الفصل الثاني

خلافة الإمام علي ومنهجه السياسي

منطلقات للدولة الصالحة

 

* الصحابة تبايع أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب عليه السلام:

اجتمع المهاجرون والأنصار وفيهم طلحة والزبير، فأتوا علياً، وبايعوه فرفض(1). فقالوا: مانختار غيرك. وترددوا إليه مراراً، وقالوا في آخر كلامهم: إننا لانعلم أحداً أحق به منك ولاأقدم سابقة ولاأقرب قرابة من رسول الله (ص)(2).

وألحوا عليه قائلين: والله مانحن بفاعلين حتى نبايعك. فقال: (ففي المسجد، فإنَّ بيعتي لا تكون خفية، ولا تكون إلا في المسجد ). وكان أول من بايعه طلحة بن عبيد الله، ثم بايعه الزبير(3).

وذكر الطبري في تاريخه بأنَّ الصحابة سألوا علياً أن يتقلد لهم وللمسلمين فأبى عليهم، فلما أبوا عليه تقلد ذلك لهم(4).

* الإمام عليّ (ع) لم يُكره أحداً على بيعته:

لم يكره أحداً على بيعته، بدليل أنه عليه السلام قد رفضها في البداية، وقد بايعه الأنصار إلا نضيراً يسيراً كحسان بن ثابت (5)، الذين لم يكرههم أمير المؤمنين عليّ على البيعة، وتركهم وشأنهم .

ويروي ابن الأثير بأنَّ: صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جاؤوا بسعد بن أبي وقاص فقال عليّ بن أبي طالب له: بايع. فقال: لا حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني بأس. فقال عليه السلام: خلُّوا سبيله(6).

والغــريب أنَّ الطبري والسيوطي وابن الأثيــر عنـدمـا يذكـرون هذه الحـقائق، يناقضون أنفسهم عندما يقولون: وقد قيل إنَّ طلحة والزبير إنما بايعا علياً كرهاً (7)!!

وتزداد غرابة تناقض التاريخ ورواياته عندما يذكر الطبري بأنَّ: الصحابة وفيهم طلحة والزبير دخلوا على عليّ عليه السلام وقالوا له: يا أبا الحسن هلم نبايعك. فقال: لا حاجة لي في أمركم (8).

ونتساءل: كيف يستقيم ماذكره الطبري مع روايته الأخرى بأنَّ علياً أكره طلحة والزبير على البيعة ؟؟

أعتقد أنه من خلال استقراء النصوص التاريخية بدقة يتبين أنَّ رواية الإكراه ملفقة لتبرير بعض ممارسات التاريخ الظالمة. مع ملاحظة أنَّ ابن قتيبة في كتابه (الإمامة والسياسة) قد روى بصورة لا تدعو للشك بأنَّ: الناس اجتمعوا في المسجد، (وكثر الندم والتأسف على عثمان، وسقط في أيديهم، وأكثر الناس على طلحة والزبير واتهموهما بقتل عثمان، فقال الناس لهما: أيها الرجلان، قد وقعتما في أمر عثمان، فخليا عن أنفسكما، فقام طلحة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنا والله مانقول اليوم إلا ما قلناه أمس، إنَّ عثمان خلط الذنب بالتوبة. حتى كرهنا ولايته وكرهنا أن نقتله وسرّنا أن نُكفاه، وقد كثر فيه اللجاج، وأمره إلى الله، ثم قام الزبير فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنَّ الله قد رضي لكم الشورى، فأذهب بها الهوى، وقد تشاورنا فرضينا علياً فبايعوه، وأما قتل عثمان فإنا نقول فيه أمره إلى الله، وقد أحدث أحداثاً والله وليه فيما كان، فقام الناس، فأتوا علياً في داره، فقالوا: نبايعك، فمد يدك، لا بد من أمير، فأنت أحق بها )(9).

وأضاف ابن قتيبة أيضاً بأنَّ: طلحة والزبير لم يبقيا على بيعتهما لأمير المؤمنين عليّ، لأنهما أرادا ولاية العراق واليمن، فلما استبان أنَّ علياً غير موليهما شيئاً، أظهرا له العداوة(10).

وهذا يفند الادعاء بأنَّ الإمام عليّ عليه السلام أجبر طلحة والزبير على البيعة، فالقضية كلها تدخل ضمن التزوير التاريخي، والتنصيص السياسي، للإساءة إليه عليه السلام، ولكن من يقرأ التاريخ بصورة موضوعية يعرف الحقيقة التي لا يمكن أن تغطى بغربال، لأنها كالضوء لا يمكن محاصرته، حيث يتفلت ويضيء الظلام. فعن أبي عثمان مولى بني قصير قال: شهدت علياً عليه السلام سنة كلها فما سمعت منه ولاية ولا براءة، وقد سمعته يقول: (عذرني الله من طلحة والزبير، بايعاني طائعين غير مكرهين، ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته، والله ماقوتل أهل هذه الآية منذ نزلت حتى قاتلتهم (وَإن نَّكَثُوا أيمانَهُم مِن بَعدِ عَهدِهِم )(11) الآية)(12).

ويذكر المؤرخون بأنه لما اجتمع الناس لبيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام صعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعد الناس من نفسه خيراً، وتألفهم جهده ثم قال عليه السلام:

من بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه الله تعالى، يخلف الله له ما أنفق في دنياه، ويضاعف له في آخرته، واعلموا أنَّ لسان صدق يجعله الله للمرء في الناس، خير له من المال، فلا يزدادن أحدكم كبرياء، ولا عظمة في نفسه، ولا يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها، بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه إن أهلكه. واعلموا أنَّ الدنيا قد أدبرت، والآخرة قد أقبلت، ألا وإنَّ المضمار اليوم، والسبق غداً. ألا وإنَّ السبقة الجنة، والغاية النار، ألا إنَّ الأمل يشهي القلب، ويكذب الوعد، ويأتي بغفلة، ويورث حسرة فهو غرور، وصاحبه في عناء، فافزعوا إلى قوام دينكم، وإتمام صلاتكم، وأداء زكاتكم، والنصيحة لإمامكم، وتعلموا كتاب الله، واصدقوا الحديث عن رسول الله (ص)، وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم، وأدوا الأمانات إذا ائتمنتم وارغبوا في ثواب الله، وارهبوا عذابه، واعملوا الخير تجزوا خيراً يوم يفوز بالخير من قدم الخير(13).

وروى الطبري في تاريخه أنَّ علياً بعد البيعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنَّ الله عز وجل أنزل كتاباً هادياً بيّن فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر، الفرائض أدوها إلى الله سبحانه يؤدكم إلى الجنة، إنَّ الله حرم حُرَماً غير مجهولة وفضل حرمة المسلم على الحُرَم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد المسلمين، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل أذى المسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت فإن الناس أمامكم وإن مامن خلفكم الساعة تحدوكم، تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر الناس أخراهم، اتقوا الله عباده في عباده وبلاده إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله عز وجل ولا تعصوه وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر فدعوه، واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض(14).

* الإمام عليّ يعيّن عماله على الأمصار و(معاوية) يعلن العصيان:

بعد ذلك بدأ عليه السلام بتفريق عماله على الأمصار فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وعبيد الله بن عباس على اليمن، وقيس بن سعد على مصر، وسهل بن حنيف على الشام(15).

فأعلن (معاوية بن أبي سفيان) العصيان في الشام، وأشعل الفتنة بين المسلمين، من أجل مصالحه الذاتية والبقاء في الإمارة، حيث اتهم علياً بقتل عثمان كتبرير أرعن للبقاء في السلطة، ونصب قميص عثمان على منبر دمشق للمطالبة بدمه مع أنه يعرف بالضبط مَن قتل عثمان، ويعرف أنَّ علياً بريء من دمه(16).

كان (معاوية بن أبي سفيان) يخطط للقضاء على الخلافة الراشدة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإقامة حكم أموي عضوض، يحكم الناس بالنار والحديد ؛ حكم بعيد عن رحمة الله، ومبادئ الإسلام العادلة .

والمعروف أنَّ الرسول (ص) لعن (الحكم بن العاص)، لما بدر منه من إيذاء للمسلمين، ونفاه إلى (وج)، وحرم عليه دخول المدينة، و(مروان) هو ابن (الحكم بن العاص)، وهو الذي انحدر منه حكام (الدولة الأموية)، المغتصبة لحكم الله، والمبدلة لشريعته وأحكامه.

ويُذكر أنَّ أم المؤمنين عائشة قالت إنَّ: (رسول الله لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة الله عز وجل)(17).

إنَّ ما حدث في عهد هذه الدولة المبدلة لأحكام الله شيء فظيع، لأنها أباحت حرمات الله، وشجعت أعوانها على إهانة مقدسات المسلمين ورموزهم، ففي ظلها تجرأ (الحجاج بن يوسف الثقفي) على الاستهزاء بزوّار قبر الرسول (ص) قائلاً: (إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية. فالأولى أن يطوفوا بقصر أميرالمؤمنين عبدالملك، أما يعلمون أنَّ خليفة المرء خير من رسوله)(18).

وقد عذّب أحد الفقهاء لأنه أفتى بعدم (إيقاع الطلاق للمكره)، ففسرها (الأمويون) تفسيراً آخر، حين تصوروا أنه أفتى بإسقاط البيعة عنهم لأنهم فسقة أجبروا الناس على بيعتهم بالقوة.

ومن أجل تبرير أعمالها، وترسيخ حكمها الدموي، جندت (السلطة الأموية) كثيراً من الفقهاء من وعاظ السلاطين لتحليل ما حرّم الله (عز وجل). ورغم هذا التعتيم الإعلامي والتشويه الفكري، الذي مارسه المستبدون إلا أنَّ الحقائق تبقى ناصعة .

لهذا أشار محمد عمارة في كتابه (مسلمون ثوار) إلى انحراف (الأمويين) قائلاً إنَّ: (النظام السياسي الأموي حوّل نظام الحكم في المجتمع العربي الإسلامي من حكم شورى، المرجع فيه للأمة بأسرها، والحق في تولية من تتوفر فيه الشروط، إلى نظام وراثي شبه ملكي)(19).

وأضاف: (ومن أبرز التحولات الفكرية، ذات الصلة الوثيقة بالتحولات السياسية، التي صاحبت الحكم الأموي، ظهور الفكر الجبري الذي يرى أنَّ الإنسان لا حول له ولا قوة فيما يصدر عنه من أفعال، وأنَّ أفعاله هذه مخلوقة لله، ومقدرة من الله للإنسان، ومحكوم بها عليه سلفاً، ومن ثم هذه العقيدة في تبرير التحولات السياسية التي بدت غريبة عن فهم المسلمين الأوائل، والتخفيف من وقع المظالم وبشاعة التطورات الظالمة التي زخر بها المجتمع في ذلك الحين... عاد الأمويون يشجعون الفكر الجبري كي يبرروا ما أحدثوه في حياة الإسلام والمسلمين)(20).

وذكر (أرنست رينان) في (ابن رشد والرشدية) أنَّ ابن رشد قال بصراحة: (أفسد معاوية هذا المثل الأعلى ـ حكم الرسول والخلافة الراشدة ـ بإقامة حكم بني أمية المطلق، وفتح تاريخ الانقلابات التي لم تخرج من نطاقها).

ولذا فإنَّ تنقية التاريخ الإسلامي من هذه الشوائب شيء ضروري، وإلا ستأتي أجيالنا القادمة، المتنورة بالعلم والمؤمنة بالحرية السياسية، لتحاسبنا أشد الحساب على ما فرّطنا في ديننا.

خصوصاً وأنَّ هناك من يتربص بالحركة الإسلامية ليُشكل عليها، ويتهمها بأفظع الأوصاف، مستنداً في ذلك إلى (تاريخ إسلامي دموي أسود)، اعتبره بعض الإسلاميين المعاصرين (تاريخاً مقدساً) لا يجوز نقده والمساس به، لإيمانهم بـ(طاعة أولي الأمر) حتى ولو كانوا فسقة ظالمين مبدلين لأحكام الله!!

إنَّ المستشرقين إلتفتوا إلى هذه (الظاهرة الغريبة)، وعلقوا عليها بخبث شديد قائلين: (إنَّ المسلمين مولعون بقانون الأضداد، لأنهم لا يفرقون بين الشيء وضده. فتقديسهم لشخصيات تاريخية تقف على النقيض ساهم بدون شك في إسقاط عبارات غير مفهومة في الفكر الإسلامي، من قبيل: قتل سيدنا يزيد سيدنا الحسين)!!

وهنا لابد أن نقول بجرأة وصراحة: إنه لا يمكن أن يتساوى النقيضان عند الناس بالفضل والكرامة، كيف يتساوى (معاوية بن أبي سفيان) مع أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)؟ كيف يحدث ذلك، وبأي منطق؟

فـ(معاوية) بدّل سنة رسول الله (ص) في مواضع عديدة ذكرها المؤرخون، واستباح حقوق الناس وأعراضهم، أما عليّ (ع) فقد بقي في كل أدوار حياته شامخاً في تقواه وأخلاقه وعلمه وطاعته لله، هذا الرجل قال فيه رسول الله (ص): (أنا مدينة العلم وعليّ بابها) (21).

لهذا نقول: بأيّ الموازين تم الخلط بين الرجلين؟! بين الشموخ الذي يمثله عليّ (ع) وبين السقوط والانحدار الذي يمثله (معاوية)؟!!

والغريب أنَّ أكثر المؤرخين ومنهم ابن الأثير يعرفون الحقيقة، فهم عندما يمرون بمعركة صفين بين الإمام عليّ عليه السلام و( معاوية)، تجدهم يذكرون مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه بيد جيش (معاوية)، ثم يوردون بأنَّ الرسول (ص) قد قال لعمار: (تقتلك الفئة الباغية وآخر شربة تشربها ضياح من لبن)(22).

وعندما انتشر هذا الحديث النبوي الشريف في جيش الشام قال عبدالله بن عمر لأبيه: يا أبت قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال رسول الله (ص) ما قال، قال: وما قال؟ قال: ألم يكن المسلمون ينقلون في بناء مسجد النبي (ص) لبنة لبنة وعمار لبنتين فغشي عليه فأتاه رسول الله (ص) فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: (ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الأجر وأنت ذلك تقتلك الفئة الباغية). فقال (عمرو بن العاص لمعاوية): أما تسمع ما يقول عبدالله؟ قال: وما يقول ؟ فأخبره فقال (معاوية): أنحن قتلناه ؟ إنما قتله من جاء به!! فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: إنما قتل عماراً من جاء به!!

ويعلق ابن الأثير في تاريخه على هذه المهزلة بقوله: لا أدري من كان أعجب أهو (أي معاوية) أم هم (أي جيش الشام)(23).

ألا سألنا أنفسنا يوماً كيف يتساوى (معاوية) مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ؟ وكيف يتساوى (يزيد)، الذي عبّر عنه ابن حزم بأنه: (قبيح الآثار في الإسلام)، مع الإمام الحسين بن عليّ (ع)؟

لا أدري كيف ينسجم هذا المنطق مع قول رسول الله (ص) لعليّ: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي )(24). وقد ذُكر عن النبي (ص) أنه قال: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)(25). وأخرج البخاري عن ابن عمر: قال: قال النبي (ص): (هما ريحانتاي من الدنيا) يعني الحسن والحسين(26). وأخرج مسلم عن النبي (ص) ؛ أنه قال للإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: (اللهم إني أحبه، فأحبه وأحبب من يحبه )(27).

هذه المتناقضات في التاريخ والنصوص تقتضي الوقوف عندها، والتمعن فيها، للخروج بدراسة موضوعية تكون مدخلاً لكتابة التاريخ على أسس صحيحة لا تهادن الحكام المستبدين، البعيدين في نهجهم السياسي عن الإسلام ومبادئه العادلة(28).

إنَّ مبادئ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب التي نهلها من النبي الكريم (ص) كانت هي منهجه في الحياة ،لم يهادن الظالمين الذين انتَهَبوا بيت المال وحقوق المسلمين، ولم يعط أي امتيازات للطامعين في السلطة، ولذا امتدت إليه يد الغدر والعدوان .

كان عليه السلام نموذجاً للحاكم العادل الصالح الذي ساوى بين الرعية، وبين الحاكم والمحكوم، وقد أوصى بعض عماله بوصايا قائلاً: (أنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم وأسُدُّ به لهاة الثغر المخوف. فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة بضغث من اللين، وارفق ماكان الرفق أرفق، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة، واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك )(29).

وقد عاتب عليه السلام أحد عماله قائلاً: (أما بعد، فإني كنت قد أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي ؛ ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي، وأداء الأمانة إليّ ؛ فلما رأيت الزمان على ابن عمك كلب ؛ والعدو قد حرب ؛ وأمانة الناس قد خَزيت، وهذه الأمة قد فنكت وشغرت ؛ قلبت لابن عمك ظهر المجن، ففارقته مع المفارقين وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أديت، وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك وكأنك لم تكن على بينة من ربك ؛ وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم )(30).

كما أوصى عليه السلام عامله على الخراج للرفق بالناس قائلاً له: (إنَّ من لم يحذر ماهو صائر إليه لم يقدم لنفسه مايحرزها. واعلموا أنَّ ما كلفتم يسير، وأنَّ ثوابه كثير. ولولم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يُخاف لكان في ثواب اجتنابه مالا عذر في ترك طلبه. فأنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم فإنكم خُزان الرعية، ووكلاء الأمة، وسفراء الأئمة. ولا تحسموا أحداً عن حاجته، ولا تحبسوه عن طَلبته، ولا تبيعُن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها، ولا عبداً، ولا تضربُن أحداً سوطاً لمكان درهم، ولا تمسن مال أحد من الناس مُصَل ولا معاهد )(31).

* عهد الإمام عليّ إلى مالك الأشتر يعد مفخرة في المنهج السياسي والدولة الصالحة:

وقد كتب عليه السلام عهداً إلى عامله على مصر مالك الأشتر النخعي، وفيه وصاياه (ع) التي تُعد منهجاً في السياسة الإسلامية والدولة الصالحة، ولذا فإنَّ التقرير الدولي لمنظمة الأمم المتحدة قد اقتبس من هذا العهد فقرات كثيرة، لحث الدول العربية على الاقتداء بسياسة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب العادلة، ومنهجه في الحكم، ومساواته للناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين.

وبما أنَّ هذا العهد من النصوص المهمة في السياسة الإسلامية كان علينا التطرق إليه حيث يقول فيه أمير المؤمنين (ع): (هذا ما أمر به عبد الله عليّ أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه، حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها.

أمره بتقوى الله، وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه: من فرائضه، وسننه، التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها؛ وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه؛ فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره، وإعزاز من أعزه.

وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها عند الجمحات؛ فإنَّ النفس أمارة بالسوء، إلا مارحم الله )(32).

ويشرح كمال الدين البحراني ذلك بقوله بأنَّ: الإمام عليّ (ع) قد صدَّر هذا العهد بذكر أمور هي أساس الولاية العادلة، وبها يكون نظام الأمر فمنها ما يعود إلى منفعة الوالي كجباية الخراج، ومنها مايعود إلى الرعية كجهاد العدو واستصلاح الرعية بالسياسة الصالحة، ومنها مايعود إليهما كعمارة البلاد ولواحقها. ثم أمر عليه السلام مالك الأشتر بأمور لإصلاح النفس بالتقوى وطاعة الله (33).

وفي الفصل الثاني من العهد يوصي أمير المؤمنين عليّ عليه السلام عامله الأشتر رضوان الله عليه بالأعمال الصالحة المتعلقة بالولاية، والمجتمع المدني، وتدبير السياسة الإسلامية بقوله:

(ثم اعلم، يامالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأنَّ الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ماكنت تقول فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فإنَّ الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت. وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللُّطف بهم، ولا تكونن عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نضير لك في الخلق، يَفرط منهم الزلل، وتَعرض لهم العلل، ويُؤتى على أيديهم في العمد والخطأِ. فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، الله فوق من وَلاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم، ولا تنصِبنَّ نفسك لحرب الله. فإنه لا يَدَى لك بنقمته، ولا غنى لك عن عفوه ورحمته، ولا تندَمنَّ على عفو، ولا تبجحنَّ بعقوبة، ولا تُسرِعنَّ إلى بادرة وجدت منها مندوحة، ولا تقولنَّ إني مُؤمَّر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرُّب من الغير. وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على مالا تقدر عليه من نفسك ؛ فإن ذلك يُطامِنُ إليك من طِماحِكَ، ويَكفُّ عنك من غَربكَ، ويفي إليك بما عزب عنك من عقلك.

إياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته؛ فإن الله يذل كل جبار، ويهين كل مختال. أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك ؛ فإنك إلا تفعل تَظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامه على ظلم، فإنَّ الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد.

وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل وأجمعها لرضا الرعية؛ فإنَّ سخط العامة يجحف برضا الخاصة وإنَّ سخط الخاصة يُغتفر مع رضا العامة. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرجاء وأقل معونة له في البلاء، وأكره للانصاف، وأسأل بالالحاف، وأقل شكراً عند الاعطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة وإنما عماد الدين وجماع المسلمين، والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم، وميلك معهم .

وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس ؛ فإنَّ في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها، فلا تكشفنَّ عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ماظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تُحب سَترَهُ من رعيتك. أطلق عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر، وتَغابَ عن كل مالا يصح لك، ولا تعجلنَّ إلى تصديق ساع ؛ فإن الساع غاش وإن تشبه بالناصحين. ولا تُدخلنَّ في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جباناً يُضعِفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله.

إنَّ شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومَن شَرِكَهُم في الآثام فلا يكونن لك بطانة؛ فإنهم أعوان الأثمة، وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه ولا آثماً على إثمه: أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفاً، وأقل لغيرك إلفاً، فاتخذ أولئك خاصة لخلوتك وحفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بِمُر الحق لك وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه واقعاً ذلك من هواك حيث وقع. والصق بأهل الورع والصدق، ثم رُضهُم على أن لا يُطروك ولا يبجَحُوكَ بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتُدني من العزة.

ولا يكوننَّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء؛ فإنَّ في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه. واعلم أنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ماليس له قبلهم ؛ فليكن منك ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإنَّ حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً وإنَّ أحق من حسن ظنك به لمن حَسُنَ بلاؤُك عنده، وإنَّ أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده .

ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعية ؛ ولا تُحدثنَّ سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن فيكون الأجر لمن سنها، والوزر عليك بما نقضت منها .

وأكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك )(34).

وفي الفصل الثالث من هذا العهد السياسي الإداري الرائع يتناول أميرالمؤمنين طبقات المجتمع والجنود والقضاة والكُتاب، وعمارة الأرض والرفق بالمساكين، فيقول:

(واعلم أنَّ الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومُسلمة الناس، ومنها التُّجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمَّى له الله سهمه. ووضع على حده فريضة في كتابه أو سنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عهداً منه عندنا محفوظاً فالجنود، بإذن الله، حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قِوامَ للجنود إلا بما يُخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب، لما يُحكمون من المعاقد ويَجمعون من المنافع، ويُؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونه من الترفق بأيديهم مالا يبلغه رفق غيرهم، ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم وفي الله لكلٍ سعة، ولكلٍ على الوالي حق بقدر ما يصلحه. فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً: ممن يُبطيء عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، وَيَنبُو على الأقوياء وممن لايثيره العنف، ولايقعد به الضعف ثم الصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة؛ فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف، ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من وَلَدِهِما، ولا يتفاقمنَّ في نفسك شيء قويتهم به ولا تحقرن لطفاً تعاهدتم به وإن قلَّ، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك، وحسن الظن بك. ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها؛ فإنَّ لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به، وللجسم موقعاً لا يستغنون عنه .

وليكن آثر رؤوس جندك عندك مَن واساهم في معونته؛ وأفضل عليهم من جِسدته، بما يَسَعُهُم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم، حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو ؛ فإنَّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك ؛ وإنَّ أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية، وإنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة الأمور وقلة استثقال دُوَلهم، وترك استبطاء انقطاع مدتهم ؛ فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم ؛ فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع، وتُحرضُ النَّاكلَ، إن شاء الله .

ثم اعرف لكل امرئٍ منهم ما أبلى، ولا تُضيفنَّ بلاء امرئٍ إلى غيره، ولا تُقصرنَّ به دون غاية بلائه، ولا يدعونَّكَ شرف امرئٍ إلى أن تُعظِمَ من بلائه ماكان صغيراً، ولا ضَعةُ امرئٍ إلى أن تستصغر من بلائه ماكان عظيماً. واردد إلى الله ورسوله مايُضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور ؛ فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم: (يا أيها الذينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرسُولَ وأُولي الأمرِ منكُم، فإن تَنَازَعتُم في شيٍ فرُدُّوهُ إلى اللهِ والرسولِ)(35)فالرد إلى الله: الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول: الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة.

ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تُمحكُهُ الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يَحصَرُ من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولاتُشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه؛ وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم؛ ممن لايزدهيه إطراء، ولايستمليه إغراء، وأولئك قليل، ثم أكثر تعاهُد قَضائِهِ، وافسح له في البذل مايزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك مالا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظراً بليغاً ؛ فإنَّ هذا الدين كان أسيراً في أيدي الأشرار: يُعمل فيه بالهوى، وتُطلبُ به الدنيا.

ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً، ولا تُولهم محاباة وأثرة؛ فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة ؛ وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقَدَمِ في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقاً، وأصح أعراضاً ؛ وأقل في المطامع إشرافاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً، ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ماتحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك. ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم؛ فإن تعاهدك في السر لأمورهم عُدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية وتَحفَّظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه، عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة.

وتفقد أمر الخراج بما يُصلح أهله؛ فإنَّ في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ؛ ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم؛ لأنَّ الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأنَّ ذلك لا يُدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً ؛ فإن شَكوا ثقلاً أو علةً أو انقطاع شربٍ أو بالةٍ أو إحالةَ أرضٍ اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم. ولا يَثقُلنَّ عليك شيء خففت به المؤونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك، وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم، وتبجحك باستفاضة العدل فيهم معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم، فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعدُ احتملوهُ طيبةَ أنفُسِهِم به ؛ فإنَّ العمران محتمل ماحملته، وإنما يُؤتي خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يُعوِزُ أهلُها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر .

ثم انظر في حال كُتَّابِكَ ؛ فول على أمورك خيرهم ؛ واخصُص رسائلك التي تُدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق ممن لا تُبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلافٍ لك بحضرة ملأ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك وإصدار جواباتها على الصواب عنك فيما يأخذ لك ويعطى منك، ولا يُضَعِّفُ عقداً اعتقده لك، ولا يَعجز عن إطلاق ماعقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور ؛ فإنَّ الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل، ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظنِّ منك ؛ فإنَّ الرجال يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم، وليس وراء ذلك من النصحية والأمانة شيء، ولكن اختبرهم بما وُلُّوا للصالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً، وأعرفهم بالأمانة وجهاً، فإنَّ ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره واجعل لرأس كلِّ أمرٍ من أمورك رأساً منهم لا يقهره كبيرها، ولا يتشتت عليه كثيرها، ومهما كان في كُتّابكَ من عيب فتغابيت عنه أُلزمته.

ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً: المقيم منهم والمضطرب بمالِهِ، والمترفق ببدنه ؛ فإنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق وجُلابها من المباعد والمطارح في بَرِّكَ وبحرك وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها ؛ فإنهم سلم لا تُخاف بائقتُهُ وصُلح لا تُخشى غائلتُهُ، وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك. واعلم –مع ذلك ـ أنَّ في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البياعاتِ، وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة ؛ فامنع من الاحتكار فإنَّ رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، منع منه. وليكن البيع بيعاً سَمحاً : بموازين عدلٍ، وأسعارٍ لا تُجحِفُ بالفريقين من البائع والمبتاع: فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به ؛ وعاقبه في غير إسراف

ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البُؤسَى والزَّمنى فإن في هذه الطبقة قانعاً ومُعتَراً؛ واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت المال، وقسماً من غَلاّت صوافي الإسلام في كل بلد فإن للأقصى؛ منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعيت حقه؛ فلا يشغلنَّكَ عنهم بطر فإنك لا تُعذرُ بتضييعك التافه لإحكامِكَ الكثير المهم، فلا تُشخِص همك عنهم ولا تُصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتَحَقرُهُ الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع ؛ فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه ؛ فإنَّ هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه، وتعهد أهل اليتم وذوي الرِّقَّة في السن ممن لا حيلة له، ولا يَنصِبُ للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل، وقد يُخَففُهُ الله على أقوام طلبوا العافية فَصَبَّروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم )(36).

* أساس الحكم في الإسلام العدل في الرعية:

ثم تناول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في الفصل الرابع من هذا العهد النواهي والأوامر التي تحقق المصلحة العامة، وترسي العدالة في المجتمع فقال: (واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تُفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتُقعد عنهم جندك وأعوانك من حراسك وشُرَطِكَ حتى يُكلمك متكلمهم غير مُتَتَعتِعٍ، فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يقول في غير موطن: (لن تُقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع) ثم احتمل الخُرقَ منهم والعَيَّ، ونحِّ عنهم الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته، وأعط ما أعطيت هنيئاً، وامنع في إجمال وإعذار .

ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها: منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كُتَّابُكَ، ومنها إصدار حاجات الناس يوم وُرودها عليك بما تحرَجُ به صدور أعوانك، وأمض لكل يوم عمله؛ فإن لكل يوم مافيه، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت، وأجزل تلك الأقسام وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية، وسلمت منها الرعية .

وليكن في خاصة ماتُخلص به لله دينك: إقامة فرائضه التي هي له خاصة فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووفِّ ماتقربت به إلى الله من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص بالغاً من بدنك مابلغ، وإذا قمت في صلاتك للناس فلاتكوننَّ مُنفراً ولا مضيعاً ؛ فإن في الناس من به العلة وله الحاجة. وقد سألتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم ؟ فقال (صل بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيماً) .

وأما بعد، فلا تُطولنَّ احتجابك عن رعيتك ؛ فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويُشاب الحق بالباطل ؛ وإنما الوالي بشر لا يعرف ماتوارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سمات تُعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تُعطيه ؟ أو فعل كريم تُسديه، أو مُبتلى بالمنع فما أسرع كفَّ الناس عن مسألتك إذا أيِسُوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك من شَكَاةِ مَظلمةٍ أو طلب إنصاف في معاملة .

ثم إنَّ للوالي خاصةً وبطانةً فيهم استئثار، وتطاول، وقلة إنصافٍ في معاملةٍ فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال ولا تُقطِعَنَّ لأحد من حاشيتك وحامتك قطيعةً ولا يَطمَعَنَّ منك في اعتقادِ عقدةٍ تَضرُّ بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم فيكون مَهنأُ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة .

والزم الحق من لَزِمَهُ من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابراً محتسباً، واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع ؛ وابتغ عاقبة بما يثقل عليك منه ؛ فإنَّ مغبة ذلك محمودة .

وإن ظَنتِ الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم بإصحارِكَ ؛ فإنَّ في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقاً برعيتك، وإعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق .

* مشروعية الصلح والأمان مع الآخر:

ولا تدفعنَّ صلحاً دعاك إليه عدوك ولله فيه رضاً؛ فإنَّ في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فإنَّ العدو ربما قارب ليتغفل؛ فخذ بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظن. وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة؛ فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جُنة دون ما أعطيت؛ فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر؛ فلا تغدرنَّ بذمتك ولا تخيسنَّ بعهدك ولا تختلنَّ عدوك فإنه لا يجتريء على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته، وحريماً يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره ؛ فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه، ولا تعقد عقداً تُجَوزُ فيه العلل، ولا تَعولنَّ على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق ؛ فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، وأن تُحيط بك من الله فيه طلبة، فلا تستقيلَ فيها دنياك ولا آخرتك .

* منهج الإمام عليّ (ع) السياسي امتداد لأصول الحكم في الإسلام عند رسول الله (ص):

إياك والدماء وسفكها بغير حلها ؛ فإنه ليس شيء أدنى لنقمةٍ، ولا أعظم لتبعةٍ ،ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة ؛ من سفك الدماء بغير حقها، والله سبحانه وتعالى مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تُقوينَّ سلطانك بسفك دم حرام ؛ فإنَّ ذلك مما يُضعفه ويوهنه بل يُزيله وينقله، ولا عذر لك عند الله ولا عندي في القتل العمد ؛ لأنَّ فيه قود البدن، وإن ابتُليت بخطأٍ وأفرط عليك سوطك أو سيفك او يدك بالعقوبة ؛ فإنَّ في الوكزة فما فوقها مقتلة، فلا تطمحنَّ بك نخوة سلطانك عن أن تُؤديَ إلى أولياء المقتول حقهم .

وإياك والإعجابَ بنفسك، والثقة بما يُعجبك منها، وحب الأطراء ؛ فإنَّ ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.

وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزيد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتُتبِعَ موعودك بخُلفكَ، فإنَّ المن يبطل الإحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخُلفَ يُوجبُ المقت عند الله والناس قال الله تعالى: (كَبُرَ مَقتاً عِندَ اللهِ أن تَقُولُوا مالا تَفعَلونَ) .

وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت. فضع كلَّ أمرٍ موضعهُ، وأوقِع كلَّ أمر موقعهُ .

وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما تُعنى به مما قد وضح للعيون ؛ فإنه مأخوذ منك لغيرك ؛ وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور، ويُنتصف منك للمظلوم ؛ املك حمية أنفِكَ، وسورة حَسدِّكَ، وسطوة يدك، وَغَربَ لسانك ؛ واحترس من كل ذلك بكف البادرة، وتأخير السطوة، حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار، ولكن تَحكُمَ ذلك من نفسك حتى تُكثر هُمومَكَ بذكر المعاد إلى ربِّكَ .

والواجب عليك أن تتذكر مامضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أوسنة فاضلة، أو أثر عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ماعهدتُ إليك في عهدي هذا، واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك ؛ لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها.

وأنا أسأل الله بسعة رحمته، وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة، أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه، مع حسن الثناء في العباد، وجميل الأثر في البلاد، وتمام النعمة، وتضعيف الكرامة، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة، إنا إليه راجعون .

والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً )(37).

إنَّ هذا العهد السياسي الإداري يمثل منهج الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في إقامة دولة العدل الإلهية في الأرض، ذلك المنهج الذي استقاه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن مبادئ القرآن الكريم.

والحركة الإسلامية العالمية المعاصرة بكل أطيافها وتياراتها سنة وشيعة جدير بها أن تتخلق بهذا المنهج الإسلامي، وتتخذ عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر وصايا سياسية في عملها وتحركها من أجل الإسلام، وحوارها مع الآخر، والرد على من يدعي أنَّ السياسة الإسلامية هي سياسة استبدادية ظالمة لا تطيق الرأي الآخر .

وقد وجدنا في هذا العهد الرائع مبادئ السياسة العادلة للإسلام الصحيح، إسلام أهل البيت سلام الله عليهم، حيث تلمسنا أموراً هي غرض الولاية وأساسها، وشروط الوالي الصالح الذي لا تفارقه تقوى الله، مع عدله بالرعية، والرفق بالمساكين وأهل الحاجة. وكذلك شروط المستشارين والكتاب والقضاة والتجار، والاهتمام بالجند، وإصلاح الأرض بالعمران والمدنية، والانتصاف للمظلوم، والوفاء بالعهد مع الغير وعدم دفع الصلح مع الاعداء.

ويعلق محمد عمارة على وثيقة عهد أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قائلاً: (ولعل في وثيقة العهد الإداري الذي كتبه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إلى واليه على مصر الأشتر النخعي (37هـ / 357 م) الصيغة الاجتماعية لهذه الفلسفة الإسلامية المتميزة في العلاقة بين الطبقات ـ التمايز الطبقي ـ الذي تتساند فيه ومعه الطبقات، بإطار جامع الأمة الواحدة )(38) .

عهد الإمام عليّ عليه السلام إلى مالك الإشتر استند إلى مبدأ العدالة والحرية في الإسلام، وقد أوضحت في كتابي (رؤية إسلامية للقانون الدولي العام) أنَّ أساس الحكم في الإسلام هو العدل بالرعية، فأول ما استهدفته الشريعة في أحكامها وحدانية الله سبحانه وتعالى، وتحقيق العدل بين الناس، والقضاء على الظلم والجور.

إنَّ العدل هو هدف إسلامي في سائر الأحوال والأوقات، لأنه الغاية المقصودة من الشريعة الإسلامية، حيث أمر الله تعالى المسلمين أن يطبقوا العدل حتى مع العدو وغير المسلم، وأن يقوموا بالقسط ولو على أنفسهم فقال العزيز في محكم كتابه المجيد: (يا أيّها الذِيْنَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامينَ بِالقِسْطِ شُهداءَ للهِ وَلوَ على أنفُسِكُم أو الوالِدَينِ وَالأقرَبينَ)(39).

ولذا فإنَّ مفهوم العدالة في الإسلام مفهوم واسع وشامل، حيث نجده في القرآن الكريم بألفاظ عديدة وغايات متنوعة: (واتّقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفسٍ شيئاً ولا يُقبل منها عدل ولا تنفعُها شفاعة ولا هُم يُنصرون)(40). (إنّ الله يأمُرُكُم أن تُؤدّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتُم بين الناس أن تحكُمُوا بالعدل إنّ الله نعمّا يعظُكُم به إنّ الله كان سميعاً بصيراً)(41). (يا أيّها الذين آمنُوا كُونُوا قوامين لله شُهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنئانُ قومٍ على ألا تعدلُوا اعدلُوا هو أقربُ للتقوى واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون)(42). (وإن حكمت فاحكُم بينهُم بالقسط إنّ الله يحب المقسطين)(43). (وإذا قُلتم فاعدلُوا ولوكان ذا قُربى وبعهد الله أوفوا ذلكُم وصّاكم به لعلّكم تذكرون)(44). (هل يستوي هو ومن يأمُرُ بالعدل وهُو على صراطٍ مستقيمٍ)(45). (إنّ الله يأمرُ بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعِظُكُم لعلّكُم تذكّرون)(46). (وأمرت لأعدل بينكم الله ربّنا وربّكم لنا أعمالُنا ولكُم أعمالُكُم)(47). (فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إنّ الله يحب المقسطين)(48).

ويروى عن رسول الله (ص) أنه قال: (عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة، قيام ليلها، وصيام نهارها )(49). (العدل ميزان الله في الأرض فمن أخذه قاده إلى الجنة، ومن تركه ساقه إلى النار )(50). (أشد أهل النار عذاباً، من وصف عدلاً ثم خالف إلى غيره )(51).

وعن الإمام جعفرالصادق قال: (إتقوا الله واعدلوا فإنكم تعيبون على قوم لا يعدلون)(52). وعن محمد بن مسلم، عن الإمام الصادق قال: (ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله عزوجل يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب: رجل لم تدعه قدرته في حال غضبه إلى أن يحيف على من تحت يديه ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة، ورجل قال الحق فيما عليه )(53).

وعن خيثمة الجعفي، عن الإمام أبي جعفرالباقر أنه قال: (وإنَّ أعظم الناس حسرة يوم القيامة، من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره)(54). وعن أبي بصير عن الإمام الصادق قال في قول الله عزوجل: (فكُبكُبوا فيها هُم والغاوُون) (55) فقال: يا أبا بصير قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره (56).

وهكذا فإنَّ العدل هو جوهر الإسلام، وقيمته العليا التي لا يجوز تجاوزها مع الناس كافة مسلمين وغير مسلمين في السلم والحرب، وقد قال الحق في محكم كتابه المجيد: (وقاتلُوا في سبيل الله الذين يُقاتلُونكُم ولا تعتدُوا إنّ الله لا يُحبُّ المعتدين) (57). (ولا يجرمنّكُم شنئانُ قومٍ على ألا تعدلُوا اعدلُوا هو أقربُ للتقوى واتّقُوا الله إنّ الله خبير بما تعملُون)(58).

ومن أوجه العدالة في الإسلام الوفاء بالعهد مع البر والفاجر، والمسلم والكافر، وإشاعة القسط بين الناس. وعن أبي مالك قال: قلت لعليّ بن الحسين عليهما السلام: أخبرني بجميع شرائع الدين، قال: (قول الحق، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد)(59).

ولذا فإنَّ تعبير العدالة غير ملائم كمصدر للأحكام، لأن الإسلام كله عدل ورحمة، والقاضي المسلم ملزم بتحقيق العدالة في أحكامه سواء كانت أحكاماً ثابتة أم أحكاماً استنباطية اجتهادية ، أما القاضي الوضعي فهو ملزم بالتطبيق النصي للقانون، وإن لم يحقق العدالة في القضايا المعروضة عليه .

وعليه فإنَّ القواعد الدولية الإسلامية تتسم بالعدل والقسط مع المسلمين وغير المسلمين، والوفاء بالعهد لهم، وتحقيق مصالح الناس، ورفع الضرر والظلم عنهم، والسعي للصلح مع الاعداء إذا كان في ذلك رضا الله، فالمسلمون لاينظرون للحرب على أنها غاية بحد ذاتها، وإنما شرعت لتبليغ الدعوة الإسلامية دون إكراه واضطهاد للآخرين.

وتأتي مشروعية الصلح والأمان في الإسلام من قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم)(60). وقوله عزوجل: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً)(61). وقوله سبحانه وتعالى: (إلا الذينَ عَاهدتُم عِندَ المسْجِدِ الحَرامِ فَما استَقَامُوا لَكُم فَاسْتَقِيمُوا لَهُم إنّ اللهَ يُحِبُ المتّقينَ)(62). وقوله تعالى: (وإنْ أحدٌ مِنَ المشْرِكِينَ استَجارَكَ فأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ الله ثُمّ أبلِغهُ مَأمَنَهُ ذلكَ بأنّهُم قَومٌ لايَعْلَمُونَ)(63).

وورد عن رسول الله (ص) أنه قال عندما رأى سهيل بن عمرو قبل صلح الحديبية: (قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل)(64). وعن عليّ بن أبي طالب، أنَّ رسول الله (ص) عهد إليه عهداً، وكان مما عهد فيه: (ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك فإن في الصلح دعة للجنود، ورخاء للهموم، وأمناً للبلاد، فإن أمكنتك القدرة والفرصة من عدوك، فانبذ عهده إليه، واستعن بالله عليه، وكن أشد ماتكون لعدوك حذراً عندما يدعوك إلى الصلح، فإن ذلك ربما يكون مكراً وخديعة، وإذا عاهدت فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة والصدق )(65).

وقد بين الإمام عليّ بن أبي طالب في عهده إلى مالك الأشتر ذلك، وأورد أيضاً سلامة عقود الصلح التي تبرمها الدولة الإسلامية، بحيث لا يكون فيها إدغال ولا مدالسة ولا خداع، وليس فيها علل، أي الأحداث المفسدة لها، وهي كناية عن إحكام عقد المعاهدات وعقود الصلح، والابتعاد عن لحن القول والمواراة في الأمان والعهود (66)، لكي يكون كل شيء واضحاً وصريحاً دون لبس وخداع وتدليس .

ولقد كان لمبادئ العدالة دور بارز ومهم في القانون الدولي العام الوضعي سابقاً، حيث خول القاضي الدولي سلطة واسعة في تسوية المنازعات المعروضة عليه وفقاً لمبادئ العدالة والإنصاف(67).

ولكن هذا الدور المتميز لمبادئ العدالة قد تراجع بصورة خطيرة بعد قيام المنظمات الدولية، لأنَّ المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية عام 1920، ونظام المحكمة الحالية لعام 1945، قد نصت على أنَّ القاضي الدولي مقيد في الرجوع إلى العدالة، إذ يجب عليه الرجوع إلى مصادر القانون الدولي الأخرى، وعند تعذر وجود الحل يرجع القاضي الدولي لمبادئ العدالة بموافقة أطراف النزاع، وبغير هذه الموافقة لا يمكن له الفصل في المنازعات وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول!! وهذا القيد الذي لا تعرفه القوانين الوضعية الداخلية قد أضر بدور العدالة في المجتمع الدولي، وجعله دوراً ثانوياً محدوداً (68).

ومن الملاحظ أنَّ محكمة العدل الدولية، تطبيقاً للمادة 38 من نظامها الأساسي، إذا قضت بين الخصوم وفقاً لقواعد العدالة والإنصاف، فإنها (تقرر قاعدة جديدة تفصل بمقتضاها في النزاع المطروح أمامها، إلا أنَّ مثل هذه القاعدة لا يمكن أن تلزم الدول التي لم تكن طرفاً في النزاع، بل ولا الدول الأطراف في غير القضية التي فصل فيها بالذات، اللهم إلا إذا استقرت عن طريق العرف بتكرار القضاء بها بين دول مختلفة في قضايا مختلفة أو بتواتر الدول ذاتها على اتباعها من غير طريق القضاء )(69).

فمثل هذه القواعد الجديدة التي تفصل بها المحكمة الدولية لا تُلزِم الدول الأخرى التي لم تكن طرفاً في النزاع، ولا تُلزِم الدول الأطراف في غير القضية التي تم الفصل فيها بالذات، وهذا يتفق مع المادة الخامسة من النظام الأساسي للمحكمة الدولية التي تنص على أنه: (لا يكون للمحكمة قوة الإلزام إلا بالنسبة لمن صدر بينهم وفي خصوص النزاع الذي فصل فيه )(70).

ويذهب الدكتور عبد الباقي نعمة عبد الله في كتابه (القانون الدولي العام) إلى أنَّ سبب هذا الموقف الدولي من هذه الإشكالية هو: (تهيب الدول وخشيتها من إعطاء سلطة الفصل بمقتضى العدالة دون قيد، الأمر الذي أدى إلى ضعف شأن العدالة كمصدر للقانون الدولي )(71).

إلا أني أعتقد أنَّ تراجع مبادئ العدالة من المصادر الأساسية إلى المصادر الثانوية (للقانون الدولي العام) ليس لتهيب الدول وخشيتها من مبادئ العدل والإنصاف، بل بسبب مصالح الدول الكبرى المتزايدة على حساب الدول الأخرى، ولذا تم النص على تقييد سلطة القاضي الدولي في الرجوع إلى مبادئ العدالة في المادة 38 من النظام الأساسي للمحكمة الدولية .

وهذه الإشكالية التي يتعرض لها (القانون الدولي العام) حالياً لا وجود لها اطلاقاً في القانون الدولي الإسلامي، الذي لا يفصل بين القواعد الدولية ومبادئ العدالة والأخلاق. ولذا فإنَّ القاضي المسلم ملزم بتحقيق العدل في القضايا والمنازعات المعروضة عليه .

إنَّ منهج أهل البيت عليهم السلام هو منهج الإسلام، هو منهج القرآن الذي يشيع العدل والطمأنية في نفوس الناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين، وقد لخص هذه الحقيقة الإمام جعفر الصادق حفيد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في جوابه على رسالة النجاشي الذي تولى ولاية الأحواز، حيث قال له: (وأما سروري بولايتك فقلت عسى أن يغيث الله بك ملهوفاً خائفاً من أولياء أل محمد (ص) ويعز بك ذليلهم ويكسو بك عاريهم ويقوي بك ضعيفهم ويطفي بك نار المخالفين عنهم )(72).

وأضاف الإمام في رسالته: (واعلم أنَّ خلاصك ونجاتك في حقن الدماء وكف الأذى عن أولياء الله والرفق بالرعية والتأني وحسن المعاشرة مع لين في غير ضعف وشدة في غير عنف ومداراة صاحبك ومن يرد عليك من رسله وارفق برعيتك (وارتق فتق رعيتك) بأن توفقهم على ما وافق الحق والعدل إن شاء الله تعالى، وإياك والسعاة وأهل النمائم فلا يلزقنَّ (يلتزقنَّ) بك منهم أحد ولا يراك الله يوماً وليلة وأنت تقبل منهم صرفاً ولا عدلاً فيسخط الله عليك ويهتك سترك )(73).

وظل الإمام الصادق عليه السلام يوصي النجاشي بوصايا القرآن وسنة رسول الله (ص)، لإقامة العدل بين الناس، ولذا قال النجاشي عندما قرأ الرسالة: (صدق والله الذي لا إله إلا هو مولاي فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إلا نجى )(74).

إنَّ حفظ العدل وإشاعة العدالة الإجتماعية في المجتمع مطلب أساسي في السياسة الإسلامية، فعن محمد بن عيسى، عن أحمد بن عائذ، عن محمد بن أبي حمزة، عن رجل بلغ به أمير المؤمنين عليّ قال: مرّ شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أميرالمؤمنين(ع): ماهذا؟ قالوا: يا أميرالمؤمنين نصراني، فقال أميرالمؤمنين: استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال(75).

لقد أوصى عليه السلام بالعدل بين الناس جميعاً، والشفقة على الفقراء(76)، وساوى بين الناس فلا فرق عنده بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، وقد ورد عنه عليه السلام أنه قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من ولد في الإسلام فهو عربي)(77).

وروي عنه عليه السلام أنه أمر عمار بن ياسر وعبيد الله بن أبي رافع وأبا الهيثم بن التيهان، أن يقسموا مالاً من الفيء بين المسلمين، وقال: (اعدلوا بينهم ولا تفضلوا أحداً على أحد ). فحسبوا فوجدوا الذي يصيب كل رجل من المسلمين ثلاثة دنانير، فأتوا الناس، فأقبل عليهم طلحة والزبير ومع كل واحد ابنه، فدفعوا إلى كل واحد منهم ثلاثة دنانير، فاعترض طلحة والزبير عند عليّ بن أبي طالب فقال لهم: (أليس كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقسم بين المسلمين بالسوية ). ثم قال: (فو الله ما أنا وأجيري هذا في المال إلا بمنزلة واحدة)(78).

وعن ربيعة وعمارة وغيرهما: أنَّ طائفة من أصحاب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، مشوا إليه عند تفرق الناس عنه، وفرار كثير منهم إلى (معاوية )، طلباً لما بين يديه من الدنيا، فقالوا له: يا أمير المؤمنين اعط هذه الأموال، وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، ومن يخاف خلافه عليك من الناس وفراره إلى (معاوية)، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور ؟‍ لا والله لا أفعل ما طلعت شمس، ولاح في السماء نجم، لو كان مالهم لي لواسيت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم ).

وعن مجمع التميمي قال: كان عليّ يكنس بيت المال ويصلي فيه يتخذه مسجداً رجاء أن يشهد له يوم القيامة. وعن عنترة الشيباني قال: كان عليّ لا يدع في بيت المال ما لا يبيت فيه حتى يقسمه إلا أن يغلبه شغل فيصبح إليه، وكان يقول: (يادنيا لا تغريني وغري غيري) (79).

وذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة بأنَّ: علياً عليه السلام إذا صلى الفجر لم يزل معقباً إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس فيعلمهم الفقه والقرآن وكان له وقت يقوم فيه من مجلسه ذلك(80).

لله درك يا أمير المؤمنين لم تفرق بين الناس إلا على أساس التقوى، أقمت العدل الإجتماعي الذي يريده الإسلام، وكنت للضعفاء عوناً، وللمظلومين سنداً، وللناس كل الناس نصيراً، ولذا وقف بوجهك أصحاب مطامع الدنيا وطلاب السلطة والجاه والمنصب.

* التخلف الفكري للعلمانيين وراء عدائهم للدين والتراث:

إنَّ نهج أمير المؤمنين (ع) وعدالته مع الناس جميعاً، وعهده السياسي والإداري إلى مالك الأشتر يدعونا إلى مناقشة أصول الحكم في الإسلام، فعلى الرغم من تباين تعاريف المجتهدين والفقهاء الإسلاميين بشأن السياسة والحكم إلا أنَّ المعنى الجوهري يأتي واحداً، متناسقاً مع القواعد الإسلامية العامة المشبعة بالأخلاق والعدل .

أما من يشذ عن هذه القواعد فهو حتماً من (وعاظ السلاطين)، الذين برروا (للسلطة الجائرة المستبدة) التي حكمت باسم الإسلام والإسلام منها براء، سواء كانت زمن (الدولة الأموية) أو (الدولة العباسية).

لهذا فإنَّ النظرية التي تصف السياسة الإسلامية بأنها: (ضرورة)، ثم تقطع عنها المرجعية القرآنية!! أو تعطيها (مشروعية) وإن لم تستند إلى نص شرعي، أو حتى وإن خالفت نصاً شرعياً!! هي نظرية ملفقة وخاطئة، ولا تعبّر عن روح الإسلام ومبادئه، بل عبّرت عن مصالح (الحاكم المستبد) والحفاظ على سلطته، وإلباس سياسته الجائرة لباس الدين.

وقد استغل المستشرقون مثل هذه النظريات لاتهام الإسلام بـ(القسوة)، وبأنه لم يضع (طرحاً سياسياً للمجتمع، وإنما أقرت السياسة الإسلامية وفقاً لظروف معينة، فهي ليست ضرورة دينية بل ضرورة موضوعية)!! والغريب أنَّ هذه المقولات الاستشراقية قد تلقفها المتغربون، والعلمانيون، وبقايا الشيوعيين وأخذوا يرددونها معلنين عداءهم للحركة الإسلامية وللإسلاميين عموماً.

والحقيقة غير ذلك فالإسلام هو دين الرحمة والعدل. والإيمان لا يستقيم أبداً مع الجور والظلم. كما أنَّ حياة المسلم لا تستقيم إلا في مجتمع إسلامي تحكمه دولة إسلامية تقيم شرع الله، وتطبق أحكام القرآن ومبادءه الأخلاقية.

وهنا لا يمكن أن نتصور تطبيقاً حياً لمبادئ الإسلام إلا في ظل سلطة منفذة للأحكام والمبادئ بصورة شاملة، ومنظمة للعلاقات بين الأفراد، ومطبقة لسياسات داخلية وخارجية تخطط على ضوء وهدي السياسة الإسلامية العامة، وبهذا يتناسق ويتناغم سلوك الفرد المسلم مع القواعد والقوانين المطبقة، ولا يتناقض معها.

وفي ظل هذه الدولة الإسلامية يصبح مفهوم العبادة شاملاً، لا يقتصر على الصلاة والصوم والزكاة والحج، بل يتعداها ليشمل سلوك الناس ومعاملاتهم وارتباطاتهم، فكل عمل في هذه الحياة يتقرب به المسلم لله (عز وجل).

والسياسة بهذا الفهم الإسلامي تصبح عبادة، إذا كانت معبّرة وصادقة مع مبادئ الإسلام وأحكامه، وكانت تهدف إشاعة العدل والمساواة والتسامح بين الجميع، مهما كانت انتماءاتهم واعتقاداتهم الدينية.

وقد كان رسول (ص) عندما يبعث الولاة يوصيهم بوصايا وعهود، تأمرهم بالعدل والإحسان واتباع الحق وترك الظلم وتعليم الناس الأخلاق الفاضلة، كما في عهده (ص) إلى عمرو بن حزم عندما بعثه والياً، وكذلك في عهده إلى معاذ بن جبل.

وفي الزيارة الجامعة تقرأ أنَّ أهل بيت النبوة (ع) هم: (قادة الأمم، وأولياء النعم، وعناصر الأبرار، ودعائم الأخيار، وساسة العباد، وأركان البلاد).

لماذا...؟ لأنهم (ع) الامتداد الطبيعي لرسول الله (ص)، يمثلون أخلاقه، التي هي أخلاق القرآن، وهم مؤهلون لإقامة الحق والعدل بين الأمة.

وعلى صعيد آخر أرسل النبي (ص) الرسل إلى الدول الأخرى القريبة والبعيدة، مما يدل على أن الدولة الإسلامية منذ ولادتها اضطرت للحركة في محيطها الدولي، مستمدة القوة من الله، ومن سياستها الداخلية التي ألّفت بين الناس ـ كل الناس ـ بأخوة ومحبة وإيمان وعدل .

وحول ذلك يستشهد الدكتور صلاح المنجد بكتاب ابن الغراء (رسل الملوك ومن يصلح للسفارة)، وبكتاب الأرمنازي (الشروع الدولي في الإسلام) ويقول: (تجلو صفحة مضاءة من تاريخ الدبلوماسية والقانون الدولي العام في الإسلام، ويبرهن أنَّ أصول الدبلوماسية الغربية الحديثة كانت معروفة عند العرب المسلمين، وأنَّ ما استحدثه الغرب فيها في العصور الحديثة لم يكن سوى وليد الظروف والحاجة والتطور)(81).

وهكذا فإنَّ السياسة الإسلامية، سواء كانت داخلية أو دولية، من (ثوابت الشريعة) كما يقول المفكر الإسلامي محمد حسين الطباطبائي، الذي يعتبر السياسة متحركة تدخل: (في العناصر التشريعية الدينية التي يجب أن تبقى حية في المجتمع الإسلامي إلى الأبد. ومن هذا المنظور لابد أن يكون المسلمون جميعاً مسؤولين عن إقامة هذا الموقع والنهوض بالولاية والحكومة... فمسألة الولاية والحكم هي من الشؤون التي لا غنى لأي مجتمع عنها، فكل مجتمع يحتاج إلى الحكم والولاية سواء أكان المنهج المعتمد فيه استبدادياً أو قانونياً، أو سواء أكان المجتمع متقدماً أو متخلفاً، صغيراً أو كبيراً)(82).

أما الشيخ شمس الدين فيعتبر السياسة الإسلامية ومشروع الدولة نتيجة للتشريع وليس جزءاً منه، ولابد لهذه النتيجة التي تقررها نصوص شرعية من هيكلية وبرنامج متكامل لتخرج من الإطار النظري الفقهي إلى حيز الوجود والتطبيق.

ويضيف أيضاً بأنَّ: (مشروع الدولة على المستوى النظري نتيجة ضرورية للتشريع، وإن إقامتها ـ على المستوى العملي في المجتمع السياسي ـ نتيجة ضرورية لكون الأمة مسلمة ملتزمة بالشريعة)(83).

وكما قلنا يذهب بعض الإسلاميين ومنهم الطباطبائي إلى اعتبار السياسة ومشروع الدولة جزءاً يدخل في عناصر الشريعة وليس مجرد نتيجة. وأعتقد في هذا المجال أنَّ الشيخ شمس الدين لا يرمي من اعتبار (مشروع الدولة نتيجة للشريعة) الفصل بينهما، بل لتأكيد التلازم والتعاضد بين السياسة والتشريع، لأنَّ النتائج بالضرورة مرتبطة بمقدماتها، إضافة إلى وجود نصوص شرعية تؤكد على قيام الدولة وممارسة السياسة. لهذا يقول شمس الدين: (إنَّ فكرة الدولة والحكومة ـ في الإسلام ـ هي ضرورة تنبثق من طبيعة الشريعة الإسلامية وليست مجرد تشريع منفصل من جملة تشريعاتها)(84).

وهنا يكون الخلاف غير عميق بشأن اعتبار السياسة جزءاً من الشريعة، أو اعتبارها نتيجة للشريعة لأنَّ الجميع قد اتفق على وصف السياسة بأنها ضرورة دينية ملازمة للتشريع الإسلامي، أكدت عليها نصوص شرعية عديدة، وأنَّ قيام الدولة واجب ديني ملقى على عاتق المسلمين.

وضمن هذا السياق نفهم الأسباب التي دعت الروّاد الأوائل إلى عدم الاستفسار من الرسول (ص) عن الدولة ومشروعية قيامها، مع أنهم سألوا عن أشياء أخرى كثيرة، فهم قد أدركوا بالفطرة والعقل بديهية الموضوع السياسي الملازم لتطبيق أحكام الإسلام، والملازم لتثبيت قواعد المنهج الإسلامي في المجتمع.

وكخطوة أولى يدفع الإسلام الأفراد إلى المشاركة السياسية، كلاً حسب موقعه وعمله (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، ثم تبدأ الحركة الواعية للأمة تنشط من خلال مبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) لإصلاح أي خلل يصيب المجتمع، ولإعادة (عملية التغيير) المطلوبة إلى مسارها الصحيح.

ولكي تستقيم الحياة السياسية أكد الإسلام على أنَّ (أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر)، وهذا يقتضي إشاعة جو من الاستقرار والأمان مشبع بالحريات السياسية والفكرية، التي لا تخرج عن الإطار الإسلامي العام، بل تعيش في جوه، وتتنفس داخله.

فمن المؤكد أنَّ التنوع شيء إيجابي مطلوب، إذا حافظ والتزم بالمبادئ الأساسية الثابتة، وعمل ضمن آليات ووسائل متحركة ومتغيرة، تختلف باختلاف الأحزاب والفصائل والاتجاهات. بمعنى أوضح أنه تباين سياسي وفكري مرتبط وملتزم بالإسلام، ولا ينفك بالضرورة عن المبادئ والقواعد الإسلامية العامة.

إنَّ الحكم الإسلامي تقتضيه ترابط الأحكام في كل جانب من جوانب الإسلام، فلا يمكن أن يعطي الحكم الشرعي نتائجه وغاياته إلا بتطبيق شامل للأحكام الأخرى، وهذا يستدعي بالضرورة وجود دولة وحكومة.

الاقتصاد الإسلامي كمذهب يعطي حلوله للمجتمع من خلال واقع يرسمه الإسلام، فلا يمكن أن نتلمس نتائجه إلا من خلال تطبيق حي لكل تفاصيل القاعدة المذهبية الاقتصادية وارتباطها بالأحكام الأخرى الاجتماعية والسياسية، ولن يكون ذلك إلا بوجود سلطة إسلامية تنفيذية، تعيد الترابط، والحيوية، والحركة لمبادئ الإسلام في المجتمع. وبالتطبيق الواعي ستبرز مشاكل ومعوقات طبيعية نتيجة التطور والتقدم، وهنا يأتي دور (علم الاقتصاد الإسلامي) ليعطي تفسيره للمستجدات، ووضع قوانين للظواهر على ضوء المبادئ الأساسية للاقتصاد الإسلامي، مما يحفظ التناسق والعطاء بين الفرد والجماعة والمنهج المطبق، لأنَّ المجتمع آمن بالإسلام عقيدة وشريعة ولا يمكن له أن يبحث عن حلول لمشاكله خارج إطار الإسلام.

بمعنى أدق أنَّ الاقتصاد الإسلامي مذهب له مبادؤه وقواعده الأساسية المتصلة بفكرة العدالة الاجتماعية، وهذه الفكرة تلقي على عاتق المفكرين الإسلاميين مسؤولية جسيمة للتنظير (لعلم اقتصادي) يفسر الظواهر على ضوء القاعدة المذهبية الإسلامية الأساسية(85)، وذلك يقتضي وجود منهج إسلامي مطبق، وسلطة حاكمة تنفذ ما تمليه السياسة الاقتصادية الإسلامية المستندة إلى (علم الاقتصاد الإسلامي).

وهكذا سيكون لدينا (علم سياسة)، و(علم اجتماع)، و(علم اقتصاد) تهتدي بهدي القرآن في تفسيرها للظواهر، وتحليلها للعوائق، وفي وضع الحلول المناسبة للمشكلات المستعصية جراء تقدم العصر وتطوره.

ونؤكد أنَّ ذلك لن يحدث إلا بعد تطبيق شامل وحيّ للمنهج الإسلامي العام، ولا يعقل تطبيق مثل هذا المنهج من دون سلطة وحكومة إسلامية. ويبقى تصورنا عقلياً محصوراً يعوزه (عمل دؤوب)، وحركة فاعلة تنقل الفكر إلى حيز التطبيق، لكي يعيش المسلم مع عقيدته ومبادئه بصورة عملية متخطية التنظير الفقهي.

وهذا بالطبع يعيد الشخصية المسلوبة للمجتمعات المسلمة، ويجعلها تتجاوز أزماتها وانحطاطها، ويشجعها للإجابة على تساؤلات حضارية ملحّة كدور المرأة وحريتها، وموضوع الديمقراطية، ودكتاتورية الدولة المستبدة، وحقوق الإنسان، فهي من المواضيع التي تُحلّ على ضوء المنهج الإسلامي المشبع بالأخلاق. بلحاظ أنَّ الجانب الأخلاقي يدخل في ثنايا وجوهر كل المبادئ والقيم الإسلامية.

مقومات الحكم الإسلامي بالشكل الذي طرحناه وفق ترابط الأحكام وانسجامها، وامتزاجها بعنصر الأخلاق والعدل يدعونا للقول إن الإسلام هو: نظام للحياة البشرية يقوم على أساس تحكيم شريعة الله وحدها في أوضاع الحياة كلها، وهذا التحكيم هو المقتضى الأول لشهادة أن لا إله إلا الله .

* الغرب ودعم الوسائل المحلية لمحاربة الإسلام والسيطرة على ثروات المسلمين:

والغريب أنَّ تيار المتغربين مارس عملية اغتيال للعقل العربي المسلم، وإلغاء الذاكرة الإسلامية من خلال الدعوة السيئة الصيت لاستيراد مناهج الغرب ونظمه وقيمه وسلوكياته، وإبعاد قيم وسلوكيات السماء عن واجهة الحياة بدعوى فصل الدين عن السياسة.

ودعوة التغرب هذه هي التي قادت إلى الاستسلام للغرب، وبالخصوص (الولايات المتحدة، وإسرائيل)، وأدت إلى انكسار العرب. فالإحباط العربي لم يأت من توازنات القوى الدولية فقط، ومن تغيّر الظروف العالمية لصالح (الولايات المتحدة) في النظام الدولي الجديد، بل كانت نتيجته الأساسية التخلف الداخلي والتشرذم الذي يتحمله العرب أنفسهم، لأنهم ابتعدوا عن دينهم وقيمهم وحضارتهم، والتصقوا بذلّ بقيم وسلوكيات أوروبا. ومع ذلك فإنَّ الإسلام مازال نشطاً ينتقل بوعي وقوة في مواقع متعددة لإعادة الأمل إلى النفوس. ولو قُدّر لفئة مؤمنة قليلة متسلحة بالإيمان أن تمسك زمام الأمور، ومواجهة التحديات المصيرية لرأيت كيف تتغير (المعادلات الدولية) لصالح قضايانا المركزية(86).

إنَّ التخلف الفكري عند العلمانيين العرب المتطرفين هو وراء عدائهم للدين والتراث، ودعوتهم لفصل الدين عن السياسة. وقد بدأوا بعد فشلهم في استيعاب المجتمع في ترديد مقولات غريبة في غاية السذاجة والسطحية تنم عن جهلهم فقالوا: إنَّ الإسلاميين عندما ينادون بالحل الإسلامي يناقضون أنفسهم بدعوتهم لتطوير المجتمع (تكنلوجياً )، لأنَّ (التكنلوجيا) صناعة غربية !! تصور مثل هذه العقلية التي تقود إلى هكذا تحليلات !!

هذا التخلف الفكري وعدم فهم الآخر يقود إلى مثل هذه التفسيرات التي يراد بها لوّي عنق الحقيقة، حيث يتم الخلط بين المعرفة كمشترك إنساني وبين الثقافة المتميزة والخصوصية والهوية. والملاحظ أنَّ المعرفة تعتبر من المشتركات التي توحد البشرية، ولا تلغي الخصوصية الثقافية للمجتمعات. ولذا فإنَّ العلوم الحديثة (والتكنلوجيا) من هذه المشتركات الإنسانية، التي لا تتناقض مع خصوصية المجتمع، إذا تم استغلالها بصورة لاتؤدي إلى الانبهار بالآخر والاستلاب الحضاري أمامه .

إنَّ المعرفة مشترك رائع بين الإنسانية لتطوير مجالات البحث، وترشيد العقل إلى غايات أكثر نضجاً وفائدة للمجتمع. وقد نجد في التاريخ صوراً من هذه المشتركات المعرفية، حيث أخذ اليونان من حضارة الهند القديمة، وأخذ المسلمون من حضارة اليونان، وأخذ الغرب في بداية نهضته من حضارة الإسلام. لقد تم ذلك ضمن منهجية أذابت الوافد الإجنبي في ثنايا المنهج العام الخاص لكل حضارة دون انبهار به، أي ضمن ثقافة وخصوصية المجتمع .

الفلاسفة المسلمون استفادوا من نظريات فلسفية قديمة تعود لآرسطو وسقراط وافلاطون، لكنهم لم يأخذوا هذه النظريات كمسلمات، بل حاولوا ترشيد هذه النظريات، وأذابوها في الفكر الإسلامي بصورة لم تعد بعدها علوماً أجنبية، فجاءت نظرياتهم الفلسفية غير متعارضة مع المنهج الإسلامي العام، الذي آمنوا به، وربطوا تفكيرهم داخله .

إنَّ الترجمة والنقل من الحضارات الأخرى لا بد أن تتم وفق أسس صحيحة وسليمة. كتاب المنطق مثلاً لآرسطو تُرجم وظهر في البصرة، ولكن آراء آرسطو وفلسفته لم تدخل في حسابات الفلاسفة المسلمين إلا من قبيل الاستفادة المجردة، التي لا ترتمي عند هذه الآراء الفلسفية برضوخ ورتابة .

ولذا فإنَّ نشوء علم الكلام الذي ظهر في البصرة، أدى إلى وصف البصرين بأنهم: أهل المنطق، الذين لم يتبنوا آراء آرسطو الفلسفية حرفياً، بل استفادوا من هذه الآراء بعد انتقادهم لكثير من جوانبها وحواشيها، التي لم تكن صحيحة، فأبدعوا في التوصل إلى قوانين منطقية رائعة تحركت ضمن المنهج الإسلامي وتقيدت بقيده. وهكذا أصبحت غاية المنطق وغاية الفلسفة عند الفلاسفة المسلمين هي التوصل إلى بداية الحكمة ونهايتها، أي معرفة الله سبحانه وتعالى وإثبات وجوده(87).

وبناء عليه فإنَّ المعرفة مشترك إنساني للبشرية جمعاء، ويكون الاختلاف بين المفكريين حول إدراك المعرفة ومصادرها، مثلاً المذاهب الوضعية الغربية تستند إلى الواقع المحسوس في إدراك المعرفة. وقد اعتبر الكثيرون أنَّ هذا الاتجاه هو تحديث للمقولات العقلية والمنطقية التي نادت بها النهضة الغربية. لكن هؤلاء لم يعرفوا أو تناسوا أنَّ النظرية الحسية هي نظرية قديمة في الفكر والحضارة الهندية القديمة. وقد أورد أبو القاسم البلخي (319 هـ) في كتابه (مقالات الإسلاميين) بأنَّ: الجهم بن صفوان ناظر أصحاب الفكر الحسي المعروفين (بالسُّمنيَّة) وعجز عن إقناعهم، فبعث إلى زعيم المعتزلة واصل بن عطاء فزوده برأي الإسلام في اكتساب المعرفة، أي التداخل بين العوامل المادية والعوامل غير المادية، وعدم إلغاء أثر الروح في المعرفة الإنسانية. فناظرهم الجهم بن صفوان من جديد وأقنعهم بخطأ منهجهم، حيث أسلموا على يد واصل بن عطاء(88).

إنَّ الفلسفة المادية الحديثة ليست معاصرة، كما رأينا، وغير علمية في بعض الجوانب، وهي أيضاً امتداد للفلسفة الإغريقية، التي خلطت الخرافة بالعقل منذ عهد ديموقريطس في القرن الخامس قبل الميلاد، وبلورت اتجاه النزعة المادية الدهرية التي ترى أنَّ المادة هي المصدر الوحيد للمعرفة، وأنَّ الفكر يُعد انعكاساً طبيعياً لها، والدين انعكاساً لأوهام الخوف من الظواهر المادية والقوانين الكونية المجهولة ؛ وهذا ماذهب إليه علماء المادة الغربيون في العصر الحديث، حيث خلطوا بين حقائق علمية صحيحة وبين أوهام وخرافات، ولا أدري كيف يحق للبعض أن يسمي ذلك إنجازاً علمياً ؟!

نظريات (أوكست كونت) تحاول أن تربط بين نظرية المعرفة والواقع المحسوس، كردة فعل عن ممارسات الكنيسة في أوروبا وتجميدها للعقل في إطار قوانين اللاهوت والخرافة. وهذا المنهج المتأثر بسلوك خاطئ من رجال الدين في أوروبا قد أدى إلى عداء غير مبرر علمياً للروح والإيمان، مما فسح المجال واسعاً للإلحاد والتنظير للمذهب الإشتراكي الشيوعي، الذي عانت منه الإنسانية طويلاً .

ويذكر محمد حسين الطباطبائي في كتابه (مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي) بأنَّ: (العلوم المادية تسعى دائماً لإماطة اللثام عن الخواص الداخلية المخفية في المادة، إلا أنها لا تستطيع أن تنفي ما وراء المادة وتبطل وجوده. فالذي يعتقد بعدم وجود شيء وراء الحس والتجربة إنما يعتقد بشيء لا دليل عليه، لأنَّ الاعتقاد بنفسه خارج عن نطاق التجربة ولم يخضع لها )(89).

الموت والحياة والعقل والجنون والانبهار والذوق الفني ليست أموراً مادية، ولا تدركها الحواس، وإنما تدل عليها آثارها الخارجية الثابتة بالدليل والتشخيص. ومع أنَّ ذلك ثابت عند المفكرين الغربيين إلا أنهم لا يحاولون إدخالها في تحليلاتهم التي يسمونها علمية، وقد حاول (غاستون باشلار) في كتابه (تكوين العقل العلمي مساهمة في التحليل النفساني للمعرفة الموضوعية) أن يقفز على هذه الحقائق ويدعو إلى الفكر المجرد(90).

ولكن هل التجريد وغلق العقل عن فهم حقائق الكون غير المادية ستغني نظرية المعرفة ؟ أعتقد لا، لأنَّ ذلك سيؤدي إلى مزيد من العداء للإيمان والروح والأخلاق.

كما أنَّ التجريد في الفكر والتحليل لا يمكن اعتباره قانوناً رياضياً لا يخطىء، حيث يمكن للفكر المجرد عن الخلفيات الثقافية والاجتماعية والدينية أن يتوصل إلى حقائق علمية ؛ ويمكن أيضاً أن يستنتج كثيراً من الخرافات والأوهام الظنية اللاعلمية.

ومنذ مئات السنين كانت الأسئلة الفكرية الحضارية واحدة، ففي زمن الانكسار يأتي التساؤل ماذا نفعل ؟ وذات التساؤل نراه عند الإنسان عبر التاريخ، ولا يقيد هذا التساؤل أو يسيء إليه إلا الخرافة والجهل والأوهام، التي كانت سابقاً تتستر بالأديان السماوية زوراً والأديان منها براء لكسب بعض المصالح الشخصية لأصحابها، وتتستر اليوم بالعلموية لإنكار وجود الله سبحانه وتعالى، أو في فصل الدين عن السياسة.

إنَّ الإسلام مازج في نظرية المعرفة بين المحسوسات والواقع الروحي غير المادي بعيداً عن الخرافة والجهل، ويتجلى ذلك بصورة بسيطة من خلال إطلاق العقل للتفكر في خلق السماوات والأرض، وهما من المحسوسات المادية، للوصول إلى نهاية الحكمة بالإيمان بالله عز وجل .

ومن خلال هذه النظرة المتحركة في الواقع المادي يفرز الإسلام مصالحة بين الإنسان والكون المحيط به، وهي فكرة تتناقض مع الفكر الغربي الذي يجعل (مبدأ الصراع) قائماً بعنف بين الإنسان والواقع المحيط، وفي حالة استنفار دائم مع البيئة والحياة والقوانين الكونية.

وقد انعكس ذلك على الثقافة الغربية بصورة عامة، حيث أصبح (مبدأ الصراع) قائماً بدون أخلاق في التعامل مع الشعوب الأخرى من أجل نهب ثرواتها، والقضاء على ثقافتها.

إنَّ انطلاق العقل، والمساهمة في تكوين العقل العلمي شيء ضروري للنهضة والتقدم، ولكن في حدود العقلانية التي لاتتبنى مفاهيم وأفكار ظنية يسميها البعض علمية، ثم يعممها بصورة حتمية على المصاديق الخارجية وكأنها قانون رياضي لا يقبل الخطأ.

لقد بدأ الغرب جهوده الحثيثة لفصل العلم عن الروح والأخلاق، فذهب (كونت) إلى وضع (مراحله العقلية) التي ابتدأت بالأساطير فالدين فالفلسفة ثم انتهت بالعلم!! وهو تدرج غير ناهض بسبب إفراطه الشديد في (الأحكام المطلقة)، حيث لم يكن العالم يوماً (دينياً صرفاً)، ولا (فلسفياً أو علمياً صرفاً)، إضافة إلى أنَّ (النظريات الاجتماعية) الحديثة أثبتت أهمية الدين والأخلاق بالنسبة للمجتمعات المتقدمة للحفاظ على تماسكها وتوازنها.

لهذا واجه التصنيف الذي وضعه (كونت) مأزقاً حرجاً، ولم يصمد طويلاً أمام النقد، خصوصاً وانّه جعل العقل البشري كمركز من مراكز (الفهم المطلق) للكون والحياة، في حين أنَّ العقل لا يستطيع الإحاطة بحقائق الكون لمحدوديته، فكلما اتسعت مدارك الإنسان، وتطورت العلوم، اكتُشفت حقائق جديدة كان يعتبرها العقل البشري غير علمية.

المسألة إذن ليست كما وصفها (كونت) في مراحله نحو العلم، بل في ارتباط هذا العلم بالمعرفة الصحيحة، واقترانه بالأخلاق والخير والفضيلة. لقد وقف (العلم الحديث) مذهولاً أمام (إنسان المايا)، الذي فهم بطريقته البدائية الترابط بين الزمان والمكان، أو بتعبير أوضح بين الزمان والفضاء كما يقول (أنشتاين )، دون أن يمر بمراحل (كونت)، التي أسماها: بالعقلية.

إنَّ هذه الحقائق استرعت انتباه بعض العلماء الغربيين، وجعلتهم يندفعون لانتقاد فكرة (العقل المطلق) لتخليص الفكر والمعرفة من بعض الأوهام، التي وصفها (بيكون) بأوهام العقل في كتابه (الأورجانون الجديد)، الذي ظهر عام 1620م باللاتينية باسم (العلامات الصادقة لتأويل الطبيعة).

بلحاظ أنَّ الفيلسوف (كانت) قد وضع كتاباً عام 1794م أسماه (الدين في حدود العقل وحده)، أوضح فيه أهمية الدين باعتباره يقوم على (التصورات الأخلاقية المثالية البعيدة عن التزمّت)، ومن المعروف أنَّ هذا الكتاب قد أثار رجال الدين المسيحيين والملك (فردريك)، لأن (كانت) اتجه فيه إلى تحليل العقل ونقده، وليس تحليل الظواهر العقلية ذاتها، لهذا قال الفلاسفة الغربيين: إن من يريد أن يبحث في (نظرية المعرفة) لابد أن يبدأ بكتاب (لوك): (مبحث العقل البشري)، ثم يتجه إلى كتاب (كانت): (نقد العقل الخالص).

إنَّ الاتجاه نحو (نقد العقل الخالص) أدى إلى ظهور آفاق معرفية جديدة، بحيث لم تسلم حتى (نظرية أنشتاين) من الانتقاد، بسبب تأثرها بـ(نظريات ديكارت) القائلة بـ(هيمنة العقل المطلق)، على الرغم من المكانة العلمية المرموقة، التي يحتلها (أنشتاين) ونظريته (النسبية).

وعلى إثر (الاكتشافات العلمية الحديثة) بالنسبة للصفات الوراثية، وتطور (علم الأحياء)، و(علم الآثار)، تم انتقاد ونسف (نظرية دارون: النشوء والارتقاء). أما (نظرية نيوتن) الفيزياوية، التي استند العلم الحديث إليها طويلاً، فقد تعرّضت للانتقاد الشديد بعد اكتشاف (مبادئ الفيزياء الحديثة). وكذلك تعرضت (نظريات فرويد) للمساءلة والنقد بعد تطور (النظريات البيولوجية الحديثة)، التي أثبتت أنَّ: (فرويد) لم يفهم الطبيعة النفسية للإنسان بصورة صحيحة وعلمية.

لهذا فإنَّ (النظريات) هي إسقاطات فكرية إبداعية، لكنها ليست الحقيقة العلمية المطلقة، لأنها لا تعتبر بديهيات ثابتة. كما أنَّ العلم هو وسيلة من وسائل المعرفة لإدراك الظواهر وتفسيرها، لكنه في الغرب اتخذ أبعاداً أكبر من حجمه، فأصبح مصدراً وحيداً للتشريع كدين جديد لا يعترف بالأخلاق، فتم استخدامه بخبث لإرهاب الشعوب الأخرى، وإركاعها لإرادة (النظام الدولي الجديد) بقيادة الولايات المتحدة الأميركية(91).

والغريب أنَّ بعض العلمانيين في بلادنا اتخذ هذه (العلموية الغربية) وسيلة لمهاجمة الإسلام، واتهام الإسلاميين بالتخلف والرجعية والاستبداد !! من أجل فصل الدين عن السياسة وإبعاد الحل الإسلامي عن المجتمع بصورة استبدادية، تتشابه مع استبدادية (نظام صدام البائد) العلماني الدموي، ومع ذلك يسمون أنفسهم بالديمقراطيين المنادين بالحرية السياسية !!

لقد انطلق هؤلاء من دون فهم بالإسلام في عملية نقد للأصول والثوابت الإسلامية بحجة تطور العصر، للقضاء على الإسلام المقاوم للمؤامرات الخارجية التي تريد السيطرة على مقدرات وثروات المنطقة، وتهيئة الأرضية الصالحة للإسلام الذليل الذي يراد له أن ينزوي في التكايا والمحاريب، ويمارس طقوساً عبادية لا تؤثر في حياة الناس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ولذا يتم الآن الاستعداد من قبّل العلمانيين وبقايا الشيوعيين لتشويه معالم الإسلام ومبادئه العامة، وإضعافه في نفوس الناس، وفصله عن سياسة المجتمع، وتسقيط العلماء الأعلام وتسفيه آرائهم. والمستفيد من ذلك كله أعداء الأمة العربية والإسلامية، لأنه يصب في مصلحة الولايات المتحدة وتسهيل سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط.

إنَّ الغرب قد شجع وما زال الوسائل والآليات المحلية التي تضعف الإسلام في نفوس المسلمين، وجندوا في سبيل ذلك مع الأسف الشديد بعض أبناء الأمة الإسلامية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومنهم تيار العلمانية.

ويذهب المحللون السياسيون إلى أنَّ هذا الاهتمام المتزايد بالإسلام جاء نتيجة أهمية المنطقة الإسلامية، ووجود النفط الذي كان له دور كبير في الخطط المستقبلية الاستراتيجية للغرب وللولايات المتحدة الأميركية(92).

وقد كتب (هنري كيسنجر) عن أهمية النفط في أيلول عام 1975 قائلاً: (إنَّ حظر تصدير النفط، الذي اقترن بزيادة أسعار النفط من قبل منظمة الأوبك، قد كلف الأميركيين نصف مليون من أماكن العمل وما يزيد على 10 مليارات دولار من الدخل الوطني، ورفع مؤشر الأسعار بنسبة 5 بالمائة على أقل تقدير، مما أسفر عن أشد تضخم مالي منذ الحرب العالمية الثانية، وأدى إلى تدهور خطير في العالم بأسره )(93).

إنَّ الإسلام كان العقبة الوحيدة أمام المصالح الغربية ومصالح أميركا في المنطقة، ولذا كان الاهتمام المتزايد به لتشويه معالمة وإضعافه في نفوس الناس، من أجل ضمان إشراف الولايات المتحدة على الثروات النفطية في الشرق الأوسط، وقد احتل ذلك المرتبة الثانية من حيث الأهمية في (المخططات الجديدة الاستراتيجية العسكرية )، التي رسمها البنتاغون، بعد مهمة ضمان الدفاع عن أميركا الشمالية وبلدان الناتو (94).

وقد اندلعت في هذا السياق الحرب العراقية الإيرانية التي أشعل فتيلها نظام دكتاتور العراق بمساعدة الغرب، لأنَّ الثورة الإسلامية الإيرانية قد أنزلت ضربة قوية لمصالح الغرب والولايات المتحدة في المنطقة، وبالخصوص المصالح النفطية(95).

لقد استغلت الولايات المتحدة النظام العلماني الاستبدادي البائد في بغداد من أجل محاربة الإسلام، ودفعه للحرب مع إيران، ولذا كان (صدام حسين) العلماني ومنذ سنوات طويلة يمثل سداً ضد الإسلام المقاوم(96). وقد تم خداعه لاحتلال الكويت لتتواجد أميركا عسكرياً في المنطقة. ويقول برهان غليون في كتابه (نقد السياسة العملية) أنَّ ذلك قد دمر ما بقي من التكتل العربي الإقليمي، وأدى إلى إحلال (خيار الاستسلام) مع العدو الصهيوني محل خيار المواجهة التاريخية العسكرية(97).

لقد خرجت الولايات المتحدة من حرب الخليج الثانية ـ التي أشعل فتيلها النظام البائد في العراق ـ بنصر مدو كرس قيادتها الدولية وهيمنتها العالمية الظالمة(98). ولذا فإننا نعتبر أنَّ احتلال العراق للكويت كان مؤذناً بنهاية عصر وبداية عصر آخر يتميز بالقطبية الواحدة في العلاقات الدولية(99). وقد نشر البنتاغون بعد تحرير الكويت وثيقتين تتناولان حقيقة أنَّ أميركا قد أصبحت حامية النظام العالمي، وعليها أن تتحرك بشكل مستقل عندما لا تتوفر الظروف الدولية للعمل الجماعي، أو في حالة القيام بعمل ثوري أو وجود أزمة، ومنع قيام نظام أمني أوروبي مستقل يكون قادراً على زعزعة استقرار حلف الأطلسي، واستيعاب ألمانيا واليابان في نظام جماعي للأمن تقوده الولايات المتحدة، والعمل على قهر خصوم محتملين إذا تطلعوا للعب دور أكبر(100).

وهذا ما يحدث بالضبط اليوم من تواجد عسكري أميركي في الخليج، واستيعاب أوروبا وعدم السماح لها بدور أكبر بالمنطقة، ومحاولة القضاء على الإسلام باسم مكافحة الإرهاب والأصولية. وعندما نبحث عن الأسباب والدوافع نجد بدون شك أنَّ وراءها: أهمية المنطقة الاستراتيجية، ووجود النفط، وحماية أمن العدو الصهيوني .

ومن المعروف أنَّ أميركا اعتبرت العدو الصهيوني رصيداً إقليمياً بين أرصدة إقليمية متعددة، فبعد حرب حزيران تأثرت واشنطن كثيراً بقوة الصهيونية في فلسطين المحتلة وأدخلتها ضمن (رصيدها الاستراتيجي )(101). وصار اليهود منذ ذلك التاريخ يدافعون عن أميركا والحضارة الغربية ضد العرب الذين يعتبرونهم: قبائل متخلفة(102)!!

لقد كتبت صحيفة (هاآرتس) الصهيونية مقالاً بعنوان (إسرائيل: الولاية الواحدة والخمسون للولايات المتحدة الأميركية) قالت فيه: (إنَّ زعماء إسرائيل وغالبية سكانها يلقون على عاتق الولايات المتحدة المسؤولية عن أمن إسرائيل ويبتدؤون بالاعتقاد بأنَّ إسرائيل هي ولاية أميركية فعلاً )(103).

إنَّ السياسة الأميركية الخارجية ودعمها للعدو الصهيوني، ووجود النفط في المنطقة أمور متلازمة يجب الانتباه لها في تحليلاتنا السياسية والفكرية. ومن الملاحظ أنَّ الولايات المتحدة قد بدأت بعد احتلال الكويت، من قبل النظام البائد المتسلط على بغداد، الاستعداد لمجابهة الشعوب والدول المعارضة لها. وقد كتب (ميشيل كلير) في مجلة (نيشن) الصادرة في الأول من حزيران 1990 بأنَّ: (الكليات العسكرية تقوم بتنفيذ برامجها لتلائم الأهداف المرسومة، وهكذا أعلنت كلية حرب الأسطول أنَّ دراسة استراتيجيات الحرب يجب أن تشدد على (الحرب المدينية)، والإرهاب، والأزمات ضعيفة الشدة. تستدعي الأشكال الجديدة للصراع المتوسط الشدة مع الأعداء في العالم الثالث انتباهاً خاصاً، لو أخذت بعين الاعتبار الحاجة الحيوية لبسط سلطة معينة على أقاليم أخرى، ويبقى متاحاً الوصول إلى الأسواق والمواد الأولية في المناطق البعيدة ).

أخطر ماسببته السياسة العلمانية الدكتاتورية لنظام (صدام حسين المخلوع) باحتلالها للكويت هو تمكين الولايات المتحدة من تنفيذ برامجها الخارجية في المنطقة، وتغيير المواجهة التاريخية مع العدو الصهيوني، حيث عمقت التيار الاستسلامي العربي الذي بدأ ينشط منذ بداية الثمانينات عبر السياسة الساداتية المتعلقة بالقضية العربية الصهيونية، والبحث عن الحلول السياسية والدبلوماسية للقضية واستبعاد خيارات الحرب. وكانت النتيجة التنازل عن القضايا المركزية، والتوقيع على اتفاقية أوسلو الهزيلة التي فرط الفلسطينيون بها حقوقهم المشروعة .

إنَّ هذا التراجع العربي الخطير عن القضايا المصيرية كان سببه السياسات اللاعقلانية لنظام بغداد البائد، وعدم وجود (سياسة استراتيجية) للعرب في مواجهة التحديات الخارجية التي تواجهها الأمة، وابتعاد المجتمع عن منهج الإسلام المقاوم، واعتناق العلمانية كدين جديد ومنهج سياسي ألبس لباس الدكتاتورية لخنق الرأي الآخر.

مازلنا إلى اليوم دون (تخطيط استراتيجي) ومنهجية علمية تعيد لنا حقوقنا المشروعة ؛ مازلنا خاضعين للفعل ورد الفعل بدون سياسة موضوعية وتخطيط مدروس لمعالجة الأزمات والإشكاليات. نحن بحاجة إلى منهج أصيل يقرأ الأحداث بعيون عربية إسلامية تستلهم مبادئ القرآن ولا تعاديها ؛ نحن بحاجة إلى سياسة المقاومة للمؤامرات الخارجية التي تستهدف المنطقة العربية والإسلامية .

إنَّ أميركا اللاتينية تعيش حالة الجريمة والمخدرات والتشرذم، والاتحاد السوفيتي شطب من الخارطة السياسية وبدا الروس بعد ذلك في دمار اقتصادي واجتماعي مرعب، والصين محاصرة ولا تشكل أية أزمة في الوقت الراهن للولايات المتحدة، وأفريقيا تعيش المرض والجوع والديون المتراكمة، ولم يبق غير المنطقة العربية والإسلامية التي تدرك أميركا أنها تعيش في حالة مخاض، على الرغم من أنها تعيش في حالة ركود وأزمات، لأن شعوبها شعوب حية بوجود الإسلام ومبادئه، ولذا بدأ الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة مؤخراً بإعادة مقولة: صراع الحضارات الذي نظر له (هانتنجتون)، وكانت امتداداته لمواجهة العالم الإسلامي باسم مكافحة الإرهاب.

لقد أوردت واشنطن كثيراً من المزاعم الملفقة والمتناقضة بشأن (المعركة ضد الإرهاب أو التدخل الإنساني، أو الدفاع عن حقوق الإنسان، لتبرير الاعتداءات المباشرة على الدول المتهمة، ووضع العراقيل في وجة التعامل التجاري معها، لقد تذرعوا (بتيان آن مين) لكبح نمو العلاقات الاقتصادية مع الصين، ولكن مقتل ألفي لبناني مدني في مذبحة قادها (آريل شارون) عام 1982 لم تكن كافية للحد من الدعم الأميركي لإسرائيل بالسلاح والمال، باعتبارها رأس حربة لوضع اليد على بترول الشرق الأوسط )(104).

***

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ تاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 81. والقرآن الكريم وروايات المدرستين ـ السيد مرتضى العسكري ـ ج 2 ص 515 .

2 ـ تاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 81 .

3 ـ المصدر نفسه ـ ج 3 ص 81 وما بعدها .

4 ـ تاريح الطبري ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 450 .

5 ـ تاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 82 .

6 ـ المصدر نفسه ـ ج 3 ص 82. وتاريخ الطبري ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 451 .

7 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 174. وتاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 83. وتاريخ الطبري ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 453 .

8 ـ تاريخ الطبري ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 450 .

9 ـ الإمامة والسياسة ـ ابن قتيبة الدينوري ـ ج 1 ص 65.

10 ـ المصدر نفسه ـ ج 1 ص 71 .

11 ـ سورة التوبة الآية 12 .

12 ـ مستدرك الوسائل ـ النوري الطبرسي (باب حكم قتال البغاة) ـ ج 11 ص 64 رقم الحديث 12434.

13 ـ الإمامة والسياسة لابن قتيبه ـ المصدر السابق ـ ج 1 ص 70 .

14 ـ تاريخ الطبري ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 457 .

15 ـ تاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 92 .

16 ـ راجع تاريخ الطبري ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 464 .

17 ـ راجع فتح الباري ـ ج10 ص197. وتاريخ ابن كثير ـ ج8 ص89. وفي ترجمة عبدالرحمن بن أبي بكر من تاريخ دمشق لابن عساكر.

18 ـ راجع الكامل للمبرد ـ ص222.

19 ـ مسلمون ثوار ـ محمد عمارة ـ ص60.

20 ـ المصدر نفسه ـ ص60.

21 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 170 .

22 ـ تاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 186 وما بعدها .

23 ـ المصدر نفسه ـ ج 3 ص 188 وما بعدها .

24 ـ صحيح مسلم ـ المصدر السابق ـ ج 4 ص 1870 باب فضائل عليّ بن أبي طالب رقم الحديث (2404).

25 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 189 .

26 ـ المصدر نفسه ـ ص 188 .

27 ـ صحيح مسلم ـ المصدر السابق ـ ج 4 ص 1882 رقم الحديث (2421) .

28 ـ الحركة الإسلامية في ضوء المتغيرات الدولية ـ قاسم خضير عباس ـ المصدر السابق ـ ص214 ـ 219.

29 ـ شرح نهج البلاغة للبحراني ـ المصدر السابق ـ ج 5 ص 118 .

30 ـ المصدر نفسه ـ ج 5 ص 88 .

31 ـ المصدر نفسه ـ ج 5 ص 130 .

32 ـ المصدر نفسه ـ ج 5 ص 134 وما بعدها .

33 ـ المصدر نفسه ـ ج 5 ص 135 .

34 ـ المصدر نفسه ـ ج 5 ص 136 ـ 140 .

35 ـ سورة النساء الآية 59 .

36 ـ شرح نهج البلاعة للبحراني ـ المصدر السابق ـ ج 5 ص 149 ـ 157 .

37 ـ المصدر نفسه ـ ج 5 ص 171 ـ 186 .

38 ـ الإسلام والتعددية ـ محمد عمارة ـ المصدر السابق ـ ص 149 .

39 ـ سورة النساء الآية 135 .

40 ـ سورة البقرة الآية 123 .

41 ـ سورة النساء الآية 58 .

42 ـ سورة المائدة الآية الثامنة .

43 ـ سورة المائدة الآية 42 .

44 ـ سورة الأنعام الآية 152 .

45 ـ سورة النحل الآية 76 .

46 ـ سورة النحل الآية 90 .

47 ـ سورة الشورى الآية 15 .

48 ـ سورة الحجرات الآية التاسعة.

49 ـ مستدرك العلامة النوري الطبرسي ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 317 .

50 ـ المصدر نفسه ـ ج 11 ص 317 وما بعدها .

51 ـ المصدر نفسه ـ ج 11 ص 321 .

52 ـ وسائل الشيعة ـ العلامة الحر العاملي ـ ج 15 ص 293 باب (وجوب العدل ).

53 ـ المصدر نفسه ـ ج 15 ص 395 باب (وجوب العدل) .

54 ـ مستدرك النوري الطبرسي ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 320 ومابعدها باب (لا يجوز لمن وصف عدلاً أن يخالفه إلى غيره) .

55 ـ سورة الشعراء الآية 94 .

56 ـ وسائل الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 15 ص 296 باب (لايجـوز لمن وصف عــدلاً أن يخالفه إلى غيره).

57 ـ سورة البقرة الآية 190 .

58 ـ سورة المائدة الآية الثامنة .

59 ـ مستدرك النوري الطبرسي ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 316 .

60 ـ سورة الأنفال الآية 61 .

61 ـ سورة النساء الآية 90 .

62 ـ سورة التوبة الآية السابعة .

63 ـ سورة التوبة الآية السادسة .

64 ـ سيرة ابن هشام ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 202 ومابعدها .

65 ـ مستدرك النوري الطبرسي ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 44 ومابعدها .

66 ـ شرح نهح البلاغة للبحراني ـ المصدر السابق ـ ج 5 ص 182 .

67 ـ القانون الدولي العام ـ الدكتور عبد الباقي نعمة عبد الله ـ ص 94 .

68 ـ المصدر نفسه ـ ص 95 .

69 ـ القانون الدولي العام ـ الدكتور علي صادق أبو هيف ـ ص 28 .

70 ـ المصدر نفسه ـ ص 28 .

71 ـ القانون الدولي ـ الدكتور عبد الباقي ـ المصدر السابق ـ ص 95 .

72 ـ كتاب المكاسب ـ الشيخ مرتضى الأنصاري ـ ج 1 ص 178 .

73 ـ المصدر نفسه ـ ج 1 ص 179 .

74 ـ المصدر نفسه ـ ج 1 ص 183 .

75 ـ وسائل الشيعة للحر العاملي (باب الجهاد) ـ المصدر السابق ـ ج 15 ص 66 .

76 ـ شرح نهج البلاغة للبحراني (خطبته عليه السلام بأنَّ الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطرات المطر) ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 3 .

77 ـ مستدرك النوري الطبرسي ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 126 .

78 ـ المصدر نفسه ـ ج 11 ص 90 وما بعدها .

79 ـ حياة الصحابة للكاندهلوي ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 178 .

80 ـ شرح النهج لابن أبي الحديد ـ ج 4 ص 9 .

81 ـ النظم الدبلوماسية في الإسلام -صلاح المنجد ـ ص5.

82 ـ مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي ـ محمد حسين الطباطبائي ـ ص181.

83 ـ في الاجتماع السياسي الإسلامي ـ الشيخ محمد شمس الدين ـ المقدمة.

84 ـ المصدر نفسه ـ ص79.

85 ـ اقتصادنا ـ الشهيد المفكر محمد باقر الصدر ـ ص381.

86 ـ الحركة الإسلامية في ضوء المتغيرات الدولية ـ قاسم خضير عباس ـ المصدر السابق ـ ص 103 ـ 113.

87 ـ أزمة سلام الشرق الأوسط ـ قاسم خضير عباس ـ ص 116 وما بعدها .

88 ـ الإسلام والتعددية ـ الدكتور محمد عمارة ـ المصدر السابق ـ ص 100 .

89 ـ مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي ـ المصدر السابق ـ محمد حسين الطباطبائي ـ ص 136 .

90 ـ تكوين العقل العلمي مساهمة في التحليل النفساني للمعرفة الموضوعية ـ غاستون باشلار –ص 7 .

91 ـ الحركة الإسلامية في ضوء المتغيرات الدولية ـ قاسم خضير عباس ـ المصدر السابق ـ ص 254-256 .

92 ـ التآمر ضد العرب ـ آناتولي آجاريشيف ـ المصدر السابق ـ ص 5 .

93 ـ المصدر نفسه ـ ص 6 .

94 ـ المصدر نفسه ـ ص 11 .

95 ـ المصدر نفسه ـ ص 89 .

96 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط ـ روجيه غارودي ـ المصدر السابق ـ ص 50 .

97 ـ نقد السياسة العملية ـ العرب ومعركة السلام ـ برهان غليون ـ ص 17 .

98 ـ المصدر نفسه ـ ص 8 .

99 ـ مصداقية النظام الدولي الجديد ـ قاسم خضير عباس ـ المصدر السابق ـ ص 61 .

100 ـ أميركا طليعة الانحطاط ـ غارودي ـ المصدر السابق ـ ص 67 وما بعدها .

101 ـ صناعة الهولوكوست ـ الدكتور نورمان فنكلشتين ـ ص 28 وما بعدها .

102 ـ المصدر نفسه ـ ص 30 .

103 ـ المصدر نفسه ـ ص 25 .

104 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط ـ غارودي ـ المصدر السابق ـ ص 14 .