ص 423

 

 

الفصل السادس

حديث الغدير وعهد الولاية

 

ص 425

قلنا: إن مراسم يوم الغدير لم تكن وحدها المراسم التي أجريت لبيان وتثبيت ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ولم يكن حديث الغدير النص الوحيد في ولايته، وسنوضح أيضا أن أحاديث الولاية لم تكن هي الدليل الوحيد على ولاية أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ولده عليهم السلام.

ولكننا في هذه المناسبة بصدد الحديث عن الغدير.

وما جرى يوم الغدير لم يكن كله محفوظا بدقة عند المسلمين وإن كان محفوظا عند أهل البيت عليهم السلام.

وما حفظ من وقائع ونصوص عن الغدير لم يكن كلها موضع اتفاق بين السنة والشيعة.

وما هو منها موضع اتفاق بينهم لم يكن كله بدرجة واحدة من التواتر أو الشهرة.

ولكن من المتفق عليه بشهرة فائقة حديث الثقلين.

وما اتفق عليه بتواتر حديث الولاية والدعاء وتهنئة الخليفة عمر بن الخطاب لأمير المؤمنين عليه السلام بالولاية.

ص 426

وهذا المقدار المتواتر كاف لإعطاء صورة واضحة عما كان يريد تأكيده الرسول صلى الله عليه وآله.

وكما ذكرنا أن حديث الغدير والعهد فيه لأمير المؤمنين عليه السلام بالولاية لم يكن عند الشيعة مجرد خبر ورواية تدرس فيستنبط منها ما يريده الله سبحانه، وإنما هو واقع عاشوه من يوم الغدير لهذا اليوم.

ولكن لما وقع من أحداث وما حصل من واقع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ولما ألفه المسلمون من الواقع وما يشعر به بعضهم من رغبة ودافع نحو تبرير الواقع فدار جدل حول معنى حديث الغدير، في فترة متأخرة عن عهد الصحابة، أما في عهد الصحابة فلم يقع الجدل لأنهم لم يختلفوا في معناه وإنما اختلفوا فيه من حيث الموقف، بل هم اختلفوا أيضا من حيث الإيمان، فمنهم من تقبله بصدر منشرح وسلم له، ومنهم من استكثره واستثقله، ومنهم من أعرض عنه، ومنهم من وقف ضده..

ونحن وبعد هذا التاريخ أصبحنا في مجال الحوار بين المسلمين بحاجة إلى فهم معنى الغدير أو بيان معنى هذا الحديث.

 وسوف نقتصر على القدر المتواتر منه وهو يتكون من الفصول التالية:

 1 - جمع الناس في ذلك المكان وقبل أن يتفرقوا في الطرق المؤدية إلى أقطارهم وفي ذلك الجو الحار القائظ.

 2 - صنع منبرا مؤقتا للرسول صلى الله عليه وآله واستدعاء أمير المؤمنين عليه السلام ليقف إلى جنبه.

 3 - نعي الرسول صلى الله عليه وآله نفسه للمسلمين أو تكرار هذا النعي.

ص 427

4 - قوله صلى الله عليه وآله: أيها الناس، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: نعم.

 5 - ثم قوله صلى الله عليه وآله بعد ذلك بلا فصل وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين عليه السلام ورفعه: من كنت مولاه فعلي مولاه، ومن كنت وليه فعلي وليه أو الاقتصار على العبارة الأولى.

 6 - قوله صلى الله عليه وآله: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار .

 7 - قول عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا علي، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن.

هذه الفصول وإن كانت مترابطة وبينها تكامل ولكن عبارة من كنت مولاه فعلي مولاه تكفي وتفي بالغرض المقصود، ولذلك اشتهر ترديدها والاحتجاج بها، وهي المحور والعمود الفقري للحديث.

وكما قدمنا آنفا ينبغي أن ندرس هذا الحديث بالذهنية الإسلامية وبالخلفية الفكرية عن الولاية في الإسلام.

ثم نتدبر في الظرف المحيط بصدور الحديث والخطبة والجو الذي هيأ الرسول صلى الله عليه وآله بتلك المناسبة والمقدمات التي قدمها، وطريقة جمع الناس، والتوقيت وكونه بصدد الوصية، والعهد لما بعد موته الذي أعلن عن قربه.

ثم ننظر بصورة مركزة بأقرب مقدمة وهي قوله صلى الله عليه وآله: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ وصبها بصيغة السؤال والاستفهام، مع أنه قريبا راحل عنهم.

ويستلزم ذلك أن ننظر للخلفية لهذا النص.

 

ص 428

إن استفهام الرسول صلى الله عليه وآله عن هذه الدرجة من الولاية له أبعاد وله أثره في تهيأة النفوس لتلقي العهد بالقبول والاذعان ولو مؤقتا وفي ذلك الموقف لأن المهم في تلك الساعة أن يمر تبليغ هذا الأمر العظيم بسلام دون ردود فعل عنيفة أو صارخة تؤثر سلبيا على الدين من حيث الأساس، لأن الاستفهام والجواب عليه يقطع الألسن في تلك اللحظة من اللغط والشغب، فالرسول صلى الله عليه وآله إنما يبلغ عن الله وضمن صلاحياته التي هي جزء من ولايته.

والولاية لم تكن أمرا جديدا، فالمسلمون يشهدون بثبوت أعلى درجاتها وهي كون النبي صلى الله عليه وآله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وإذا ثبتت الدرجة العليا فمن باب أولى تثبت الدرجات الأقل منها، ومن ضمنها الولاية على الأمر المشترك بين المسلمين، فلا حاجة لتعداد درجات الولاية الأقل من هذه الدرجة.

ثم ننظر بالنص نفسه: من كنت مولاه فعلي مولاه .

إن التحول من صيغة الأولوية في المقدمة إلى هذه الصيغة فيه دلالات إيجابية أيضا.

فكلمة (المولى) أو كلمة (الولي) أوسع دائرة من كلمة أولى، وهي أساس لها أيضا، والأولوية واحدة من درجاتها، فإذا ذكر بالأولوية وذكر المعنى الأوسع ثبتت الأولوية تلقائيا.

إن النبي صلى الله عليه وآله كان ولي المؤمنين، وولايته عليهم فرع ولاية الله وذكرت معها في الآية الكريمة بلا فصل فهي طريق لولاية الله ومن خلالها تتجسد.

ص 429

ومن ثم هو أولى بكل مؤمن من نفسه، لا لأن هذه الدرجة من الولاية أضيفت إلى ولايته العامة عليهم، وإنما لطبيعة الدين الذي يشمل المجال الفردي كما يشمل المجال المجموعي والاجتماعي.

وولاية علي بن أبي طالب عليه السلام امتداد لهذه الولاية فهي إذن في كل من المجالين.

فهو ولي كل مؤمن بصفته عضوا في المجتمع وهو وليه بصفته فردا أيضا.

والشق الثاني هو معنى (أولى به من نفسه).

والرسول صلى الله عليه وآله يريد أن يبين الولاية بكل أبعادها وكل درجاتها وكل مجالاتها، وهذا التعبير يكفي لأنه جامع مانع.

إنه ليكفي لبيان أن الإمام عليه السلام ولي المجموع بالأمور العامة، وهو يتضمن معنى أولى بهم من أنفسهم كمجموع.

ويكفي لبيان أنه ولي كل فرد من المجموع - بالأمور العامة أو التي لها علاقة بها أيضا كالقضاء والجهاد وحفظ الأمن فله أن يتصرف بأي من المؤمنين في هذه المجالات، ويكفي لبيان أنه ولي كل فرد بأموره الخاصة والشخصية وهو معنى الأولوية بهم من أنفسهم كأفراد.

فيكون معنى الحديث: من جعلت بينه وبيني الولاية الإسلامية المعهودة لديكم، والتي أعلى درجاتها أنني أولى بكم من أنفسكم جعلت بينه وبين علي عليه السلام نفس الولاية بلا فرق بما في ذلك تلك الدرجة العليا والأولوية.

لأنه أطلق الكلام وعممه، وقرنه بنفسه، ولو أراد شيئا دون ولايته أو يختلف عنها شيئا لوضحه، لأنه في مقام التبليغ عن الله سبحانه وفي مقام بيان ولاية دينية فلا يصح منه في ذلك المقام الاجمال المحير، وفعلا لم يتحير بكلامه

ص 430

أحد من الحاضرين.

مع أنه بإمكانه جدا أن يختار غير هذه الكلمات لو أراد شيئا آخر كما يذكر البعض، فبإمكانه أن يبين أن لعلي عليه السلام على المؤمنين ذلك الحق مباشرة بغير لفظ الولاية، وتبقى حصة الإمام في الولاية بين المؤمنين على فاعليتها وله ذلك الأمر الإضافي أيضا.

وفي روايات الطرفين أحاديث عن الحب والنصرة لأفراد وجماعات من المسلمين صرح فيها بالمعنى المراد ولم يطلق عليها لفظ الولاية، ولم يقرنها بولايته، ولم يقدم لها بهذا المستوى الأعلى الأولوية .

فهو صلى الله عليه وآله في تقديمه ب‍ ألست أولى؟ يشير إلى المستوى الأعلى من ولايته على المسلمين، وبقوله: من كنت مولاه يقرن ولاية علي عليه السلام بولايته وأنها من سنخ واحد ولها سعة واحدة، وأن ولايته المعهودة المركوزة في أذهان المسلمين هي نفسها ثابتة إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

والواقع أن هذا المعنى يتحصل - ولو في النتيجة - على أي من التفسيرين الآخرين اللذين (1) يذكرهما المخالفون للتصديق بوجود ولاية للإمام بهذا المستوى.

لأن كلا منهما لا بد أن يؤدي بالالتزام بباقي جوانب الولاية.

فالحب الذي يقرن بحب النبي صلى الله عليه وآله لا بد وأن يكون بدرجة عالية جدا تنقضها المخالفة والمعصية والخذلان وتفضيل الغير وتأميره.

وقد احتج القرآن الكريم بهذا المعنى في أكثر من موضع، منها قوله تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ما يذكره المخالفون لهذا الرأي لا يخرج عن معنيي الحب والنصرة مجتمعين أو منفردين.

ص 431

*(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)*(1)، نعم، لو كان بيان الحب بغير هذه الصيغة وغير لفظ الولاية لأمكن الهروب من هذه النتيجة.

فلو كان قوله صلى الله عليه وآله: أحبوا عليا فإن حبه واجب ومفروض على كل مؤمن لأمكن القول أن هذا الحب يختلف درجة وملاكا عن الحب الذي تلازمه الولاية الكاملة بأبعادها بما فيها تقديم النفس رخيصة طوعا بين يديه.

وهذا أيضا واضح في أحاديث حب فاطمة الزهراء عليها السلام وكان المسلمون يفهمونه، ولولا المرتكز الذهني عن الولاية الإسلامية التي تتضمن معنى عدم تأمير النساء لفهم من تلك الأحاديث ولاية الزهراء سلام الله عليها على الإمرة أيضا، على أن المسلمين مع هذا المرتكز كانوا يدركون أيضا أن أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حب الزهراء عليها السلام تتضمن وجوب طاعتها لو أمرت بشيء، ولكنهم يعلمون أيضا أنها سوف لن تتأمر عليهم بموجب هذه الأحاديث للمرتكز الذهني عن الإمرة المذكورة.

ولكن لو أمرت بشيء عرضا بصفتها هذه التي بينها الرسول صلى الله عليه وآله وأنها صاحبة هذا الحق الكبير على المسلمين فمن القبيح التخلف عن أمرها.

لذلك كان المسلمون يعيرون أهمية بالغة لموقفها، بما في ذلك الذين تشددوا ضد علي بن أبي طالب عليه السلام.

وفرض النصرة بهذه الدرجة كذلك يؤدي بالنتيجة إلى وجوب الطاعة، بل وجوب المبادرة إلى النصرة والحيلولة دون الخذلان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران: 31.

ص 432

وأي خذلان أكبر من ترك علي بن أبي طالب عليه السلام وتجاوزه حتى ولو على مستوى المشورة وإشراكه في الرأي؟ ففرض النصرة يوجب أولا: عدم التجاوز للإمام.

وثانيا: يوجب منع التجاوز.

وثالثا: يوجب طاعة الإمام والوقوف معه بكل قوة مهما كان رأيه في الأمر، وأي رأي مقابل رأيه هو خذلان، وأكبر منه الاصرار على الخلاف له، وأكبر منه الاصرار على إبعاده عن الأمر ونصرة غيره عليه.

إن النصرة لم تكن محصورة في حالة الحرب حتى يقال: لم يحارب الإمام فلم تقع مخالفة لولاية النصرة، بل النصرة إذا وجبت بمثل هذا البيان الذين اتبعه الرسول صلى الله عليه وآله في خطبة الغدير تثبت في كل شيء في الموقف وفي الرأي وفي الحرب.

وتشتد هذه المعاني تبادرا إلى الذهن عند ملاحظة التعبير عن النصرة بالولاية لكون معنى الولاية أغنى من معنى النصرة وأوسع منه كما أسلفنا.

وكذلك تتحصل النتيجة لو كان المراد معنى: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه وأن كلمة أولى مرادفة لكلمة مولى، لأن هذا اللسان يجعل كل فرد من المسلمين محكوما لولاية علي بن أبي طالب عليه السلام، فلا يجوز أن يتصرف بنفسه خلاف ما يريده الإمام، ولو على مستوى الموقف والرأي والتصدي لاستلام المسؤوليات.

ولكن مع ذلك ما ذكرناه هو المعنى الذي يستقيم مع السياق ومع المرتكز الذهني للولاية ولولاية الرسول صلى الله عليه وآله.

والدعاء وإن كان لا يضيف على المعنى شيئا ولم يكن تبادر المعنى متوقفا على وجوده ولكنه يؤكد المعنى ويحث على الالتزام والتمسك به،

ص 433

والدعاء يضم كل المعنى، فهو يتضمن الولاية، ويتضمن النصرة، ويتضمن عدم الخذلان وعدم العداوة التي هي تقابل الولاية.

والدعاء جعل المرء بين اثنين: بين الولاية وبين العداوة ولم يكن لهما ثالث فمن لا يوالي أصبح معاديا، ومن لا يعادي لا بد أن يوالي.

وهذه من طبيعة الولاية الإسلامية فمن لا يدخل فيها هو معادي لها لأنها فرض، وترك الفرض نقض له، ومحاربته أيضا نقض ولكن بشكل أشد.

وكذلك بالنسبة للنصرة والخذلان، فإن الدعاء حصر الخيار بينهما وذلك لما بيناه من أن النصرة إذا كانت بهذا المستوى من القوة وبهذا المستوى من الغرض والأمر الإلهي يكون تركها والإعراض عنها أو عدم التلبس بها والحضور والاستعداد والمبادرة لعرضها بين يدي صاحبها - خاصة عند الحاجة - خذلانا.

والكثير من الروايات تذكر الحب والبغض في الدعاء وبنفس المستوى فهو بين خيارين أيضا، لأن انصراف النفس عن حب الأمر المقدس المأمور بحبه بدرجة الأمر بحب الله ورسوله صلى الله عليه وآله لا يكون حيادا وإنما هو كاشف عن دوافع مضاده للحب أقوى من دافع الحب وقد تغلب عليه وطغى.

ثم إن ذكر الدعاء لهذه المعاني كلها يدل على المغايرة فيما بينها وبين معنى الولاية، وأنها ذات علاقة بالولاية، فدعا أولا لمن يتمسك بالولاية وعلى من يتخلى عنها ويقع في حيز المضاد لها وهو العداوة .

ثم دعا لمن يؤدي حق الولاية أو من يتمسك بالمصداق الصعب من مصاديقها وهو النصرة وخاصة المبادرة إليها ودعا على من يتخلى عن هذا المصداق ويقع في حيز المضاد له وهو الخذلان وعدم المبادرة.

ص 434

ودعا أيضا لمن يتمسك بشعوره ووجدانه بجانب من الولاية له أثر كبير في تكوين الدافع الباعث نحو باقي الجوانب وهو جانب العاطفة وحب الولاية وصاحبها ودعا على من ينسلخ من هذا الجانب ويتلبس بضده وهو البغض الذي يدفعه إلى مخالفة الأمر الإلهي والتخلي عن الولاية.

وتهنئة الخليفة عمر بن الخطاب فهي جديرة بالتأمل والدراسة أيضا فإن فيها جوانب ملفتة للنظر.

منها أسلوبه فيها وتأكيده على نفسه أصبحت مولاي وأسلوبها من جانب آخر ينم على أمر في نفس الفاروق ويمكن اعتبارها من علائم وجود تحرك يعلم تفاصيله أو له علاقة به.

ومن الأمور الملفتة للنظر فيها هذا الاهتمام من قبل الصحابة والتابعين المعايشين لتلك الأحداث في نقلها وإبرازها بشكل خاص يتميز عن عامة المسلمين الذين كانوا يعدون بعشرات الآلاف في تلك الحادثة.

ولعل أحد دواعي ذكر الخليفة شخصيا والتأكيد عليه بهذه الكثرة هو موقفه العنيف المتصلب ضد ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ودوره الكبير في تجميدها وصرف الناس عنها والالتفاف عليها وإصراره على هذا الموقف وهذا الدور إلى آخر لحظة من حياته طيلة هذه السنوات العديدة.