الشاهد الثالث: كلام ابن الجوزي

مانقله ابن الجوزي :

«قال أحمد في الفضائل : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا حبيش بن الحرث بن لقيط النخعي عن رياح بن الحرث قال : جاء رهط إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)فقالوا : السلام عليك يامولانا وكان بالرحبة فقال : كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟

قالوا : سمعنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم : من كنت مولاه فعلي مولاه . قال رباح : فقلت : من هؤلاء؟

فقيل : نفر من الانصار فيهم أبو أيوب الانصاري صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله)(59) .

الشاهد الرابع: تهنئة عمر بن الخطاب

لعليّ(عليه السلام)

ما ورد عن الخليفة الثاني أنه قال لعلي بعد حديث الغدير : «هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة»(60) .

ومن الواضح أنّ عمر لا يريد أن عليّاً أمسى ناصراً أو محبّاً لكل مؤمن ومؤمنة ، إذ هذا المعنى صادق على الصحابة الأخيار(رض) بل يريد ثبوت الولاية له من قبل النبي(صلى الله عليه وآله) ، لأن هذا المعنى هو الذي يستحق التهنئة عليه إذ مجرد الحب والنصرة لا يوجب تهنئة الشخص عليها ، فلابد أن يكون المراد بالمولى هو المعنى العظيم لها وهو الأولوية والامامة على المسلمين ، وهو المعنى الذي يستوجب التهنئة عليه ، وإن كان في الحقيقة مسؤولية عظيمة .

الشاهد الخامس: احتجاج علي(عليه السلام) بحديث الغدير

احتجاج علي(عليه السلام) على جماعة الشورى بعد وفاة عمر بن الخطاب ، حين رأهم قد عزموا على مبايعة عثمان ، حيث قال لهم(عليه السلام) :

«نشدتكم بالله هل منكم أحد نصبه رسول الله(صلى الله عليه وآله)يوم غدير خم بأمر الله تعالى فقال : «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه غيري؟

قالوا لا .»(61) .

فقد استشهد علي(عليه السلام) بهذا الحديث على أنه أولى من غيره (عثمان وغيره) بمقام الولاية ، وليس هذا إلاّ أنّ حديث الغدير يدل على ذلك ، وأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) نصبه إماماً للمسلمين في يوم الغدير .

المخاض الأخير

وهكذا يتضح أن لفظ المولى من المشترك المعنوي ، وأن معناه (الأولى) محفوظ في جميع مصاديقه المتعددة .

ولكن حتى لو قلنا ـ مع القائلين ـ بأن لفظ المولى من المشترك اللفظي ، وأنه يحتمل أن يراد به معنى الناصر ، أو المحب ، أو أحد المعاني الأُخر غير معنى (الأولى) ، فإنّا يمكن أن نبرهن على أن لفظ المولى في كلام النبي(صلى الله عليه وآله) في حديث الغدير استعمل في خصوص المعنى الاول وهو : (الأولى) دون سائر المعاني، وذلك بقرائن كثيرة نذكرها فيما يلي :

القرينة الاولى: دلالة المقدمة على المعنى

لا شك في أن حديث الغدير قد بدأه النبي(صلى الله عليه وآله) بمقدمة استفهامية هي :

«ألست أولى بكم من أنفسكم»(62) ثم قال(صلى الله عليه وآله)بعدها : «فمن كنت مولاه فعلي مولاه» وفي ضوء ذلك نقول : لا شك في أن الأولى في المقدمة يراد به الأولى في الطاعة ، وحق الأمر والنهي للنبي(صلى الله عليه وآله) على الأمة بالدليل النقلي والعقلي ، فلابد أن يريد النبي(صلى الله عليه وآله) من لفظ المولى في قوله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، المعنى الثابت في المقدمة أي الأولى ، دون سائر المعاني للمولى ، حيث جرت عادة اللغة على تفسير اللفظ الذي يحتمل معاني متعددة ، والمعطوف على نفس اللفظ السابق عليه ، والذي هو ظاهر في معنى محدد من المعاني الكثيرة بالمعنى السابق ، والذي عطف عليه اللفظ الذي يحتمل معاني متعددة ، فمثلا لو قال المتكلم : (بعت كتابي إلى عمي زيد) ثم قال بعد ذلك متصلا : (وعمي موجود الآن في بيتي) ، فإن العم في الجملة الثانية يحتمل أنه أراد به العم الذي اشترى الكتاب ويحتمل أن يريد عمّاً آخر ، وحيث إن المتكلم عطف الجملة الثانية على الأولى حيث قال :

(بعت كتابي إلى عمي زيد وعمي موجود في بيتي) فإن العرف يفهم أن العم الموجود في البيت هو نفس العم الذي اشترى الكتاب أي هو زيد ، وإن كان يحتمل أن يريد بالعم في الجملة الثانية عمّاً آخر غير زيد الذي اشترى الكتاب ، وكذلك لو قال : مطرت السماء البارحة مطراً عظيماً; وأنا احتفظت بشيء من ماء المطر ، فإن العرف يفهم أن ما احتفظ به من ماء المطر هو من مطر البارحة ، وإن كان يحتمل أنه احتفظ بماء مطر اليوم الماضي أو الشهر الماضي ، والحقّ أنّ مثل هذا الاحتمال بعيد جدّاً .

القرينة الثانية: آية التبليغ

حدّث الحافظ الكبير الحسكاني الحنفي النيسابوري بسنده المتصل إلى ابن عباس في قوله عز وجل :

{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ}(63) إنها نزلت في علي .

أمر رسول الله أن يبلغ فيه فأخذ رسول الله بيد علي فقال : من كنتُ مولاه فعلي مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه»(64) .

وحدث الحافظ الحسكاني بسنده إلى أبي صالح «عن ابن عباس وجابر ابن عبد الله قالا : أمر الله محمداً أن ينصب علياً للناس ليخبرهم بولايته فتخوف رسول الله أن يقولوا حاباً ابن عمه يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله إليه : «يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك . . . فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله)بولايته يوم غدير خم»(65) .

وقال علي بن إبراهيم : «إن هذه الآية { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ . . .} نزلت في علي(عليه السلام)(66) .

وقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في حق علي(عليه السلام) في غدير خم ، فقد نقل المالكي في الفصول المهمة عن الإمام أبو الحسن الواحدي في أسباب النزول رفعه إلى أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت يوم غدير خم في علي ابن أبي طالب ، ورواه صاحب فتح القدير عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابي سعيد الخدري ، وكذلك في تفسير الدر المنثور للسيوطي(67) ومع هذا فإن السيوطي في لباب المنقول في أسباب النزول قال : أخرج الحاكم والترمذي عن عائشة قالت : كان النبي(صلى الله عليه وآله) يُحرس حتى نزلت هذه الآية {والله يعصمك من الناس} فأخرج رأسه من القبة فقال : يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله . في هذا الحديث دليل على أنها . . . أي الآية ليلية فراشية !! أي والرسول في فراشه»(68) .

ولم تذكر عائشة(رض) شيئاً عن الشطر الأول من الآية ، ولا عن الشيء المهم الذي إذا لم يبلغه النبي(صلى الله عليه وآله) فكأنه لم يبلغ شيئاً !! وكأن الآية الواحدة نزلت شطرين! .

القرينة الثالثة: آية إكمال الدين

روى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي هريرة ، قال : «لما أخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيد علي بن أبي طالب فقال : ألست أولى بالمؤمنين؟

قالوا : نعم يارسول الله .

قال : فأخذ بيد علي بن أبي طالب فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه .

فقال عمر بن الخطاب : بخ بخ لك ياابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم .

قال : فأنزل الله عز وجل {اليوم أكملت لكم دينكم} .

قال أبو هريرة : وهو يوم غدير خم ، من صام كتب الله له صيام ستين شهراً»(69) .

القرينة الرابعة

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) قبل فقرة إثبات المولوية لعلي(عليه السلام) : كأني دعيت فأجبت ، أو أنه يوشك أن اُدعى فأجيب(70) ثم قال(صلى الله عليه وآله) : «من كنت مولاه فعلي مولاه» فإن تلك المقدمة تلقي ضوءاً على غرض الرسول(صلى الله عليه وآله)من لفظ المولى ، وتعّين أن المراد به معنى يرتبط فيما بعد وفاته(صلى الله عليه وآله)ومن الواضح أن هذا المعنى هو إمامة علي(عليه السلام) وولايته على أمته من بعده .

المولى ترادف الولي

وقد تثار شبهة وهي : حتى لو اتفقنا على أن معنى المولى هو الأولى ، لكن الأولى لا تعني الولي . فلو كان النبي(صلى الله عليه وآله)قد قال : «فمن كنت وليه فعلي وليه» لكان هذا اللفظ يدل على أن النبي(صلى الله عليه وآله)جعل علياً إماماً للمسلمين بعده .

والجواب :

أولا : إذا كان إطلاق لفظ الولي على علي(عليه السلام) يرفع الشبهة ، فإن القرآن الكريم أنزل في حق علىّ مدحاً ووصفه بأنه ولي المسلمين ، وذلك في قوله تعالى : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(71) .

فقد روى الحافظ الكبيرالنيسابوري بسنده إلى ابن عباس : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} قال : نزلت في علي بن أبي طالب»(72) وبسنده عن عطاء بن السائب : «إنما وليكم الله ورسوله قال : في علي مرّ به سائل وهو راكع فناوله خاتمه»(73) .

وإن قيل : إنّ لفظ الذين آمنوا عام فكيف خصصت في علي؟ قيل : «ان الروايات متكاثرة من طرق الشيعة وأهل السنة على أن الآيتين نازلتان في أميرالمؤمنين بما تصدق بخاتمه وهو في الصلاة ، فالايتان خاصتان غير عامتين»(74) .

وثانياً : أن لفظ المولى والولي معناهما واحد «فقد قال الفراء في كتاب معاني القرآن : الولي والمولى في كلام العرب واحد في قراءة عبد الله بن مسعود : (إنما مولاكم الله ورسوله) مكان وليكم(75) .

ومع كل ذلك فقد كتب عباس محمود العقاد ـ وهو يتحدث عن علاقة النبي(صلى الله عليه وآله)بعلي ـ :

إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان «يحبه ويمهد له وينظر إلى غده ، ويسره أن يحبه الناس كما أحبه ، وأن يحين الحين الذي يكلون فيه أمورهم إليه . . . .

وكل ماعدا ذلك ، فليس بالممكن وليس بالمعقول . . . ليس بالممكن أن يكره له التقديم والكرامة . . . وليس بالممكن أن يحبهما له ، وينسى في سبيل هذا الحب حكمته الصالحة للدين والخلافة .

وإذا كان قد رأى الحكمة في استخلافه ، فليس بالممكن أن يرى ذلك ، ثم لا يجهر به في مرض الوفاة أو بعد حجة الوداع . . .

وإذا كان قد جهر به ، فليس بالممكن أن يتألب أصحابه على كتمان وصيته وعصيان أمره . أنهم لا يريدون ذلك مخلصين ، وأنهم إن أرادوه لا يستطيعون بين جماعة المسلمين ، وإنهم إن استطاعوا لا يخفى شأنه ببرهان مبين ، ولو بعد حين . . .

فكل أولئك ليس بالممكن ، وليس بالمعقول(76) ولا أدري هل جعل الولاية لعلي(77) بنص النبي(صلى الله عليه وآله)من قبيل إجتماع النقيضين ، أو الضدين حتى يكون ذلك غير ممكن وغير معقول!

وإذا كان جعل الإمامة لعلي ليس فيه استحالة عقلية ، فلماذا لا يمكن أن يجعله النبي(صلى الله عليه وآله) لعلي ، وهو المعروف بسابقته وقربه وجهاده وإخلاصه وعلمه وشجاعته؟ فلماذا لا يمكن أن يجعله النبي(صلى الله عليه وآله) ولياً للمسلمين بعده ، وهل القرب من النبي(صلى الله عليه وآله)يوجب حرمانه من مقام يستحقه دون سائر الأصحاب ، أو القرب من النبي موجب للفضيلة كما استدل أبو بكر على الأنصار بأن الخلافة في قريش ، لأنهم أقرب للنبي(صلى الله عليه وآله) من الأنصار؟

* * *

بعد الذي عرفت من وضوح أن لفظ المولى معناه (الأولى) أو على أقل تقادير أن النبي(صلى الله عليه وآله) استعمله في هذا المعنى للقرائن اللفظية والمقامية التي حفت بالحديث بعد ذلك . نذكر عدة تفسيرات أخرى لحديث الغدير تستهدف تجريده عن دلالته الثابتة له بموجب اللغة :

التفسير الأول: شكاية أهل اليمن على علي(عليه السلام)

إنّ المراد من لفظ (المولى) هو الناصر أو المحب ، وذلك الحديث صدر عن النبي(صلى الله عليه وآله) بعد شكاية أهل اليمن علياً إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «ويرشد بذلك أنه أشاد في خطابه بعلي خاصة فقال : من كنت وليه فعلي وليه وبأهل البيت عامة فقال(صلى الله عليه وآله) : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فكان كالوصية لهم بحفظه في علي بخصوصه وفي أهل بيته عموماً وقالوا : ليس فيها ـ أي بالوصية وفي حديث الغدير ـ عهد بخلافة ولا دلالة على إمامة »(78) .

نقل الواقعة

ومن المفيد أن ننقل أولا الواقعة من سيرة ابن هشام ثم نعلّق عليها :

«قال ابن إسحاق : وحدّثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال : لما أقبل عليّ رضي الله عنه من اليمن ليلقى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بمكة تعجّل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل فكسا كلّ رجل من القوم حُلّة من البزّ الذي كان مع عليّ رضي الله عنه . فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم ، فإذا عليهم الحُلل قال : ويلك اما هذا؟ قال : كسوت القوم ليتجملّوا به إذا قدموا في الناس ، قال : ويلك! انزع قبل أن تنتهي به إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) . قال : فانتزع الحُلل من الناس ، فردّها في البزّ ، قال : وأظهر الجيش شكواه لما صُنع بهم»(79) .

والغريب أن صاحب كتاب المغازي محمد بن عمر بن واقد ، نقل القصة بتمامها ، ثم كتب : «أن النبي(صلى الله عليه وآله)دعا علياً فقال : ما لأصحابك يشكونك؟ فقال : ما أشكيتُهم؟ قسمتُ عليهم ماغنموا وحبست الخمس حتى يقدم عليك ، وترى رأيك فيه ، وقد كانت الأمراء يفعلون أموراً : يُنفلون من أرادوا الخمس ، فرأيت أن أحمله إليك لترى فيه رأيك فسكت النبي(صلى الله عليه وآله)»(80) .

ولم يذكر الواقدي ما قاله النبي(صلى الله عليه وآله)تعليقاً على شكاية أهل اليمن ، والذي ذكره ابن هشام في سيرته من مدح عليّ ، وأنه يغضب لله ، وأنّه قوي من ذات الله تعالى ، ولا أدري لماذا لم ينقل كلام النبي(صلى الله عليه وآله) في حق علي في تلك القصة؟!

 

ردّ التفسير الأول

إن قصة أهل اليمن لا يمكن جعلها قرينة على حمل لفظ (المولى) على الناصر ، أو المحب وماشاكل وذلك :

أولا : أن أهل الشكاية إنما شكوا علياً إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) قبل التاسع من ذي الحجة ، وواقعة غدير خم في يوم الثامن عشر منه ، فالذي ينبغي لو كان الدافع إلى حديث الغدير هو تلك الواقعة أي يأتي مدح علي بذلك الحديث في وقت وقوعها ، كما قال النبي(صلى الله عليه وآله) عقيب الشكاية في رواية ابن هشام :

«ياأيها الناس لا تشكوا علياً فوالله إنه لأخشن في ذات الله» أو في سبيل الله من أن يشكى » .

ولم يتكلم(صلى الله عليه وآله) بكلام آخر غير هذا .

وثانياً : أن مدح النبي(صلى الله عليه وآله) لعليّ إذا كان على أثر هذه الواقعة ينبغي أن يكون مناسباً مع المقام ، كما قال(صلى الله عليه وآله) : (إنه لأخشن في ذات الله) وما شاكل ذلك ، ومن الواضح أن حديث الغدير وما حفّ به من قرائن وعلائم قرن فيه النبي(صلى الله عليه وآله) بين العترة والكتاب ، وجعل علياً مولًى للمسلمين كما أنه(صلى الله عليه وآله) مولى لهم ، وهذا يناسب جعل علي (عليه السلام) اماماً على الأمة ، ولا يريد(صلى الله عليه وآله) أن يدفع عن علي(عليه السلام)اتهامات أهل اليمن إنما يريد إثبات مقام عظيم له ، وهو مقام الإمامة بعده(صلى الله عليه وآله) .

وثالثاً : وقع خلط في تاريخ الشكاية على عليّ(عليه السلام) ، إذ إن النبي(صلى الله عليه وآله)بعث علياً إلى اليمن مرتين : الأولى في السنة الثامنة ، والأخرى في السنة العاشرة من الهجرة ، والذي نقل في كتب التاريخ أن الشكاية على عليّ إنما كانت في البعث الأول أي السنة الثامنة الهجرية وليس في البعث الثاني أي : السنة العاشرة الهجرية ، فقد روي أنه بعث رسول الله بعثين إلى اليمن ، على أحدهما علي بن أبي طالب ، وعلى الآخر خالد بن الوليد ، فقال : إذا التقيتم فعلي على الناس ، وإن افترقتم فكل واحد منكما على جنده ، قال : فلقينا بني زيد من أهل اليمن ، فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين، فقتلناالمقاتلة، وسبينا الذرية، فاصطفى علي امرأة من السبي لنفسه ، وقال بريدة : فكتب معي خالد إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، يخبره بذلك ، فلما أتيت النبي(صلى الله عليه وآله)دفعت الكتاب ، فقرئ عليه ، فرأيت الغضب في وجهه ، فقلت : يا رسول الله هذا مكان العائذ ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه ، ففعلت ما أرسلت به ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : لا تقع في علي فإنه مني، وأنا منه، وهو وليكم بعدي وأنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي»(81).

 

التفسير الثاني: الحديث جواب لأسامة بن زيد

ونقل بعض أن حديث الغدير إنما قاله النبي(صلى الله عليه وآله) على أثر نزاع شخصي بين أسامة بن زيد وبين علي(عليه السلام) حيث قال إسامة لعلي(عليه السلام) : لست مولاي إنما مولاي رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال(صلى الله عليه وآله) بعد أن سمع بالنزاع: «من كنت مولاه فعلي مولاه»(82) .

والجواب :

أولا : إن أراد اُسامة أن علياً ليس مولاه ، بمعنى ليس أولى به من نفسه ، وأنه ليس كالنبي(صلى الله عليه وآله) ، وقبل أن يثبت النبي(صلى الله عليه وآله) إمامة علي على المسلمين . فإن هذا المعنى صحيح; لأن النبي(صلى الله عليه وآله)بعد لم يجعل الولاية (الظاهرة) حسب الفرض إذ إن النبي(صلى الله عليه وآله)بعد لم ينطق بذلك الكلام . وإن أراد به أن النبي(صلى الله عليه وآله)فقط سيده وأسامة عبد للنبي(صلى الله عليه وآله)وأن علياً ليس سيده فمن الواضح أن أُسامة ليس عبداً رقاً للنبي(صلى الله عليه وآله) أو لعلي . وإن أراد أنه يطيع النبي(صلى الله عليه وآله)فقط ولا يطيع علياً(عليه السلام) أو غيره ، فمن الواضح أن علياً(عليه السلام) لم يتأمر على اُسامة ولم يتأمر على أحد إذا لم يؤمّره رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

وثانياً : حتى لو فرضنا أن منشأ كلام النبي(صلى الله عليه وآله) في حديث الغدير المرتبط بعلي(عليه السلام) هو النزاع الذي وقع بينه وبين أُسامة ، فإن ذلك لا يوجب صرف معنى (المولى) عن معناه الظاهر فيه وهو الأولى إلى غيره ، بل لعل هذا النزاع وكلام النبي(صلى الله عليه وآله) عقيبه; يؤكد مولوية علي(عليه السلام) على اُسامة وغيره قبل يوم الغدير وبعده!! إذ معناه أن أولوية علي ثابتة على اُسامة حين النزاع وأن اُسامة تجاوز حده في رعاية حق علي(عليه السلام) .

التفسير الثالث: حديث الغدير كان جواباً لبريدة

أخرج أحمد بن حنبل في مسنده عن بريدة قال : غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة(83) فلما قدمت على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ذكرت علياً فتنقصته فرأيت وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله) يتغير فقال(صلى الله عليه وآله) : يا بريدة! ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت : بلى يا رسول الله . قال : من كنتُ مولاه فعلي مولاه»(84) .

والجواب :

أولا : ماتقدم سابقاً من أنه لم ترد شكوى على عليّ في بعثه الثاني إلى اليمن ، إنما الشكاية كانت في البعث الأول أي السنة الثامنة ، وحديث الغدير في السنة العاشرة من الهجرة ، فلا يمكن أن يكون حديث الغدير جواباً لشكاية بريدة على علي(عليه السلام)التي تقدمت قبل عامين .

وثانياً : حتى لو سلمنا : أن قوماً ، أو بريدة شكى علياً إلى النبي(صلى الله عليه وآله)عند العود من بعثه إلى اليمن ، فإن ذلك لا يوجب صرف معنى المولى إلى غير معناه الثابت أي : أولوية علي(عليه السلام)بالمؤمنين من أنفسهم كما هي ثابتة للنبي(صلى الله عليه وآله) ، نعم لو كان النزاع والشكاية قرينة لفظية تصحيح صرف لفظ (المولى) عن معناه وهو الأولى إلى معنى آخر من معانيه المتعددة لأمكن رفع اليد عن معنى الأولى المدلول للفظ المولى ، ولكن من الواضح أن مجرد النزاع والشكاية على علي(عليه السلام) ليست قرينة لفظية توجب صرف اللفظ عن معناه .

التفسير الرابع: علي الأولى بالتفضيل

وقيل : حتى لو اتفقنا مع الشيعة بأن لفظ مولى يعني الأولى ، لكن إنما يصح الاستدلال بالحديث على إمامة علي(عليه السلام)على تقدير القول بأن الأولى هنا لا يراد به الأولى بالتفضيل والتعظيم والاحترام ، وإنما يراد به الأولى من أنفسهم في أمرهم ونهيهم وتدبير أمورهم وشؤون حياتهم ، ولكن إذا قلنا بأن المراد بالأولى هنا هو الأولى بالتعظيم والاحترام ، فإن ثبوت هذه الأولوية لعلي(عليه السلام) لا يساوق ثبوت الإمامة له .

ويرد عليه :

أولا : أن الظاهر من الأولى عند استعمالها مطلقاً ـ أي من غير قرينة لفظية أو مقامية ـ أن المتكلم يريد الأولى بأن يأمر وينهي فإن أضيفت الأولى إلى الغير; وقيل مثلا : الحاكم أولى من رعيته ، فإن المراد به أن الحاكم أولى من الرعية في الأمر والنهي وإدارة أمورهم ، وهذا المعنى يساوق معنى الإمامة .

وثانياً : أن النبي(صلى الله عليه وآله) صدّر كلامه بقوله(صلى الله عليه وآله) : «ألستُ بأولى من المؤمنين بأنفسهم؟» ثم قال(صلى الله عليه وآله) بعد ذلك : «فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه» .

وهذا الصدر في كلام النبي فيه دلالة على أن المراد بالأولوية الثابتة لعلي في قوله(صلى الله عليه وآله) : «فمن كنت مولاه فعلي مولاه» . إنما هي الأولوية التي تناظر الأولوية الثابتة له(صلى الله عليه وآله) وصرح بها في صدر كلامه ، إذ المفروض ان جملة «فمن كنت مولاه فعلي مولاه» معطوفة على صدر كلامه(صلى الله عليه وآله)الذي ثبتت فيه أولويته على المؤمنين من أنفسهم ، فيكون صدر

الكلام دالا على الأولوية الثابتة ، وأنها كأولوية النبي(صلى الله عليه وآله) .

التفسير الخامس: علي(عليه السلام) إمام بعد البيعة

يرى ابن حجر في الصواعق أن علياً(عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وله عليهم حق الأمر والنهي والطاعة ، إنما ذلك بعد البيعة له ـ أي بعد الخليفة الثالث ـ وإلاّ لكان أولى بالطاعة والأمر والنهي في حياة النبي(صلى الله عليه وآله) ، وهذا مما لا يمكن الالتزام به(85) .

والجواب :

أولا : أن هذا المعنى للحديث ـ أي أن علياً سيكون إماماً أولى بالمسلمين من أنفسهم بعد عقد البيعة ـ يعني أن علياً ليس مولًى للذين ماتوا قبل البيعة له في خمسة وثلاثين من الهجرة ، وهذا ينافي عموم مولوية علي(عليه السلام) لجميع المسلمين ،سواء الذين ماتوا قبل البيعة لعلي والذين عاشوا بعدها .

ثانياً : أما ما قيل : بأنه لو حملنا الحديث على فعلية الإمامة لا الصلاحية أو الشأنية ، فهذا مما يتنافى مع فعلية أولوية النبي(صلى الله عليه وآله) بالأمر والنهي والطاعة ، فإن ذلك صحيح لو قلنا بأن المراد بإمامة علي إمامة مستقلة في عرض وجود النبي(صلى الله عليه وآله) ; ونحن لا نقول ذلك بل إنما نرى أن ولاية علي(عليه السلام) في طول ولاية النبي على الأمة وفي امتدادها ، وليس في عرضها .

وثالثاً : لو كان مفاد حديث الغدير هو : أن علياً له حق الأمر والنهي والطاعة على الأمة وأنه أولى بالمسلمين من أنفسهم ولكن بعد البيعة ، فإن هذا المعنى يشترك فيه كل من يظفر بالبيعة على وفق النظرية السياسية للمذاهب الأربعة السنية ، فإن كل شخص تبايعه الأمة يكون أولى بالمسلمين من أنفسهم بعد البيعة ، فلا يتميز علي(عليه السلام) بشيء ، ولا معنى أيضاً لكلام النبي(صلى الله عليه وآله) في حديث الغدير ، وحاشاه عن ذلك ، لأنه يريد فقط أن يقول : إذا بايعت الأمة علياً فهو صالح للإمامة ، فيكون معنى كلام النبي(صلى الله عليه وآله) وحاشاه : لو صار علياً إماماً فهو صالح للإمامة!!!

وهذا المعنى صادق على كل شخص تبايعه الأمة للإمامة ـ بل هذا على وفق المذهب السياسي لأهل السنة ـ يكون عبثاً في الكلام ، والنبي(صلى الله عليه وآله)يتنزه عن ذلك ، فما هي ميزة علي(عليه السلام) عن الآخرين حتى يخصه النبي بذلك الخطاب تحت الشمس الحارقة ، ولماذا هذه الآيات التي نزلت بلزوم التبليغ ، ولماذا نزلت آية إكمال الدين بعدحديث الغدير؟!!

التفسير السادس: تقديم المفضول على الفاضل

وهذا التفسير ما يستظهر من كلمات المعتزلة الظاهرة في التسليم بأن عليّاً أفضل الصحابة ، وبالتالي هو أولى بمقام الإمامة لو لم تقم مصلحة تستوجب تقديم غيره عليه .

والجواب :

أولا : لو كانت ثمة مصلحة من هذا القبيل لكان النبي(صلى الله عليه وآله) أولى من غيره بدرك تلك المصلحة ، ولاقتضت تلك المصلحة تسمية الخليفة الأول لإمامة الأمة بعد النبي(صلى الله عليه وآله) من أجل استيفاء تلك المصلحة . . . وتكون تسمية علي بأنه مولى المسلمين بمعنى أنه إمام المسلمين فعلا قبيحاً يتنزه النبي(صلى الله عليه وآله)عن فعله.

وثانياً : إنا نعتقد بأن تنحية علي(عليه السلام) عن مقامه فتح على الأمة ألوان المحن والبلوى ، حيث افترق المسلمون إلى طوائف وفرق تتناصر على السلطان والمال كالجاهلية الأولى . وأية محنة وبلوى أكبر من هذه التي وقع فيها المسلمون نتيجة تنحية علي(عليه السلام) عن مقامه .

***

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(59) تذكرة الخواص : 36 ، وراجع شرح ابن أبي الحديد 3 : 208 .

(60) مسند أحمد ، حديث رقم 17749 .

(61) الاحتجاج 1 : 136 .

(62) وقد روى هذه المقدمة 1 ـ أحمد بن حنبل . 2 ـ ابن ماجة . 3 ـ النسائي . 4 ـ الترمذي . 5 ـ الطبري . 6 ـ الذهبي . 7 ـ الدارقطني وخلق كثير من المحدثين العلماء .

(63) سورة المائدة : 67 .

(64) شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 1 : 189 .

(65) شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 1 : 192 . وراجع الاحتجاج : 57 .

(66) تفسير القمي 1 : 171 .

(67) تفسير الميزان 1 : 60 .

(68) تفسير الجلالين : 216 .

(69) تاريخ دمشق فقرة رقم (569) من ترجمة علي بن أبي طالب(عليه السلام) وراجع شواهد التنزيل 1 : 158 .

(70) الغدير 1 : 375 .

(71) سورة المائدة : 55 .

(72) شواهد التنزيل 1 : 161 .

(73) شواهد التنزيل 1 : 168 .

(74) الميزان في تفسير القرآن 6 : 5 .

(75) الميزان في تفسير القرآن 6 : 5 .

(76) مجموعة العقاد 2 : 128 .

(77) المراجعات : 202 ، كما ورد على لسان شيخ الازهر الشيخ سليم البشري وهو يحاور السيد عبد الحسين شرف الدين .

(78) السيرة النبوية لابن هشام 4 : 603 .

(79) سيرة ابن هشام 4 : 603 .

(80) المغازي 3 : 1081 .

(81) المراجعات ، للإمام السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي : 153 .

(82) الغدير 1 : 383 .

(83) ولعل الجفوة ما تقدم في حديث خمس اليمن من حلل غنمه علي(عليه السلام) في غزوته حيث إن جيش علي(عليه السلام)لبس الحلل في ذهابه إلى لقاء النبي(صلى الله عليه وآله)ثم يرى فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله) رأيه ، أو تكون الجفوة منه لأنه لا تأخذه في طاعة الله ورسوله لومة لائم .

(84) راجع الغدير 1 : 384 .

(85) المراجعات : 206 .