: 1 / 48 وفيه: رواه الطبراني في الكبير عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.

كنز العمال أيضا: 3 / 61 وفيه قال: عن أبي الطفيل عامر بن وائلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، أسد الغابة: 3 / 92، الإصابة: 4 / 61، فيض القدير: 4 / 358، كنوز الحقائق: 92، مجمع الزوائد: 9 / 106، الرياض النضرة: 2 / 169.

ص 142

نصرته لم يكن عمر ناصرا لهم بحكم تهنيته.

إن قيل: إن عليا كان له مبالغة في النصرة دون عمر وغيره فليكن الاختصاص لأجلها لا لعدم المشاركة في أصلها.

قلنا: مبالغته معلومة لكل أحد، فالنص عليها بعد ذلك في مثل الحر الشديد، وما أتى عليه من التوكيد، يجري مجرى إيضاح الواضحات، ولا شك أن ذلك من أعظم العبئات.

وقد قيل: إن ذلك الحديث من وضع ابن الراوندي ولو كان صحيحا أو صريحا لاحتج به ولما عدل عنه علي عليه السلام يوم الشورى إلى ذكر فضائله، من سبقه إلى الإسلام، وإفنائه الطغام، ومبيته على فراش خير الأنام، وتجهيزه لرسول الملك العلام، وتخصيصه بالإسهام بأنه أحب الخلق إلى الله تعالى في خبر الطائر المشوي عنه عليه السلام، إلى غير ذلك مما ذكر من صفات الإكرام.

قلنا: إنما عدل عن ذكر النص لوجهين:

1 - لو ذكره فأنكروه حكم بكفرهم حيث أنكروا متواترا.

2 - إنهم قصدوا في الشورى الأفضل فاحتج عليهم بما يوجب تقديمه في زعمهم.

قالوا: طلب العباس مبايعة علي عليه السلام دليل عدم النص.

قلنا: إنما طلبها لما جعلوها طريقا فأراد أن يسبقهم إلى بيعته بما يلتزمون بصحته.

قالوا: طلب علي بيعة أصحابه دليل على عدم نصه.

ص 143

قلنا: الخلافة حقه فله التوصل إليها بما يمكنه.

قالوا: بويع أبو بكر ولم يدع أحد لعلي عليه السلام نصا.

قلنا: جاء من وجوه ذكر البخاري والأصفهاني وغيرهما.

قالوا: طلبت الأنصار منهم أميرا ومنهم أميرا فلا نص.

قلنا: علي عليه السلام لم يحضرهم فيدعيه، بل كان مشغولا بمصيبة النبي صلى الله عليه وآله فسارع غيره إلى فرجة خلافته، وما أحسن قول بعضهم في يوم السقيفة:

حملوها يوم السقيفة أثقالا * تخف الجبال وهي ثقال

ثم جاءوا من بعدها يستقيلون * وهيهات عثرة لا تقال

قالوا: جهل الأول والصحب الوصية لعلي عليه السلام.

قلنا: فكيف نقلوها في صحاحهم عن النبي صلى الله عليه وآله؟ وإنما ذلك لجحودهم بعد عرفانهم كما قال تعالى في الكفار: *(وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)*(1) والمعترفون بوجود حديث الغدير وهم الجل والجمهور كما عرفته في كتبهم طعنوا بما هو أوهن من بيت العنكبوت في دلالته لما لم يتمكنوا من الطعن في متنه.

فرواه أحمد بن حنبل في مسنده بطرق ثمانية: علي بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وشعبة، وأبي الطفيل، وبريدة، والفضل، وعبد الله بن الصقر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النمل: 14.

ص 144

ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسنده بطرق ثمانية أيضا: رباح، وزاذان، وابن أرقم، بطريقين، وسعيد بن وهب، وشعبة، والبراء، وعبد الرزاق.

وأورده أحمد بن عبد ربه في الجزء التاسع والعشرين من كتاب العقد ، وأورده مسلم في الجزء الرابع من صحيحه على حد ثمان قوائم من أوله، الثعلبي ذكره في مواضع من تفسيره وذكره رزين العبدري في الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح الستة وفي سنن أبي داود السجستاني و صحيح الترمذي.

ورواه في المناقب في اثني عشر طريقا الفقيه الشافعي علي بن المغازلي وقال: حديث صحيح رواه مائة نفس، وهو ثابت لا أعرف له علة تفرد علي عليه السلام بهذه الفضيلة لم يشركه فيها أحد.

هذا آخر كلامه.

وأسنده في كتاب الخصائص محمد بن علي النطنزي الذي قال فيه محمد بن النجار: إنه نادرة الفلك وكان أوحد زمانه.

ورواه ابن إسحاق، وابن مردويه، وابن أبي شيبة، وابن الجعد، وشعبة، والأعمش، وابن عباس، وابن الفلاح، وابن البيع، وابن ماجة، والبلاذري، والأصفهاني، والدارقطني، والمروزي، والباقلاني، والجويني، والخرگوشي، والسمعاني، والشعبي، والزهري، والأقيلشي، والجعابي، واللالكاني، وشريك القاضي، والنسائي، والموصلي من عدة طرق، وابن بطة من ثلاثة وعشرين طريقا، وصنف فيه المهلبي كتابا، وابن سعيد كتابا، والشجري كتابا، والرازي كتابا، وهؤلاء كلهم من أهل المذاهب الأربعة.

وأما غيرهم فجماعة كثيرة أيضا، منهم: ابن عقدة أورده من مائة وخمسين طريقا وأفرد له كتابا، وأبو جعفر الطوسي من مائة وخمسة وعشرين

ص 145

طريقا، ورواه صاحب الكافي عن الجعابي في كتابه نخب المناقب برواة عدتهم سبعة وثمانون نفسا.

ومنهم الشيخ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فقد أورده من نيف وسبعين طريقا وأفرد له كتابا سماه كتاب الولاية .

منها: بإسناده إلى زيد بن أرقم: لما نزل النبي صلى الله عليه وآله بغدير خم في حر شديد أمر بالدوحات فقممت ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمعنا، فخطب خطبة بالغة، ثم قال: إن الله تعالى أنزل إلي: *(بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)*(1) وقد أمرني جبرائيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام بعدي.

فسألت جبرائيل أن يستعفيني من ربي لعلمي بقلة المتقين، وكثرة المؤذين لي واللائمين، لكثرة ملازمتي لعلي وشدة إقبالي عليه، حتى سموني أذنا، فقال تعالى فيهم: *(الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم)*(2) ولو شئت أن أسميهم وأدل عليهم لفعلت، ولكني بسترهم قد تكرمت، فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه.

فاعلموا معاشر الناس ذلك فإن الله قد نصبه لكم إماما وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه جائز قوله، ملعون من خالفه، مرحوم من صدقه، اسمعوا وأطيعوا فإن الله مولاكم وعلي إمامكم ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة لا حلال إلا ما حلله الله وهم، ولا حرام إلا ما حرمه الله وهم، فصلوه فما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة: 67.

(2) سورة التوبة: 61.

ص 146

من علم إلا وقد أحصاه الله في ونقلته إليه.

لا تضلوا عنه، ولا تستنكفوا منه، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، لن يتوب الله على أحد أنكره، ولن يغفر له، حتم على الله أن يفعل ذلك، وأن يعذبه عذابا نكرا أبد الآبدين فهو أفضل الناس بعدي ما نزل الرزق وبقي الخلق ملعون من خالفه.

قولي عن جبرائيل عن الله: *(ولتنظر نفس ما قدمت لغد)*(1) افهموا محكم القرآن ولا تتبعوا متشابهه، ولن يفسر لكم ذلك إلا من أنا آخذ بيده، شائل بعضده، ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت.

إن الله قال، وأنا قلت عنه: لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره، ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبته صلى الله عليه وآله وقال: معاشر الناس، هذا أخي ووصيي، وواعي علمي، وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربي، اللهم إنك أنزلت عند تبيين ذلك في علي: *(اليوم أكملت لكم دينكم)*(2) بإمامته فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى القيامة *(أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون)*(3) إن إبليس أخرج آدم من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم، وتزل أقدامكم، في علي نزلت سورة *(والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)*(4).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحشر: 18.

(2) سورة المائدة: 3.

(3) سورة التوبة: 71.

(4) سورة العصر: 1 - 3.

ص 147

معاشر الناس، آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، النور من الله في، ثم في علي، ثم في النسل منه إلى القائم المهدي.

معاشر الناس، سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وإن الله وأنا بريئان منهم، إنهم وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار، وسيجعلونها ملكا واغتصابا، فعندها يفرغ لكم أيها الثقلان، ويرسل عليكما شواظ من نار، ونحاس فلا تنتصران.

معاشر الناس، عدونا كل من ذمه الله ولعنه، وولينا كل من أحبه الله ومدحه .

ثم ذكر صلى الله عليه وآله الأئمة من ولده، وذكر قائمهم، وبسط يده وأوصاهم بشعائر الإسلام، ودعاهم إلى مصافقة البيعة للإمام، وقال: إن ذلك بأمر الملك العلام .

معاشر الناس، قولوا: أعطيناك على ذلك عهدا من أنفسنا وميثاقا بألسنتنا وصفقة بأيدينا نؤديه إلى من رأينا وولدنا، لا نبغي بذلك بدلا وأنت شهيد علينا، وكفى بالله شهيدا.

قولوا ما قلت لكم، وسلموا على علي بإمرة المؤمنين، وقولوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فإن الله يعلم كل صوت، وخائنة كل عين، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما.

قولوا ما يرضي الله عنكم، وإن تكفروا فإن الله غني عنكم .

ص 148

فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم، سمعنا وأطعنا على ما أمر الله ورسوله بقلوبنا، وكان أول من صافق النبي صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام، أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وباقي المهاجرين وباقي الناس إلى أن صلى الظهرين في وقت واحد، وامتد ذلك إلى أن صلى العشاءين في وقت واحد، واتصل ذلك ثلاثا.

وبالجملة فهذا أمر لشهرته لا يحتاج الولي إلى إثباته لمن جحد، ولا يستطيع المولي نفيه وإن جهد، وقد فهم كل من حضر ذلك المشهد السني، ما أراده النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام فلا يخرجه إلى التأويل سوى الغبي الغوي.

وفي رواية ابن مردويه - وهو من أعيانهم -: إنهما لم يفترقا حتى نزلت *(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)*(1) الآية فقال النبي صلى الله عليه وآله: الله أكبر على كمال الدين وتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي بن أبي طالب .

وروى نزولها فيه أبو نعيم أيضا.

قالوا: لو دل على الإمامة لكان إماما في حياة النبي صلى الله عليه وآله لإطلاق الخبر، ولعموم ولاية النبي صلى الله عليه وآله جميع الأوقات، فكذا هنا.

قلنا: الإطلاق لا يقتضي العموم، وقد قال تعالى: *(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)*(2) وذلك في بعض الأحوال وبعض الأزمان، وقد علم كل أحد أن الخليفة لا يكون حال حياة من نصبه، بل بعد ذلك، فلم يجب تصرفه في حياته بالأمر والنهي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة: 3.

(2) سورة التوبة: 71.

ص 149

إن قيل: فإذا خرج عن عمومه حال الحياة، فليخرج ما بعدها إلى آخر ولاية عثمان.

قلنا: إنما أخرجنا من العموم حياة الموصي للعرف، أما بعدها فلا رافع للعموم.

إن قيل: لولا ثبوت عموم الولاية لبطل قول عمر: أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

قلنا: التهنية في الحال تقتضي ثبوت الاستحقاق في الحال لا ثبوت الأمر والنهي في الحال.

وقد استأذن حسان بن ثابت في ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقول فيه، فأذن له، فقال:

يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالنبي مناديا

فقال فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت نبينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا

فقال له قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا

وقد أسند ذلك إلى حسان سبط ابن الجوزي في الخصائص والفقيه حميد في المحاسن .

ص 150

قالوا: ذلك لواقعة زيد بن حارثة (1) حين قال له علي عليه السلام:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرج الطبري في المسترشد أن جماعة من الصحابة كرهوا تأمير أسامة، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك، فخطب وأوصى به، ثم دخل بيته وجاء المسلمون يودعونه ويلحقون بأسامة، وفيهم أبو بكر وعمر، والنبي صلى الله عليه وآله يقول: أنفذوا جيش أسامة فلما بلغ الجرف بعثت أم أسامة وهي أم أيمن أن النبي صلى الله عليه وآله يموت، فاضطرب القوم وامتنعوا عليه، ولم ينفذوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم بايعوا لأبي بكر قبل دفنه فادعى القوم أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة.

فحدث الواقدي، عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان فيهم أبو بكر، وحدث أيضا مثله، عن محمد بن عبد الله بن عمر، وذكره البلاذري في تاريخه، والزهري، وهلال بن عامر، ومحمد بن إسحاق، وجابر، عن الإمام محمد بن علي الباقر عليهما السلام، ومحمد بن أسامة، عن أبيه، ونقلت الرواة أنهما كانا في حالة خلافتهما يسلمان على أسامة بالإمرة.

وفي كتاب العقد الفريد : اختصم أسامة وابن عثمان في حائط فافتخر ابن عثمان، فقال أسامة: أنا أمير على أبيك وصاحبيه، فإياي تفاخر؟ ولما بعث أبو بكر إلى أسامة أنه خليفة، قال: أنا ومن معي ما وليناك أمرنا، ولم يعزلني رسول الله صلى الله عليه وآله عنكما، وأنت وصاحبك بغير إذني رجعتما، وما خفي على النبي صلى الله عليه وآله موضع وقد ولى عليكما، ولم يولكما.

فهم الأول أن يخلع نفسه فنهاه الثاني، فرجع أسامة ووقف بباب المسجد وصاح: يا معاشر المسلمين، عجبا لرجل استعملني عليه فتأمر علي وعزلني.

ولو فرض أنهما لم يكونا فيه، أليس قد عطلاه بعدم تنفيذه، وعصيا أمر النبي صلى الله عليه وآله بتنفيذه؟ قال الحميري:

أسامة عبد بني هاشم * ومولى عتيق ومولى زفر

لقد فضل الله ذاك ابن زيد * بفضل الولاء له إذ شكر

على زفر وعتيق كما * رواه لنا فيهما من حضر

ولو كان دونهما لم يكن * ليرجع فوقهما في الخبر

فصيره لهما قائدا * فقالا له: قد سئمنا السفر

وقال عتيق:

ألا يا زفر * يكلفنا الغزو بعد الكبر

فولا وماتا جميعا ولم * يطيعا أسامة فيما أمر =

ص 151

تنازعني وأنا مولاك! فشكى زيد ذلك إلى النبي، فقال صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= وأنشأ الناشي، والعوني، وابن الحجاج، وديك الجن، والنمري والجزري أشعارهم في ذلك.

إن قيل: لو كانا فيها ورجعا لأنكروا عليهما.

قلنا: كان الحال وهو موت النبي صلى الله عليه وآله يمنع الإنكار عليهما أو لم يعرف الكل الأمر بالكون فيه، أو جوزوا أن أسامة ردهما أو عاند بعض لغرضه في رجوعهما.

قال الجاحظ في الرسالة العثمانية ص 169: لو جهد أحد على حديث أن أبا بكر كان في جيش أسامة لم يجده.

قلنا: ذكره منهم من لا يتهم عن البلاذري، وأسند أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة : أن أبا بكر وعمر كانا فيه - وقد سلف -.

قالوا: خطابه بالتنفيذ إنما هو لأسامة، لأنه الأمير.

قلنا: الأمر الفوري بالإنفاذ يتضمن الأمر بخروج كل شخص إذ لا يتم الجيش بدونه على أن لفظة أنفذوا تدل على الجميع.

قالوا: الأمر بالتنفيذ لا بد من شرطه بالمصلحة.

قلنا: إطلاق الأمر يمتنع من هذا الشرط، ولو كان كذلك لسرى في جميع أوامر الله، فإنها تابعة للمصلحة لأنها لا تفعل بشيء يحضر المصلحة.

إن قالوا: حروبه عليه السلام بالاجتهاد فجازت مخالفتها لمصلحة.

قلنا: لا، فإن أعظم تعلقها بالدين، ولو جاز الاجتهاد فيها جاز في الأحكام كلها فساغت المخالفة في جميعها.

قالوا: ترك علي المحاربة لمصلحة مع أمر الله بها.

قلنا: إنما ترك لفقد القدرة، أما الخروج في الجيش فقد كان فيه قدرة.

إن قالوا: رجع ليختاره النبي صلى الله عليه وآله للإمامة.

قلنا: خروجه لا يمنع النبي من اختياره، وأيضا فلم لم يخرج بعد البيعة له وقد زعمتم أن النبي صلى الله عليه وآله أمره بالصلاة كيف ذلك وقد كان بروايتكم في جيش أسامة، وقد علم النبي صلى الله عليه وآله موت نفسه ونعاها قبل ذلك بشهر، كما رواه الواقدي، عن عبد الواحد بن أبي عون، فكذلك أخرج أبو بكر ومن خافه على تبديل أمره في جيش أسامة.

وقد ذكر أبو هاشم المغربي في كتابه الذي سماه الجامع الصغير : أن أبا بكر استرجع عمر من جيش أسامة وقد كان في أصحابه.

ص 152

قلنا: مات زيد قبل الغدير بسنتين كما أخرجه في جامع الأصول فلما لزمتهم بذلك الفضيحة إلى القيامة، نقلوا واقعة زيد إلى أسامة، وللقرينة الحالية من النزول في الهاجرة، وإقامة الرحال، والمقالية من الخطبة والتحريص وإثبات الولاية لنفسه أولى بمنع ذلك الاحتمال.

وحكى سبط ابن الجوزي في الباب الثالث من كتاب خواص الأئمة عن كتاب سر العالمين للغزالي حين أورد الغزالي حديث الغدير وبخ بخ عمر قال: هذا رضى وتسليم، وولاية وتحكيم، وبعد ذلك غلب الهوى، وحب الرئاسة، وعقود البنود، وازدحام الجنود، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون (انتهى كلامه) وفيه تبصرة لذي بصيرة.

على أنه لو كان المراد واقعة زيد لم يحتج علي عليه السلام في الشورى بخبر الغدير من جملة فضائله (1) بل كانوا قالوا: وأي فضيلة لك في ذلك؟ وإنما هو لكذا وكذا، ولأن تهنئة عمر تبطل ذلك، ولو سلم أن السبب ذلك لكن جاز أن يعم كغيره من الآيات التي نزلت على أسباب ثم عمت.

إن قيل: فإذا كان معنى مولى فرض الطاعة فأطلقوه على الأب والمستأجر؟ قلنا: لا مانع منه لغة لولا أغلبية الاستعمال عرفا، فإن الوالد أولى بتدبير ابنه، والمستأجر أولى باستعمال أجيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وذكر القصة في مناظرة علي عليه السلام أصحاب الشورى وهي جميلة جدا، في إسناد مرفوع أخطب خطباء خوارزم في مناقبه ص 221.

ص 153

قال الجاحظ: من كنت مولاه فعلي مولاه ومن كنت وليه فعلي وليه شركه فيه سعد بن معاذ.

قلنا: هذا خلاف الإجماع، إذ لم يسغ لبشر أن يقول: كل ما كان الرسول أولى به فسعد أولى به، وإن أريد النصرة فلا يصح أن يقال: كل من كان النبي ناصره فسعد ناصره.

اعترض المخالف بمنع صحة الحديث ودعوى العلم الضروري به ممنوعة لمخالفتنا.

قلنا: قد شرط المرتضى في قبول الضروري عدم سبق شبهة تمنع من اعتقاده وهو حق فإن اعتقاد أحد الضدين يمنع من اعتقاد الآخر، والمخالف تمكنت في قلبه الشبهة فمنعته من ذلك.

قالوا: نجد الفرق بينه وبين الوقائع العظام.

قلنا: يجوز التفاوت في الضروريات.

قالوا: لم ينقله مسلم والبخاري والواقدي.

قلنا: عدم نقلهم لا يدل على بطلانه، ولو نقلت الرواة كل خبر لم يختلفوا في خبر أصلا.

قالوا: لم يكن علي حاضرا يوم الغدير، بل كان في اليمن (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ومنهم النبهاني واقتدى به الجيهان الوهابي. =

ص 154

قلنا: نقل حضوره كل من نقل الخبر ويعضده شعر حسان وبخبخة عمر.

قالوا: فنحن نقلنا تواتر فضائل الشيخين.

قلنا: لا يلزم من ذكر الفضيلة فيهما ليستميلهما ثبوت إمامتهما كما ذكر فضائل غيرهما.

قالوا: نقلنا أخبارا في خلافتهما.

قلنا: نجزم بردها لمناقضتها ما تواتر لعلي عليه السلام وامتناع التناقض في حديث النبي صلى الله عليه وآله.

إن قالوا: ليس الحكم بثبوت نقيضكم وحذف نقيضنا أولى من العكس.

قلنا: نحن وأنتم نقلنا نقيضا فما وقع فيه الخلف أولى بالحذف.

قالوا: لم يكن لكم كثرة تفيد التواتر ابتداء.

قلنا: لا نسلم عدمها، على أنكم شاركتمونا فيها وليس كل مقبول مشروط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= أقول: هذا يدل على غزارة علمهما وكثرة اطلاعهما بالتاريخ! ويا ليت إنهما يذكران اسم المؤرخ الذي ذكر أن عليا عليه السلام كان يوم الغدير في اليمن، والتاريخ يحدثنا أن عليا عليه السلام لقي رسول الله صلى الله عليه وآله محرما فقال له النبي صلى الله عليه وآله: حل كما حل أصحابك، فقال عليه السلام: إني قد هللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وآله .

فبقي على إحرامه ونحر رسول الله صلى الله عليه وآله عنه وعن علي عليه السلام.

وقال المؤرخون وأصحاب السير: وأما الذين حجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فكانوا أكثر من مائة وأربعة وعشرين ألف كالمقيمين في مكة والذين أتوا من اليمن مع علي عليه السلام وأبي موسى.

راجع: الكامل لابن الأثير: 2 / 206، السيرة الحلبية: 3 / 283، سيرة زيني دحلان: 3 / 3، تاريخ الخلفاء لابن الجوزي - الجزء الرابع -، تذكرة الخواص: 18، دائرة المعارف لفريد وجدي: 3 / 542، هامش الغدير: 1 / 9.

ص 155

بالكثرة كالمحتف بالقرائن.

قالوا: وليس لكم أن تسندوا صحة هذا الخبر إلى الإجماع لاعتبار الإمام فيه عندكم، فلو أثبتم الإمام فيه عندكم لزم الدور.

قلنا: هو من المتلقى بالقبول الموجب للجزم به، ونقله المخالف مع شدة معاندته، فالإجماع معتبر به فيما بعد ثبوته.

قالوا: يجوز أن يعلم الإمام كذبه ويكتمه للخوف من إظهاره.

قلنا: مرادنا بالإجماع إطباق الخلق عليه وقد وقع فعلمت صحته، ولأنه إن كان الحق كذبه فلا خوف على الإمام في إظهاره لموافقته طبع الجمهور المنكرين له إذا كان يريحهم من التعسف في تأويله.

قالوا: قلتم احتج به في المناشدة ولا نعلم صحة ذلك.

قلنا: علمت بالضرورة كما علم أصل الخبر.

قالوا: يجوز أن لا تصل المناشدة به إلى كل الصحابة، ولو وصلت لأنكره كلهم أو بعضهم.

قلنا: لا يشك في حضور المعتبرين من الصحابة يوم الشورى، وإذا لم ينكره أحدهم مع طمعهم في الإمرة فبالأولى أن لا ينكره غيرهم.

قالوا: قد يحصل الإنكار ولم ينقل.

قلنا: هو من الوقائع العظام فتتوفر الدواعي إلى نقلها لو وقعت.

قالوا: يجوز منهم ترك الإنكار تقية.

قلنا: لا يتصور خوف الأمير من قوم قليلين، وأراهم ما خافوا عند سلبه

ص 156

لمنصبه، مع اطلاعهم على موجبه.

قالوا: قلتم: مقدمة الخبر وهي ألست أولى منكم بأنفسكم؟ تدل على الإمامة في تاليه، فنحن نمنع وصول المقدمة.

قلنا: كل من نقله نقلها.

قالوا: لم يذكرها علي عليه السلام في الشورى.

قلنا: لا نسلمه، وعدم نقلها عنه لا يدل على عدمها منه، ولجواز تركها للغناء عنها.

قالوا: ولو قالها فلا دلالة فيها على بناء تاليه عليها، لحسن التوكيد والاستفهام بعدها، فإن من قال عند جماعة: عبدي زيد حر، حسن الاستفهام منهم أن يقولوا وقت إشهادهم: أي عبيدك تريد؟ وحسن منه أن يقول: عبدي الذي هو زيد.

قلنا: نمنع حسن الاستفهام إلا للغافل، ونمنع حسن التوكيد لامتناع فهم غير المذكور.

قالوا: لا يدل لفظة مولى على أولى لأن مفعل موضوعة لغة للحدث وأفعل موضوعة للتفضيل.

قلنا: إن مفعل مع وضعها للحدث لا تنفي غيرها، وإلا لما أطلقت على باقي معاني مولى كالمعتق وغيره، وقد أجمع أهل اللغة على اشتراكها فيها، ولو وضعت مفعل للحدث لغة لا يمتنع وضعها للتفضيل عرفا.

على أن المبرد والفراء وابن الأنباري وغيرهم ذكروا أنها بمعنى أفعل

ص 157

التفضيل.

قالوا: لم يذكرها الخليل وأضرابه بمعنى أفعل التفضيل.

قلنا: لا نسلم عدم ذكره، وعدم وجدانكم لا يدل على عدمه.

قالوا: الأصل عدمه.

قلنا: فلا يلزم من عدمه بطلان نقل غيره، لجواز التسهل في تركه، والاكتفاء بنقل غيره، أو تركه لشهرته، على أنه لو صرح بإنكاره لم يبطل لكونه شهادة على نفي فكيف مع سكوته؟! قالوا: من ذكره من أهل اللغة في التفسير ذكره مرسلا لم يسند إلى أصل.

قلنا: اكتفوا بإرساله لظهور الرواية.

قالوا: لو كان مولى بمعنى أولى لصح أن يقترن بإحداهما ما يقترن بالأخرى، وليس كذلك، إذ لا يقال مولى من فلان كما يقال أولى منه.

قلنا: لا نسلم أن كل لفظة ترادف الأخرى، يصح أن يقترن بها ما يقترن بالأخرى، فإن صحة الاقتران من عوارض الألفاظ لا من لوازمها، فإن الأوتاد والجبال مترادفة، ويقال: ضربت الوتد وسرت في الجبل دون العكس فيهما.

قالوا: أهل اللغة قسمان: قسم حملها على معنى القرب كما يقال: فلان يلي كذا، أي قريب منه، وقسم حملها على جميع معانيها فمن قال بحملها على معنى واحد منها، وهو ولاية النصرة خرق الإجماع.

قلنا: لا نسلم الحصر في القسمين، فإن منهم من جعلها للقدر المشترك،

ص 158

على أنا لا نسلم إجماع القسمين على ذلك، ومعنى القرب غير مراد هنا وإلا كسر لام المولى، على أنه وإن احتمله، فما حملناه عليه وهو الإمارة أكثر فائدة ترجح.

قالوا: إن دلت مقدمته على أولوية التصرف، دلت مؤخرته على النصرة في قوله صلى الله عليه وآله: وانصر من نصره .

قلنا: لا يتبادر إلى الذهن إلا ولاية التصرف فإنه غير لائق إلا بسلطان له ولياء وأعداء وخذال وأنصار.

قالوا: قد كان الغدير بعد عام الفتح فأراد النبي صلى الله عليه وآله أن يبين به لمن هو قريب الإسلام عظم منزلة علي عليه السلام ليذهب ما في نفوسهم من الحقد له، لقتله أقاربهم.

قلنا: لم يشك أحد من المسلمين وغيرهم في عظيم منزلته من رسوله، لقيام الدين بسيفه دون غيره، فلم يحسن من النبي صلى الله عليه وآله - مع شدة الحر - تعريف ما يعترف كل أحد به.

قالوا: إمامته عندكم ثابتة بالنص الجلي فلا فائدة بعده بالنص الخفي.

قلنا: لم يكن النص الجلي بمثل هذا الجمع العظيم، فقصد النبي صلى الله عليه وآله شهرته لقرب وفاته منه، فصار إظهاره مضيقا عليه، لمسيس الحاجة إليه.

قالوا: في القرآن لفظة أولى لغير الولاية *(إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه)*(1).

وفي العرف التلامذة أولى بالأستاذ، والرعية أولى بالسلطان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران: 68.

ص 159

قلنا: ذلك لا ينافي ما قلناه، إذ معناه الذين اتبعوا إبراهيم أولى بالتصرف في خدمته دون غيرهم، وكذا الآخران.

وبالجملة فاللفظة لا تحتمل غير ما فهم منها الحاضرون، ولو تركت هذه الاعتراضات، وخلي العاقل عن النظر فيها، لم يفهم سوى ما ذكرناه، والماء الصافي إذا خضخض في منبعه تكدر، وإذا ترك صفا، فكذا في هذه ونحوها وبالله العصمة من ذلك، وهذه الوجوه وإن تكررت ألفاظها فإنما هي للاستيناس بها.

قالوا: إن الإمامة إن كانت ركنا في الدين، فقد أخل الله ورسوله بها قبل يوم الغدير، إذ فيه أنزل: *(اليوم أكملت لكم دينكم)*(1) ولزم أن من مات قبل ذلك، لم يكن مؤمنا لفوات ركن من إيمانه، وفيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإن لم تكن ركنا لم يضر تركها.

قلنا: هي ركن من بعد موت النبي صلى الله عليه وآله لقيامه مقامه، فلا تأخير عن الحاجة، ولا شك أن دين النبي صلى الله عليه وآله إنما تكمل تدريجا بحسب الحوادث، أو أنه كمل قبل فرض التكليف، والميتون قبل الغدير كمل الدين لهم بالنبي صلى الله عليه وآله، والخطاب للحاضرين، وليس فيه تكميل الدين لغيرهم، على أن النبي صلى الله عليه وآله نص على علي عليه السلام في مواضع شتى في مبدأ الأمر.

قد سلف أن لفظة مولى مرادفة للأولى، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: ألست أولى؟ ثم قال: فمن كنت مولاه فعلي له مولى وقال الله تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة: 3.

ص 160

*(مأواكم النار هي مولاكم)*(1).

وذكر ذلك أبو عبيدة وابن قتيبة في قول لبيد: مولى المخافة خلفها وأمامها ، والأخطل في قوله: فأصبحت مولاها من الناس كلهم وذكر ذلك القول في كتاب معاني القرآن وابن الأنباري في كتاب مشكل القرآن .

وقد روي أن ابن مسعود قرأ: *(إنما وليكم الله ورسوله)*(2) وقد فهم كل من حضر أن المراد بالمولى الإمامة، ولو أراد غيرها لها لما أقرهم النبي صلى الله عليه وآله عليها إذ نوهوا في أشعارهم بها، وكذا القيام في ذلك الحر الشديد، والتهنئة والبخبخة وقد استعفى النبي صلى الله عليه وآله ثلاثا فلم يعفه، وخاف أن يقتله الناس، فبشره بالعصمة منهم.

إن قيل: كيف يستعفي وهو لا ينطق عن الهوى، فكأن الله أمره بشيء وأمره بالاستعفاء منه.

قلنا: لا محال في ذلك، وتكون الفائدة فهم الحاضرين شدة التأكيد من الرب المجيد، ليعلمهم أنه لا بدل له ولا عنه محيد، ويماثله ما فعله النبي صلى الله عليه وآله من إرساله لأبي بكر بسورة براءة وذلك بأمر الله تعالى لعموم الآية ثم أمره الله بعزله (3) لينبه على عدم صلاحه، ولو لم يبعثه أولا لم يكن فيه من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحديد: 15.

(2) سورة المائدة: 55.

(3) عزل أبو بكر عن أداء سورة براءة ورجع حزينا قائلا للنبي صلى الله عليه وآله: هل نزل في شيء؟ فقال صلى الله عليه وآله: لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني .

تذكرة خواص الأمة: 43، تاريخ الطبري: 2 / 382، ابن الأثير في الكامل: ج 2، وابن هشام في السيرة ، وذكرها المسعودي في كتابيه مروج الذهب و التنبيه والاشراف =

 

ص 161

التأكيد، ما كان في بعثه وعزله، وأما لفظ ألست فهي للتقرير والايجاب، منه:

ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح

وفي الغدير نصب موسى يوشع، وعيسى شمعون، وسليمان آصف، فأمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وآله أن ينصب فيه عليا، وهذا يسقط كل ما يهولون به من أنه أراد غير معنى الإمامة.

وبالجملة لو أمكن إنكار هذا الحديث، لم يعلم صحة أي حديث، وقد روي أن يوم الغدير شهد فيه لعلي عليه السلام ستون ألفا، وقيل: ستة وثمانون ألفا من الأمصار والقبائل المتفرقات، وإذا بلغ الخبر دون هذا انتظم في سلك المتواترات، فالمرتاب فيه ممن طبع على فؤاده، جزاء لانحرافه عن الحق وعناده.

وقد ذكر الرازي والقزويني والنيشابوري والطبرسي والطوسي وأبو نعيم أنه لما شاع ذلك في البلاد، أتى الحارث إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا رسول الله، هذا شيء منك أم من الله؟ فقال صلى الله عليه وآله: إنه من أمر الله تعالى فولى يريد راحلته، فقال حينئذ: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= والمحب الطبري في ذخائر العقبى من عدة طرق.

وقد تعرض لهذه الحادثة ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب : 1 / 391 - 393 في فصل الاستنابة والولاية - آخر الجزء الأول وذكر الكثير من المصادر التي ذكرتها وقال: بإجماع المفسرين ونقلة الأخبار، وذكر الطبري والبلاذري والترمذي والواقدي والشعبي والسدي والثعلبي والواحدي والقرطبي والقشيري والسمعاني وأحمد بن حنبل وابن بطة ومحمد بن إسحاق وأبو يعلى الموصلي والأعمش بإسنادهم إلى عدة من الصحابة.

ص 162

بعذاب أليم، فرماه الله تعالى بحجر على هامته فخرج من دبره فقتله، فأنزل الله تعالى حينئذ: *(سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع)*(1).

قال الجوزي لأبي هارون الخارجي: أمروا الناس بخمسة فعملوا بأربع: الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، وتركوا الخامسة وهي الولاية لعلي.

قال الخارجي: وإنها لمفترضة؟ قال نعم.

قال الخارجي: فقد كفر الناس إذا.

قال: فما ذنبي أنا؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المعارج: 2.