بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز

لا يخفى أنّنا لازلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والافهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث.

وانطلاقاً من ذلك، فقد بادر مركز الابحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الاسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن.

ومن هذه المحاور: عقد الندوات العقائديّة المختصّة، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد


الصفحة 6
والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها، ثم يخضع ذلك الموضوع ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج.

ولاجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الانترنت العالمية صوتاً وكتابةً.

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم.

وأخيراً، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان «سلسلة الندوات العقائدية» بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها.

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها.

سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله.

مركز الابحاث العقائدية
فارس الحسّون   


الصفحة 7

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الاوّلين والاخرين.

بحثنا في الشهادة بولاية أمير المؤمنين في الاذان.

تارة نبحث عن هذه المسألة فيما بيننا نحن الشيعة الاماميّة الاثنى عشريّة، وتارة نجيب عن سؤال يردنا من غيرنا وعن خارج الطائفة، ويكون طرف البحث من غير أصحابنا.

فمنهج البحث حينئذ يختلف.

أمّا في أصحابنا، فلم أجد أحداً، لا من السابقين ولا من اللاحقين، من كبار فقهائنا ومراجع التقليد، لم أجد أحداً يفتي بعدم جواز الشهادة بولاية أميرالمؤمنين في الاذان، ومن يتتبع


الصفحة 8
ويستقصي أقوال العلماء منذ أكثر من ألف سنة وإلى يومنا هذا، ويراجع كتبهم ورسائلهم العمليّة، لا يجد فتوى بعدم جواز هذه الشهادة.

فلو ادّعى أحد أنّه من علماء هذه الطائفة، وتجرّأ على الفتوى بالحرمة، أو التزم بترك الشهادة هذه، فعليه إقامة الدليل العلمي القطعي الذي يتمكّن أن يستند إليه في فتواه أمام هذا القول، أي القول بالجواز، الذي نتمكّن من دعوى الاجماع عليه بين أصحابنا.

وكلامنا مع من هو لائق للافتاء، وله الحق في التصدّي لهذا المنصب، أي منصب المرجعيّة في الطائفة، وأمّا لو لم يكن أهلاً لذلك، فلا كلام لنا معه أبداً.

أمّا أصحابنا بعد الاتّفاق على الجواز:

منهم من يقول باستحباب هذه الشهادة في الاذان، ويجعل هذه الشهادة جزءاً مستحبّاً مندوباً من أجزاء الاذان، كما هو الحال في القنوت بالنسبة إلى الصلاة، وهؤلاء هم الاكثر الاغلب من أصحابنا.

وهناك عدّة من فقهائنا يقولون بالجزئيّة الواجبة، بحيث لو تركت هذه الشهادة في الاذان عمداً، لم يثب هذا المؤذّن على أذانه


الصفحة 9
أصلاً ولم يطع الامر بالاذان.

ومن الفقهاء من يقول بأنّ الشهادة الثالثة أصبحت منذ عهد بعيد من شعائر هذا المذهب، ومن هذا الحيث يجب إتيانها في الاذان.


الصفحة 10

الصفحة 11

معنى الاذان والشهادة وولاية عليّ (عليه السلام)

قبل الورود في البحث، عنوان بحثنا الشهادة بولاية أمير المؤمنين في الاذان، فما هو الاذان ؟ وما هي الشهادة ؟ وما المراد من ولاية علي (عليه السلام) ؟

«الاذان»:

هو في اللغة العربية وفي القرآن والسنّة وفي الاستعمالات الفصيحة: الاعلان، أي الاعلام، (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بالْحَجِّ)(1) أي أعلمهم بوجوب الحج، وأعلن وجوب الحج (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ)(2) أي أعلن ونادى مناد بينهم، وهكذا في الاستعمالات الاُخرى.

فالاذان أي الاعلان.

«الشهادة»:

هي القول عن علم حاصل عن طريق البصر أو

____________

(1) سورة الحج: 27.

(2) سورة الاعراف: 44.


الصفحة 12
البصيرة، ولذا يعتبر في الشهادة أن تكون عن علم، فالشهادة عن ظنّ وشك لا تعتبر، فلو قال أشهد بأنّ هذا الكتاب لزيد وسُئل أتعلم ؟ فإن قال: لا، أظن، ترد شهادته.

وهذا العلم تارةً يكون عن طريق البصر فالانسان يرى بعينه أنّ هذا الكتاب مثلاً اشتراه زيد من السوق فكان ملكه، وتارة يشهد الانسان بشيء ولكنّ ذلك الشيء لا يرى وإنّما يراه بعين البصيرة فيشهد، كما هو الحال في الشهادة بوحدانيّة الله سبحانه وتعالى وبالمعاد والقيامة وغير ذلك من الاُمور التي يعلم الانسان بها علماً قطعيّاً، فيشهد بتلك الاُمور.

«ولاية أمير المؤمنين»:

يعني القول بأولويّته بالناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل.

فإذا ضممنا هذه الاُمور الثلاثة، لاحظوا، إذنْ، نعلن في الاذان، نعلن ونخبر الناس إخباراً عامّاً: بأنّا نعتقد بأولويّة علي بالناس بعد رسول الله.

هذا معنى الشهادة بولاية علي في الاذان، أي نقول للناس، نقول للعالم، بأنّا نعتقد بولاية علي، بأولويته بالناس بعد رسول الله.

وهذا القول قول عام، نعلن عنه على المآذن وغير المآذن، ونسمع العالمين بهذا الاعتقاد.


الصفحة 13
وهذا الاعتقاد الذي نحن عليه لم يكن اعتقاداً جزافياً اعتباطياً، وإنّما هناك أدلة تعضد هذا الاعتقاد وتدعم هذا الاعتقاد، فنعلن عن هذا الاعتقاد للعالم، ونتّخذ الاذان وسيلة للاعلان عن هذا الاعتقاد.


الصفحة 14

الصفحة 15

الاتيان بالشهادة بالولاية لا بقصد الجزئية

إذا لم يكن إعلاننا عن ولايتنا لاميرالمؤمنين في الاذان بقصد جزئية هذه الشهادة في الاذان، فأيّ مانع من ذلك ؟

فإذن، أوّل سؤال يطرح هنا: إنّه إذا لم يكن من قصد هذا المؤذّن أن تكون هذه الشهادة جزءاً أصليّاً، وفصلاً من فصول الاذان، لم يكن من قصده هذا، وإنّما يريد أنْ يعلن للعالم عن اعتقاده بأولوية علي بالناس بعد رسول الله، ما المانع من هذا ؟ هل من مانع كتاباً ؟ هل من مانع سنّة ؟ هل من مانع عقلاً ؟

فعلى من يدّعي المنع إقامة الدليل.

ولذا قرّر علماؤنا، أنّ ذكر الله سبحانه بعد الشهادة الاُولى بما هو أهله، وذكر النبي بعد الشهادة الثانية بالصلاة والسلام عليه مثلاً، مستحب، وأنّ تكلّم المؤذّن بكلام عادي في أثناء الاذان جائز، ولا


الصفحة 16
يضر بأذانه، فكيف إذا كان كلامه ومقصده الاعلان عن ولاية أمير المؤمنين، وهو يعتقد بأنّ الشهادة برسالة رسول الله إن لم تكن هذه الشهادة ملحقةً ومكمّلة بالشهادة بولاية علي، فتلك الشهادة ناقصة ؟

فهو يريد بهذا الاعلان أن يكمِّل شهادته برسالة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبأُلوهيّة الباري سبحانه وتعالى، فإذا لم يثبت المنع، وحتّى إذا لم يكن عندنا دليل على الجواز، فمجرّد أصالة عدم المنع، ومجرّد أصالة الاباحة تكفي، تكفي هذه الاُصول العملية العقليّة والنقليّة على جواز هذا الاعلان في الاذان.

فحينئذ، يطالب المانع والمدّعي للمنع بإقامة دليل على عدم الجواز، وحينئذ يعود المنكر والمستنكر لذكر الشهادة بالولاية في الاذان مدّعياً بعد أن كان منكراً، وتكون وظيفته إقامة البيّنة على دعواه، من كتاب أو سنّة أو غير ذلك.

لقائل أن يقول: إذا كان هذا المؤذّن يرى نقصان الاذان حال كونه فاقداً للشهادة الثالثة، ويريد أن يكمّله بهذه الشهادة، لكون الولاية من أُصول اعتقاداته، ويريد الاعلان عن هذا الاصل الاعتقادي في أذانه، فليعلن عن المعاد أيضاً، لانّ الاعتقاد بالمعاد من الاُصول، وليعلن أيضاً عن إمامة سائر الائمّة، لانّه يرى إمامتهم


الصفحة 17
أيضاً، لا إمامة علي فقط.

لكنّ هذا الاعتراض غير وارد:

إذْ لا خلاف ولا نزاع في ضرورة الاعتقاد بالمعاد، كما أنّ من الواضح أنّ إمامة سائر الائمّة فرع على إمامة علي (عليه السلام)، وإذا ثبت الاصل ثبتت إمامة بقيّة الائمّة، وكما كان لمنكر ولاية علي دواع كثيرة على إخفاء هذا المنصب لامير المؤمنين، فلابدّ وأن يكون لمن يثبت هذا الامر ويعتقد به، أنْ يكون له الداعي القوي الشديد على الاعلان عنه.

ليس المقصود أنْ نبحث عن فصول الاذان، وأنّ أيّ شيء من فصول الاذان، وأيّ شيء ليس من فصوله، لكي نأتي إلى البحث عن المعاد ونقول لماذا لا يعلن عن المعاد في الاذان مثلاً ؟ وإنّما كان المقصود أن هذا المؤذن الشيعي الامامي يرى بأنّ الشهادة برسالة رسول الله بدون الشهادة بولاية علي ليست بشهادة، إنّه يريد الاعلان عن معتقده الكامل التام، والشهادة برسالة رسول الله بلا شهادة بولاية علي تساوي عدم الشهادة برسالة رسول الله في نظر الشيعي.

وإلى الان ظهر أنّ مقتضى الاصل، مقتضى القاعدة الجواز والاباحة مع عدم قصد الجزئيّة.


الصفحة 18
إنّما الكلام فيما لو أتى بهذه الشهادة بقصد الجزئيّة، حينئذ يأتي دور مانعيّة توقيفيّة الاذان، لانّ الاذان ورد من الشارع المقدّس بهذه الكيفيّة الخاصّة، بفصول معيّنة وبحدود مشخصة، فإضافة فصل أو نقص فصل من الاذان، خلاف الشرع وخلاف ما نزل به جبرئيل ونزل به الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حينئذ يحصل المانع عن الاتيان بالشهادة الثالثة في الاذان بقصد الجزئيّة، وعلى من يريد أن يأتي بها بقصد الجزئيّة أنْ يقيم الدليل المجوّز، وإلاّ لكان بدعة، لكان إتيانه بالشهادة الثالثة إدخالاً في الدين لما ليس من الدين.


الصفحة 19

الاتيان بالشهادة بالولاية
بقصد الجزئية المستحبة

ونحن الان نتكلّم عن الاتيان بالشهادة الثالثة بقصد الجزئيّة المستحبّة، والاستحباب حكم من الاحكام الشرعيّة، لابدّ وأن يكون المفتي عنده دليل على الفتوى بالاستحباب، وإلاّ لكانت فتواه بلا علم، وتكون افتراءً على الله سبحانه وتعالى، مضافاً إلى خصوصيّة الاذان وكون الاذان توقيفيّاً.

ففي مسألتنا مشكلتان في الواقع:

المشكلّة الاُولى:

إنّ المؤذّن مع الشهادة الثالثة بقصد الجزئيّة المستحبّة، يحتاج إلى دليل قائم على الاستحباب، وإلاّ ففتواه بالاستحباب أو عمله هذا يكون محرّماً، لانّها فتوى بلا دليل، كسائر المستحبّات في غير الاذان، لو أنّ المفتي يفتي باستحباب شيء وبلا دليل، هذا لا يجوز، وهو إفتراء على الله عزّوجلّ.


الصفحة 20

المشكلة الثانية:

في خصوص الاذان، لانّ الاذان أمر توقيفي، فإضافة شيء فيه أو نقص شيء منه، تصرّف في الشريعة، وهذه بدعة، فيلزم على القائل بالجزئيّة الاستحبابيّة أو المستحبّة إقامة الدليل.

الدليل المخرج عن كون هذه الشهادة بدعة، لا يخلو من ثلاثة أُمور، أو ثلاثة طرق:

الاوّل:

أن يكون هناك نصّ خاص، يدلّ على استحباب إتيان الشهادة الثالثة في الاذان.

الثاني:

أن يكون هناك دليل عام أو دليل مطلق، يكون موردنا ـ أي الشهادة بولاية أمير المؤمنين في الاذان ـ من مصاديق ذلك العام، أو من مصاديق ذلك المطلق.

الثالث:

أن يكون هناك دليل ثانوي، يجوّز لنا الاتيان بالشهادة الثالثة في الاذان.

أمّا النص،

فواضح، مثلاً: يقول الشارع المقدّس: الخمر حرام، يقول الشارع المقدّس: الصلاة واجبة، هذا نصّ وارد في خصوص الموضوع الذي نريد أن نبحث عنه، وهو الخمر مثلاً، أو الصلاة مثلاً.

وأمّا الدليل العام أو المطلق

، فإنّه غير وارد في خصوص ذلك


الصفحة 21
الموضوع أو الشيء الذي نريد أن نبحث عن حكمه، وإنّما ذلك الشيء يكون مصداقاً لهذا العام، يكون مصداقاً لهذا المطلق، مثلاً: نحن عندنا إطلاقات أو عمومات فيها الامر بتعظيم وتكريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا شك عندنا هذه الاطلاقات والعمومات، وحينئذ فكلّ فعل يكون مصداقاً لتعظيم رسول الله، يكون مصداقاً لاظهار الحبّ لرسول الله، يكون مصداقاً لاحترام رسول الله، يكون ذلك الفعل موضوعاً لحكم التعظيم والاحترام والتكريم له، لانطباق هذا العام أو المطلق عليه، وإن لم يكن لذلك الفعل بالخصوص نصّ خاص، ولذا نزور قبر النبي، لذا نقبّل ضريح النبي، لذا إذا ذكر اسمه نحترم اسمه المبارك، وهكذا سائر الاُمور، مع أنّ هذه الاُمور واحداً واحداً لم يرد فيها نصّ، لكنْ لمّا كانت مصاديق للعناوين المتخذة موضوعات لتلك الادلة العامة او المطلقة، فلا ريب في ترتب الحكم على كلّ فرد من الاُمور المذكورة، وهذا ممّا لم يفهمه الوهّابيّون، ولذا يرمون المسلمين عندما يحترمون رسول الله، يرمونهم بما يرمون.

وأمّا الدليل الثانوي

، وهو الطريق الثالث، الدليل الثانوي فيما نحن فيه: قاعدة التسامح في أدلّة السنن، هذه قاعدة استخرجها


الصفحة 22
علماؤنا وفقهاؤنا الكبار، من نصوص(1) مفادها أنّ من بلغه ثواب على عمل فعمل ذلك العمل برجاء تحصيل ذلك الثواب، فإنّه يعطى ذلك الثواب وإن لم يكن ما بلغه صحيحاً، وإن لم يكن رسول الله قال ما بلغ هذا الشخص.

والنصوص الواردة في هذا المورد التي يستفاد منها هذه القاعدة عند المشهور بين فقهائنا، فيها ما هو صحيح سنداً وتام دلالة، وعلى أساس هذه القاعدة أفتى الفقهاء باستحباب كثير من الاشياء مع عدم ورود نصّ خاص فيها، ومع عدم انطباق عمومات أو مطلقات على تلك الاشياء.

إذن بأحد هذه الطرق تنتهي الفتوى بالاستحباب إلى الشارع المقدّس، وإذا انتهى الشيء إلى الشارع المقدّس أصبح من الدين، ولم يكن ممّا ليس من الدين، ليكون إدخالاً لما ليس من الدين في الدين فيكون بدعة.

وبعد بيان هذه المقدّمة، ومع الالتفات إلى أنّ القاعدة المذكورة قاعدة ورد فيها النصّ من طرقنا ومن طرق أهل السنّة أيضاً، وهي قاعدة مطروحة عندهم أيضاً، والحديث عن رسول الله بهذا

____________

(1) وسائل الشيعة ج1 باب 18 في أبواب مقدمات العبادات.


الصفحة 23
المضمون وارد في كتبهم، كما في فيض القدير(1) .

وبعد، على من يقول بجزئية الشهادة الثالثة في الاذان جزئيّة استحبابيّة أن يقيم الدليل على مدّعاه بأحد هذه الطرق أو بأكثر من واحد منها، وسأذكر لكم أدلّة القوم، وسأُبيّن لكم أنّ كثيراً منها ورد من طرق أهل السنّة أيضاً، ممّا ينتهي إلى اطمئنان الفقيه ووثوقه باستحباب هذا العمل.

____________

(1) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 6/95.


الصفحة 24

الصفحة 25

الاستدلال بالسنّة على استحباب الشهادة
بالولاية في الاذان

في بعض كتب أصحابنا، عن كتاب السلافة في أمر الخلافة، للشيخ عبدالله المراغي المصري: إنّ سلمان الفارسي ذكر في الاذان والاقامة الشهادة بالولاية لعلي بعد الشهادة بالرسالة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فدخل رجل على رسول الله فقال: يا رسول الله، سمعت أمراً لم أسمع به قبل هذا، فقال رسول الله: «ما هو ؟» قال: سلمان شهد في أذانه بعد الشهادة بالرسالة بالشهادة بالولاية لعلي، فقال: «سمعتم خيراً».

وعن كتاب السلافة أيضاً: إنّ رجلاً دخل على رسول الله فقال: يا رسول الله، إنّ أباذر يذكر في الاذان بعد الشهادة بالرسالة الشهادة بالولاية لعلي ويقول: أشهد أنّ عليّاً ولي الله، فقال:


الصفحة 26
«كذلك، أو نسيتم قولي يوم غدير خم: من كنت مولاه فعليّ مولاه ؟ فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه !!».

هذان خبران عن هذا الكتاب.

إن تسألوني عن رأيي في هذا الكتاب، وفي هذين الخبرين، فإنّي لا يمكنني الجزم بصحّة هذين الخبرين، لانّي بعدُ لم أعرف هذا الكتاب، ولم أطّلع على سند هذين الخبرين، ولم أعرف بعدُ مؤلّف هذا الكتاب، إلاّ أنّي مع ذلك لا يجوز لي أن أُكذّب، لا أُفتي على طبق هذين الخبرين، ولكنّي أيضاً لا أُكذّب هذين الخبرين.

وفي كتاب الاحتجاج، في إحتجاجات أمير المؤمنين (عليه السلام)على المهاجرين والانصار، هذه الرواية يستشهد بها علماؤنا بل يستدلّون بها في كتبهم الفقهيّة، أقرأ لكم نصّ الرواية:

وروى القاسم بن معاوية قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): هؤلاء ـ أي السنة ـ يروون حديثاً في أنّه لمّا أُسري برسول الله رأى على العرش مكتوباً: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله أبوبكر الصدّيق، فقال (عليه السلام): سبحان الله، غيّروا كلّ شيء حتّى هذا ؟ قلت: نعم، قال (عليه السلام): إنّ الله عزّوجلّ لمّا خلق العرش كتب عليه: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله عليّ أمير المؤمنين، ولمّا خلق الله عزّوجلّ الماء كتب في مجراه: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله علي أمير المؤمنين،


الصفحة 27
ولمّا خلق الله عزّوجلّ الكرسي كتب على قوائمه: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله علي أمير المؤمنين، وهكذا لمّا خلق الله عزّوجلّ اللوح، ولمّا خلق الله عزّوجلّ جبرئيل، ولمّا خلق الله عزّوجلّ الارضين ـ إلى قضايا أُخرى، فقال في الاخير: قال (عليه السلام): ولمّا خلق الله عزّوجلّ القمر كتب عليه: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله علي أمير المؤمنين، وهو السواد الذي ترونه في القمر، فإذا قال أحدكم: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فليقل: علي أمير المؤمنين.

هذه الرواية في كتاب الاحتجاج(1) .

الخبران السابقان كانا نصّين في المطلب، إلاّ أنّي توقّفت عن قبولهما.

هذا الخبر ليس بنصّ، وإنّما يدلّ على استحباب ذكر أمير المؤمنين بعد رسول الله في الاذان، بعمومه وإطلاقه، لانّ الامام (عليه السلام)قال: فإذا قال أحدكم ـ في أيّ مكان، في أيّ مورد، قال أحدكم على إطلاقه وعمومه ـ لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله فليقل: علي أمير المؤمنين، والاذان أحد الموارد، فتكون الرواية هذه منطبقة على الاذان.

____________

(1) الاحتجاج للشيخ أبي منصور الطبرسي: 158.


الصفحة 28
وقد قلنا إنّ في كلّ مورد نحتاج إلى دليل، لا يلزم أن يكون الدليل دليلاً خاصّاً وارداً في ذلك المورد بخصوصه، وهذا الدليل ينطبق على موردنا، وهو الشهادة بولاية أمير المؤمنين في الاذان بعمومه، فمن ناحية الدلالة لا إشكال.

يبقى البحث في ناحية السند، فروايات الاحتجاج مرسلة، ليس لها أسانيد في الاعم الاغلب، صاحب الاحتجاج لا يذكر أسانيد رواياته في هذا الكتاب، وحينئذ من الناحية العلمية لا يتمكّن الفقيه أن يعتمد على مثل هكذا رواية، حتّى يفتي بالاستحباب، لكنْ هنا أمران:

الامر الاوّل:

إنّ الطبرسي يذكر في مقدّمة كتابه يقول: بأنّي وإن لم أذكر أسانيد الروايات، وترونها في الظاهر مرسلة، لكنّ هذه الروايات في الاكثر روايات مجمع عليها، روايات مشهورة بين الاصحاب، معمول بها، ولذلك استغنيت عن ذكر أسانيدها، فيكون هذا الكلام منه شهادة في اعتبار هذه الرواية.

الامر الثاني:

قد ذكرنا في بدء البحث، أنّا لم نجد أحداً من فقهائنا يقول بمنع الشهادة الثالثة في الاذان، حينئذ، يكون علماؤنا قد أفتوا على طبق مفاد هذه الرواية، وإذا كانوا قد عملوا بهذه الرواية حتّى لو كانت مرسلة، فعمل المشهور برواية مرسلة أو


الصفحة 29
ضعيفة يكون جابراً لسند تلك الرواية، ويجعلها رواية معتبرة قابلة للاستنباط والاستدلال في الحكم الشرعي، وهذا مسلك كثير من علمائنا وفقهائنا، فإنّهم إذا رأوا عمل المشهور برواية مرسلة أو ضعيفة، يجعلون عملهم بها جابراً لسند تلك الرواية، وهذا ما يتعلّق بسند رواية الاحتجاج.

مضافاً إلى هذا، فإنّا نجد في روايات أهل السنّة ما يدعم مفاد هذه الرواية، وهذا ممّا يورث الاطمئنان بصدورها عن المعصوم (عليه السلام).

لاحظوا، أقرأ لكم بعض الروايات:

الرواية الاولى:

عن أبي الحمراء، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لمّا أُسري بي إلى السماء، إذا على العرش مكتوب: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله أيّدته بعلي».

هذا على العرش مكتوب، وقد وجدنا في هذه الرواية أيضاً أنّ على العرش مكتوب اسم أمير المؤمنين.


الصفحة 30
هذه الرواية في الشفاء للقاضي عياض(1) ، وفي المناقب لابن المغازلي(2) ، وفي الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشرة(3) ، وفي نظم درر السمطين(4) ، وفي مجمع الزوائد(5) ، وفي الخصائص الكبرى للسيوطي(6) .

هذا الحديث موجود في هذه المصادر وغير هذه المصادر.

فإذا كانت الرواية مقبولة عند المسلمين، عند الطرفين المتخاصمين، أعتقد أنّ الانسان يحصل له وثوق بصدور هذه الرواية.

الرواية الثانية:

ما أخرجه جماعة منهم الطبراني بالاسناد عن جابر بن عبدالله الانصاري، قال: قال رسول الله: «مكتوب على باب الجنّة: محمّد رسول الله علي بن أبي طالب أخو رسول الله، هذا قبل أنْ يخلق الله

____________

(1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 138 ـ ط الاستانة.

(2) مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الواسطي: 39.

(3) الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشرة 2 / 172.

(4) نظم درر السمطين: 120.

(5) مجمع الزوائد 9 / 121.

(6) الخصائص الكبرى 1 / 7، الدر المنثور 4 / 153.


الصفحة 31
السماوات والارض بألفي عام».

هذه رواية الطبراني وغيره، بسند فيه بعض الاكابر وأئمّة الحفاظ، وهي موجودة في غير واحد من المصادر المهمة(1) .

الرواية الثالثة:

عن ابن مسعود، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أتاني ملك فقال: يا محمّد (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا)(2) على ما بعثوا، قلت: على ما بعثوا ؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب».

فالانبياء السابقون بعثوا على ولاية رسول الله وأمير المؤمنين من بعده، أي كلّفوا بإبلاغ هذا الامر إلى أُممهم.

هذا الحديث تجدونه في كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري(3) وقد وثّق راويه، وأيضاً هو في تفسير الثعلبي بتفسير الاية المباركة، ورواه أيضاً أبو نعيم الاصفهاني في كتاب منقبة المطهّرين، وغيرهم من الحفّاظ.

____________

(1) كنز العمال 11: 624، المناقب للخوارزمي: 87.

(2) سورة الزخرف: 45.

(3) معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري صاحب المستدرك: 96.


الصفحة 32

الرواية الرابعة:

عن حذيفة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لو علم الناس متى سمّي علي أمير المؤمنين ما أنكروا فضله، سمّي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد، قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)(1) قالت الملائكة: بلى، فقال: أنا ربّكم، محمّد نبيّكم، علي أميركم».

فهذا ميثاق أخذه الله سبحانه وتعالى.

والرواية في فردوس الاخبار للديلمي(2) .

ذكرت هذه الروايات من كتب السنّة، لتكون مؤيّدة لرواية الاحتجاج، بعد البحث عن سندها ودلالتها.

نرجع إلى أصل المطلب:

قال الشيخ الطوسي رحمه الله في كتاب النهاية في الفتوى: فأمّا ما روي في شواذ الاخبار من القول إنّ عليّاً ولي الله وآل محمّد خير البريّة، فممّا لا يعمل عليه في الاذان والاقامة، فمن عمل به كان مخطئاً.

____________

(1) سورة الاعراف: 172.

(2) فردوس الاخبار للديلمي 3/399.


الصفحة 33
هذه عبارته في النهاية(1) .

وماذا نفهم من هذه العبارة ؟ أنّ هناك بعض الروايات الشاذة تقول بأنّ الشهادة بولاية أمير المؤمنين من الاذان، لكنّ الشيخ يقول: هذا ممّا لا يعمل عليه، ثمّ يقول: فمن عمل به كان مخطئاً.

إذن، عندنا روايات أو رواية شاذة تدلّ على هذا المعنى، لكنّ الشيخ يقول لا نعمل بها، الشاذ من الروايات في علم دراية الحديث، لو تراجعون الكتب التي تعرّف الشاذ من الاخبار والشذوذ، يقولون الشاذ من الخبر هو الخبر الصحيح الذي جاء في مقابل أخبار صحيحة وأخذ العلماء بتلك الاخبار، فهو صحيح سنداً لكنّ العلماء لم يعملوا بهذا الخبر، وعملوا بالخبر المقابل له، وهذا نصّ عبارة الشيخ، ممّا لا يعمل عليه.

إذن، عندنا رواية معتبرة تدلّ على هذا، والشيخ الطوسي لا يعمل، يقول: ممّا لا يعمل عليه، ثمّ يقول: فمن عمل به كان مخطئاً.

ومقصوده من هذا: أنّ الرواية تدلّ على الجزئيّة بمعنى وجوب الاتيان، وهذا ممّا لا عمل عليه.

هذا صحيح، وبحثنا الان في الجزئيّة المستحبّة.

ولاحظوا عبارته في كتابه الاخر، أي في كتاب المبسوط،

____________

(1) النهاية في مجرّد الفتوى: 69.


الصفحة 34
يقول في المبسوط الذي ألّفه بعد النهاية يقول هناك: فأمّا قول أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين وآل محمّد خير البريّة على ما ورد في شواذ الاخبار، فليس بمعوّل عليه في الاذان، ولو فعله الانسان لم يأثم به(1) .

فلو كان الخبر ضعيفاً أو مؤدّاه باطلاً لم يقل الشيخ لم يأثم به.

معنى هذا الكلام أنّ السند معتبر، والعمل به بقصد الجزئيّة الواجبة لا يجوز، وأمّا بقصد الجزئيّة المستحبّة فلا إثم فيه، لم يأثم به، غير أنّه ليس من فصول الاذان.

فهذه إذن رواية صحيحة، غير أنّهم لا يعملون بها بقصد الجزئية الواجبة، هذا صحيح، وبحثنا في الجزئيّة المستحبّة.

رواية أُخرى في غاية المرام: عن علي بن بابويه الصدوق، عن البرقي، عن فيض بن المختار ـ هذا ثقة والبرقي ثقة، وابن بابويه معروف ـ عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، عن أبيه، عن جدّه رسول الله، في حديث طويل، قال: «يا علي ما أكرمني بكرامة ـ أي الله سبحانه وتعالى ـ إلاّ أكرمك بمثلها».

الروايات السابقة التي رويناها عن الشيخ الطوسي وغير الشيخ الطوسي تكون نصّاً في المسألة، لكن هذه الرواية التي

____________

(1) المبسوط في فقه الاماميّة 1 / 99.


الصفحة 35
قرأتها الان تدل بالعموم والاطلاق، لانّ ذكر رسول الله في الاذان من إكرام الله سبحانه وتعالى لرسول الله، من جملة إكرام الله سبحانه وتعالى لرسوله أنْ جعل الشهادة بالرسالة في الاذان «وما أكرمني بكرامة إلاّ أكرمك بمثلها»، فتكون النتيجة: إكرام الله سبحانه وتعالى عليّاً بذكره والشهادة بولايته في الاذان.

وسأذكر لكم بعض النصوص المؤيدة من كتب السنّة أيضاً.

رواية أُخرى يرويها السيد نعمة الله الجزائري المحدّث، عن شيخه المجلسي، مرفوعاً، هذه الرواية مرفوعة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا علي إنّي طلبت من الله أنْ يذكرك في كلّ مورد يذكرني فأجابني واستجاب لي».

في كلّ مورد يذكر رسول الله يذكر علي معه، والاذان من جملة الموارد، ويمكن الاستدلال بهذه الرواية.

ومن شواهدها من كتب السنّة:

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: «ما سألت ربّي شيئاً في صلاتي إلاّ أعطاني، وما سألت لنفسي شيئاً إلاّ سألت لك».

هذا في الخصائص(1) للنسائي، وفي مجمع الزوائد(2) ،

____________

(1) خصائص علي: 262 ط المحمودي.

(2) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9/110.


الصفحة 36
وفي الرياض النضرة(1) ، وفي كنز العمال(2) .

حديث آخر: «أحبّ لك ما أحبّ لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي».

هذا في صحيح الترمذي(3) .

ومن الروايات: ما يرويه الشيخ الصدوق في أماليه، بسنده عن الصادق (عليه السلام)، قال: إنّا أوّل أهل بيت نوّه الله بأسمائنا، إنّه لمّا خلق الله السماوات والارض أمر منادياً فنادى: أشهد أنْ لا إله إلاّ الله ـ ثلاثاً ـ وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ـ ثلاثا ـ وأشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً حقّاً(4) .

في الشهادة بولاية أمير المؤمنين توجد كلمة حقّاً حقّاً، وهذا إنّما هو لدفع المخالفين دفعاً دفعاً !!

وفي البحار، عن الكليني رحمه الله في كتاب الروضة، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قال لا إله إلاّ الله تفتّحت له أبواب السماء، ومن تلاها بمحمّد رسول الله تهلّل وجه الحق

____________

(1) الرياض النضرة في مناقب العشرة 2/213.

(2) كنز العمال 13/113.

(3) صحيح الترمذي 2 / 79 ط الصاوي بمصر.

(4) الامالي للشيخ الصدوق: 701.


الصفحة 37
واستبشر بذلك، ومن تلاها بعلي ولى الله غفر الله له ذنوبه ولو كانت بعدد قطر المطر»(1) .

وفي رواية ـ وهذه الرواية عجيبة إنصافاً ـ إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد أنْ وضعوا فاطمة بنت أسد في القبر، لقّنها بنفسه، فكان ممّا لقّنها به ولاية علي بن أبي طالب ولدها.

هذا في خصائص أمير المؤمنين(2) للشريف الرضي، وفي الامالي(3) للصدوق.

وأرى أنّ هذا الخبر هو قطعي، هذا باعتقادي، وحتّى فاطمة بنت أسد يجب أن تكون معتقدة بولاية أمير المؤمنين وشاهدة بذلك وتسأل عن ذلك أيضاً.

هذه بعض الروايات التي يستدلّ بها أصحابنا في هذه المسألة، منها ما هو نص وارد في خصوص المسألة، ومنها ما هو عام ومطلق، وهناك روايات كثيرة عن طرق أهل السنّة في مصادرهم المعتبرة تعضد هذه الروايات وتؤيّدها وتقويها في سندها ودلالاتها.

____________

(1) بحار الانوار 38/318.

(2) خصائص أمير المؤمنين للشريف الرضي: 35.

(3) الامالي للشيخ الصدوق: 391.


الصفحة 38
وحينئذ نقول بأنّ هذه الروايات إنْ كانت دالّة على استحباب الشهادة بولاية أمير المؤمنين في الاذان ـ إمّا بالنصّ، وإمّا بانطباق الكبريات والاطلاقات على المورد، ونستدلّ عن هذا الطريق ونفتي ـ فبها، ولو تأمّل متأمّل ولم يوافق، لا على ما ورد نصّاً، ولا على ما ورد عامّاً ومطلقاً، فحينئذ يأتي دور الطريق الاتي.


الصفحة 39

الصفحة 40

الاستدلال بقاعدة التسامح في أدلّة السنن

ما روي من أن من بلغه ثواب على عمل فعمله رجاء ذلك الثواب كتب له وإن لم يكن الامر كما بلغه.

وهذا لا إشكال فيه قطعاً على مبنى المشهور بين أصحابنا، لانّ أصحابنا وكبار فقهائنا منذ قديم الايام يستخرجون من هذه الروايات قاعدة التسامح في أدلّه السنن، ويفتون على أساس هذه القاعدة باستحباب كثير من الاُمور.

نعم نجد بعض مشايخنا وأساتذة مشايخنا كالسيد الخوئي رحمة الله عليه، هؤلاء يستشكلون في هذا الاستدلال، أي استخراج واستنباط القاعدة من هذه الروايات، ويقولون بأنّ هذه الروايات لا تدلّ على قاعدة التسامح في أدلّة السنن، وإنّما تدل هذه الروايات على أنّ الانسان إذا أتى بذلك العمل برجاء حصول


الصفحة 41
الثواب الخاص يعطى ذلك الثواب، وإن لم يكن رسول الله قاله، فحينئذ يأتي بهذا العمل برجاء المطلوبيّة.

فليكنْ، أيضاً نفتي بحسن الشهادة الثالثة في الاذان من باب رجاء المطلوبيّة.

إلاّ أنّ هذا القول قول مشايخنا وأساتذتنا وأساتذة أساتذتنا، هؤلاء المحققين المتأخرين، وإلاّ فالمشهور بين الاصحاب هو العمل بقاعدة التسامح بأدلّة السنن، وعلى أساس هذه القاعدة يفتون باستحباب كثير من الاُمور.


الصفحة 42

خاتمة البحث

فائدة صغيرة:

وهنا فائدة صغيرة، أذكرها لكم، جاء في السيرة الحلبيّة ما نصّه: وعن أبي يوسف [ أبو يوسف هذا تلميذ أبي حنيفة إمام الحنفيّة ]: لا أرى بأساً أن يقول المؤذّن في أذانه: السلام عليك أيّها الامير ورحمة الله وبركاته، يقصد خليفة الوقت أيّاً كان ذلك الخليفة.

لاحظوا بقيّة النصّ: لا أرى بأساً أن يقول المؤذّن السلام عليك أيّها الامير ورحمة الله وبركاته، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، الصلاة يرحمك الله.

ولذا كان مؤذّن عمر بن عبدالعزيز يفعله ويخاطب عمر بن عبدالعزيز في الاذان الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، السلام عليكم يا أيّها الامير ورحمة الله وبركاته حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، لا أرى بأساً في هذا.


الصفحة 43
فإذا لم يكن بأس في أنْ يخاطب المؤذّن خليفة الوقت وأمير مؤمنينهم في الاذان بهذا الخطاب، فالشهادة بولاية أمير المؤمنين حقّاً لا أرى أن يكون فيها أيّ بأس، بل إنّه من أحبّ الاُمور إلى الله سبحانه وتعالى، ولو تجرّأنا وأفتينا بالجزئيّة الواجبة فنحن حينئذ ربّما نكون في سعة، لكنّ هذا القول أعرض عنه المشهور، وكان ممّا لا يعمل به بين أصحابنا.

تصرفات أهل السنة في الاذان:

وأمّا أهل السنّة، فعندهم تصرّفان في الاذان:

التصرف الاول: حذف «حيّ على خير العمل».

التصرف الثاني: إضافة «الصلاة خير من النوم».

ولم يقم دليلٌ عليهما.

هذا في شرح التجريد للقوشچي الاشعري(1) ، وأرسله إرسال المسلّم، وجعل يدافع عنه، كما أنّه يدافع عن المتعتين.

فمن هذا يظهر أنّ «حيّ على خير العمل» كان من صلب الاذان في زمن رسول الله، وعمر منع عنه كالمتعتين.

____________

(1) شرح التجريد للقوشچي، مبحث الامامة.


الصفحة 44
ويدلّ على وجود «حيّ على خير العمل» في الاذان في زمن رسول الله وبعد زمنه: الحديث في كنز العمّال، كتاب الصلاة(1) عن الطبراني: كان بلال يؤذّن في الصبح فيقول: حيّ على خير العمل.

وكذا هو في السيرة الحلبيّة(2) ، وذكر أنّ عبدالله بن عمر والامام السجّاد (عليه السلام) كانا يقولان في أذانهما حيّ على خير العمل.

وأمّا «الصلاة خير من النوم» فعندهم روايات كثيرة على أنّها بدعة، فراجعوا(3) .

الشهادة بالولاية شعار المذهب:

بعد أن أثبتنا الجزئيّة الاستحبابيّة للشهادة الثالثة في الاذان، فلا يقولنّ أحد أنّ هذه الشهادة في الاذان إذا كانت مستحبّة، والمستحب يترك، ولا مانع من ترك المستحب، فحينئذ نترك هذا الشيء.

هذا التوهّم في غير محلّه.

____________

(1) كنز العمال 8 / 342.

(2) السيرة الحلبية 2/305.

(3) كنز العمال 8 / 356 ـ 357.


الصفحة 45
لانّ هذا الامر والعمل الاستحبابي، أصبح شعاراً للشيعة، ومن هنا أفتى بعض كبار فقهائنا كالسيد الحكيم رحمة الله عليه في كتاب المستمسك بوجوب الشهادة الثالثة في الاذان، بلحاظ أنّه شعار للمذهب، وتركه يضرّ بالمذهب، وهذا واضح، لانّ كلّ شيء أصبح شعاراً للمذهب فلابدّ وأن يحافظ عليه، لانّ المحافظة عليه محافظة على المذهب، وكلّ شيء أصبح شعاراً لهذا المذهب فقد حاربه المخالفون لهذا المذهب بالقول والفعل.

وكم من نظير لهذا الامر، فكثير من الاُمور يعترفون بكونها من صلب الشريعة المقدّسة، إلاّ أنّهم في نفس الوقت يعترفون بأنّ هذا الشيء لمّا أصبح شعاراً للشيعة فلابدّ وأنْ يترك، لانّه شعار للشيعة، مع اعترافهم بكونه من الشريعة بالذات.

أقرأ لكم بعض الموارد بسرعة:

في كتاب الوجيز للغزّالي في الفقه، وهكذا في شرح الوجيز وهو فتح العزيز في شرح الوجيز في الفقه الشافعي، هناك ينصّون على أنّ تسطيح القبر أفضل من تسنيمه، إلاّ أنّ التسطيح لمّا أصبح شعاراً للشيعة فلابدّ وأن يترك هذا العمل.

ونصّ العبارة: وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر: رأيت قبور النبي وأبي بكر وعمر مسطّحة، وقال ابن أبي هريرة: إنّ الافضل


الصفحة 46
الان العدول من التسطيح إلى التسنيم، لانّ التسطيح صار شعاراً للروافض، فالاولى مخالفتهم(1) .

وأيضاً: عن الزمخشري في تفسيره، بتفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ)(2) ، يقول: إنّ مقتضى الاية جواز الصلاة على آحاد المسلمين، هذا تصريح الزمخشري في تفسيره، لكن لمّا اتّخذت الرافضة ذلك في أئمّتهم منعناه.

فنحن نقول: صلّى الله عليك يا أمير المؤمنين، وكذا غير أمير المؤمنين من الائمّة، حينما نقول هذا فهو شيء يدلّ عليه الكتاب يقول: إلاّ أنّ الشيعة لمّا اتّخذت هذا لائمّتهم منعناه.

في مسألة التختم باليمين، ينصّون على أنّ السنّة النبويّة أنْ يتختّم الرجل باليمين، لكنّ الشيعة لمّا اتّخذت التختم باليمين شعاراً لهم، أصبحوا يلتزمون بالتختم باليسار.

نصّ العبارة: أوّل من اتخذ التختم باليسار خلاف السنّة هو معاوية(3) .

وبالنسبة إلى السلام على غير الانبياء يقول ابن حجر في فتح

____________

(1) فتح العزيز في شرح الوجيز، ط مع المجموع للنووي 5/229.

(2) سورة الاحزاب: 43.

(3) ربيع الابرار 4/24.


الصفحة 47
الباري ـ لاحظوا هذه العبارة ـ: تنبيه: اختلف في السلام على غير الانبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحيّة الحي، فقيل يشرع مطلقاً، وقيل: بل تبعاً ولا يفرد لواحد لكونه صار شعاراً للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ أبي محمّد الجويني(1) .

في السنّة في العمامة، في كيفيّة لفّ العمامة، السنّة أن تلف العمامة كما كان يلفّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هذا تطبيق السنّة، يقولون: وصار اليوم شعاراً لفقهاء الاماميّة، فينبغي تجنّبه لترك التشبّه بهم(2) .

ثمّ إنّ الغرض من مخالفة السنّة النبويّة في جميع هذه المواضع هو بغض أمير المؤمنين، المحافظ عليها والمروّج لها، وقد جاء التصريح بهذا في بعض تلك المواضع، كقضيّة ترك التلبية.

لاحظوا نصّ العبارة: فقد أخرج النسائي والبيهقي عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عبّاس بعرفة، فقال: يا سعيد مالي لا أسمع الناس يلبّون ؟ فقلت: يخافون، فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبّيك اللهمّ لبّيك وإنْ رغم أنف معاوية، اللهمّ العنهم فقد تركوا

____________

(1) فتح الباري في شرح البخاري 11/142.

(2) شرح المواهب اللدنيّة 5/13.


الصفحة 48
السنّة من بغض علي(1) .

قال السندي في تعليق النسائي: أي لاجل بغضه، أي وهو كان يتقيّد بالسنن، فهؤلاء تركوها بغضاً له.

فإذا كان الشيء من السنّة، ثمّ أصبح لكونه من السنّة شعاراً للشيعة، يلتزمون بمخالفة ذلك الشعار لكونه شعاراً للشيعة، مع اعترافهم بكونه من السنّة.

وهكذا يكون إنكار الشهادة الثالثة محاربة للشيعة والتشيّع، لانّ الشهادة الثالثة شعار التشيّع والشيعة، ويكون خدمة لغير الشيعة، ويكون متابعة لما عليه غيرالاماميّة في محاربتهم للشعائر.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

____________

(1) سنن النسائي 5 / 253، سنن البيهقي 5 / 113.