الفصل الأول

قبسات من نور

 

* الأمم المتحدة وتكريمها لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بسبب منهجه السياسي العادل، وسيرته الصالحة...

* فضائل الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في روايات الفريقين...

* اتخاذ الإمام عليّ (ع) مرتكزاً للوحدة بين المسلمين سنة وشيعة، لا مجالاً للتفرقة والتشرذم...

* مؤامرة (الولايات المتحدة) لتفتيت المسلمين في النظام الدولي الجديد، واستغلال التفرقة بين السنة والشيعة لضرب الإسلام...

 

 

* الأمم المتحدة وتكريمها لأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بسبب منهجه السياسي العادل، وسيرته الصالحة

تكريماً لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام أصدرت الأمم المتحدة، في العام 2002، تقريراً باللغة الإنكليزية بمائة وستين صفحة، أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخاص بحقوق الإنسان وتحسين البيئة والمعيشة والتعليم، حيث تم فيه اتخاذ الإمام عليّ (ع) من قِبَل المجتمع الدولي شخصيةً متميزة، ومثلاً أعلى في إشاعة العدالة، والرأي الآخر، واحترام حقوق الناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين، وتطوير المعرفة والعلوم، وتأسيس الدولة على أسس التسامح والخير والتعددية، وعدم خنق الحريات العامة.

وقد تضمن التقرير مقتطفات من وصايا أمير المؤمنين عليه السلام الموجودة في نهج البلاغة، التي يوصي بها عماله، وقادة جنده، حيث يذكر التقرير أنَّ هذه الوصايا الرائعة تعد مفخرة لنشر العدالة، وتطوير المعرفة، واحترام حقوق الإنسان .

وشدد التقرير الدولي على أن تأخذ الدول العربية بهذه الوصايا في برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، لأنها (لا تزال بعيدة عن عالم الديمقراطية، ومنع تمثيل السكان، وعدم مشاركة المرأة في شؤون الحياة، وبعيدة عن التطور وأساليب المعرفة).

والملاحظ أنَّ التقرير المذكور قد وزع على جميع دول الأمم المتحدة، حيث اشتمل على منهجية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في السياسة والحكم، وإدارة البلاد، والمشورة بين الحاكم والمحكوم، ومحاربة الفساد الإداري والمالي، وتحقيق مصالح الناس، وعدم الاعتداء على حقوقهم المشروعة .

وتضمن التقرير الدولي أيضاً شروط الإمام عليّ (ع) للحاكم الصالح، التي وردت في نهج البلاغة، وفيها يقول (ع): (إنَّ من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، فمعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ).

واقتبس التقرير الدولي مقاطع من وصايا أمير المؤمنين عليه السلام لعامله على مصر مالك الأشتر، التي يؤكد فيها على استصلاح الأراضي والتنمية ويقول: (وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأنَّ ذلك لايدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً )(10).

وورد في التقرير الدولي أيضاً أساليب الإمام عليّ عليه السلام في محاربة الجهل والأمية، وتطوير المعرفة، ومجالسة العلماء، حيث يقول لأحد عماله: (وأكثر من مدارسة العلماء، ومنافسة الحكماء في تثبيت ماصلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك)(11).

ومن شروط الحاكم العادل أخذ التقرير الدولي قول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام الذي قال فيه: (ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ؛ وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم في الحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم؛ ممن لايزدهيه إطراء، و لا يستميله إغراء، وأولئك قليلون، ثم أكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظراً بليغاً )(12).

إنَّ هذا التقرير يبين أنَّ علياً بن أبي طالب (ع) يعد مفخرة يحار الإنسان إلى أي جانب منها يشير. وكيف لا ؟ وهو قد تربى على صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان مما أنعم الله عزوجل به على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنه كان في حجر رسول الله (ص)(13)، وكان أول ذكر من الناس آمن برسول الله، وصلى معه وصدق بماجاءه من الله تعالى (14).

 

* فضائل الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في روايات الفريقين:

وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه عن حبشي بن جنادة، قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (عليّ مني، وأنا من عليّ )(15).

نشأ عليه السلام وترعرع والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتهجد على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام، لم يُفارق الرسول في حياته، وبمجرد أن فتح عينيه على هذه الحياة فإنَّ شفتيه لهجتا بذكر الله عزوجل، وقلبه استحضر الله سبحانه وتعالى .

وقد ذكر ابن اسحاق بأنَّ علياً عليه السلام كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(16)، وأورد أهل العلم أنَّ رسول الله (ص) كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه عليّ بن أبي طالب فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا.

فمكثا كذلك ماشاء الله أن يمكثا، فعثر عليهما أبو طالب يوماً وهما يصليان، فقال لرسول الله (ص): يابن أخي ماهذا الدين الذي أراك تدين به؟

قال: أي عم هذا دين الله ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم(17).

وذُكر أيضاً أنَّ أبا طالب قال لولده عليّ (ع): أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه؟

فقال: يا أبت، آمنت بالله وبرسول الله، وصدقته بما جاء به وصليت معه لله واتبعته.

فقال أبو طالب له: أما أنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه(18).

وروى السيوطي في (تاريخ الخلفاء) بأنَّ: الإمام أحمد بن حنبل قال: ماورد لأحد من أصحاب رسول صلى الله عليه وآله وسلم من الفضائل ما ورد لعليّ رضي الله عنه(19).

ومع ما له من الفضائل عليه السلام فإنَّ نسبه الشريف يرجع إلى شجرة طيبة، تبدأ بأبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة، بن هاشم، واسمه عمرو، بن عبد مناف، واسمه المغيرة، بن قصي، واسمه زيد، بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر ابن كنانة. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم أول هاشمية ولدت هاشمياً، أسلمت وهاجرت(20). وهو أول خليفة أبواه هاشميان(21)، وهو (وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخليفته الإمام العادل والسيد المرشد والصديق الأكبر سيد الوصيين، كنيته أبو الحسن عليه السلام، ولد بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من رجب، بعد عام الفيل بثلاثين سنة )(22).

وروى السيوطي في تاريخ الخلفاء عن عليّ عليه السلام أنه قال: (بُعِثَ رسول الله عليه الصلاة والسلام يوم الإثنين وأسلمت يوم الثلاثاء )(23).

وذكر الطبري في تاريخه أنَّ قريشاً أرادت قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأتى جبريل رسول الله (ص) فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.

فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه (ص) فترصدوه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله (ص) مكانهم قال لعليّ: نم على فراشي واتشح ببردي الحضرمي الأخضر(24).

وخرج الرسول الكريم (ص) دون أن يروه، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ماتنتظرون ههنا. قالوا: محمداً. قال: خيبكم الله قد خرج عليكم محمد ثم ماترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته. ثم جعلوا ينظرون فشاهدوا علياً على الفراش متسجياً ببرد رسول الله (ص )(25).

قال ابن اسحاق(26): وكان مما أنزل الله عزوجل من القرآن في ذلك اليوم: (وإذ يمكُرُ بِكَ الذِينَ كَفَرُوا لِيُثبتُوكَ أو يَقتُلُوكَ أو يُخرِجُوكَ ويَمكُرُونَ وَيَمكُرُ الله والله خيُر الماكِرِينَ )(27)، وقول الله عزوجل: (أم يَقُولُونَ شَاعِر نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ المنونِ قُل تَرَبَّصُوا فإنّي مَعَكُم مِنَ المترَبِصِينَ )(28).

وذكر أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب: لقد أعطي عليّ ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم، فسئل وماهن ؟ قال: تزوجه ابنته فاطمة، وسكناه المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر(29).

وروى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يوم خيبر: (لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله )(30).

فقال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. فدعا رسول الله (ص) علياً بن أبي طالب، وأعطاه إياها وقال: (امش. ولا تلتفت. حتى يفتح الله عليك )(31).

وأخرج الترمذي، والحاكم وصححه، عن بريده قال: قال رسول الله (ص): (إنَّ الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم، قيل: يارسول الله سمهم لنا، قال: عليّ منهم ـ يقول ذلك ثلاثاً ـ وأبو ذر، والمقداد، وسلمان )(32).

وروى مسلم عن عليّ قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليَّ لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق(33).

وأخرج الطبراني والحاكم عن ابن مسعود أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (النظر إلى عليّ عبادة ). وأخرجه الطبراني والحاكم أيضاً من حديث عمران بن حصين، وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي بكر، وعثمان بن عفان، ومعاذ بن جبل، وأنس، وثوبان، وجابر بن عبد الله، وعائشة (34).

وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: (نَدعُ أبناءنا وأبناءكم) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً، فقال: (اللهم هؤلاء أهلي )(35).

وذكر ابن الأثير في تاريخه أنَّ: نصارى نجران أرسلوا العاقب والسيد في نفر إلى رسول الله (ص) وأرادوا مباهلته، فخرج الرسول الكريم (ص) ومعه عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، فلما رأوهم قالوا: هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها ولم يباهلوه وصالحوه، فجعل لهم رسول الله ذمة الله وعهده أن لا يفتنوا عن دينهم، وشرط عليهم أن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به(36).

وأضاف الشيخ جعفر السبحاني نقلاً عن الكشاف للزمخشري بأنَّ: وفد نجران كانوا يتحادثون فطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومعه وجوه روحانية نيرة، فأخذ ينظر بعضهم إلى بعض بتعجب ودهشة، من خروج الرسول الكريم عليهم بابنته فاطمة الزهراء عليها السلام، وزوجها عليّ بن أبي طالب، وولديها الحسن والحسين.

فقال أسقف نجران: يامعشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة (37).

وأخرج مسلم في صحيحه(38) عن عائشة: أنَّ رسول الله خرج يوم المباهلة وعليه مرط مرجل (كساء) من شعر أسود، فجاء الحسن فادخله ثم جاء الحسين فادخله، ثم فاطمة، ثم عليّ، ثم قال: (إنما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِجسَ أهلَ البيتِ ويُطَهرَكُم تَطهِيراً )(39).

ويعلق الزمخشري عن ذلك بقوله: وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء، وفيه برهان على صحة نبوة النبي (ص )(40).

وذكر المؤرخون أنَّ وفد نجران طلبوا العهد والأمان من الرسول (ص) فأجابهم لذلك(41)، وكتب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بأمر النبي (ص) عهداً، يعتبر مع صحيفة المدينة المنورة التي كتبها رسول الله (ص) لموادعة يهود المدينة(42) أحد أسس القانون الدولي الإسلامي، وهذا ما تناولته بالتفصيل في رسالتي لنيل شهادة الماجستير في القانون، والمعنونة (رؤية إسلامية للقانون الدولي العام ).

هذه المكانة المتميزة لأهل البيت عليهم السلام، ومنهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، جعلت قلوب الناس تهفوا إليهم، لأنهم الامتداد الطبيعي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد روي عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: قال رسول الله (ص) لعليّ (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي ).

قال سعيد: فاحببت أن أشافه بها سعداً، فلقيت سعداً، فحدثته بما حدثني عامر. فقال: أنا سمعته. فقلت: أنت سمعته ؟ فوضع إصبعه على أذنيه فقال: نعم، وإلا فاستَكَّتا(43).

وذكر الترمذي عن أبي سريحة، أو زيد بن أرقم، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه ). وأخرجه أحمد عن عليّ، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن أرقم، وأبو يعلى عن أبي هريرة، والطبراني عن ابن عمر، ومالك بن الحويرث، وحبشي بن جنادة، وجرير، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وأنس، وفي أكثرها زيادة: (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه )(44).

وعن أبي طفيل قال: جمع عليّ الناس سنة خمس وثلاثين في الرحبة، ثم قال لهم: أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول يوم غدير خم ماقال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، فشهدوا أنَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه )(45).

وروى مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (ص) يوماً فينا خطيباً، بماء يدعى خماً، بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وَذَكر، ثم قال (أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله. واستمسكوا به) فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال (وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ).

فقال حصين لزيد بن أرقم: ومن أهل بيته ؟ يازيد أليس نساؤه من أهل بيته؟

فأجاب زيد: أهل بيته من حرم الصدقه بعده.

فاستدرك الحصين قائلاً: ومن هم ؟

قال زيد: هم آل عليّ (46).

وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نعرف المنافقين ببغضهم علياً(47).

إنَّ أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب كان قرآناً يمشي على الأرض، كان شامخاً بمبادئ الإسلام، ولذا كان عظيماً بعلمه وفضله وسيرته وجوده وعدله وشجاعته وعبادته وجميع خصاله.

يقول المؤرخون عن جوده أنه عليه السلام لم يبق معه غير أربعة دراهم، تصدق بواحدة سراً والأخرى جهاراً، وبواحدة ليلاً والأخرى نهاراً، فنزلت الآية المباركة من قوله تعالى(48):(الذين يُنفقُون أموالَهُم بالليلِِ وَالنّهارِِ سِرّاً وَعَلانيةً فَلهُم أجرُهُم عِندَ رَبهم وَلا خَوفٌ عَلَيهم وَلا هُم يَحزَنُون)(49). كان يجود بقرصه، يجود برغيفه، يجود ويبيت طاوياً .

وفي الدر المنثور: أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس أنَّ آية: (الذين ينفقون) نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام(50).

وقد اتفق المفسرون على أنَّ قوله تعالى:(ويُطعمونَ الطعامَ على حُبهِ مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نُطعمُكُم لوجهِ اللهِ)(51) قد نزل في عليّ بن أبي طالب عليه السلام وأهل بيته(52).

كان عليّ (ع) القرآن الناطق الذي يمشي على الأرض في مبادئه وأخلاقه وسيرته ونهجه، وقد أخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة قالت: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ؛ لا يفترقان حتى يردا علي الحوض )(53).

وروي أنه لما نزلت آية: (لِنجعَلَهَا لَكُم تذكرةً وتَعيَها أذُن واعية)(54) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اجعلها أذن عليّ )(55).

ويعلق البحراني في شرحه لنهج البلاغة على ذلك بقوله: (لا شك أنَّ الرسول (ص) كان مجاب الدعوة ولذلك قال عليّ: (فما شككت في شيء سمعته بعد ذلك). وذلك من أعظم الفضائل )(56).

وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن أبن عباس قال:ماأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا) إلا وعلي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب رسول الله (ص) في غير مكان وما ذكر علياً إلا بخير(57). وروى ابن عساكر عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في عليّ (58). وعن ابن عباس أيضاً قال: نزلت في عليّ ثلثمائة آية(59).

ولذا كان هذا الرجل عليه السلام في علمه مرجعاً لكل الصحابة، الذين لجأوا إلى رأيه إذا ادلهمت عليهم الدنيا. فأول حادثة حدثت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي حادثة شرب الخمر ومقدار حدها، حيث جيء برجل ادعى أنه لم يعرف بآية شرب الخمر، فالتفت عمر بن الخطاب إلى الصحابة طالباً منهم المشورة فيه، فقالوا جميعاً: والله لا نعلم.

فقال عمر قولته المشهورة: معضلة ليس لها إلا أبو الحسن(60) .

ثم أقبل أبو الحسن شامخاً بعلمه، شامخاً برأي القرآن وقال: خذوا بيده طوفوا به على مجالس المهاجرين والأنصار، واسألوهم هل قرأ عليه أحد آية تحريم الخمر .

أخذوا بيده وطافوا به ثم قالوا: لا.

فأمر عليه السلام بإطلاق سراحه، عندها التفت الصحابة إلى أمير المؤمنين عليه السلام طالبين منه مقدار حد شرب الخمر، فقال: ثمانون.

لأنَّ حد المفتري ثمانون وشارب الخمر عندما يشرب الخمر يهذي ويفتري، وهو من أروع الاستنتاجات العلمية لأمير المؤمنين عليه السلام، ومن هنا سار الصحابة على مقدار هذا الحد، لأنَّ هذا الحد لم يذكر لا في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية الشريفة.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، والترمذي والحاكم عن عليّ قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أنا مدينة العلم، وعليّ بابها )(61).

وأخرج ابن سعد عن عليّ أنه قيل له: مالك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً ؟ قال: إني كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكت ابتدأني(62). وقد قال عمر بن الخطاب في حق عليّ عليه السلام: (عليّ أقضانا )(63).

وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أفرض أهل المدينة وأقضاها عليّ بن أبي طالب. وأخرج عن عائشة أنَّ علياً ذُكر عندها، فقالت: أما إنه أعلم من بقى بالسنة. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: إذا حدثنا ثقة عن عليّ بفتيا لانعدوها. وقال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: كان لعليّ ماشئت من ضرس قاطع في العلم، وكان له البسطة في العشيرة، والقدم في الإسلام، والعهد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والفقه في السنة، والنجدة في الحرب، والجود في المال(64).

كان مسجده (ع) في الكوفة، كمسجد رسول الله (ص) في حلقات الدرس والعلم، وسماع ضجة من يقرأ القرآن فيه، وقد ذُكر في كنز العمال عن كليب بن وائل بأنه قال: كنت مع عليّ، فسمع ضجتهم في المسجد يقرؤون القرآن فقال: طوبى لهؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله (ص )(65).

وعن أبي الطفيل، قال: قال عليّ: سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل. وأخرج ابن سعد عن عليّ: قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إنَّ ربي وهب لي قلباً عقولاً، ولساناً صادقاً ناطقاً(66).

أما عدله عليه السلام الذي ركز التقرير الدولي للأمم المتحدة على جوانب ناصعة منه، فقد كان نموذجاً في حفظ حقوق الناس وأموالهم، وقدوة في المساواة بين الناس مسلمين وغير مسلمين .

وقد أخرج البيهقي وابن عساكر عن كليب قال: (قدم على عليّ رضي الله عنه مال من اصبهان، فقسمه على سبعة أسهم، فوجد فيه رغيفاً فكسره على سبعة وجعل على كل قسم منها كسرة، ثم دعا أمراء الأسباع فاقرع بينهم لينظر أيهم يعطي أولاً )(67).

وأخرج البيهقي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده قال: أتت علياً رضي الله عنه امرأتان تسألانه عربية ومولاة لها. فأمر لكل واحدة منهما بكر من طعام، وأربعين درهماً، أربعين درهماً. فأخذت المولاة الذي أعطيت وذهبت. وقالت العربية: يا أمير المؤمنين تعطيني مثل الذي أعطيت هذه وأنا عربية وهي مولاة ؟

قال لها عليّ (ع): إني نظرت في كتاب الله عزوجل فلم أر فيه فضلاً لولد إسماعيل على ولد إسحاق عليهما الصلاة والسلام(68).

وأخرج الدينوري، وابن عساكر عن معاجز العامري قال: كتب عليّ بن أبي طالب عهداً لبعض أصحابه على بلد فيه: (أما بعد فلا تطولن حجابك على رعيتك، فإنَّ احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم من الأمور، والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل ؛ وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور وليست على القول سمات يعرف بها صروف الصدق من الكذب فيحصن من الإدخال في حقوق بلين الحجاب. فإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق فتقيم احتجابك من حق تعطيه أو خلق كريم تسديه وإما مبتلي بالمنع، فما أسرع كف الناس عنك )(69).

وروى البيهقي أنَّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام أوصى أحد عماله خيراً بالناس قائلاً له: لا تبيعن لهم رزقاً ولا كسوة شتاءً ولا صيفاً، ولا دابة يعتملون عليها، ولا تقم رجلاً قائماً في طلب درهم .

فقال عامله: يا أمير المؤمنين إذاً أرجع إليك كما ذهبت من عندك ؟

قال (ع): وإن رجعت كما ذهبت، ويحك إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو(70).

وقد ورد عن السيوطي في تاريخ الخلفاء عن مجمع أنَّ علياً كان يكنس بيت المال، ثم يصلي فيه، رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين(71).

وذكر ابن الأثير في تاريخه أنَّ علياّ عليه السلام لم يبن آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة. وقيل أنه أخرج سيفاً له إلى السوق فباعه وقال: لو كان عندي أربعة دراهم ثمن إزار لم أبعه. وكان إذا اشترى قميصاً قدر كمه على طول يده وقطع الباقي. وكان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير الذي يأكل منه ويقول: لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم. وقد وجد علياً يوماً درعه عند نصراني فأقبل به إلى شريح القاضي وقال: هذه درعي. فقال النصراني: ما هي إلا درعي ولم يكذِب أمير المؤمنين .فقال شريح لعليّ: ألك بينة ؟. فقال: لا. فقضى شريح بالدرع للنصراني. فأخذ النصراني الدرع ومشى يسيراً ثم عاد وقال: أشهد أنَّ هذه أحكام الأنبياء أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه. ثم أسلم، واعترف أنَّ الدرع سقطت من عليّ عند مسيره إلى صفين، ففرح عليّ بإسلامه ووهب له الدرع وفرساً، وشهد معه قتال الخوارج(72).

ولما استشهد عليّ بن أبي طالب عليه السلام قام ابنه الحسن عليه السلام خطيباً فقال: (لقد قتلتم الليلة رجلاً في ليلة نزل بها القرآن، وفيها رفع عيسى، وفيها قتل يوشع بن نون والله ماسبقه أحد كان قبله، ولا يدركه أحد يكون بعده والله إن كان رسول الله (ص) يبعثه في السرية وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والله ماترك صفراء ولا بيضاء )(73).

وهكذا فإنَّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب يعد مفخرة من مفاخر الإسلام الخالدة، وامتداداً طبيعياً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علمه وعدله وعبادته وسيرته ونهجه.

ولذا ليس غريباً أن يُتخذ هذا الرجل عليه السلام من قِبَل المجتمع الدولي كقدوة حسنة في حياتنا المعاصرة، ونموذجاً في المنهج السياسي الصحيح، ونبراساً في أساليب الحكم والدولة الصالحة، ومنهجاً قويماً في احترام الآخر وحقوق الإنسان والتعددية، وأخلاقاً رفيعة تكون أساساً للعلاقات الدولية بين الأمم.

 

* اتخاذ الإمام عليّ (ع) مرتكزاً للوحدة بين المسلمين سنة وشيعة:

لا مجالاً للتفرقة والتشرذم

من خلال هذه العجالة بسيرة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، يمكن أن نتخذ هذا الرجل رمزاً وقدوة في المنهج السياسي للإسلاميين في كل مكان، ونبتعد عن فتاوى وعاظ السلاطين التي تمجد الحاكم الظالم المستبد، وتحرم الخروج عليه !!

وقد ذكرت في كتابي (الحركة الإسلامية في ضوء المتغيرات الدولية) بأنَّ: هناك إشكالية عند الحركة الإسلامية وهي عدم وضوحها بشأن قضايا وأحداث عديدة، استخدمت فكرياً من قبل الأعداء لمهاجمة العمل الإسلامي .

فالعلمانيون مثلاً تطرقوا بخبث لبعض الفتاوى السياسية، التي تضفي المشروعية على حكام الفسق والفجور !! وعدم جواز الخروج عليهم حتى ولو كانوا ظالمين مبدلين لحدود الله عزوجل !!

ولذا فإنَّ الحركة الإسلامية عليها أن تتخذ أمير المؤمنين علياً عليه السلام نموذجاً للحاكم الصالح العادل، وعليها أن تقف بحزم وجرأة لتنقية تاريخنا وفكرنا وفقهنا من الشوائب البعيدة عن مبادئ القرآن وأخلاقياته وعدالته؛ وكتابة التاريخ على أسس جديدة لا تهادن الظالمين المستبدين .

ومن الجدير ذكره أنَّ بعض الإسلاميين، عندما أعلنوا جهادهم ضد الأنظمة المستبدة الحاكمة، أدركوا أبعاد وخطورة (فتاوى السلاطين) التي ذكرناها، وتأثيرها على مسيرة العمل الإسلامي، لكنهم لم يتجرأوا على انتقادها وتفنيدها لارتباطهم بمنهج غريب وتقديسهم لتاريخ أسود اعتبر (حكام بني أمية وحكام بني العباس خلفاء لا يمكن الخروج عليهم وقتالهم وإن كانوا ظلمة فاسقين)!!

والحق أنَّ التاريخ الإسلامي يحفل بالمآسي والفضائع بسبب تسلط حكام قتلة، حولوا الحكم إلى ملك عضوض، انتهب حقوق الناس وأموالهم. وقد ذكر ابن حزم عن (يزيد بن معاوية) أنه كان: (قبيح الآثار في الإسلام).

وقال: أي خلافة هذه بدأت بقتل الحسين (ع) وانتهت بقتل حملة القرآن .

فأول حكمه ذبح رسول الله (ص) بشخص الحسين (ع)(74)، وقتل يوم عاشوراء حتى الطفل الذي لم يبلغ من العمر يوماً واحداً، تنفيذاً لمقولة (اقتلوهم لا تبقوا على أهل هذا البيت من باقية ).

لماذا هذه الإبادة الجماعية ؟

لأنَّ أهل هذا البيت نموذج جسّد رسول الله (ص)، وصوتهم هو صوت رسول الله (ص)، و(الأمويون) لا يريدون لهذا الصوت أن يعلو لأنه هو صوت الإسلام الصحيح، فحاولوا أن يدفنوه في التراب، لكي يعلو (صوت الخليفة الفاسق) الذي ترنحه الخمرة ذات اليمين وذات الشمال، شاتماً علياً عليه السلام على منابر المسلمين.

علماً أنَّ (يزيداً) ذبح في السنة الثالثة من حكمه 700 من حملة القرآن في المدينة، وهتك أعراض المسلمين وافتض فيها ألف عذراء(75).

وقد قال الرسول (ص): (من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )(76). وعندما دخل (مسلم بن عقبة) المدينة بأمر من (يزيد) أباحها ثلاثة أيام، وقد جاء في الحديث عن الرسول (ص): (من أباح حرمي فقد حل عليه غضبي ).

وذكر المؤرخون أنَّ (مسلم بن عقبة) سار إلى مكة، بعد أن فرغ من المدينة فمات في الطريق، فتولى الجيش (الحصين بن نمير)، الذي نصب المنجنيق على جبل أبي قبيس، ورمى به الكعبة المعظمة، بعد أن تحصن ابن الزبير ببيت الله الحرام(77).

وأخرج الواقدي من طرق عدة أنَّ عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: والله ماخرجنا على (يزيد) حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء إنه رجل يشرب الخمر، ويدع الصلاة (78).

كان هؤلاء الظلمة لا يأبهون لحرمة الكعبة المشرفة، لهذا لا تستغرب عندما يحدثنا التاريخ بأنّ: (الوليد بن يزيد بن عبد الملك) أمر ببناء عريش أراد أن يشرب الخمر فيه حول سطح الكعبة!! فهو الخليفة الفاسق المنتهك لحرمات الله (79).

وذُكر أيضاً بأنَّ (عبدالملك بن مروان) كان ظالماً منذ أن بُشر بالحكم، فقد أشار يوماً إلى القرآن قائلاً: (سلام عليك هذا فراق بيني وبينك)، ثم ولّى على الأمصار ولاة فاسقين كـ(الحجاج بن يوسف الثقفي) و(المهلب) و(موسى بن نصير).

وفي عهد (عبد الملك) سار (الحجاج) إلى المدينة المنورة، وأهان أهلها واستخف ببقايا من فيها من صحابة رسول الله (ص)، وختم على أعناقهم وأيديهم، يُذلهم بذلك، كأنس، وجابر بن عبد الله، وسهل بن سعد الساعدي(80).

والغريب في هذا الأمر أنَّ (يزيداً بن عبدالملك)، جاءه أربعون شيخاً، من وعاظ السلاطين وكبار مشايخ دمشق، وحلفوا له (أنه ليس على الخلفاء حساب ولا عقاب في الآخرة، وبرروا له أعماله وفسقه وفجوره)، وعلّق (الدميري) في كتابه (حياة الحيوان الكبرى) على هذه الحادثة بقوله: (إنَّ طائفة من أهل الشام كانت تعتقد بذلك)!!

أما (العباسيون) فحدّث ولا حرج، فقد ارتكبوا أفضع الجرائم، واستباحوا حقوق الناس، وروى الطبري في تاريخه: أنَّ (المهدي العباسي) فتح خزانةً بعد موت أبيه (المنصور) فإذا بها مليئة برؤوس العلويين، وكل رأس كتبت عليه رقعة تبين اسم صاحب الرأس.

وأضاف الطبري بأسى: كان فيها رؤوس أطفال وشباب وشيوخ ذبحهم (المنصور)، فارتاع (المهدي) من ذلك، وأمر بحفر حفرة دفنهم فيها.

وفي زمن المتوكل العباسي تم اضطهاد أهل البيت وشيعتهم بصورة وحشية، كما خرب قبر الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام، لأنه يمثل رمز الثورة ضد الطغاة المستبدين(81).

لقد وصل الأمر بعد الخلافة الراشدة إلى درجة لا يمكن السكوت عليها، لهذا قال الثائر محمد بن إبراهيم الحسني العلوي لامرأة مسكينة، ليس لها قوت يومها، واصفاً جور الحكّام المستبدين: (والله أنت وأشباهك تخرجونني غداً حتى يسفك دمي).

وقد أجاز بعض الفقهاء الخروج على الحكام الظلمة، فالإمام الشافعي رأى أنَّ الفسق والانحراف (موجب لعزل السلطان)، وذهب إلى هذا الرأي الماوردي في (الأحكام السلطانية)، والغزالي في فتاويه، والشهرستاني في (الملل والنحل)، والعضد الأيجي في (المواقف)، وابن مفلح الحنبلي في فتاويه التي لا تعتبر الخروج على الحاكم الفاسق بغياً، باستثناء الخروج على إمام الحق.

أما القاضي عبدالجبار من المعتزلة فقد رأى أنَّ نهضـة الإمــام الحــسين بن عليّ (ع) قد جسدت مفهوم الخروج على الحاكم الظالم الفاسق، لأنَّ الله (عز وجل) يقول في كتابه المجيد: (كُنتُم خَيرَ أمَة أخرِجَت للنّاسِ تَأمُرُونَ بالمعروُفِ وَتَنهَونَ عَنِ المنكرِ)(82)، والحسين (ع) جسّد هذا المفهوم أفضل تجسيد في ثورته.

وذهب إلى هذا الرأي جميع علماء الشيعة الإمامية، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد قال رسول الله (ص): (ألا إنه سيكون عليكم أمراء مضلون يقضون لأنفسهم ما لايقضون لكم إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم). وأضاف الرسول الكريم(ص): (كما صنع أصحاب عيسى نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب، والذي نفسي بيده لموت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله).

وهكذا فإنَّ عدم تنقية التاريخ الإسلامي، جعل أعداء الحركة الإسلامية يتخذون بعض الأحداث كوقائع وحجج ضد الإسلاميين، واتهامهم بأنهم يسعون لإقامة (دولة مستبدة ظالمة، تضيق بالرأي الآخر وتصادره لأتفه الأسباب)!!

وقد استند (زكي نجيب محمود)، و(فرج فودة)، و(عابد الجابري) في مهاجمتهم للإسلام إلى (أبحاث إسلامية)، تدعم خط (طاعة أولي الأمر) حتى ولو كانوا ظلمة، واعتبار (الأمويين، والعباسيين) خلفاء لرسول الله (ص)!! في حين أنَّ نبينا الكريم (ص) نهى عن طاعة هؤلاء، لأنَّ أفضل الجهاد (كلمة حق أمام سلطان جائر)(83).

إنَّ هؤلاء الحكام الظالمين المستبدين أرادوا قتل الحقيقة وتزوير التاريخ، وناصبوا العداء لعليّ بن أبي طالب ومنهجه في السياسة والحكم، ولذا شتموه على المنابر لمدة ثمانين سنة، وأذاقوا ذريته الأمرين جوعاً وتقتيلاً وتشريداً لأنهم يمثلون صوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

لكن هل استطاع هؤلاء النيل من هذا الصرح الشامخ ؟ أبداً فقد بقى صوت عليّ وبنيه مدوياً عبر التاريخ، لأنهم صوت السماء، والسماء تكفلت بنصرة المؤمنين المخلصين لله عزوجل، والتقرير الدولي للأمم المتحدة الصادر في العام 2002 خير دليل على مانقول .

إنَّ علياً بن أبي طالب بمبادئه القرآنية، وصفاته وخصاله الإيمانية، وعدله ومنهجه السياسي، يعد قدوة لنا في حياتنا المعاصرة ؛ ونحن ندعو للحل الإسلامي في مواجهة التيارات المتغربة.

وهو عليه السلام نموذج رائع للتسامح، واحترام الآخر، والتعايش السلمي بين الناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين .

لقد اتفقت الروايات من الفريقين سنة وشيعة على فضائله عليه السلام، وعلو شأنه، وعظمة شخصيته التي تؤهله أن يكون في القمة. ولذا يمكن أن نتخذه مرتكزاً لوحدة المسلمين، لا مجالاً للفرقة والتناحر.

 

* مؤامرة (الولايات المتحدة) لتفتيت المسلمين في النظام الدولي الجديد واستغلال التفرقة بين السنة والشيعة لضرب الإسلام:

ومن المعروف أنَّ أعداء الإسلام قد استغلوا الفرقة بين المسلمين لتمرير مؤامراتهم الدنيئة، ويُذكر أنَّ الصهاينة في فلسطين قد تبنوا مشروعاً لتفتيت العالم الإسلامي، من خلال بث الفرقة بين السنة والشيعة، وإغراء الأقليات على الانفصال.

ولهذا فإنَّ مجلة (معاريف) اليهودية قد نشرت في 18 ديسمبر 1981 مقالاً لـ(آريل شارون) قال فيه: (إنَّ سياسة التفتيت يمكن لإسرائيل من الوصول بمجالها الحيوي إلى أطراف الاتحاد السوفيتي شمالاً، والصين شرقاً، وأفريقيا الوسطى جنوباً، والمغرب العربي غرباً، فهذا المجال عبارة عن مجموعات قومية وأثنية ومذهبية متناحرة ).

إنَّ التعددية في المجتمع الإسلامي، وتنوع الفكر والفقه، شيء ايجابي، إذا تخلصنا من تراكمات التاريخ المليء بمعاداة أهل البيت سلام الله عليهم، وتركنا فتاوى التكفير للآخر، ووصفه بأشنع الأوصاف.

التعددية في المجتمع لا بد أن تكون في إطار جامع، ضمن منهج يستوعب الجميع، وإلا ستكون تشرذماً وتفتتاً يستغلها أعداء القرآن. وهنا تبرز مسألة الخصوصية والتميّز في إطار الإسلام لفرق يجمعهم مبادئ القرآن العامة، وهذا هو التنوع (لمذاهب وتيارات تظللها مرجعية التصور الإسلامي الجامع، وخصوصيات متعددة في إطار ثوابت الوحدة الإسلامية. وجامع الإسلام هذا لايقف عند دائرة الاعتقاد الديني وحدها، فيكون مانعاً لغير المسلمين من الوجود والتميّز في إطاره، وإنما هو شامل لدوائر الحضارة والثقافة ومنظومة القيم الإيمانية التي تجمع غير المسلمين في هذه الدوائر المتعددة والمترامية الأطراف لجامع الإسلام، الأمر الذي يجعل هذه التعددية نمواً وتنمية للخصوصيات، مع احتفاظ كل فرقائها، وأطراف الخصوصيات، وأفراد التنوع بالروح الإسلامية، والمزاج الإسلامي )(84).

ولذا فإنَّ الشهيد المفكر الإسلامي المبدع محمد باقر الصدر قد خاطب الجميع سنة وشيعة بقوله: (وإني منذ عرفت وجودي ومسؤوليتي في هذه الأمة بذلت هذا الوجود من أجل الشيعي والسني على السواء، ومن أجل العربي والكردي على السواء، حيث دافعت عن الرسالة التي توحدهم جميعاً، وعن العقيدة التي تضمهم جميعاً، ولم أعش بفكري وكياني إلا للإسلام: طريق الخلاص، وهدف الجميع )(85).

الواقع أننا بحاجة إلى منهجية جديدة لقراءة التاريخ لا تهادن الحكام الظلمة، وبحاجة إلى فتح الحوار مع جميع المذاهب وفق أسس أدب الحوار، وبحاجة إلى أسلوب ناهض في العمل الإسلامي يجمع الجميع سنة وشيعة في عملية التغيير المطلوبة لمواجهة مؤامرات النظام الدولي الجديد، وبحاجة إلى جرأة فقهية من العلماء الشرفاء من الفريقين للوقوف بوجه الفتاوى التكفيرية، لأنها وسيلة المتخلفين والجهلة، فالمبادرة للتكفير (إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل) كما قال العلامة أبو حامد الغزالي(86).

إنَّ الاجتهاد واختلافه من مذهب إلى آخر، لا يعد خروجاً عن الدين، ومبرراً لتكفير الآخر، لأنَّ الجميع يستند ويرجع إلى قواعد إسلامية عامة، لا تجيز الاجتهاد في القضايا المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لأنه لايجوز الاجتهاد قبال النص .

وعليه فإنَّ الترابط الحي بين العام والخاص؛ بين النص الشرعي العام والفتوى؛ بين المبادئ العامة والفكرالإسلامي الإنساني الخاص هو شيء طبيعي، طالما انطلق الجميع من الحرص على الإسلام والمسلمين، ومن فهم الدليل الشرعي. وضمن هذا المجال تتلاقح الأفكار وتتحاور دون تكفير للآخر ومصادرة أفكاره، وممارسة عملية إقصاء وتعصب غير مبرر يفتقد للحجج الشرعية.

ويتوسع التصور الإسلامي هذا في إطار المجتمع الواحد ليشمل حتى غير المسلم، لأنَّ مبادئ الإسلام لايمكن فرضها بالقوة وفقاً للقاعدة القرآنية (لا إكراهَ في الدينِ)(87). وقد فند الإمام أبو القاسم الخوئي في كتابه القيم (البيان في تفسير القرآن) الآراء التي تذهب إلى نسخ آية (لا إكراه في الدين)، أو تذهب إلى أنها مخصوصة بأهل الكتاب وقال إنَّ هذه: (الآية محكمة وليست منسوخة، ولا مخصوصة.

وتوضيح ذلك: أنَّ الكره في اللغة يستعمل في معنيين أحدهما: مايقابل الرضا، ومنه قوله تعالى: (وَعَسَى أن تَكرَهُوا شَيئاً وَهُو خَير لَّكُم )(88). وثانيهما: مايقابل الاختيار، ومنه قوله تعالى: (حَمَلَتهُ أمُّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرهاً)(89). فإنَّ الحمل والوضع يكونان في الغالب عن رضى، ولكنهما خارجان عن الاختيار. والقول بالنسخ أو بالتخصيص يتوقف على أنَّ الإكراه في الآية قد استعمل بالمعنى الأول، وهو باطل)(90).

وأضاف الإمام الخوئي أن: (تفسير الإكراه في الآية بالمعنى الأول، (ما يقابل الرضا) لايناسبه قوله تعالى: (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ)(91). إلا بأن يكون المراد بيان علة الحكم، وإنَّ عدم الإكراه إنما هو لعدم الحاجة إليه من جهة وضوح الرشد وتبينه من الغي. وإذا كان هذا هو المراد فلا يمكن نسخه، فإنَّ دين الإسلام كان واضح الحجة، ساطع البرهان من أول الأمر، إلا أنَّ ظهوره كان يشتد شيئاً فشيئاً. ومعنى هذا أنَّ الإكراه في أواخر دعوة النبي (ص) أحرى بأن لايقع لأنَّ برهان الإسلام في ذلك العهد كان أسطع، وحجته أوضح. ولما كانت هذه العلة مشتركة بين طوائف الكفار، فلا يمكن تخصيص الحكم ببعض الطوائف دون بعض، ولازم ذلك حرمة مقاتلة الكفار جميعهم، وهذه نتيجة باطلة بالضرورة. فالحق: أنَّ المراد بالإكراه في الآية مايقابل الاختيار، وإنَّ الجملة خبرية لا إنشائية. والمراد من الأية الكريمة هو بيان ماتكرر ذكره في الآيات القرآنية كثيراً، من أنَّ الشريعة الإلهيه غير مبتنية على الجبر، لا في أصولها ولا في فروعها، وإنما مقتضى الحكمة إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإيضاح الأحكام ليهلك من هلك عن بينه ويحيى من حيّ عن بينة، ولئلا يكون للناس على الله حجة)(92).

وهكذا فإنَّ لا إكراه في الدين ليس نفياً للإكراه المقابل للرضا وإنما هو نفي للإكراه المقابل للاختيار وهو الجبر الكلامي(93). وهذا من أروع الاستنباطات العلمية لشيعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام .

من هنا فإنَّ الإسلام يعتبر دين السماحة والعدل، لأنه يرفض أن يكره الآخرين على الدخول فيه قهراً، بل يدعو الناس جميعاً للدخول فيه اعتقاداً واختياراً(94). فالإيمان الذي يجيء عن طريق الإكراه لاقيمة له، ولا اعتداد به عند الله سبحانه وتعالى(95).

وقد وجدنا التعدد الديني في إطار الدولة الإسلامية زمن الرسول (ص)، حيث كتب الرسول الكريم (ص) صحيفة المدينة المنورة التي وادع فيها اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم(96).

وهكذا يكون التنوع في إطار المجتمع الإسلامي بين المذاهب الإسلامية التي تلتزم بالقواعد والمبادئ الإلهية العامة، ويتوسع هذا التصور ليشمل غير المسلمين من خلال قاعدة (لا إكراه في الدين) .

على أية حال نرجع إلى صلب الموضوع ونؤكد أنَّ: أعداء الإسلام قد استغلوا الفرقة بين السنة والشيعة التي يروجها المتخلفون والجهلة، لتمزيق وحدة المسلمين. وكان ضمن مسلسل التآمر على الإسلام، والهيمنة على المنطقة الإسلامية تأجيج الصراعات المذهبية في مواجهة بعض القضايا السياسية، كما فعلت الولايات المتحدة عندما شجعت (النظام الصدامي) السابق ودول الخليج العربي بالوقوف في وجه الثورة الإسلامية في إيران، وساندت جماعات دينية سنية متشددة لمحاصرة طهران .

ويذكر المفكر الفرنسي غارودي عن ذلك بقوله: (منذ سنوات كان صدام حسين يمثل سداً ضد الإسلام الذي جسدته إيران الخميني، ولم يمنع التسلح ولا الأسلحة عن ذلك الرجل الذي دعاه أحد الكتاب الفرنسيين بديغول العراق)(97).

لقد ساندت الولايات المتحدة الدكتاتوريات في المنطقة الإسلامية لمصالحها الشخصية، وهي سياسة قديمة مارسها الغرب في معاهدة ميونيخ عام 1938 بدعم (هتلر)، ومساندته للوصول إلى السلطة، وتزويده بالمال والسلاح في مواجهة الثورة البلشفية في (الاتحاد السوفيتي) السابق، ولكن (هتلر) تمرد على الغرب، واحتل أجزاء منه، وقصف بريطانيا بعنف، مما دفع الغرب للتحالف مع عدوه القديم (الاتحاد السوفيتي) لمواجهة (هتلر)!!

وحصل الشيء نفسه مع (نظام صدام) الدكتاتوري البائد، حيث تم تزويده بالسلاح الكيمياوي والعتاد المحظور دولياً للتصدي للثورة الإسلامية في إيران، لكنه أصبح بعد ذلك خطراً على مصالح الغرب في المنطقة، ومهدداً لجيرانه دول الخليج حلفاء الولايات المتحدة الأميركية .

ومن الملاحظ أنَّ أميركا قد تبنت مشروعاً سياسياً خارجياً لتأجيج الصراعات الإقليمية، في المناطق التي تعتبرها استراتيجية لها، لكي يضمن لها ذلك السيطرة والتواجد العسكري، وقد أغرت (صدام حسين) باحتلال الكويت لتخلق بذلك ظروفاً دولية مناسبة تساعدها على التواجد العسكري في منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط(98).

وهي نفس السياسة الخارجية للولايات المتحدة عندما دعمت كوريا الجنوبية في مواجهة كوريا الشمالية، وتحريض الهند في مواجهة باكستان، وتايوان ضد الصين.

لقد حاولت واشنطن عبر سياسة التفتيت، والتدخل الخارجي، أن تنتهك سيادة الدول تحت غطاء الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وغيرها من المؤسسات الدولية.

وكان الخليج العربي بما يملك من موارد وثروات من أساسيات (التخطيط الأميركي)، للسيطرة على هذه الثروات، لأنها عصب التنمية الغربية. ولذا فإنَّ السياسة الصهيونية قد لعبت دوراً مهماً في إنجاح ذلك، حسب توجيهات (تيدور هرتزل) التي تتلخص في أن يكون الكيان الصهيوني: (حصناً متقدماً للحضارة الغربية ضد بربرية الشرق )(99).

وقد نشرت الصحافة الصهيونية في فلسطين المحتلة بعد حرب الخليج الثانية مشروعاً لتفتيت الدول العربية، ووصفته بأنه يناسب السياسة العالمية للولايات المتحدة .

ويرى المفكر الفرنسي روجيه غارودي في كتابه (الولايات المتحدة طليعة الانحطاط) بأنَّ: مشروع تفتيت العالم الإسلامي بدأ منذ فترة طويلة، وأبرز من نَظَرَ له (هانتنجتون )، الذي وضع نظرية (صدام الحضارات) في مواجهة التهديد الإسلامي (للمصالح الأميركية )، حيث تمثل إيران العقبة الأكبر في مشروع الهيمنة على الشرق الأوسط(100).

ويضيف غارودي بأنَّ ذلك هو: (تجديد غريب للقطبية في العلاقات الدولية، باسم العولمة الاستعمارية للاقتصاد، ضد الهويات الثقافية، والدينية، لكل الحضارات )(101).

والمعروف أنَّ (هانتنجتون) يعتقد بفكرة الحرب الكونية الثالثة، التي ستكون كما يقول، (حرباً حضارية)، ليس بين الأوروبيين كما كانت الحروب السابقة، بل بين الغرب الذي يسميه بالحضارة اليهودية المسيحية، وبين حضارة إسلامية كونفوشية. وهذا بالتأكيد تنظير غربي يحاول تلبيس (السياسة العلمانية) للغرب بلباس الدين، وإقحام المسيحية في مواجهة الإسلام.

إنَّ العامل الاستراتيجي لمنطقة الشرق الأوسط، ووجود النفط، والسعي لحماية العدو الصهيوني، جعلت واشنطن تهتم بآراء (هانتنجتون)، وتضع في حساباتها تحليل بعض الدراسات العلمية حول الشرق الأوسط، ففي جميع الدراسات الأميركية والتقارير السياسية والعسكرية، يشار إلى الأهمية الفائقة التي تعود لهذه المنطقة في السياسة العالمية (102)، وإلى حماية أمن العدو الصهيوني .

فمنذ لحظة تأسيس (دولة إسرائيل) اللقيطة كانت كل (إدارة أميركية) تواجه مشكلة واحدة بالذات: تتلخص في دعم العدو الصهيوني مع الحفاظ على (المصالح الأميركية) في العالم العربي(103).

ويُذكر أنَّ المستشرق اليهودي (برنارد لويس) قد خطط لتمزيق العالم الإسلامي والعربي إلى مذهبيات متناحرة، ودويلات ليس لها أي مقومات الدول، من أجل هيمنة الكيان الصهيوني على العالم الإسلامي بكامله. وقد كان الصهاينة في فلسطين المحتلة يعتقدون أنَّ: الكيانات المذهبية المتعصبة المتخلفة لن تكون فقط غير قادرة على الصمود، بل سوف تشلها خلافات لا انتهاء لها، ونظراً لأنَّ كل كيان من هذه الكيانات سيكون أضعف من الكيان الصهيوني، فسيضمن الأخير تفوقاً لمدة نصف قرن على الأقل(104).

ومن هذا المنطلق فقد قال رئيس الوزراء الصهيوني السابق (نتنياهو) بأنه: ليس هناك منطقة اسمها الشرق الأوسط بالمعنى المتعارف عليه، إنه شرق أوسط يهودي ‍‍‍‍‍‍‌‌‌!!

‍ إنَّ التقاء (السياسة الأميركية) مع تطلعات الصهاينة، والسعي لحماية أمن (إسرائيل) على حساب حقوق العرب والفلسطينيين بالذات، جعل واشنطن تمنع أي تعاون إقليمي في المنطقة خصوصاً في المجال الاقتصادي، وقد تحرك الأميركيون في مؤتمر الدار البيضاء للتنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 1994 م، لتكون مقررات المؤتمر برؤية (أميركية ـ صهيونية)، يراد بها تنمية الكيان الصهيوني واختراق شمال أفريقيا .

والسياسة الأميركية هذه تتشابه مع سياستها الاقتصادية في المجال الخارجي، فقد شكلت الاتحاد الاقتصادي لآسيا في المحيط الهادئ مع أستراليا ونيوزيلانده، في مواجهة دول جنوب شرق آسيا التي أنشأت منظمة آسيان، الداعية إلى سوق مشتركة بين تايلاند وأندنوسيا وماليزيا وسنغافورة والفلبين وبروناي .

لم تكن مبادرات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلا لزيادة مصالحها على حساب دول المنطقة، وقد عملت منذ القديم على ربط الدول العربية والإسلامية في أحلاف تحفظ بالدرجة الأولى مصالحها، ولذا فقد اقترحت واشنطن سابقاً على الدول العربية الدخول إلى مايسمى (منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط )، التي تدافع عن مصالح الغرب أكثر من دفاعها عن مصالح الدول العربية، وقد رغب (الأميركيون) في رؤية مصر كأحد الشركاء الشرق أوسطيين، ومنفذ مطيع لإرادة الدول الغربية(105).

وبعد حرب الخليج الثانية بدأت (السياسة الأميركية) تكشف عن نواياها بصورة علنية، حيث حاول الرئيس (بوش) الأب معاملة دول الخليج العربي معاملة استعمارية، وقد صرح (توم مان)، مدير الشؤون الحكومية في مؤسسة بروكينج، لصحيفة (الواشنطن بوست) في 3 آب 1990م بأنَّ: بوش يعامل (العالم الثالث) بمنطق استعماري.

والمنطق الاستعماري الذي تحدث عنه (توم مان) نراه فجاً في تصرفات الرئيس (بوش) الابن، بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث دعا لمحاربة الإرهاب، ووصف جهوده بأنها: حملة صليبية ضد الإرهاب الدولي!!

والسبب يكمن في استغلال (الولايات المتحدة) للفرص في سبيل توسيع السيطرة الاقتصادية والعسكرية، والهيمنة على المنطقة، وتوسيع الحدود الاستراتيجية، وترسيخ (السلطة الأميركية) على العالم في النظام الدولي الجديد، والوصول إلى مصادر الثروة، ومنع أي عدو من الوصول إليها(106).

ولذا لا بد على المسلمين سنة وشيعة أن يدركوا خطورة الوضع، ويوحدوا كلمتهم في مواجه التحديات الدولية، ويجعلوا أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب عليه السلام منطلقاً للعدالة الاجتماعية، والوحدة بين المسلمين، واحترام الآخر.

***

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

10 ـ شرح نهج البلاغة، كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني: ج 5، ص154.

11 ـ المصدر نفسه ـ ج 5 ص 140 .

12 ـ المصدر نفسه ـ ج 5 ص 152 وما بعدها .

13 ـ السيرة النبوية ـ ابن هشام ـ ج 1 ص 228 .

14 ـ المصدر نفسه ـ ج 1 ص 228 .

15 ـ تاريخ الخلفاء ـ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ـ ص 169 .

16 ـ سيرة ابن هشام ـ المصدر السابق ـ ج 1 ص 228 .

17 ـ المصدر نفسه ـ ج 1 ص 229 .

18 ـ المصدر نفسه ـ ج 1 ص 230 .

19 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 168 .

20 ـ المصدر نفسه ـ ص 166 .

21 ـ تاريخ ابن الأثير ـ ج 3 ص 262. وتهذيب الأحكام للشيخ الحسن الطوسي ـ ج 6 ص 19 .

22 ـ تهذيب الطوسي ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 19 .

23 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 166 .

24 ـ تاريخ الطبري ـ ج 2 ص 99. وتاريخ ابن هشام ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 91 .

25 ـ تاريخ الطبري ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 100. وتاريخ ابن هشام ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 91 .

26 ـ تاريخ ابن هشام ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 92 .

27 ـ سورة الأنفال الآية 30 .

28 ـ سورة الطور الآيتان 30 و 31 .

29 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 172 .

30 ـ صحيح مسلم ـ ج 4 ص 1871 باب فضائل عليّ بن أبي طالب .

31 ـ المصدر نفسه ـ ج 4 ص 1872 باب فضائل عليّ بن أبي طالب .

32 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 169 .

33 ـ المصدر نفسه ـ ص 170 .

34 ـ المصدر نفسه ـ ص 172.

35 ـ صحيح مسلم ـ المصدر السابق ـ ج 4 ص 1871 . وتاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 169 .

36 ـ تاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 162 .

37 ـ سيد المرسلين ـ الشيخ جعفر السبحاني ـ ج 2 ص 606 .

38 ـ صحيح مسلم ـ المصدر السابق ـ ج 4 ص 1883 رقم الحديث (2424) .

39 ـ سورة الأحزاب الآية 33 .

40 ـ سيد المرسلين للسبحاني ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 607 .

41 ـ تاريخ ابن هشام ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 166. وتاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 162 .

42 ـ تاريخ ابن هشام ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 106 .

43 ـ صحيح مسلم ـ المصدر السابق -ج 4 ص 1870 رقم الحديث 2404 باب فضائل عليّ بن أبي طالب .

44 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 169.

45 ـ المصدر نفسه ـ ص 169 .

46 ـ صحيح مسلم ـ المصدر السابق ـ ج 4 ص 1873 رقم الحديث 2408 باب فضائل عليّ .

47 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق– ص 170 .

48 ـ راجع الميزان في تفسير القرآن للعلامة محمد حسين الطباطبائي ـ ج 2 ص 410 .

49 ـ سورة البقرة الآية 274 .

50 ـ الميزان في تفسير القرآن ـ الطباطبائي ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 410 في باب البحوث الروائية .

51 ـ سورة الإنسان الآية الثامنة والتاسعة .

52 ـ شرح نهج البلاغة للبحراني ـ المصدر السابق ـ ج 1 ص 76 .

53 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 173 .

54 ـ سورة الحاقة الآية 12 .

55 ـ شرح النهج للبحراني ـ المصدر السابق ـ ج 1 ص 76 .

56 ـ المصدر نفسه ـ ج 1 ص 76 .

57 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 171.

58 ـ المصدر نفسه ـ ص 171 .

59 ـ المصدر نفسه ـ ص 172 .

60 ـ المصدر نفسه ـ ص 171 .

61 ـ المصدر نفسه ـ ص 170 .

62 ـ المصدر نفسه ـ ص 170 .

63 ـ المصدر نفسه ـ ص 170.

64 ـ المصدر نفسه ـ ص 171 .

65 ـ كنز العمال ـ ج 2 ص 288 رقم الحديث 4045 .

66 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 185 .

67 ـ تاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 264. وحياة الصحابة للكاندهلوي ـ ج 2 ص 81 .

68 ـ حياة الصحابة للكاندهلوي ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 81 وما بعدها .

69 ـ المصدر نفسه ـ ج 2 ص 100 وما بعدها .

70 ـ المصدر نفسه ـ ج 2 ص 102 .

71 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 180 .

72 ـ تاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 265 .

73 ـ المصدر نفسه ـ ج 3 ص 265 .

74 ـ لعن السيوطي في تاريخه يزيداً لقتله الحسين عليه السلام وقال: (كان قتله بكربلاء، وفي قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها، فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ وقتل معه ستة عشر رجلاً من أهل بيته) ـ ص207.

75 ـ المصدر نفسه ـ ص 209 .

76 ـ المصدر نفسه ـ ص 209 .

77 ـ تاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 464 .

78 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 209 .

79 ـ المصدر نفسه ـ ص 250 .

80 ـ المصدر نفسه ـ ص 215 .

81 ـ فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ـ القاضي عبد الجبار بن أحمد ـ ص 302.

82 ـ سورة آل عمران الآية 110 .

83 ـ الحركة الإسلامية في ضوء المتغيرات الدولية ـ قاسم خضير عباس ـ ص 209 ـ 214 .

84 ـ الإسلام والتعددية ـ الدكتور محمد عمارة ـ ص 7 .

85 ـ حول الوحدة الإسلامية أفكار ودراسات ـ مجموعة من المفكرين سنة وشيعة ـ إعداد منظمة الإعلام الإسلامي ـ ص 25 .

86 ـ فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ـ أبو حامد الغزالي ـ ص 15 وما بعدها.

87 ـ سورة البقرة الآية 256 .

88 ـ سورة البقرة الآية 216 .

89 ـ سورة الأحقاق الآية 15 .

90 ـ البيان في تفسير القرآن ـ السيد أبو القاسم الخوئي ـ ص 326 ومابعدها .

91 ـ سورة البقرة الآية 256 .

92 ـ البيان في تفسير القرآن ـ السيد الخوئي ـ المصدر السابق– ص 327 ومابعدها .

93 ـ مبادئ السلام والبراءة في القانون الدولي الإسلامي ـ الشيخ فاضل المالكي ـ ص 38 .

94 ـ العلاقات الدولية في الشريعة الإسلامية ـ الدكتور عباس شومان ـ ص 53 .

95 ـ المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية ـ الدكتور سعيد محمد باناجة ـ ص 86 .

96 ـ تاريخ ابن هشام –المصدر السابق ـ ج 2 ص 106 .

97 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط ـ غارودي ـ المصدر السابق ـ ص 50 .

98 ـ مصداقية النظام الدولي الجديد ـ قاسم خضير عباس ـ باب احتلال العراق للكويت كان مؤذناً بنهاية عصر: ص61 –78.

99 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط ـ غارودي ـ المصدر السابق ـ ص 13 .

100 ـ المصدر نفسه ـ ص 15 .

101 ـ المصدر نفسه ـ ص 16 .

102 ـ التآمر ضد العرب ـ أناتولي أجاريشيف ـ ص 3 .

103 ـ المصدر نفسه ـ ص 24 .

104 ـ الأقليات بين الدولة والإسلام ـ محمد السماك ـ ص 131 .

105 ـ التآمر ضد العرب ـ أناتولي ـ المصدر السابق ـ ص 26 .

106 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط ـ غارودي ـ المصدر السابق ـ ص 61 .