الفصل الثالث

الإمام عليّ (ع) أقضى صحابة رسول الله (ص)

 

* قضاء عليّ عليه السلام يستند إلى مبادئ السماء:

أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان شامخاً بعلمه، الذي استقاه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقد ذكر الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الناس من شجر شتى، وأنا وعليّ من شجرة واحدة )(1).

وروى السيوطي قائلاً: لم يكن أحد من الصحابة يقول (سلوني) إلا عليّ(2). وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة قالت: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ ؛ لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض )(3). ولذا فإن عمر بن الخطاب قال مرة: عليّ أقضانا(4). وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أفرض أهل المدينة وأقضاها عليّ بن أبي طالب(5).

وعن سعيد بن أبي الخصيب، عن الإمام جعفر بن محمد في حديث، أنه قال لابن أبي ليلى: فبلغك عن رسول الله (ص) أنه قال: (إنَّ علياً أقضاكم؟). قال: نعم. قال: فكيف تقضي بغير قضاء عليّ (ع)، وقد بلغك هذا ؟! فما تقول: إذا جيء بأرض من فضّة وسماوات من فضّة، ثم أخذ رسول الله (ص) بيدك، فأوقفك بين يدي ربّك، وقال: يارب إنَّ هذا قد قضى بغير ما قضيت؟!(6) .

إنَّ أمير المؤمنين (ع) كان حريصاً في قضائه على أحكام الله سبحانه وتعالى وسنة رسول الله (ص)، ولذا أكد على عماله بضرورة اختيار القاضي الصالح وإقامة العدل بين الناس، حيث ورد عنه (ع) قوله: (ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تُمحكُهُ الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يَحصَرُ من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تُشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ؛ وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم ؛ ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستمليه إغراء، وأولئك قليل، ثم أكثر تعاهُد قَضائِهِ، وافسح له في البذل مايزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك مالا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظراً بليغاً )(7).

ويعقب العلامة الشيخ الحر العاملي في كتابه القيم (وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) على ذلك بقوله بأنَّ: الحديث الأخير (أي البذل للقاضي) محمول على إعطاء القاضي من بيت المال، لا لأجل أن يقضي، بل لأنَّ له حقاً فيه كأمثاله(8).

ويذهب السيد أبو القاسم الخوئي في (منهاج الصالحين) باب أحكام القضاء والشهادات إلى أنَّ: أخذ الأجرة من المتخاصمين فيه إشكال، والأظهر الجواز، كما أنَّ الظاهر أخذ الأجرة على الكتابة(9).

* وظائف القاضي الصالح:

إنَّ القاضي المسلم يطبق أحكام الله في قضائه ويتحرى عن الحقيقة لإشاعة عدالة الإسلام في المجتمع، فعن ابن محجوب، رفعه عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال عن القاضي الجاهل الذي يحكم برأيه: (جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، وإن خالف قاضياً سبقه، لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله، وإن نزلت له إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشواً من رأيه، ثم قطع، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شيء مما أنكر )(10).

ونُقل عن سلمة بن كهيل الشروط التي لا بد من توافرها في القاضي المسلم، الذي يقضي بالعدل بين الناس، فقال سمعت علياً (عليه السلام) يقول لشريح: انظر إلى أهل المقدرة واليسار ممن يدلي بأموال الناس إلى الحكّام، فخذ للناس بحقوقهم منهم، وبع فيها العقار والديار، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: مطل المسلم الموسر ظلم للمسلم. ومن لم يكن له عقار، ولا دار، ولا مال فلا سبيل عليه. واعلم أنّه لا يحمل الناس على الحقّ، إلا من ورعهم عن الباطل. ثم واسِ بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك، حتى لا يطمع قريبك في حيفك، ولا ييأس عدوّك من عدلك. وردّ اليمين على المدّعي مع بيّنته، فإنَّ ذلك أجلى للعمى، وأثبت في القضاء. واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض، إلاّ مجلود في حدّ لم يتب منه، أو معروف بشهادة زور، أو ظنين. وإيّاك والتضجّر والتأذّي في مجلس القضاء، الذي أوجب الله فيه الأجر، ويحسن فيه الذخر لمن قضى بالحقِّ. واعلم أنَّ الصلح جائز بين المسلمين إلاّ صلحاً حرَّم حلالاً، أو أحلّ حراماَ. واجعل لمن ادّعى شهوداً غيّباً أمداً بينهما، فإن أحضرهم أخذت له بحقّه، وإن لم يحضرهم أوجبت عليه القضية. وإياك أن تنفذ قضية في قصاص، أو حدّ من حدود الله، أو حقّ من حقوق المسلمين، حتى تعرض ذلك عليَّ إن شاء الله، ولا تقعد في مجلس القضاء حتّى تطعم (11).

وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لشريح: ياشريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي(12). وقد أشار المحقق الحلي في كتابه (شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) إلى وظائف القاضي وذكر منها: التسوية بين الخصمين، في السلام، والجلوس، والنظر، والإنصات، والعدل في الحكم(13). ويشترط في القاضي: البلوغ، وكمال العقل، والإيمان، والعدالة، وطهارة المولد، والعلم، والذكورة(14).

وعن عبد الله بن عليّ الحلبي، قال: قال الإمام أبو عبد الله (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لعمر بن الخطاب: ثلاث إن حفظتهنَّ وعملت بهنَّ كفتك ماسواهنّ، وإن تركتهنّ لم ينفعك شيء سواهنّ، قال: وما هنّ يا أبا الحسن ؟ قال: إقامة الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب الله في الرضا والسخط، والقسم بالعدل بين الأحمر والأسود، قال عمر: لعمري لقد أوجزت وأبلغت(15).

وهكذا فإنَّ القاضي المسلم يحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى بالعدل والإنصاف، ولذا يقول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بأنَّ: يد الله عزوجل فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة فإذا حاف في حكمه وكله الله إلى نفسه(16).

وعن عليّ بن أبي حمزة عن عبد الله بن وضاح قال: كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم فقدمته إلى الوالي فأحلفته فحلف وقد علمت أنه حلف يميناً فاجرة فوقع له بعد ذلك عندي أرباح ودراهم كثيرة فأردت أن أقبض الألف درهم التي كانت لي عنده وأحلف عليها فكتبت إلى أبي الحسن عليه السلام فأخبرته أني قد حلفته فحلف وقد وقع له عندي مال فإن أمرتني أن آخذ منها الألف درهم التي حلف عليها فعلت ؟ فكتب عليه السلام: (لا تأخذ منه شيئاً إن كان ظلمك فلا تظلمه، ولولا أنك رضيت بيمينه فحلفته لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك ولكنك رضيت بيمينه فقد مضت اليمين بما فيها ). فلم آخذ منه شيئاً وانتهيت إلى كتاب أبي الحسن عليه السلام(17).

* آداب القضاء عند أمير المؤمنين عليّ عليه السلام:

ومن الملاحظ أنَّ علياً عليه السلام قد أوضح آداباً للقضاء منها قوله لشريح القاضي: لا تسار أحداً في مجلسك، وإن غضبت فقم ولا تقضين وأنت غضبان(18). وفي موضع آخر يقول أمير المؤمنين عليه السلام: من ابتلى بالقضاء فليواس بينهم في الإشارة وفي النظر وفي المجلس(19). وقد أشار (ع) أيضاً إلى الخطأ الذي يقع به القاضي عند الحكم، وقضى حسب ماورد عن الأصبغ بن نباتة بأن: ما أخطأت القضاة في دم، أو قطع، فهو على بيت مال المسلمين(20).

ومن آداب القضاء أن يجلس القاضي في موضع بارز، مثل رحبة أو فضاء، ليسهل الوصول إليه. ثم يبدأ بقضايا الناس وودائعهم، ويسأل عن أهل السجون، ويثبت أسماءهم، وينادي في البلد بذلك ليحضر الخصوم، ويجعل لذلك وقتاً، فإذا اجتمعوا أخرج اسم واحد واحد، ويسأله عن موجب حبسه، وعرض قوله على خصمه، فإن ثبت لحبسه موجب أعاده، ثم يسأل عن الأوصياء على الأيتام، ويعتمد معهم مايجب من تضمين، وإذا تعدى أحد الغريمين سنن الشرع، عرفه خطأه بالرفق، فإن عاد زجره، فإن عاد أدبه بحسب حاله(21). ويذهب المحقق الحلي في (شرائع الإسلام) إلى :كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، وكراهة أن يتخذ حاجباً وقت القضاء(22).

وعن السكوني عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال: إنَّ رجلاً نزل بأمير المؤمنين (عليه السلام )، فمكث عنده أياماً، ثم تقدم إليه في خصومة لم يذكرها لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له: أخصم أنت ؟ قال: نعم، قال: تحوّل عنا، فإنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى أن يضاف الخصم، إلا ومعه خصمه(23).

* أشاع عليّ بن أبي طالب عدالة الإسلام بين الناس:

كان عليه السلام عادلاً مع الناس جميعاً، وقد ورد عنه أنه (ع) (كان ماراً بالسوق فإذا هو بنصراني يبيع أدرعاً فعرف عليّ الدرع فقال: هذه درعي، بيني وبينك قاضي المسلمين. وكان قاضي المسلمين شريحاً ؛ كان عليّ استقضاه. فقال شريح: ماتقول يانصراني ؟ فقال النصراني: ما أكذب أمير المؤمنين الدرع درعي. فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده فهل من بيّنة ؟ فقال عليّ: صدق شريح. فقال النصراني: أما أنا فأشهد أنّ هذه أحكام الأنبياء، وأمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه، هي والله يا أمير المؤمنين درعك. اتبعتك وقد زالت عن جملك الأورق فأخذتها. فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله. فقال عليّ: أما إذ أسلمت فهي لك )(24)، ولم يزل معه حتى قتل، وقيل شهد معه قتال الخوارج(25).

ويذكر أنَّ أمير المؤمنين (ع) كان قاعداً في مسجد الكوفة فمر به عبد الله بن قفل التميمي ومعه درع طلحة فقال له عليّ عليه السلام: هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقال له عبد الله بن قفل: اجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه وبين عبد الله شريحاً فقال له: هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريح: هات على ماتقول بيّنة فأتاه بالحسن عليه السلام فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقال: هذا شاهد واحد ولا أقضي بشهادة شاهد واحد حتى يكون معه آخر، فدعا قنبراً فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك ولا أقضي بشهادة المملوك، فقال عليّ خذوها فإن هذا قضى بجور ثلاث مرات. فتحول شريح عن مجلسه ثم قال: لا أقضي بين إثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرات، فقال له: إني لما أخبرتك أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هات على ما تقول بيّنة وقد قال رسول الله (ص): حيث ما وجد غلول أخذ بغير بيّنة، فقلت: إنك رجل لم يسمع الحديث فهذه واحدة، ثم أتيتك بالحسن عليه السلام فشهد فقلت: هذا واحد ولا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بشهادة واحد ويمين فهاتان ثنتان، ثم أتيتك بقنبر فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك ولا أقضي بشهادة المملوك، ولا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً، ثم قال: ويلك أو ويحك إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا(26).

لقد أشاع عليّ (ع) عدالة الإسلام بين الناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين، لهذا كانوا يعيشون في ظله بأمن وسلام وطمأنينة في المال والجسد والأرض، فالعدل بمعناه الواسع يشمل القضاء وأحكام القضاة والمساواة أمام القانون وغيرها من أوجه العدل بين الناس، وتحقيق مصالحهم.

ففي هذا الجو المفعم بالعدالة الاجتماعية التي أشاعها أمير المؤمنين عليه السلام، تبرز مبادئ الإسلام الداعية إلى احترام حقوق الناس ومصالحهم المشروعة، وبضمنها حقهم في رفع الدعوى حتى على السلطة الحاكمة(27).

كان عليه السلام يقتدي بسيرة رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم في إشاعة العدل في المجتمع، فقد روى عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عمه: أنَّ النبي (ص) إبتاع فرساً من أعرابي، فأسرع ليقضيه ثمن فرسه، فأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون بأنَّ النبي (ص) إبتاعها حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم، فنادى الأعرابي، فقال: إن كنت مبتاعاً لهذا الفرس فابتعه، وإلا بعته. فقام النبي (ص) حين سمع الأعرابي، فقال: أوليس قد ابتعته منك ؟ فطفق الناس يلوذون بالنبي (ص) وبالأعرابي، فقال الأعرابي: هلمَّ شهيداً يشهد أني قد بايعتك .

وجاء أصحاب رسول الله (ص) وقالوا للأعرابي: إنَّ النبي (ص) لم يكن يقول إلا حقاً. ثم جاء خزيمة بن ثابت، فاستمع لمراجعة النبي (ص) للأعرابي فقال خزيمة: إني أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي (ص) على خزيمة، فقال: بما تشهد ؟ فقال: بتصديقك يارسول الله. فجعل رسول الله (ص) شهادة خزيمة بن ثابت شهادتين، وسماه ذا الشهادتين(28).

ويعقب العلامة الحر العاملي في كتابه القيم (وسائل الشيعة) على هذه الرواية بقوله: وقد تقدم أحاديث كثيرة تدل على وجوب العمل بالعلم، والنهي عن القول بغير علم (29).

ومن الملاحظ أنَّ الإمام علياً (ع) قد أجاز شهادة حتى المملوك في القضايا والمنازعات إذا كان عادلاً وذلك لتحقيق العدل والإنصاف، وكان أول من رد شهادة المملوك الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك أنه تقدم إليه مملوك في شهادة فقال: إن أقمت الشهادة تخوفت على نفسي وإن كتمتها أثمت بربي فقال عمر: هات شهادتك أما إنا لا نجيز شهادة مملوك بعدك(30).

* الإمام عليّ (ع) يؤسس لعلم التحقيق الجنائي بعد نبي الله داوود (ع):

إنَّ الإسلام يوجب على القاضي تحري الحقيقة من أي مصدر، ومعرفة عدالة الشهود، فقد جاء في تفسير الإمام الحسن بن عليّ العسكري عليه السلام عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، قال: كان رسول الله (ص) إذا تخاصم إليه رجلان قال للمدّعي: ألك حجّة ؟ فإن أقام بيّنة يرضاها ويعرفها، أنفذ الحكم على المدّعى عليه، وإن لم يكن له بيّنة حلف المدّعى عليه بالله ـ إلى أن يقول ـ وإذا جاء بشهود لايعرفهم بخير ولا شرّ، قال للشهود: أين قبائلكما ؟ فيصفان، أين سوقكما ؟ فيصفان، أين منزلكما ؟ فيصفان، ثمَّ يقيم الخصوم والشهود بين يديه، ثمَّ يأمر (فيكتب أسامي المدّعي والمدّعى عليه والشهود، ويصف ماشهدوا) به، ثمَّ يدفع ذلك إلى رجل من أصحابه الخيار، ثمَّ مثل ذلك إلى رجل آخر من خيار أصحابه، ثمَّ يقول: ليذهب كل واحد منكما من حيث لا يشعر الآخر إلى قبائلهما وأسواقهما ومحالّهما والربض الذي ينزلانه، فيسأل عنهما، فيذهبان ويسألان، فإن أتوا خيراً وذكروا فضلاً رجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبراه، أحضر القوم الذي أثنوا عليهما، وأحضر الشهود، فقال للقوم المثنين عليهما: هذا فلان بن فلان، وهذا فلان بن فلان، أتعرفونهما؟ فيقولون: نعم، فيقول: إنَّ فلاناً وفلاناً جاءني عنكم فيما بيننا بجميل وذكر صالح أفكما قالا، فإن قالوا: نعم قضى حينئذ بشهادتهما على المدّعى عليه، فإن رجعا بخبر سيّيء وثناء قبيح دعا بهم، فيقول: أتعرفون فلاناً وفلاناً ؟ فيقولون: نعم، فيقول: اقعدوا حتى يحضرا، فيقعدون فيحضرهما، فيقول للقوم: أهما هما ؟ فيقولون: نعم، فإذا ثبت عنده ذلك لم يهتك (ستر الشاهدين )، ولا عابهما ولا وبّخهما ولكن يدعو الخصوم إلى الصلح، فلايزال بهم حتى يصطلحوا، لئلاّ يفتضح الشهود، ويستر عليهم. وكان رؤوفاً رحيماً عطوفاً على أمّته، فإن كان الشهود من أخلاط الناس، غرباء لا يُعرفون، ولا قبيلة لهما، ولا سوق، ولا دار، أقبل على المدّعى عليه فقال: ماتقول فيهما ؟ فإن قال: (ماعرفنا) إلا خيراً، غير أنهما قد غلطا فيما شهدا عليَّ أنفذَ شهادتهما، وإن جرحهما وطعن عليهما أصلح بين الخصم وخصمه، وأحلف المدعى عليه، وقطع الخصومة بينهما(31).

وهكذا عند سماع الدعوى يكون المدعى عليه إما مقراً بما قاله المدعي، أو منكراً، أو ساكتاً. فإذا أقرر فيلزم، وإذا أنكر كان على المدعي البيّنة، فإذا لم تكن له بيّنة عرفه القاضي أنّ له اليمين. ولا يحلف المدعى عليه إلا بعد سؤال المدعي، لأنه حق له فيتوقف استيفاؤه على المطالبة، أما إذا سكت المدعى عليه ألزم الجواب، فإن عاند حبس حتى يبين. وقيل يجبر حتى يجيب، وقيل يقول الحاكم: إما أجبت وإلا جعلتك ناكلاً ورددت اليمين على المدعي، فإن أصر ردّ الحاكم اليمين على المدعي(32).

ولذا فإنَّ السكوت لا يفسر على أنه إقرار أو رضا، لأن الفقه لم ينسب الى الساكت قولاً، وا ستثنى من ذلك عرفاً عقد الاستصناع وعقد الفضول وهما حكمان عرفيان وبشروط حددها الشرع لكي لاتضيع حقوق الناس(33)، فلا يمكن أن يفسر السكوت على أنه قبول إلا بوجود قرائن تترجم نية الرضا المعتبرة في المعاملات، مما يدل على عظمة هذا القانون الإلهي وإحاطته بكل التفاصيل. والمعروف أنّ قاعدة (لا ينسب للساكت قول والسكوت في معرض الحاجة بيان) من القواعد المهمة في القوانين الوضعية كالقانون المدني العراقي(34).

والغريب أنَّ القانون الدولي العام قد طبق قاعدة لا تعرفها القوانين الداخلية الوضعية وهي (قاعدة السكوت المفسر على أنه رضا) في العلاقات الدولية، مما عرض المجتمع الدولي للوقوع بمحاذير خطرة وحساسة . ولذا فإنَّ الحاجة تدعو إلى تغيير هذه القاعدة، أو ضبطها بشروط حتى لا تخسر دول (العالم الثالث) وبضمنها الدول الإسلامية مصالح وحقوق كثيرة في النظام الدولي الجديد(35).

* قضاء أمير المؤمنين عليّ (ع) يدعونا للتأمل في نظام التقاضي في القانون الوضعي:

نرجع إلى صلب الموضوع ونؤكد أنَّ الإسلام أوجب على القاضي المسلم الإحاطة بالقضية موضوع النزاع، والاستماع إلى أطراف الدعوى، فعن الإمام الرضا عليه السلام، عن آبائه، عن عليّ (ع)، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لمّا وجّهني إلى اليمن: إذا تحوكم إليك فلا تحكم لأحد الخصمين، دون أن تسأل من الآخر، قال: فما شككت في قضاء بعد ذلك. وعن العياشي في تفسيره عن الحسن، عن عليّ عليه السلام: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله حين بعثه ببراءة ـ إلى أن قال: ـ فقال إنَّ الناس سيتقاضون إليك، فإذا أتاك الخصمان فلا تقضي لواحد، حتى تسمع الآخر، فإنه أجدر أن تعلم الحقّ(36).

وهذه الشروط القضائية من أول مبادئ القانون الوضعي، مما يدل على أنّ القانون الإسلامي أكثر رقياً، إضافة إلى أنه أكثر رحمة وعدلاً وإنصافاً للناس، مبتعداً عن التعقيد في الإجراءات القانونية التي ابتلى بها القانون الوضعي؛ حيث أضاع ذلك حقوق الناس، وشَغلَهُم لمدد طويلة في مرافعات وروتين ومحامين في القضية الواحدة دون أن يصل القاضي لنتيجة، والمحاكم اليوم تعاني من هذه الإشكالية المتفاقمة يوماً بعد يوم.

إنَّ الإسلام أوجب حفظ مصالح الناس ورد حقوقهم، التي لا تسقط بالتقادم كما في القانون الوضعي. وليس في الفقه الإسلامي قاعدة فقهية تقول: إنَّ القانون لا يحمي المغفلين !! التي يصرح بها دائماً منفذو القانون الوضعي في وجه الطيبين الذين وقعوا ضحايا النصب والاحتيال؛ وقد تفنن المجرمون في ظل ذلك بحيلهم وألاعيبهم للإيقاع بضحاياهم والتهرب من العقوبة .

وقد روي عن عطا بن السائب عن زادان قال: استودع رجلان امرأة وديعة وقالا لها: لا تدفعيها إلى واحد منا حتى نجتمع عندك ثم انطلقا فغابا فجاء أحدهما إليها فقال: أعطيني وديعتي فإن صاحبي قد مات فأبت حتى كثر اختلافه ثم أعطته، فجاء الآخر وقال: هاتي وديعتي. فقالت المرأة: أخذها صاحبك وذكر إنك قد مت، فارتفعا إلى عمر بن الخطاب فقال لها عمر ما أراك إلا قد ضمنت، فقالت المرأة: اجعل علياً بيني وبينه، فقال عمر: اقض بينهما، فقال عليّ للمدعي: هذه الوديعة عندي وقد أمرتماها أن لا تدفعها إلى واحد منكما حتى تجتمعا عندها فأتني بصاحبك، ولم يضمنها وقال: إنما أرادا أن يذهبا بمال المرأة(37).

* القواعد القانونية الإسلامية تتسم بالموضوعية والأخلاق:

لقد جسد الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام حقيقة عدالة القضاء الإسلامي بحكمته وعلمه، وذكر عنه (ع) بأنه قال:(أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية من أئمة الهدى )(38).

وعن زرارة عن الإمام أبي جعفر عليه السلام، قال: كان عليّ عليه السلام لا يحبس في الدّين إلا ثلاثة: الغاصب، ومن أكل مال اليتيم ظلماً، ومن ائتمن على أمانة فذهب بها، وإن وجد له شيئاً باعه، غائباً كان، أو شاهداً(39).

ويعلق الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتابه (تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد) على ذلك بقوله: إنَّ خبر زرارة الذي ذكر فيه أن الإمام (ع) ما كان يحبس إلا الثلاثة الذين ذكرهم (يحتمل شيئين: أحدهما: أنه ما كان يحبس على وجه العقوبه، إلا الذين ذكرهم، والوجه الثاني: أنه ما كان يحبسهم حبساً طويلاً إلا الذين استثناهم، لأنّ الحبس في الدّين إنّما يكون مقدار ما يبيّن حاله فإن كان معدماً وعلم ذلك منه خلاه وإن لم يكن معدماً ألزمه الخروج منه )(40).

ويتفق الشيخ العلامة محمد بن الحسن الحر العاملي مع هذا الرأي في كتابه (وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) ثم يقول: ولا يخفى أنَّ تارك قضاء الدَّين مع قدرته لا يخرج عن الثلاثة الذين ذكرهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في رواية زرارة (41).

وروى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قضى في الدَّين بحبس صاحبه فإن تبين إفلاسه والحاجة يخلى سبيله حتى يستفيد مالاً، وقضى عليه السلام في الرجل يلتوي على غرمائه أنه يحبس ثم يأمر به فيقسم ماله بين غرمائه بالحصص فإن أبى باعه فيقسمه بينهم(42).

ومن يطالع قضاء عليّ بن أبي طالب عليه السلام في القضايا والمنازعات المختلفة يجد كم هذا الرجل عظيم في فكره وعلمه، الذي استقاه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ويروى عن قضائه (ع) أنَّ شاباً قال له: إنّ هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في السفر، فرجعوا ولم يرجع أبي، فسألتهم عن ماله ؟ فقالوا: ماترك مالاً، فقدمتهم إلى شريح، فاستحلفهم، وقد علمت أنَّ أبي خرج ومعه مال كثير، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله لأحكمنَّ بينهم بحكم ما حكم به خلق قبلي إلا داود النبي عليه السلام، ياقنبر ادع لي شرطة الخميس، فدعاهم، فوكل بكل رجل منهم رجلاً من الشرطة، ثم نظر إلى وجوههم، فقال: ماذا تقولون ؟ تقولون: إني لا أعلم ماصنعتم بأبي هذا الفتى ؟! إني إذاً لجاهل، ثم قال: فرقوهم وغطوا رؤوسهم.

ففرق بينهم وأقام كل رجل منهم إلىإسطوانة من أساطين المسجد ورؤوسهم مغطاة بثيابهم، ثم دعا بعبيد الله أبي رافع كاتبه ،فقال: هات صحيفة ودوات، وجلس أمير المؤمنين في مجلس القضاء، وجلس الناس إليه، فقال لهم: إذا أنا كبّرت فكبّروا، ثم قال للناس: اخرجوا، ثم دعا بواحد منهم، فأجلسه بين يديه، وكشف عن وجهه، ثم قال لعبيد الله: أكتب إقراره وما يقول، ثم اقبل عليه بالسؤال، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: في أي يوم خرجتم من منازلكم، وأبو هذا الفتى معكم ؟ فقال الرجل: في يوم كذا وكذا، فقال: وفي أي شهر ؟ فقال: في شهر كذا وكذا، قال: في أي سنة ؟ فقال: في سنة كذا وكذا، فقال: وإلى أين بلغتم في سفركم حتى مات أبو هذا الفتى ؟ قال: إلى موضع كذا وكذا، قال: وفي منزل من مات ؟ قال: في منزل فلان بن فلان، قال: وما كان مرضه ؟ قال: كذا وكذا، وكم يوماً مرض ؟ قال كذا وكذا، ففي أي يوم مات ؟ ومن غسله ؟ ومن كفنه ؟ وبما كفنتموه ؟ ومن صلى عليه ؟ ومن نزل قبره ؟ فلما سأله عن جميع ما يريد، كبر أمير المؤمنين عليه السلام، وكبر الناس جميعاً، فارتاب أولئك الباقون، ولم يشكوا أنَّ صاحبهم قد أقر عليهم وعلى نفسه، فأمر أن يغطى رأسه وينطلق به إلى السجن، ثم دعا بآخر فأجلسه بين يديه، وكشف عن وجهه، وقال: كلا زعمتم أني لا أعلم ما صنعتم ؟! فقال: يا أمير المؤمنين ما أنا إلا واحد من القوم، ولقد كنت كارهاً لقتله فأقر، ثم دعا بواحد بعد واحد كلهم يقر بالقتل وأخذ المال، ثم رد الذي كان أمر به إلى السجن فأقر أيضاً فألزمهما المال والدم، ثم ذكر حكم داود عليه السلام بمثل ذلك(43).

إنَّ هذه الرواية تدل بأنَّ علياً (ع) كان أول من أسس (لعلم التحقيق الجنائي) بعد نبي الله داود عليه السلام، للبحث عن أدلة جنائية تدين المتهم، وجمع المعلومات عن الجريمة، والإيقاع بالمتهمين لأخذ إعترافهم.

فسلام الله عليك يا أبا الحسن لقد كنت حريصاً أن يأخذ الحق والعدل مجراهما، وأن تكشف الحقيقة التي أراد لها المجرمون أن تدفن في التراب، لكي يأخذ كل صاحب حق حقه، ويسود الأمن والأمان في المجتمع .

كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام قرآناً ناطقاً يمشي على الأرض، يحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، ويطبق مضامين القرآن الكريم، ويشيع العدل والوفاء بالعهد بين الناس جميعاً، وقد نُقل عنه (ع) أنه قال: (هذا كتاب الله الصامت، وأنا كتاب الله الناطق )(44).

***

إنَّ قضاء أمير المؤمنين عليّ يدعونا للتوقف قليلاً لنعرف إلى أي مدى وصل نظام التقاضي في يومنا هذا، حيث الإجراءات القانونية الروتينية التي جعلت الناس يضيعون في متاهات المحاكم، وتأجيل القضايا إلى مدد طويلة، إضافة إلى الالتواء الأخلاقي لبعض المحامين الذين لاهم لهم غير قلب الحقائق ومناصرة الباطل والكذب من أجل مصالحهم المادية، ولذا كانوا يبحثون عن ثغرات القانون ليبرروا الجرائم لموكليهم !!

كما أنَّ القاضي في القانون الوضعي يطبق القواعد القانونية على المتهم وهو ملزم بذلك حتى ولو تيقن أنَّ المتهم برئ، ولذا فإنَّ السجون قد ملئت بالأبرياء والمظلومين، الذين استطاع المجرمون أن يلصقوا التهم بهم .

وقد ظهرت دراسات قانونية حديثة تدعو إلى التخفيف من هذا الأمر الذي يتنافى مع أبسط القيم والأخلاق، وتطبيق روح القانون في القضايا المطروحة أمام القاضي، ومع ذلك لم يتغير الوضع كثيراً، وبقي المجرمون يقفزون على نصوص القانون، ويبحثون عن الذرائع والتبريرات لجرائمهم، فيما تفنن بعض المحامين في اتقان ثغرات القانون الوضعي لتخليص موكليهم من العقوبة .

خصوصاً وأنَّ بعض المحامين قد باعوا ضمائرهم للشيطان، ولم يتورعوا عن فعل أي شيء من شأنه زيادة مدخولاتهم المادية، حيث امتهنوا مهارة فائقة في البحث عن ثغرات القانون، لتلبيس الباطل حقاً، والدفاع عن الظلم والعدوان، وتعقيد القضايا من أجل ابتزاز الناس، وهذا أمر متفق عليه.

ولذا فقد تساءل البعض عن مصداقية وجواز مهنة المحاماة، وقد أرسلت لسماحة السيد آية الله محمد باقر الحكيم حول ذلك فقال: (إنَّ مهنة المحاماة: هي مهنة محللة، ويمكن أن يقوم بها الإنسان، المحاماة مهنة محللة إذا كانت دفاعاً عن المظلومين أو عملاً من أجل كشف الحقيقة أو إثباتها أو توثيقها. ولا يجوز فيها الكذب والخداع والغش إلاّ في الموارد التي استثناها الفقهاء وهي محدودة.

1ـ فالمتهم قد يكون مظلوماً ولكن لا يعرف أن يتصرف في حديثه بحيث يجعل الأدلة والقرائن تتجه إلى تثبيت ظلامته فينقلب لعدم معرفته من منكر لا يحتاج إلاّ إلى النفي إلى مدعي يحتاج إلى الإثبات وهو لا يملك الإثبات، فيمكن للمحامي أن يوجهه بطريقة مناسبة.

2ـ وكذلك يمكن للمحامي أن يجد له النصوص والمواد القانونية التي تدفع عنه الظلم، أو كشف العناصر التي تخفف العقوبة والملاحقة.

3ـ وهكذا الحال فيما إذا كان المدعي محقاً والطرف الآخر يتهرب من الحق وهو لايعرف كيف يطالب بحقه ويستخدم القرائن والشواهد والوثائق لإثباته، فيكون دور للمحامي في إحقاق هذا الحق.

4ـ كما أنَّ المحامي له دور في توثيق الحوادث كالوصايا والمعاملات مثل البيع والطلاق والزواج... والخلاصة إذا كان عمل المحامي دافعاً للظلم عن المظلوم وإحقاقاً للحق للمستحق له وتوثيقاً للحقيقة، فهو عمل صحيح، هذا فيما لو تبينت له الحقيقة. أما لو لم يعرفها بل كان يحتملها فيمكنه أن يتقمص شخصية موكله فيما إذا كان يدعي ذلك ويعمل على أساس افتراض الصحة في عمل موكله ويكون عمله صحيحاً أيضاً.

5ـ نعم إذا كان المحامي يعرف الحقيقة على خلاف إدعاء موكله أو يقوم بتعليم موكله التهرب من الحق والحقيقة فهو عمل محرم، ومأثوم عليه، لما فيه من كذب وافتراء أو ظلم أو غير ذلك من الأمور المحرمة شرعاً وواقعاً وإن كان القانون لا يمكن أن يعرفها أو يتوصل إليها. وهذا ما نبّه إليه رسول الله (ص) في حديثه المعروف (إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والإيمان..) .

فإنّ موقف القاضي يشبه إلى حد ما موقف المحامي أيضاً، حيث قد يخطأ الواقع، ولكن مع الالتزام بالضوابط، وعندئذ يكون معذوراً حتى لو خالف الواقع، نعم لو خالفه عن علمٍ فهو مأثوم ومجرم عند الله تعالى. ولذا ذهب الفقهاء إلى جواز حكم الحاكم بعلمه )(45) .

وأتصور أنَّ هذه الاشكاليات التي تتزايد يوماً بعد يوم جعلت كثيراً من المحامين الشرفاء يفكرون جدياً في إنقاذ مهنة المحاماة كمدخل لإصلاح النظام القانوني. وقد وضعوا تصوراتهم حول إصلاح نظام المحاماة على غرار إصلاح القوانين واللوائح القانونية الأخرى.

ولدي بعض الملاحظات حول ذلك تتعلق بضرورة اعتماد الشريعة الإسلامية للتغيير والإصلاح والترشيد، وتطبيق مناهج الإسلام ومبادئ القرآن في المجتمع، لأنَّ ذلك هو الطريقة الأفضل لاستتباب الطمأنينة، وإشاعة العدالة بين الناس، بلحاظ أنَّ الشريعة جعلت الوكالة: (إستنابة في التصرف ). وهو عمل المحامي في الوقت الحاضر .

ويقول المحقق الحلي في كتابه القيم (شرائع الإسلام) بأنَّ: الوكالة والنيابة ضابطها ما (جعل ذريعة إلى غرض لا يختص بالمباشرة، كالبيع، وقبض الثمن، والرهن، والصلح، والحوالة، والضمان، وفي الأخذ بالشفعة، والإبراء، والوديعة، وقسم الصدقات، وعقد النكاح، وفرض الصداق، والخلع والطلاق، واستيفاء القصاص، وقبض الديات، (إلى أن يقول) وفي إثبات حدود الآدميين … وفي الدعوى، وفي إثبات الحجج والحقوق )(46).

وهذه كلها تقتضي حسن النية من الوكيل لا التلاعب بالألفاظ والخداع من أجل كسب القضية للموكل، وبالمقابل فالوكيل ضامن إذا تعدى على مال الموكل(47) .

ويقول الشيخ أبو الأعلى المودودي حول ذلك في كتابه (الإسلام في مواجهة التحديات) بأنه: (من الإصلاح الكافي في مجال المحاماة عندي أن تلغى ممارسة المحاماة كعمل حر، بل ينال المحامون رواتبهم من الحكومة، ومن نظرية القانون في الوقت الراهن، أنَّ وظيفة المحامي ليست الدفاع عن موكله، وإنما وظيفته أن يساعد المحكمة في تفهم القانون وتطبيقه، ومن الشنائع التي ما نشأت إلا لكون المحاماة مهنة، وأنّ المحامين يحاولون تضليل المحكمة، ويزورون الشهادات، حتى لا تأتي ملابسات الدعوى أمام المحكمة إلا بصورة مشوهة باطلة، ولهذا الغرض يطولون الدعاوى ويبالغون في التقاضي)(48).

ولذا يقترح المودودي أن يحل محل عمل المحاماة منصب الإفتاء. وأرى أنَّ المودودي يعمم أحكامه على المحامين جميعاً، كما أنَّ وجود منصب الإفتاء لايتعارض مع وجود المحامين الشرفاء، بعد إصلاح النظام القانوني للمحاماة وفق الشريعة الإسلامية، وتطبيق أحكام القرآن بصورة شاملة في المجتمع، والذي سنعطي بعض المقترحات بشأن ذلك .

أولاً: ضرورة أن يكون الإصلاح على ضوء مصالح الناس، فتشرع بعض المواد القانونية التي تحد من استغلال المحامي للموكل.

ثانياً: لقد تطرق بعض المحامين إلى تصور جديد بتأميم مهنة المحاماة، وذهبت إلى هذا الرأي في أبحاثي، كما ذهب إليه المحامي عامر الدبوني في كتابه (المؤسسة العامة للمحاماة )، حيث قال: إنَّ تأميم المحاماة يعني وضع نقابة المحامين بالنسبة للمحامين كمركز وزارة العدل بالنسبة للحكام، وجعلها هي التي تستقبل المراجعين، وهي التي تتقاضى منهم أجور أتعاب المحاماة، وفقاً لأحكام القانون، وهي توزيع الدعاوى على المحامين حسب الحروف الأبجدية، وفق نظام خاص، كما تفعل المحكمة بتقاضي أجور القضاء المسمى رسم الدعوى وتنسيب الحاكم المختص للنظر في الدعوى، وهي التي تقوم بدفع الرواتب للمحامين عن أتعابهم في هذه الخدمة القضائية على غرار ماتفعله وزارة العدل بدفع الرواتب للحكام والقضاة جراء قيامهم بأعمالهم القضائية(49).

وقد علق الدكتور مشهور حسن سلمان على هذا المقترح الجديد في كتابه (المحاماة تاريخها في النظم وموقف الشريعة منها) بقوله: إنَّ تأميم هذه المهنة يؤدي إلى: إتاحة الفرصة أمام جميع الناس في توكيل من تختاره لهم المؤسسة، فإنَّ اختيار مؤسسة المحاماة للمحامي، وتعيينه وكيلاً في القضية تنيط أمرمصيرها إليه، ومحاسبتها له على تصرفاته، وبذلك ضمان أفضل لحقوق الموكل من العبث والأهواء، وصيانة مهنة المحاماة من عوامل التردي، لأنّ ما يتعرض له المحامون من الحرمان والاستغلال أدى إلى تردي واضح في عمل المحامين وانعكس ذلك على المهنة(50) .

وأرى أنَّ تأميم مهنة المحاماة شيء إيجابي أذهب إليه، مع أني أخالف الدبوني والدكتور مشهور في مسألة اختيار المؤسسة المقترحة للمحامي الذي يترافع في القضية، وأعتقد أنَّ الأفضل هو تقسيم المحامين وفقاً للمناطق الجغرافية والإعلان عن ذلك رسمياً، بحيث يكون لكل مواطن محاميه الخاص، الذي يقبض أتعابه من الدولة (المؤسسة القانونية المقترحة )، على غرار النظام المتبع في الدول الإسكندنافية والمطبق على الخدمات الصحية.

وقد أفادنا سماحة آية الله السيد محمد باقر الحكيم بملاحظات حول هذه المسألة(51) فقال: (أما اقتراح أن تقوم الدولة أو نقابة المحامين بالمهمة فيكون تأميماً للمحاماة بطريقة أو أخرى، فهو أمر يحتاج إلى دراسة ميدانية وليس من الواضح لديّ صحّة ذلك لأنّ المحامي قد لا يكون حريصاً ـ عند ذلك ـ في كسب الدعوى ويتهاون فيها، وقد يستخدم نفوذه في الدولة أو النقابة للمزيد من الكسب والتحايل) .

وأضاف سماحـة السيد الحـكيم: (نعم هناك شيء آخـر مهم وهو أنّ المحـامي ـ عادة ـ تكون له حماية وصيانة ويمكن مساءلته وملاحقته، إذا تبين أنه حرّض موكله على الغش والتهرب من قول الحقيقة أو استخدم الحيل في توجيه الكلام والوثائق والقرائن، وبذلك يمكن إصلاح المحاماة وتطويرها) .

واستدرك سماحته قائلاً:(كما أنَّ من الضروري التوعية الأخلاقية والشرعية للمحامي بحيث تكون لديه التقوى القضائية، وهذا هو الضمان الحقيقي للمحاماة عن الانحراف) .

ولذا فإنَّ سماحة السيد الحكيم ليس من الواضح لديه صحة تأميم مهنة المحاماة، لانها تقتضي دراساتٍ وبحوثاً ميدانية، وكلامه علمي وصحيح، لكنه لم يعارض الفكرة بصورة مطلقة على مايبدو.

وأرى أنَّ كلام السيد الحكيم فيه من الموضوعية والعلمية، لكني أتصور أنَّ المقترحات التي أفادنا بها سماحة السيد بشأن تحايل المحامي يمكن أن يحدث سواء كان التأميم حاصلاً أم لا. كما أنَّ المحامي لديه وسائله إذا أراد الغش والخداع والكذب، حيث يبحث عن ثغرات القانون في الحالتين .

وهكذا فإنَّ المجتمع الإسلامي بحاجة إلى نهضة قانونية علمية تتأسس على مبادئ الإسلام العادلة ،كي تتخلص محاكمنا من هذا الروتين الذي أطال مدد القضايا، عندئذٍ يتم ترشيد القوانين وإصلاح النظم القانونية وفق أسس تتلاءم مع ظروفنا ومشاكلنا وإشكالياتنا، وتتحقق كتابة القواعد القانونية المنسجمة مع المجتمع الإسلامي وأخلاقه وقيمه، وتحديد مسؤولية المحامين الذين يتلاعبون بالحقيقة .

والغريب أنَّ النظم القانونية المطبقة في بلادنا أكثرها امتداد لنظم قانونية غربية، كالقانون الإنجليزي والقانون الفرنسي، وهذا يعد خطأ كبيراً لا بد من تغييره، وهذه الحقيقة قد تنبه لها فقهاء القانون الوضعي العرب كالدكتور السنهوري، الذي دعا للقواعد القانونية الإسلامية، لأنَّ لها الأولوية لواقعيتها وموضوعيتها، إضافة إلى سمة الإنسانية والأخلاق التي تتسم بها، وقد تناول الدكتور عبد الرزاق السنهوري في كتابه (مصادر الحق في الفقه الإسلامي) عبقرية هذه المبادئ السامية، التي تخطت عصرها، ومدى نضجها وأهليتها للمجتمع المتحضر.

وقد نشر السنهوري مقالاً في الأهرام يوم 1/1/1937 قال فيه:

(وإني زعيم لكم بأن تجدوا في ذخائر الشريعة الإسلامية من المبادئ والنظريات مالايقل في رقي الصياغة وفي إحكام الصنعة، عن أحدث المبادئ والنظريات وأكثرها تقدماً في الفقه الغربي) (52).

بلحاظ أنَّ القانون الوضعي ـ الوطني والدولي ـ يسير في أثر الشريعة ويترسم خطاها بالرغم مما وصل إليه من تقدم، (وإنه لم يصل بعد إلى ماوصلت إليه الشريعة، وإنَّ النتائج التي وصل إليها القانون والاتجاهات التي يتجه نحوها تدلل على أنَّ تطوره في المستقبل القريب أو البعيد لن يخرج عن النطاق الذي رسمته الشريعة )(53).

***

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ تاريخ السيوطي ـ المصدر السابق ـ ص 171 باب: أبو السبطين عليّ بن أبي طالب .

2 ـ المصدر نفسه ـ ص 171 .

3 ـ المصدر نفسه ـ ص 173 .

4 ـ المصدر نفسه ـ ص 170 .

5 ـ المصدر نفسه ـ ص 171 .

6 ـ وسائل الشيعة ـ الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 (القضاء والشهادات) ص 19 رقم الحديث 33098 .

7 ـ شرح النهج للبحراني ـ المصدر السابق ـ ج 5 ص 152 وما بعدها .

8 ـ وسائل الشيعة ـ الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 (القضاء والشهادات) ص 224 .

9 ـ تكملة منهاج الصالحين في أحكام القضاء والشهادات والحدود والقصاص والديات ـ فتاوى السيد أبوالقاسم الخوئي ـ المعاملات ص 5 مسألة رقم 2 و 3.

10 ـ وسائل الشيعة للحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 ص 39 رقم الحديث 33155 .

11 ـ المصدر نفسه ـ ج 27 (القضاء والشهادات) ص 211 وما بعدها رقم الحديث 33618 .

12 ـ تهذيب الأحكام ـ الحسن الطوسي ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 217 (باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين) رقم الحديث 509.

13 ـ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام ـ المحقق الحلي ـ ج 4 ص 80 (كتاب القضاء) .

14 ـ المصدر نفسه ـ ج 4 ص 67 (كتاب القضاء) .

15 ـ وسائل الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 (القضاء والشهادات) ص212 ومابعدها رقم الحديث 33619 .

16 ـ تهذيب الحسن الطوسي ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 222 رقم الحديث 528.

17 ـ المصدر نفسه ـ ج 6 ص 289 وما بعدها رقم الحديث 802 .

18 ـ المصدر نفسه ـ ج 6 ص 227 رقم الحديث 546 .

19 ـ المصدر نفسه ـ ج 6 ص 226 رقم الحديث 543 .

20 ـ وسائل الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 ص 226 (باب أن أرش خطأ القاضي في دم، أو قطع على بيت المال) رقم الحديث 33651 .

21 ـ شرائع الإسلام ـ المحقق الحلي– المصدر السابق ـ ج 4 ص 72 –74 (كتاب القضاء) .

22 ـ المصدر نفسه ـ ج 4 ص 74 وما بعدها (كتاب القضاء) .

23 ـ وسائل الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج27 ص214 وما بعدها (باب مساواة القاضي بين الخصوم) رقم الحديث 33624.

24 ـ حياة الصحابة للكاندهلوي ـ المصدر السابق ـ ج 1 ص 185 .

25 ـ تاريخ ابن الأثير ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص265 .

26 ـ تهذيب الحسن الطوسي ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 274 وما بعدها (باب البينات) رقم الحديث 747.

27 ـ نظرية الدعوى بين الشريعة الإسلامية وقانون المرافعات المدنية والتجارية ـ الدكتور محمد نعيم ياسين ـ ج2 ص 9 .

28 ـ وسائل الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 ص 276 (كتاب القضاء) رقم الحديث 33761 .

29 ـ المصدر نفسه ـ ج 27 ص 276 .

30 ـ تهذيب الحسن الطوسي ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 248 (باب البينات) رقم الحديث 634 و 633 .

31 ـ وسائل الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 ص 239 وما بعدها (باب أن الحاكم إن عرف عدالة الشهود حكم، وإن عرف فسقهم لم يحكم، وإن اشتبه عليه سأل عنهم، حتى يعرفهم شاهدان، أو يحصل الشياع، وكيفية السؤال، والتعريف، واستحباب الترغيب في الصلح) رقم الحديث 33678 .

32 ـ شرائع الإسلام للحلي ـ المصدر السابق ـ ج 4 ص 83 ـ 86 .

33 ـ الأصول العامة للفقه المقارن ـ محمد تقي الحكيم ـ ص 423 (موضوع العرف ).

34 ـ توجد هذه القاعدة في القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 بصيغة: (لا ينسب إلى الساكت قول، ولكن السكوت في معرض الحاجة بيان ).

35 ـ مصداقية النظام الدولي الجديد ـ قاسم خضير عباس ـ المصدر السابق ـ ص 134 .

36 ـ وسائل الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 ص 217 (باب أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم عند الشك في المسألة، ولا في حضور من هو أعلم منه، ولا قبل سماع كلام الخصمين، ويجب عليه إنصاف الناس حتى من نفسه) رقم الحديث 33630 و 33631 .

37 ـ تهذيب الطوسي ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 290 (باب الزيادات في القضايا) رقم الحديث 804 .

38 ـ المصدر نفسه ـ ج 6 ص 287 (باب الزيادات في القضايا والأحكام) رقم الحديث 796 .

39 ـ وسائل الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 ص 248 (باب أنه يقضى بالحبس في الدين ونحوه) رقم الحديث 33694 .

40 ـ تهذيب الحسن الطوسي ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 300 (باب الزيادات في القضايا) .

41 ـ وسائل الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 ص 248 .

42 ـ تهذيب الطوسي ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 232 (باب في كيفية الحكم والقضاء) رقم الحديث 568.

43 ـ وسائل الحر العاملي ـ المصدر السابق ـ ج 27 ص 279 وما بعدها (كتاب القضاء) رقم الحديث 33763 .

44 ـ المصدر نفسه ـ ج 27 (القضاء والشهادات) ص 35 رقم الحديث 33147 .

45 ـ رسالة وردتني من سماحة آية الله السيد محمد باقر الحكيم بتاريخ 15 محرم 1424 هـ .

46 ـ شرائع الإسلام ـ المحقق الحلي ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 196 .

47 ـ المصدر نفسه ـ ج 2 ص 204 .

48 ـ الإسلام في مواجهة التحديات ـ أبو الأعلى المودودي ـ ص 255 .

49 ـ المؤسسة العامة للمحاماة ـ عامر الدبوني ـ ص 19 .

50 ـ المحاماة تاريخها في النظم وموقف الشريعة منها ـ مشهور حسن سلمان ـ رسالة ماجستير ـ ص 240 .

51 ـ رسالة وردتني من سماحة آية الله السيد محمد باقر الحكيم بتاريخ 15 محرم 1424 هـ .

52 ـ بينات الحل الإسلامي ـ الشيخ يوسف القرضاوي ـ ص 199 .

53 ـ التشريع الجنائي الإسلامي ـ عبد القادر عودة ـ ج 1 ص 627 .