|
بحث علمي شيق للاستاذ
أحمد محمد جواد محسن
مقدمة
ليس غريباً أن يكون الإمام علي ، عالماً متمكناً في العلوم الفقهية و
اللغوية و أوليات علم الحساب التي تخص عمليات توزيع الإرث و تحصيل
الزكاة و حل بعض المسائل الحسابية المتضمنة كسوراً ، و هو الذي تربى في
أحضان النبوة و نهل علمه منها ، حيث يقول الرسول الكريم محمد ( صلى
الله عليه و آله ) : " أنا مدينة العلم و علي بابها ، فمن أراد العلم
فليأت بابه "
[1] . و في هذا المقام
يقول عباس محمود العقاد : فقلَّ أن سمعنا بعلم من العلوم الإسلامية أو
العلوم القديمة لم ينسب إليه ( أي للإمام علي ) ، و قَلّ أن تحدث الناس
بفضل لم ينحلوه إياه ، و قلّ أن يوجه الثناء بالعلم إلى أحد من الأوائل
إلاّ كانت له مساهمة فيه
[2] . و يقول أيضاً :
تبقى له ( للإمام علي ) الهداية الأولى في التوحيد الإسلامي و القضاء
الإسلامي و الفقه الإسلامي ، و علم النحو العربي و فن الكتابة العربية
. مما يجوز لنا أن نسميه أساساً صالحاً لموسوعة المعارف الإسلامية في
العصور أو يجوز لنا أن نسميه موسوعة المعارف الإسلامية كلها في الصدر
الأول في الإسلام . و تبقى له مع هذا فرائد الحكمة التي تسجل له في
ثقافة الأمة الإسلامية على تباين العصور
[3] . و هنا نحب أن
نشير أنه حتى أبي العلاء المعري يقول عن الإمام علي ( عليه السلام )
[4] :
و على الأفق في دماء الشهيد *** ين علي و نجله شاهدان
فهما في أواخر الزمان فجرا ***ن و في أولياته شفقان
و إضافة إلى ما يمتلكه الإمام علي ( عليه السلام ) من علم و نفاذ
بصيرته فإنه ما فتئ يحثّ على طلب العلم و يذكر أهميته فيقول على سبيل
المثال : تعلّم العلم فإنه إن كنت غنياً زانك ، و إن كنت فقيراً صانك .
ثروة العلم تنجي و تبقي ، و ثروة المال تهلك و تفنى . ثروة العاقل في
علمه و ثروة الجاهل في ماله . و يقول أيضاً : كل وعاء يضيق بما جعل فيه
إلاّ وعاء العلم فإنه يتسع به
[5] .
و سنحاول في هذه الدراسة أن نبين مآثر الإمام علي ( عليه السلام ) و
براعته في علم الحساب من خلال النظر في ثلاثة أعمال هامة له و هي:
نهج البلاغة ، و المسائل الحسابية التي حلها بسرعة و دقة تامة ، و
الشعر المنسوب إليه .
أولاً ـ نهج
البلاغة :
إن خطب الإمام و رسائله و وصاياه التي وردت في نهج البلاغة تعجّ
بمفاهيم حسابية كالأعداد و الكسور و وحدات قياس الطول و تعبيرات رياضية
، و فيما يلي بعضاً منها :
الأعداد :
لقد وردت الأعداد صغيرها و كبيرها كثيراً في نهج البلاغة ، فقد ذكر
الإمام علي ( عليه السلام ) على سبيل المثال :
الأول : في وصية له لابنه الحسن فيقول : أي بني ! إني و إن لم أكن
عمّرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، و فكّرت في أخبارهم ، و
سرت في آثارهم ، حتى عدت كأحدهم ، بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد
عمّرت مع أولهم إلى آخرهم
[6] .
و ذكر الواحد و الاثنين في وصية له ( عليه السلام ) ، وصّى بها جيشا
بعثه إلى العدو بقوله : و لتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين ، و
اجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ، و مناكب الهضاب ، لئلاّ يأتيكم
العدو من مكان مخافة أو أمن
[7] .
و ذكر الثلاثة و الاثنتين في كلام له في توبيخ أصحابه على التباطؤ على
نصرة الحق : ياأهل الكوفة ! منيت بكم بثلاثة و اثنتين : صم ذوو أسماع ،
و بكم ذوو كلام ، و عمي ذوو أبصار ، لا أحرار صدق عند اللقاء ، و لا
إخوان ثقة عند البلاء ، تربت أيديكم
[8] .
و قال ( عليه السلام ) و هو يذكر الرقم أربعة : من أعطي أربعاً لم يحرم
أربعا : من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة ، و من أعطي التوبة لم يحرم
القبول ، و من أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة ، و من أعطي الشكر لم
يحرم الزيادة
[9] .
و في الرقم خمسة قال ( عليه السلام ) : أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها
آباط الإبل لكانت لذلك أهلا : لا يرجون أحد منكم إلاّ ربه ، و لا يخافن
إلاّ ذنبه ، و لا يستحين أحد منكم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول " لا
أعلم " ، و لا يستحين أحدا إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه ، و عليكم
بالصبر فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، و لا خير في جسد لا رأس
معه ، و لا في إيمان لا صبر معه
[10] .
و السبعة ذكرها في كلام له في التبرؤ من الظلم : واللّه لو أعطيت
الأقاليم السبعة ، بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها
جلب شعيرة ما فعلت
[11] .
و من العشرات ورد الرقم عشرة في قوله لما عزم على حرب الخوارج :
مصارعهم دون النطفة ! واللّه لا يفلت منهم عشرة ، و لا يهلك منكم عشرة
[12] .
و قد ورد أيضا ذكر العشرين و الستين في خطبته و هو يحثّ على الجهاد و
يذمّ القاعدين : للّه أبوهم !! و هل أحد منهم أشد لها مراسا و أقدم
فيها مقاما مني ؟ لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين ، و ها أنا ذا قد
ذرفت على الستين ، و لكن لا رأي لمن لا يطاع
[13] .
و من المئات ذكر المائة في خطبة له ، يقول : لا تسألوني عن شيء فيما
بينكم و بين الساعة ، و لا عن فئة تهدي مائة و تضل مائة إلاّ أنبأتكم
بناعقها و قائدها و سائقها
[14] .
و من الاُلوف ذكر الألف بقوله : اللّهم مث قلوبهم كما يماث الملح في
الماء ! أما واللّه لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم
[15] .
و ذكر القرن ( و هو مائة عام ) في خطبة الأشباح بقوله : و لم يخلهم بعد
أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته ، و يصل بينهم و بين معرفته ، بل
تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ومتحملي ودائع رسالاته ،
قرنا فقرنا ، حتى تمت بنبينا محمد ( صلى الله عليه و آله ) حجته ، و
بلغ المقطع عذره و نذره
[16] .
الكسور :
و الكسور هنا كالخمس و الثلث و النصف ، الخ . . . فمثلاً جاء ذكر
الخمس في قوله : إن القرآن أنزل على النبي ( صلى الله عليه و آله ) و
الأموال أربعة : أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض ، و الفئ
فقسمه على مستحقيه ، و الخمس فوضعه اللّه حيث وضعه ، و الصدقات فجعلها
اللّه حيث جعلها
[17] .
و قد ورد ذكر الثلث في كتاب له إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة ،
بقوله : و صلوا بهم العشاء حيث يتوارى الشفق إلى ثلث الليل
[18] .
و جاء ذكر الكسر تسعة أعشار بقوله : بلادكم أنتن بلاد اللّه أقربها من
الماء و أبعدها من السماء ، و بها تسعة أعشار الشر
[19] . و النصف جاء في
قوله ( عليه السلام ) : الهمّ نصف الهرم
[20] .
وحدات قياس
الطول :
و تقيس هذه الوحدات الأبعاد الصغيرة ، كالإصبع و الشبر و الباع الخ
، كما تقيس الأبعاد الكبيرة كالفرسخ مثلاً .
فقد ورد الإصبع في جواب له عندما سئل ( عليه السلام ) عما بين الحق و
الباطل . فقال : مسافة أربع أصابع . الحق أن تقول : رأيت بعيني ، و
الباطل أن تقول : سمعت بأذني
[21] . و الشبر جاء
ذكره في كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري ، عامله على البصرة ،
بقوله : فو اللّه ما كنزت في دنياكم تبرا ، و لا ادخرت من غنائمها وفرا
، و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا ، و لا حزت من أرضها شبرا
[22] .
و الشبر كما جاء في لسان العرب هو ما بين أعلى الإبهام و أعلى الخنصر
[23] ( إذا فتحتهما )
.
كما ذكر الفرسخ في كتاب له إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة بقوله : و
صلّوا بهم العصر و الشمس بيضاء حية في عضو من النهار ، حين يسار فيها
فرسخان
[24] .
و الفرسخ كلمة فارسية و يقول عنها ابن منظور في لسان العرب : إن الفرسخ
: السكون من المسافة المعلومة في الأرض مأخوذ منه . و الفرسخ ثلاثة
أميال أو ستة ، سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد و استراح من ذلك كأنه
سكن . و هو واحد الفراسخ ، فارسي معرب و الفرسخ ساعة من النهار
[25] . و الفرسخ يساوي
ثلاثة أميال أو ستة آلاف متر
[26] .
تعبيرات متصلة
بالرياضيات :
ورد العديد من المصطلحات و التعبيرات تتصل بالرياضيات في خطب الإمام
و كلامه . كالطول و العرض و العدد و القسمة و المضاعف و الذرّة و
النهاية و الإحصاء و البرهان و الفئة و المسافة و الحساب و غيرها .
و سنذكر بعضاً منها . ففي كلام للإمام يوصي فيه أصحابه ، ذكر فيه
تعبيرات مثل : الطول ، أطول ، أعرض ، أعلى ، حيث يقول : و الجبال ذات
الطول المنصوبة ، فلا أطول ، و لا أعرض ، و لا أعلى و لا أعظم منها ، و
لو امتنع شيء بطول ، أو عرض ، أو قوة أو عز لامتنعن
[27] .
و ورد تعبير القسمة في مواضيع كثيرة ، مثلا جاء في خطبة له في صفة خلق
بعض الحيوانات : و أنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها و عدّد قسمها ، فبلّ
الأرض بعد جفوفها . و أخرج نبتها بعد جدوبها . و هنا تعديد القسم إحصاء
ما قدر منها لكل بقعة
[28] .
و جاء ذكر المضاعف بأشكال مختلفة كالمضاعفات ، و أضعاف ، و مضاعفة ، و
مضاعف الخ . ففي خطبة له بصفّين يقول : و لكنه جعل حقه على العباد أن
يطيعوه ، و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب ، تفضلاً منه و توسعا بما هو
من المزيد أهله
[29] . و الذرّة ذكرها
في خطبة الأشباح بقوله : و رجع كل كلمة ، و تحريك كل شفة ، و مستقر كل
نسمة و مثقال كل ذرّة ، و هماهم كل نفس هامّة
[30] . كما ذكر
النهاية في خطبة له حول صفة خلق بعض الحيوانات بقوله : و إليها حاكمها
ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما ، و لا بذي عظم تناهت به
الغايات فعظّمته تجسيدا ، بل كبر شأنا ، و عظم سلطانا
[31] .
و بمقابل النهاية ذكر اللانهاية ، و هذه تأتي بمعان عديدة مثلا ، بلا
عدد ، لا يحصى ، التعداد الكثير ، الأزل الخ . فقد ورد تعبير لا بعدد
في الخطبة السابقة بقوله : مستشهد الأشياء على أزليته ، و بما وسمها به
من العجز على قدرته ، و بما اضطرها إليه من الفناء على دوامه ، واحد لا
بعدد ، و دائم لا بأمد و قائم لا بعمد
[32] .
و جاء تعبير لا يحصى في كلامه لمّا عزم على لقاء القوم بصفّين : و رب
هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام ، و مدرجا للهوام و الأنعام ، و ما
يحصى مما يرى و ما لا يرى
[33] .
أما التعداد الكثير الذي يعنى اللانهاية ، فقد جاء ذكره في خطبة
الأشباح أيضاً بقوله : اللّهم ! أنت أهل الوصف الجميل ، و التعداد
الكثير ، إن تؤمل فخير مؤمل ، و إن ترج فأكرم مرجو
[34] .
ثانياً ـ مسائل
حسابية :
من الأدلة الاُخرى على عبقرية الإمام علي ( عليه السلام ) ، هي حله
لمسائل حسابية معقدة بسرعة و دقة . . . و لا عجب في ذلك فهو الذي يقول
على ملأ من الناس : " سلوني قبل أن تفقدوني "
[35] . و في هذا
المقام يقول عباس محمود العقاد عن الإمام ( عليه السلام ) : و في
أخباره ، مما يدل على علمه بأدوات الفقه كعلمه بنصوصه و أحكامه . و من
هذه الأدوات علم الحساب الذي كانت معرفته به أكثر من معرفة فقيه يتصرف
في معضلة المواريث ، لأنه كان سريع الفطنة إلى حيله التي كانت تعدّ في
ذلك الزمن ألغازاً تكدّ في حلها العقول
[36] . و سنذكر بعض
المسائل المشهورة التي قام بحلها ، مما يدل على تضلعه بعلم الحساب
آنذاك .
و من هذه المسائل المسألة المنبرية و المسألة الدينارية و قصة الأرغفة
و غيرها .
المسألة
المنبرية :
و خلاصة هذه المسألة
[37] أن الإمام عليّاً
( عليه السلام ) سُئل و هو على المنبر عن ميّت ترك بنتين و أبوين و
زوجة ، فأجاب من فوره : صار ثمنها تسعا . و سميت هذه المسألة بالمسألة
المنبرية لأنه أفتى بها و هو على منبر الكوفة .
و الفريضة هنا ( أي المال الذي تركه الميت ) هي أربعة و عشرون ، للزوجة
ثمنها ( أي ثلاثة ) و للأبوين ثلثها ( أي ثمانية ) و للبنتين الثلثان (
أي ستة عشر ) . فضاق المال عن السهام ( أي نقص المال عن الحصص المفروضة
) ، لأن الثلث و الثلثين تم بهما المال فمن أين يؤخذ الثمن . فإذا
جمعنا الثلاثة و الثمانية و أنقصناها من المال لكان الباقي ثلاثة عشر
للبنتين نقص من سهمهما ثلاثة . و يبدو أن ثمة حلين لهذه المسألة . و هي
إما استخدام العول أو عدم استخدامه . ( و العول هنا كما جاء في مختار
الصحاح . عالت الفريضة ، ارتفعت و هو أن تزيد سهاما فيدخل النقصان على
أهل الفرائض )
[38] .
فالعول هو إدخال النقص عند ضيق المال عن السهام المفروضة على جميع
الورثة بنسبة سهامهم . لهذا فإن النقص هنا هو ثلاثة فيدخل على الجميع
فيزاد على الأربعة و العشرين ثلاثة تصير سبعة و عشرين للزوجة منها
ثلاثة و للأبوين ثمانية و للبنتين ستة عشر . و الثلاثة هي تسع السبع و
العشرين ، فهذا معنى قوله صار ثمنها تسعا . و إما من نفى العول قال أن
النقص يدخل على البنتين
[39] .
المسألة
الدينارية :
يقال : إن امرأة جاءت إلى الإمام ، و شكت إليه أن أخاها مات عن
ستمائة دينار ، و لم يقسم لها من ميراثه غير دينار واحد . فقال لها :
لعله ترك زوجة و ابنتين و أماً و اثني عشر أخا و أنت ؟ فكان كما قال .
و هنا تتجلى قوة علمه و حدسه فبمجرد أن علم بحصتها فقد استنتج عدد
أفراد العائلة ، و ليس فقط ذلك ، بل العلاقة فيما بينهم و جنسهم و حصة
كل منهم . حيث أن هذه المرأة كانت تتوقع أن أخاها قد ظلمها لذا طلبت
الإنصاف و أخذ حقها . لذلك قال لها خلّف أخوك بنتين لهما الثلثان
أربعمائة ( أي ثلثي الستمائة هو أربعمائة ) . و خلّف أُماً لها السدس ،
مائة ( أي سدسي الستمائة هو مائة ) ، و خلّف زوجة لها الثمن ، خمسة و
سبعون ( أي ثمن الستمائة هو خمسة و سبعون ) . و خلّف معك اثني عشر أخاً
لكلِّ أخ ديناران و لكِ دينار قالت نعم . فلذلك سُميت هذه المسألة
بالدينارية
[40] . و لذلك لو
جمعنا هذه الحصص لكان مجموعها ستمائة و هو المبلغ الأصلي .
قصة الأرغفة :
جلس رجلان يتغذيان ، مع أحدهما خمسة أرغفة و مع الآخر ثلاثة أرغفة ،
فلما وضعا الغذاء ، بين أيديهما مر بهما رجل ، فجلس و أكل معهما و
استوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية ، فقام الرجل و طرح إليهما ثمانية
دراهم ، فتنازعا بينهما و ارتفعا إلى الإمام علي ( عليه السلام ) فقصّا
عليه قصتهما ، فحكم لصاحب الثلاثة أرغفة درهماً واحداً ، و لصاحب
الخمسة أرغفة سبعة دراهم ، لأن الأرغفة الثمانية أربعة و عشرون ثلثاً ،
لصاحب الثلاثة أرغفة منها تسعة أثلاث ( لأن له ثلاثة أرغفة و كل رغيف
ثلاثة أثلاث فيكون المجموع تسعة أثلاث ) ، أكل منها ثمانية ( لأن هناك
أربعة و عشرين ثلثاً أكلها الثلاثة بالتساوي فكل واحد منهما أكل ثمانية
) و أكل الضيف واحداً منها ، و لصاحب الخمسة أرغفة منها خمسة عشر ثلثاً
( لأن له خمسة أرغفة و كل رغيف ثلاثة أثلاث فيكون المجموع خمسة عشر
ثلثا ) أكل منها ثمانية و أكل الضيف سبعة
[41] . أي أن كلاًّ من
الثلاثة أكل ثمانية أثلاث . فالأول أعطى للضيف ثلثا واحدا و الثاني
أعطاه سبعة أثلاث ( و المجموع ثمانية أثلاث ) . و بما أن الضيف قد دفع
لهم ثمانية دراهم ، أي قيمة كل ثلث هو درهم واحد ، و أنه قد أكل ثلثا
واحدا من الشخص الأول ، لذا تكون حصة هذا الشخص درهما واحدا . و كذلك
أكل من الثاني سبعة أثلاث لذا تكون حصته سبعة دراهم .
مسألة التي ولدت
لستة أشهر :
روي أن عمر أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر
فهمّ برجمها فقال له الإمام علي ( عليه السلام ) : إن خاصمتك بكتاب
اللّه خصمتك إن اللّه تعالى يقول :
﴿
... وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا
... ﴾
[42] و يقول جلّ تعالى
:
﴿
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ...
﴾
[43] فإذا كانت مدة
الرضاعة حولين كاملين ( أي أربعة و عشرين شهرا ) و كان حمله و فصاله
ثلاثين شهرا ، فالحمل فيها ستة أشهر ، فخلّى عمر سبيل المرأة و ثبت
الحكم لذلك فعمل به الصحابة و التابعون و من أخذ عنهم إلى يومنا هذا
[44] .
قصة الزُبية :
يقال : إنه رُفع للإمام علي ( عليه السلام ) و
هو باليمن زُبية ( و هي حفرة تحفر للأسد سميت بذلك لأنهم كانوا
يحفرونها في موضع عال ) حفرت للأسد فوقع فيها ، فوقف على شفير الزبية
رجل فزلت قدمه فتعلق بآخر و تعلق الآخر بثالث و تعلق الثالث برابع
فافترسهم الأسد . فقضى ( الإمام ) أن الأول فريسة الأسد و على أهله ثلث
الدية للثاني ، و على أهل الثاني ثلثا الدية للثالث ، و على أهل الثالث
الدية الكاملة للرابع . فبلغ ذلك رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله )
فقال : لقد قضى أبو الحسن فيهم بقضاء اللّه عَزَّ و جَلَّ فوق عرشه .
و رويت هذه الحادثة بصور اُخرى و هي أن الزبية لما وقع فيها الأسد أصبح
الناس ينظرون إليه و يتزاحمون و يتدافعون حول الزبية فسقط فيها رجل و
تعلق بالذي يليه و تعلق الآخر بالآخر حتى وقع فيها أربعة فقتلهم الأسد
. فأمرهم أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) أن يجمعوا ديّة تامة من القبائل
الذين شهدوا الزبية و نصف دية و ثلث دية و ربع دية ، فأعطى أهل الأول
ربع دية من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة ، و أعطى أهل الثاني ثلث الدية من
أجل أنه هلك فوقه اثنان و أعطى أهل الثالث النصف من أجل أنه هلك فوقه
واحد ، و أعطى أهل الرابع الديّة تامة لأنه لم يهلك فوقه أحد فأخبروا
رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) فقال : هو كما قضى .
و الظاهر أنهما واقعتان ، ففي الرواية الاُولى أن الأول زلّت قدمه فوقع
ولم يرمه أحد ، و في الرواية الثانية أن المجتمعين تزاحموا و تدافعوا
فيكون سقوط الأول بسببهم و لذلك اختلف الحكم فيها
[45] .
ثلاثة رجال يختصمون :
عن شرح بديعة بن المقري أنه جاء إلى أمير
المؤمنين ( عليه السلام ) ثلاثة رجال يختصمون في سبعة عشر بعيراً .
أولهم يدعي نصفها و ثانيهم ثلثها ، و ثالثهم تُسعها . فاحتاروا في
قسمتها ، لأن في ذلك سيكون كسراً ( أي جزء من بعير ) . فقال ( عليه
السلام ) : أترضون أن أضع بعيراً مني فوقها و أقسّمها بينكم ، قالوا :
نعم ، فوضع ( عليه السلام ) بعيراً بين الجمال ، فصارت ثمانية عشر ،
فأعطى الأول نصفها و هو تسعة ، و أعطى الثاني ثلثها و هو ستة ، و أعطى
الثالث تسعها و هو اثنان و بقي بعير له
[46] .
ثالثاً ـ الشعر المنسوب للإمام ( عليه السلام ) :
وردت تعبيرات تخص الحساب ، كالأعداد و الكسور و
غيرها في الشعر المنسوب للإمام ( عليه السلام ) ، سنذكر بعضاً منها :
فقد جاء ذكر الألف في شعر له
[47] ، حيث يقول :
عليك بإخوان الصفاء ، فإنهم *** عماد إذا
استنجدتهم و ظهور
و ليس كثيراً ألف خل و صاحب *** و إن عدوا واحدا لكثير
كما ذكر العدد سبعين ألفا في شعر له أيضا
[48] :
لأصبحن العاصي ابن العاصي *** سبعين ألفا عاقدي النواصي
مجنبين الخيل بالقلاص *** مستحلقين حلق ألدلاص
و في حسبة العمر يقول
[49] ، و قد ذكر العدد
ستين و النصف و الثلث :
إذا عاش الفتى ستين عاما *** فنصف العمر تمحقه
الليالي
و نصف النصف يذهب ليس يدري *** لغفلته يمينا من شمال
و ثلث النصف آمال و حرص*** و شغل بالمكاسب و العيال
فحب المرء طول العمر جهل *** و قسمته على هذا المنال
الخاتمة :
في ضوء إجابات المسائل السابقة و غيرها ، برهان
ساطع على علم الإمام المحيط و حضوره لديه فيما يجعله حجة على الخلق في
جميع العلوم و الفنون ، خصوصاً إذا قسنا ذلك إلى عصر الإمام و الثقافة
العلمية المحدودة لناس آنذاك ، و في ذلك يقول عباس محمود العقاد : و
لكن هذه الفنون من الثقافة ـ أو جلها ـ إنما تعظم بالقياس إلى عصرها و
الجهود التي بذلت في بدايتها
[50] .
و يقول أيضاً : و خلاصة ذلك كله أن ثقافة الإمام ( عليه السلام ) هي
ثقافة العلم المفرد و القمة العالية بين الجماهير في كل مقام . من ذلك
يمكن القول إن الإمام ( عليه السلام ) يعد أول من عمل في علم المواريث
، كما جاءت في القرآن الكريم ، و أول من قام بحل المسائل الحسابية في
صدر الإسلام ، كما يعد أول من تمكن من الفكر الموسوعي الذي يجمع أكبر
عدد من فروع المعرفة المختلفة . و لكن من الغريب ، ـ حسب ما لاحظنا ـ
أن غالبية كتب تاريخ الرياضيات لم تذكر ذلك ، و هذا أمر يوسف له ، لذلك
لابد من إجراء المزيد من البحوث و الدراسات لهذه الحقبة الهامة من
التاريخ الإسلامي .
[1] عز الدين ابن
الأثير الجوزي ( 1994 ) " أسد الغابة في معرفة الصحابة " تحقيق علي
محمد عوض ، دار الكتب العلمية ، بيروت : 4 / 95 .
[2] عباس محمود العقاد
(1967) " عبقرية الإمام علي " دار الكتاب العربي ، بيروت : 190 .
[3] المصدر السابق :
194 .
[4] المصدر السابق : 6
.
[5] علي بن أبي طالب (
1993 ) " نهج البلاغة " ، شرح محمد عبده : 4 ، مؤسسة الأعلمي بيروت :
671 .
[6] نهج البلاغة ،
مصدر سابق : 529 .
[7] نهج البلاغة : 501
.
[8] نهج البلاغة : 217
.
[9] نهج البلاغة : 657
.
[10] نهج البلاغة :
643 .
[11] نهج البلاغة :
468 .
[12] نهج البلاغة :
132 .
[13] نهج البلاغة : 92
.
[14] نهج البلاغة :
210 .
[15] نهج البلاغة : 87
.
[16] نهج البلاغة :
204 .
[17] نهج البلاغة :
688 .
[18] نهج البلاغة :
571 .
[19] نهج البلاغة : 66
.
[20] نهج البلاغة :
658 .
[21] محسن الأمين (
1947 ) ، أعيان الشيعة 3 ، القسم الأول طبعة : 2 ، مطبعة الإتقان دمشق
: 33 .
[22] نهج البلاغة :
559 .
[23] ابن منظور ، لسان
العرب 4 ، دار / ادر بيروت : 391 .
[24] نهج البلاغة :
570 .
[25] ابن منظور ، لسان
العرب : 3 / 44 .
[26] جلال شوقي (1985)
" من تراثنا المنظوم في الرياضيات " ، المجلة العربية للعلوم ، المنظمة
العربية للتربية و الثقافة و العلوم ، تونس : 94 .
[27] نهج البلاغة :
432 .
[28] نهج البلاغة :
378 .
[29] نهج البلاغة :
450 .
[30] نهج البلاغة :
207 .
[31] نهج البلاغة :
375 .
[32] نهج البلاغة :
375 .
[33] نهج البلاغة :
345 .
[34] نهج البلاغة :
208 .
[35] محسن الأمين ،
أعيان الشيعة ، مصدر سابق : 33 .
[36] عباس محمود
العقاد ، مصدر سابق : 196 .
[37] محسن الأمين
(1983) " أعيان الشيعة " المجلد الأول ، دار التعارف ، بيروت : 242 .
[38] محمد بن أبي بكر
الرازي ( 1984 ) " مختار الصحاح " مؤسسة علوم القرآن ، دمشق : 463 .
[39] عباس محمود
العقاد ، مصدر سابق : 196 .
[40] محسن الأمين "
أعيان الشيعة " ، دار التعارف : 343 .
[41] المصدر السابق :
343 .
[42] سورة الاحقاف (
46 ) ، الآية : 15 ، الصفحة : 504 .
[43] سورة البقرة ( 2
) ، الآية : 233 ، الصفحة : 37 .
[44] المصدر السابق :
343 .
[45] المصدر السابق :
411 .
[46] حسين علي الشفائي
(1990) " الحق المبين في قضاء أميرالمؤمنين " دار كرم ، دمشق : 115 .
[47] أحمد تيمور ،
مصدر سابق : 28 .
[48] أحمد تيمور ،
مصدر سابق : 37 .
[49] عبدالعزيز سيد
الأهل (1980) " من الشعر المنسوب إلى الإمام الوصي علي بن أبي طالب " ،
طبعة : 2 ، دار / ادر ، لبنان : 111 .
[50] عباس محمود
العقاد : 210 . |