الفصل الخامس

سيرة أمير المؤمنين عليّ (ع) في أعدائه

 

* نماذج حضارية من سيرة عليّ بن أبي طالب (ع) في أعدائه:

سيرة عليّ عليه السلام في أعدائه كانت تنبض بالرحمة والعدل، فلم يكن يقصد الانتقام والتعذيب والمثلة بل تطبيق شريعة الله سبحانه وتعالى في الأرض، وتحكيم مبادئ السماء .

قطع مرة يد عبد قد سرق فمر عبد الله بن الكواء بهذا العبد الذي قطعت يده ـ والكواء كان يعيش بخير عليّ عليه السلام ويستظل بظله ويضمر له العداء ـ يقول ابن أبي الكواء مررت بهذا العبد وهو يحمل يده المقطوعه فقلت له: من قطع يدك ؟

قال: قطعها قاطع الأصلاب مفرق الأحزاب العادل بالرعية والفاصل بالسوية.

فقلت: من تعني علياً بن أبي طالب ؟

قال: نعم.

وظل هذا العبد المؤمن المقطوع اليد يثني على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ثناء منقطع النظير. يقول ابن أبي الكواء: أنا ألح عليه لكي يشتم علياً حتى يبرد قلبي وهو يثني عليه بالفضائل والكرامات.

لما سمع عليّ عليه السلام بذلك قال لابن أبي الكواء: والله أنا أعلم لماذا فعلت ذلك، ولماذا سألته، إذهب حيث شئت .

هذه هي أخلاق السماء التي تعلمها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومن المعروف أنَّه عليه السلام في معركة الجمل كان يسمع صوت أم المؤمنين تصيح بجيشها: من يأخذ هذه البدرة ويأتيني برأس عليّ بن أبي طالب؟ كان يسمع ذلك ويغفر، ولما انتهت المعركة مر على أشلاء القتلى إلى أن انتهى إلى الجمل الذي عقر، فسمع نفس ذلك الصوت، صوت أم المؤمنين يقول له: لقد ملكت فاصفح إنَّ العفو من شيمك.

فقال لها: والله ما أنصفك القوم الذين أبرزوك إذ صانوا حلائلهم وأخرجوك.

ثم التفت إلى أخيها محمد بن أبي بكر قائلاً له: أختك تولّ أمرها.

ورجع عليه السلام ولباسه يسيل كرماً، ونفسه تكبر على الحقد، وكأنّ هذا الحقد الذي ألحوا عليه به كأنما ألحوا على مواطن العزة، وعلى مواطن العظمة في نفسه فراح يظهر من هذه العزة والعظمة مايزداد به سمواً وأخلاقاً وعلواً .

وقد روى الحكم الحناط عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لعليّ بن الحسين عليهما السلام: بما سار عليّ بن أبي طالب؟ فقال: إنَّ أبا اليقظان كان رجلاً حاداً رحمة الله فقال: يا أمير المؤمنين بما تسير في هؤلاء غداً ؟ فقال: بالمن كما سار رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة(1).

وذكر وهب عن حفص عن مروان بن الحكم قال: لما هزمنا عليّ بالبصرة رد على الناس أموالهم، من أقام بينه أعطاه ومن لم يقم بينه أحلفه قال: فقال له قائل: يا أمير المؤمنين اقسم الفيء بيننا والسبي، قال: فلما أكثروا عليه قال: أيكم يأخذ أم المؤمنين في سهمه؟ فكفوا(2).

وعن حبة العرني، قال في حديث: فلما كان يوم الجمل وبرز الناس بعضهم لبعض ـ إلى أن قال ـ فولّى الناس منهزمين، فنادى منادي أمير المؤمنين عليه السلام: لا تجيزوا على جريح، ولا تتبعوا مدبراً، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن(3).

وقد ذكر الشهيد الأول محمد بن جمال الدين مكي العاملي في كتابه القيم (اللمعة الدمشقية) بأنَّ أهل البغي: الأصح عدم قسمة أموالهم مطلقاً عملاً بسيرة عليّ عليه السلام في أهل البصرة، فإنه أمر برد أموالهم فأخذت حتى القدر كفاها (قلبها) صاحبها لما عرفها(4).

ويضيف الشهيد السعيد مكي العاملي: والأكثر ومنهم المصنف في خمس الدروس على قسمته، كقسمة الغنمية عملاً بسيرة عليّ عليه السلام المذكورة، فإنه قسمها أولاً بين المقاتلين، ثم أمر بردها، ولولا جوازه لما فعله أولاً. وظاهر الحال وفحوى الأخبار أنَّ ردها على طريق المن، لا الاستحقاق كما منَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كثير من المشركين(5).

* سار أمير المؤمنين عليّ (ع) في أهل البغي بسيرة رحيمة:

إنَّ علياً عليه السلام سار في أهل البغي ـ إذا انهزموا ـ بسيرة رحيمة، حيث يتركهم ولم يقتلهم ولم يطلبهم إذا لم تكن لديهم لهم فئة من ورائهم، وروي عن الشعبي قال: لما أسر عليّ أسرى يوم صفين ـ إلى أن قال ـ وكان لا يجيز على الجرحى، ولا على من أدبر بصفين(6).

وعن عمر بن سعد بإسناده قال: إنَّ مالك الأشتر أخذ الأصبغ بن ضرار أسيراً من غير أن يقاتل يوم صفين، فجاء به ليلاً وشدّ وثاقه وألقاه مع أضيافه ينتظر به الصباح، وكان الأصبغ شاعراً مفوّهاً، ونام أصحابه فرفع صوته وأسمع الأشتر أبياتاً يذكر فيها حاله ويستعطفه، فغدا به الأشتر على عليّ عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هذا رجل من المسلحة لقيته بالأمس، والله لو علمت أنَّ قتله الحق قتلته، وقد بات عندنا الليلة وحركنا، فإن كان فيه القتل فاقتله وإن غضبنا فيه، وإن كنت فيه بالخيار فهبه لنا، قال عليه السلام: (هو لك يا مالك، فإذا أصبت أسير أهل قبلة فلا تقتله فإنَّ أسير أهل القبلة لا يفادى ولا يقتل). فرجع به الأشتر إلى منزله وقال: لك ما أخذنا منك وليس لك عندنا غيره(7).

وذكر ابن قتيبة الدينوري في كتابه (الإمامة والسياسة) أنَّ (معاوية) لما غلب على ماء الفرات لم يسمح لجيش عليّ عليه السلام بالشرب من الفرات، وبعد أن اقتحم مالك الأشتر الشريعة وأرجع جيش (معاوية) عن الماء، بعث إلى عليّ قائلاً له: هلم يا أمير المؤمنين، قد غلب الله لك على الماء .

فلما غلب أهل العراق على الماء لم يمنع عليّ بن أبي طالب الماء عن أعدائه، وهذا من خلق السماء، ولذا قال (معاوية): إنَّ علياً لايستحل منك ما استحللت منه، وإنَّ الذي جاء له غير الماء(8).

إنَّ (معاوية) كان يعرف الحق ويخالفه، ولذا فإنَّ أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قال له في أحد كتبه: (فاتق الله في نفسك، ونازع الشيطان قيادك، واصرف إلى الآخرة وجهك فهي طريقنا وطريقك، واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعةٍ تمس الأصل، وتقطع الدابر )(9).

لم يكن عليّ بن أبي طالب عليه السلام يتعامل مع البغاة في صفين وغيرها على أنهم كفرة كما فعل الخوارج(10)، بل عاملهم على أنهم أتوا البغي بعد أن أسلموا وقرؤوا القرآن وعرفوا أهل الفضل(11). لقد عاملهم عليه السلام بعدالة الإسلام ومبادئ القرآن، فعن محمد بن يعقوب قال في حديث عبد الرحمن بن جندب عن أبيه إنَّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يأمر في كل موطن لقينا فيه عدونا فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدأوكم حجة أخرى لكم، فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مُدبراً، ولا تجيزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة ولا تمثّلوا بقتيل(12).

كان عدله عليه السلام في أعدائه يتجسد بمصاديق عديدة، وقد روي عنه أنه خطب بالكوفة، فقام رجل من الخوارج فقال: لا حكم إلا لله، فسكت أمير المؤمنين، ثم قام آخر وآخر، فلما اكثروا قال: (كلمة حق يراد بها باطل، لكم عندنا ثلاث خصال: لا نمنعكم مساجد الله أن تصلوا فيها، ولا نمنعكم الفيء ماكانت أيديكم مع أيدينا، ولانبدؤكم بحرب حتى تبدؤونا به وأشهد لقد أخبرني النبي الصادق(صلى الله عليه وآله وسلم)، عن الروح الأمين، عن ربّ العالمين، أنه لا يخرج علينا منكم من فئة قلّت أو كثرت إلى يوم القيامة، إلا جعل الله حتفها على أيدينا، وإنَّ أفضل الجهاد جهادكم، وأفضل المجاهدين من قتلكم، وأفضل الشهداء من قتلتموه، فاعملوا ما أنتم عاملون، فيوم القيامة يخسر المبطلون، ولكلّ نبأ مستقر فسوف تعلمون )(13).

هكذا كان يتعامل عليه السلام مع أعدائه بمنتهى العدالة والأخلاق الإسلامية، ويعلق المفكر الإسلامي محمد عمارة في كتابه (مسلمون ثوار) على صيحة الخوارج: لا حكم إلا لله، ويقول بأنها: وجدت لها مكاناً عند بعض الغلاة، من أهل الجمود والتقليد الذين انتزعوا عبارات كتبها أبو الأعلى المودودي يوهم نصّها وظاهرها نفي الحاكمية عن البشر، مع أنه لا بد للناس من أمير(14)، يعيش المؤمن بظله ويتمتع الناس مسلمين وغير مسلمين بعدله .

بدأت شبهات هؤلاء الغلاة في الثقافة الإسلامية، بصيحة الخوارج: لا حكم إلا لله، وهم يقصدون تحريم وتجريم حكم البشر في النزاع الذي ثار بين عليّ و(معاوية) حول مقتل عثمان، ولكن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام قد جلا هذه الشبهة عندما ميز بين حكم الله وقضائه وتشريعه، الذي لا شريك له فيه، وبين حاكمية البشر الذين استخلفهم الله لإقامة حاكمية الله، وخاصة في مناطق الفقه والاجتهاد، لأنَّ الحاكمية الإنسانية هنا ـ حتى وإن تعددت بتعدد الاجتهادات ـ هي مقتضى حكم الله باستخلاف الإنسان ليقيم حكم الله(15).

كان يمكن لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام لو كان من أهل الحقد أن يعاقب هؤلاء الخوارج ويوقع بهم أقسى العقوبة، ولكنه لم يفعل ذلك وفسح المجال للرأي الآخر أن يعبر عن نفسه ؛ على أن يلتزم هؤلاء بالموازين الشرعية وأن لا يشهروا سيفاً على المسلمين، فإذا شهروا سيفاً وجب قتالهم .

وأروع مافعله أمير المؤمنين (ع) هو أنه لم يمارس إرهاباً فكرياً ولا جسدياً بحق أعدائه، بل أعطاهم حقوقهم الشرعية، وسمح لهم بالصلاة في المساجد، ولم يمنعهم من إداء العبادة، كما منحهم عليه السلام الفيء مادامت أيديهم بأيدي المجاهدين، ولذا لم يكرههم عليه السلام أبداً على اعتناق آرائه ومواقفه .

ومن الملاحظ أنه عليه السلام لم يترك الأمر دون توضيح، حيث ذكر للخوارج بعد صيحتهم (لاحكم إلا لله) قائلاً لهم: كلمة حق يراد بها باطل. شارحاً لهم أنهم إذا سلوا سيف الفرقة بين المسلمين، فإنَّ جهادهم يكون خير الجهاد، ويوم القيامة يخسر المبطلون .

* هل الإسلام ضد حرية الفكر ؟

عدالة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وسيرته في أعدائه جعلتنا نطرح في هذه الصدد موضوع الحرية وقاعدة لا إكراه في الدين، فعلى الرغم من أنَّ الإمام عليّ واجب الطاعة، فإنه لم يكره أعداءه الذين حادوا عن اتباعه على تبني مواقفه وآرائه بالقوة .

وهنا نتساءل لكي نُنَظر لظروفنا المعاصرة: هل الإسلام ضد حرية الفكر، لأنَّ هذه الحرية خطر على متبنياته ومقوماته؟

أم أنه مع حرية الفكر التي تنضج مقولات الإسلاميين التأسيسية للفكر الإسلامي وتكسبها المتانة والقوة والديمومة؟

ويقيناً أنَّ الإسلام مع حرية الفكر، ولكن على أن لا تخرج عن الحدود التي وضعتها الشريعة، ولا تتجاوز الثوابت والأصول. وهنا قد يختلف المفكرون الإسلاميون والفقهاء في فهم الدليل، وتأتي آراؤهم متباينة لانسجامها مع قراءاتهم المتنوعة للنصوص. وهذا لا يعني أنهم قد تجاوزوا الدليل، بل فهموه فهماً آخر ربما يكون مصيباً، وربما في بعض الأحيان تأتي عدم دقة الفهم من القراءة الناقصة للنص.

وفي كلتا الحالتين تكون غاية الفقهاء الاقتراب من أهداف الشريعة. وهم في تحرّكهم لا ينطلقون من فراغ، بل يستندون إلى الثوابت الإسلامية والمبادئ العامة لفهم الدليل وتفسيره، وكذلك يستعينون بعلومهم الفقهية والأصولية لاستنباط الأحكام في مناطق الفراغ التي تخلو من نص شرعي صريح.

وهذه حالة صحية إذا انطلقت في جو إسلامي وتقوى لا تسمح بتكفير الآخرين بل تمُكِن الأفكار أن تتحاور لإثبات (عدم دقة الفهم) الناشئ عن القراءة الناقصة للنصوص الشرعية.

ويمكن أن نتلمس الحرية الفكرية بصورة أوضح في المسائل الإنسانية المتعلقة بـ(التنظير المعاصر) لأساليب العمل الإسلامي، والتخطيط لتطبيقات عملية أمثل توصل إلى تعميق مفاهيم الإسلام، وتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية، وترشيد الاقتصاد العام في الدولة الإسلامية من أجل (التنمية الشاملة).

وتعدّ مثل هذه (الأساليب والآليات) عملاً إنسانياً، والأعمال الإنسانية بصورة عامة ليست معصومة من الخطأ، وإن استندت إلى ثوابت شرعية صحيحة، لهذا تتنوع الأفكار والتصورات والقناعات بشأنها لتحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية، التي تؤكد عليها الشريعة الإسلامية.

وهذه حالة صحية أيضاً إذا انطلقت في جو إسلامي لا يسمح بتكفير الآخرين ومصادرة آرائهم.

إنَّ الإسلام وضع قواعد وأُسساً تحفظ الوحدة الداخلية وتلاحم المجتمع لمواجهة التحديات والأزمات، لهذا ذهب بعض الفقهاء إلى (تحريم التحالف في الإسلام)، لكي لا تسود المجتمع المسلم النزاعات، واستند هؤلاء في تحريمهم إلى حديث رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن رسول الله (ص): (لا حلف في الإسلام).

* مفهوم المعارضة في الفكر الإسلامي:

ولكنّ فقهاء آخرين يقرؤون حديث الرسول (ص) قراءة أخرى، فهم لايجمدون عند النص، ويميزون بين نوعين من التحالف، أحدهما لا يؤدي إلى انقسام الأمة، بل يقود إلى حرية الرأي داخل المجتمع الواحد للوصول إلى تلاقح الأفكار، وصياغة أفضل البرامج والأساليب في إطار المنهج الإسلامي الذي يحكم ويوجه الجميع. وقد نشأ إثر هذا الفهم توجهان بشأن (المعارضة السياسية في الدولة الإسلامية):

الأول: لا يجيزها بدعوى أنَّ رجال السلطة لهم مواصفات قررتها الشريعة (كالعدل، والعلم، والتقوى، والالتزام بمبادئ الإسلام). وفي ظل هذه الطبيعة والمواصفات لاداعي لوجود معارضة، لأنها لو تحركت في واقع الحياة الإسلامية، وفي داخل الحكم الإسلامي ستعرض الوحدة للتزلزل والاضطراب، وتصبح أداة بأيدي الحاقدين على الإسلام، الذين يبحثون عن أي ثغرة لنقد التصور الإسلامي ومقوماته للحكم والدولة والسياسة.

أما الاتجاه الثاني: فيرى مشروعية قيام معارضة سياسية داخل الإطار الإسلامي الواحد، تتحرك في موقعها لترشيد الحكم، وتصحيح الأخطاء، مستندة إلى مرجعية إسلامية ـ تحكم وتضبط الجميع ـ تجعلها تتحرك في نفس الخط الإسلامي العام، ولا تخرج عن الثوابت والمعايير الإسلامية.

وأعتقد أنَّ المعارضة بتحركها المنهجي والملتزم هذا ترسخ كيان الدولة الإسلامية وتؤصّله وتحفظه، فمعارضتها تأتي من خلال رؤية اجتهادية تراها شرعية للتحرك والعمل للإسلام، وتصحيح بعض الأخطاء، لأنَّ الحكم الإسلامي ليس معصوماً عن الخطأ.

والمعارضة هنا تكون ملتزمة بالمبادئ الإسلامية العامة، وبكليات الدولة، لكنها متحررة ولا تتفق في كثير من الأحيان مع أساليب السلطة الإسلامية الحاكمة، فلديها آلياتها وأساليبها ورؤيتها المختلفة حول السياسة الاقتصادية، والتنمية، والبطالة، وأنظمة العمل، وحول البرامج الاجتماعية، والقضاء على الأمية، وبرامج التعليم، والصحة، والضمان الاجتماعي ونوعيته، والتخطيط الأفضل لممارسة السلطة على أسس العدالة والاهتمام بمشاكل الناس(16).

وتنطلق المعارضة في تحركها من (نظرية الحرية في الإسلام)، ومن اختيار الإنسان وإدراكه ومسؤوليته الشرعية، على أن لا يؤدي هذا التحرك إلى تجاوز الثوابت، أو تعريض الاستقرار السياسي والاجتماعي للخطر.

ويربط بعض المفكرين الإسلاميين بين مبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وبين مشروعية قيام المعارضة في الدولة الإسلامية، فالإسلام يضع مسؤولية شرعية على عاتق أفراد الأمة لتغيير المنكر إن وقع سواء كان صادراً من الحاكم أم المحكوم.

وبرأيي يمكن للمعارضة غير الإسلامية أن تجد لها موقعاً في الدولة الإسلامية وفق نفس القواعد والمعايير السابقة، أي بالتزامها بثوابت النظام الإسلامي العام ومبادئه وأحكامه، وبحفاظها على ثوابت الأمة ومقدساتها. فإذا خرجت عن ذلك وعرضت المجتمع للانشقاق والخطر، ينظر إليها حسب موقعها وواقعها السياسي والاجتماعي، ومدى عدائها للفكر الإسلامي، فلكل واقعة من الوقائع ظروفها وملابساتها، فلا يمكن إصدار أحكام عامة على المعارضة غير الإسلامية دون أن نتبين ماهيتها، وما تمثله من خطر حقيقي وواقعي ملموس يهدد كيان الدولة الإسلامية ووجوده ومصالحه(17).

وإذا ما وصلنا إلى ذلك نكون أمام موضوع أكثر تعقيداً يتعلق بـ(حرية الفكر غير الإسلامي)، أو ما اصطلح عليه الفقهاء في دراساتهم ورسائلهم: (حفظ كتب الضلال). فهذا (الفكر المضاد) إذا ترتب منه إشاعة الضلال والفتنة في المجتمع يُفتى بتحريمه، ويذكر السيد أبو القاسم الخوئي (رحمه الله) في (منهاج الصالحين) بأنه: (يحرم حفظ كتب الضلال مع احتمال ترتب الضلال لنفسه أو لغيره، فلو أمن من ذلك أو كانت هناك مصلحة أهم جاز وكذا يحرم بيعها ونشرها)(18).

فالتحريم إذاً جاء مع احتمال (ترتّب الضلال لنفسه أو لغيره). ويذهب الشيخ الأنصاري في (مكاسبه) إلى أكثر من ذلك، عندما يشير لفوائد (حفظ كتب الضلال) ويقول بصراحة إنَّ: (فوائد الحفظ كثيرة)(19).

وأضاف أنَّ: (حفظ كتب الضلال لا يحرم إلا من حيث ترتب مفسدة الضّلالة قطعاً أو احتمالاً قريباً، فإن لم يكن كذلك أو كانت المفسدة المحققة معارضة بمصلحة أقوى أو عارضت المفسدة المتوقعة مصلحة أقوى أو أقرب وقوعاً منها، فلا دليل على الحرمة )(20).

ومن تلك الفوائد تمكين الإسلاميين من الاطلاع على الفكر الآخر وآلياته وفلسفته، ونقده بالفكر الإسلامي المشبع بالبراهين والأدلة العقلية والمنطقية.

وهكذا فإنَّ (الفكر المضاد) كموضوع وملاك حرام بحد ذاته، أما حرية نشره وحفظه والاستماع إليه فيخضع لحكم آخر تحكمه (العناوين الثانوية)، لما يترتب عليه من فوائد للإسلاميين. وفي ضوء المقارنة بين (مصالح ومضار الفكر المضاد) يستطيع الفقهاء أن يجتهدوا لاستنباط الحكم الشرعي على كل واقعة، من خلال معرفة طبيعتها ومدى خطورتها.

إنَّ السياسة الإسلامية لها تصوراتها ومقوماتها التي لا تقود إلى ظلم الآخرين، وخنق أصواتهم، وكبت حرياتهم. كما أنَّ السياسة المستبدة ليست من طبيعة الإسلام ولا تمت له بصلة، فالله (عز وجل) في محكم كتابه العزيز يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

بلحاظ أنَّ قتل الإنسان جسدياً يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، واغتيال فكرالإنسان ومسح ذاكرته تعتبر جريمة أيضاً، لأنها تؤدي إلى سلب إرادة الإنسان أو تقييدها، وإرادة الإنسان هي جوهر التزاماته ومسؤولياته في هذه الحياة.

وأريد هنا أن أضيف ملاحظة تكمل ما تم طرحه وهي: أنَّ (الفكر المضاد) إذا تمت مصادرته فسيتحول إلى (حركة سرية)، تنتقل في مواقعها بحذر وخبث، وفي هذه الحالة سيكون أكثر خطورة على المجتمع المسلم.

وأعتقد أنَّ الحوار البنّاء أفضل وسيلة لتجنب ذلك، حيث يتم الاطلاع على متبنيات (الفكر المضاد)، ونقدها موضوعياً بالدليل العلمي وبالحجج المنطقية. والحوار بطبيعة الحال لا يتم إلا من خلال الاستماع إلى الرأي الآخر واحترامه، ثم الإحاطة به ونقده بالحكمة والموعظة الحسنة، دون إرهاب للكلمة، واغتيال للمعرفة.

وأتخطر في هذا المجال أنَّ الشهيد المفكر محمد باقر الصدر أصدر كتابيه (فلسفتنا، واقتصادنا) وعرض فيهما بأمانة المباني الفكرية والفلسفية للمذهبين (الرأسمالي والاشتراكي)، ثم نقدها نقداً علمياً أذهل وأسكت (المد الشيوعي)، الذي تصور أنه سيطر على وجدان الأمة وفكرها بعد ثورة عبدالكريم قاسم في العراق.

وبقي أن نعرف: بأنَّ (الفكر المضاد) ليس كله خطأ، فقد تكون بعض تفاصيله صحيحة، حيث يتم استعارتها من الخارج وتسقط في (المفهوم العام) وفي (القواعد والمبادئ الأساسية) الخاطئة.

والباحث الإسلامي إذا أراد أن يكون موضوعياً عليه أن يمتلك (الوسائل والأدوات)، التي تمكنه من الفصل العلمي بين (المفهوم العام) الخاطئ وبين بعض التفاصيل الصحيحة ؛ التي لا تُعتبر من سنخ ذلك (المفهوم)، بل رُبطت معه وأذيبت في أعماقه لتتناغم مع (فلسفته المضادة) وآلياته.

ولنأخذ بعض الأمثلة للتوضيح:

فقد استخدمت (الرأسمالية) موضوع الحرية، التي تعتبر من المواضيع الحيوية المرتبطة بفطرة الإنسان، لتذيبها وتوظفها في (المنهج الرأسمالي العام)، وتحولها إلى (حرية مطلقة لا تعترف بضوابط)، الأمر الذي أدى إلى الانحطاط الخلقي، والاضطراب الاقتصادي والسياسي في أوروبا، وكانت النتيجة ظهور (أخلاقيات السوق الحر والربح غير المشروع)، والتمدد على حساب الآخرين دون رحمة أو شفقة، أخلاقيات لا تعترف بضمير، تنظر للثروة مجردة، وتهتم بتضخيمها ونمائها دون مراجعة حقيقية لمصدرها .

واستخدمت (الاشتراكية) أيضاً موضوع (الطبقية والتاريخ)، الذي يعتبر من الوقائع الملموسة في حياة الأمم، لتذيبه في (المنهج الماركسي)، وتصوغ منه (قانوناً عاماً) خاطئاً حول (حتمية التاريخ وصراع الطبقات)، بحيث يطبق هذا القانون في كل زمان ومكان. في حين أنَّ الشواهد التاريخية تدل بما لا يقبل الشك على أنَّ (التطور الاجتماعي) عند بعض الأمم لم يكن وليد (صراع الطبقات) أو (تطور وسائل الإنتاج)، فقد ظهرت طبقات اجتماعية مرموقة لها ميزاتها وخصائصها، التي اكتسبتها عن طريق الفكر والفلسفة كما في حضارة الهند القديمة وحضارة اليونان، وكذلك عن طريق إظهار المهارات الحربية والقتالية في حضارة اليابان.

والشيء نفسه حصل عند استخدام (ظواهر حسية) من قبل بعض علماء علم الأحياء، وتوظيفها بصورة خاطئة، لصياغة (قوانين غير صحيحة). فـ(دارون) مثلاً أدخل هذه (الظواهر العلمية الحسية) في نظريته (تطور الأحياء) أو ما اصطلح عليه بـ(النشوء والارتقاء)، وخرج بـ(قانونه العام) وفق (تنظير ظني) غير علمي يحط من كرامة الإنسان ومنزلته عند الله عز وجل، وقد أثبتت (النظريات الحديثة) لعلم الأحياء عدم صحة (نظرية دارون) ونسفتها من الأساس.

الذي أريد قولـه وباختصار شديد: إنَّ الباحث الإسلامي لابد له من امتلاك (وسائل وأدوات) تساعده على فهم (الفكر الآخر المضاد)، بكل جزئياته ومصاديقه وتفاصيله، ليتسنى له نقد هذا الفكر، ويحاوره حواراً علمياً بنّاءً. وهذا هو دور الأنبياء عليهم السلام، الذين حاوروا أقوامهم ودعوا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات الكريمة التي تبيّن ذلك بوضوح شديد.

ولا ننسى بأنَّ الإسلام جاء ليعلن على الملأ قاعدته العادلة بعدم إكراه الناس في العقيدة والدين، فلا تنكيل وقتل وإرهاب في طريق نشر الدعوة الإسلامية، بل بالفكر وحده، والمجادلة بالتي هي أحسن، وبالحوار البنّاء يتم إقناع الآخرين وتعبيدهم لله عز وجل .

وقبل ذلك كله على الإسلاميين أن يكونوا دعاة صامتين بأخلاقهم، وأعمالهم، وعدلهم، وسماحتهم، واستيعابهم للناس كل الناس مهما كانت اتجاهاتهم وأفكارهم ومسمياتهم. وإذا كان هذا الحال مع (الفكر المضاد، وفكر الضلال) فإنَّ من الأولى أن يستوعب الإسلاميون بعضهم بعضاً، لأنَّ اختلاف القراءات للأدلة والنصوص الشرعية قد تؤدي إلى الاختلاف في الرؤى والأفكار.

وقد تتنوع الاجتهادات بتنوع الفقهاء في (منطقة الفراغ التشريعي)، ولذا لايمتلك أحد الحق مطلقاً، ولا يمتلك أحد الحقيقة كاملة إنما يبحث عنها ويستدل عليها بما لديه من وسائل وعلوم أصولية وفقهية، بحيث يعمل الجميع في إطار الإسلام، ويكون هدفهم تطبيق أحكام السماء، وإن اختلفت الرؤى والآليات للوصول إلى تطبيق أفضل وأمثل.

وهنا أعتقد أنَّ أولى خطوات العمل الإسلامي هي التقوى، لأنها تجعلنا نتحرك بحذر من أجل مرضاة الله عز وجل، دون تكفير للآخر، أو مصادرة لآرائه التي لم تخرج عن ثابت من ثوابت الشريعة. فالحرية الفكرية مكفولة للإنسان في ظل الإسلام، طالما ظلت تتحرك في مواقعها متقيدة بالضوابط، بحيث لا تتحدد إلا بنصوص شرعية تجعلها (مسؤولة وناضجة)، تحترم حقوق الآخرين وحرياتهم ولا تجور عليها.

وبعد أن طرحنا موضوع الحرية دعونا نتناول قضية طالما شغلت فكر المثقفين العرب... وهي الديمقراطية .

وهنا أعتقد أنَّ الديمقراطية وسيلة من الوسائل، يمكن أن نستغلها ونستفيد منها في تنظيم شؤون الحياة السياسية والاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، إذا جردت من (جذرها الأوروبي ومنهجها الغربي)، وربطت بالمنهج الإسلامي بحيث تصبح جزءاً من النظام الإسلامي العام تذوب في ثناياه، وتلتزم بمبادئه الأساسية وقواعده العامة. وهكذا لا تصبح الديمقراطية مجرد شعار يرفع، بل ممارسة شعبية (ملتزمة وناضجة) لتصحيح مسارات وأساليب (مرحلة التردي العربي).

ولكن هل الديمقراطية هي الحل مع بقاء (النظم المتخلفة والمناهج المستوردة)؟ بالطبع لا، لأنَّ (التردي العربي) كظاهرة لا يزول إلا باكتساب شروط حضارية، تعيد النهضة الإسلامية إلى أوصال الأمة من جديد، وترجع ثقة الإنسان العربي بنفسه وبقدراته، وتزيل نتائج (التغريب الفكري والنفسي) .

وهذا لن يتحقق إلا بتطبيق منهج أصيل يعمّق المعرفة الإسلامية ويجعل نظمنا الفكرية، وأوضاعنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية قادرة على مواكبة تحديات العصر في زمن (العولمة والنظام الدولي الجديد) بقيادة الولايات المتحدة الأميركية .

وهكذا ستكون الديمقراطية أحد أساليب المنهج الإسلامي المطبق، وجزءاً مهماً من آليات النظام العام، لأنها ترتبط بفكرة العدالة، والعدالة هي غاية الإسلام ومطلب ملح له، لهذا قال محمود العقاد في كتابه (الديمقراطية في الإسلام): (إنَّ فكرة الديمقراطية أنشأها الإسلام لأول مرة في تاريخ العالم)(21).

إنَّ الديمقراطية في المجتمع المسلم لا يمكن لها أن ترتبط بآليات وسلوكيات المنهج الغربي وأخلاقياته، التي يحاول المتغربون فكرياً أن ننهل منها دون تمحيص، ودون إزالة الصدمة الحضارية التي كانت في أجيالنا نتيجة ابتعادنا عن الإسلام الصحيح، والانجرار وراء دعوات العلمانيين بأخذ مناهج الغرب ونظمه لتقدمنا، فحصل ما حصل في المجتمع من أزمات وإشكاليات ثقافية وسياسية واقتصادية ونفسية .

ومن المعروف أنَّ الديمقراطية وفق المنهج الغربي العلماني مرتبطة بثقافة وآليات وسلوك مغاير لما يؤمن به المجتمع المسلم، ولذا على العلمانيين أن يفرقوا بين المعرفة كمشترك إنساني ـ يمكن أن يستفيد منها أي إنسان في أي مكان وهي العلوم والتكنولوجيا والحقائق العلمية الأخرى الصحيحة المنطوق والسند ـ وبين الثقافة التي تتشكل من سلوك محلي، وممارسات خاصة تتهيأ من فن وفكر يعيشان في أعماق الأرض التي تحيا عليها الشعوب، ولذا لا يمكن استيراد الثقافة لأنها خصوصية محلية تتشكل عبر الأجيال، أما المعرفة فهي مشترك إنساني يفيد البشرية جمعاء.

هذه المفارقة لم يفهمها بعض العلمانيين والمتغربين فكرياً، ولذا فسروا منهج العلامة رافع الطهطهاوي بصورة غير ناهضة لإثبات ما يريدون، مع أنَّ الطهطهاوي كان يسعى للاستفادة من المعرفة التي تحدثنا عنها من أجل إنقاذ المسلمين مما وصلوا إليه جراء إبعاد المنهج الإسلامي .

وقد فرق الطهطهاوي بين المعرفة المشتركة وبين الثقافة الإسلامية الصحيحة التي لا بد أن تسود في المجتمع لكي يحصل التواصل الحضاري والنفسي المطلوب للنهضة. بمعنى أنَّ الطهطهاوي قد ميز بين الخصوصية وبين الوافد الأجنبي، بين الأصالة والحداثة، ولم يتجاهل الفرق بينهما كما يفعل المتغربون فكرياً عندما يرفعون شعار: بأنَّ مناهج الغرب هي الطريق الوحيد لتقدمنا !!

إنَّ الطهطهاوي حاول أن يستفيد من المعرفة الغربية بعد أن مازجها بالمبدأ الإسلامي لكي تصبح معارف إسلامية تتقيد بالقيد الإسلامي ولا تتقيد بغيره. وقد سار على هذا المنهج العلمي الذي لا يتناقض مع مبادئ الإسلام جمال الدين الأفغاني، والكواكبي، والغزالي، والشهيبد السعيد محمد باقر الصدر .

وهكذا فإنَّ المعرفة العلمية الصحيحة المنطوق والسند والمبرهنة رياضياً تعتبر من المشتركات التي توحد البشرية، ولا تلغي الخصوصية الثقافية للمجتمعات. وتدخل العلوم الحديثة والتكنولوجيا المتطورة في هذه المشتركات الإنسانية، التي لا تتناقض مع خصوصية المجتمع، إذا تم استغلالها بصورة لاتؤدي إلى الانبهار بالآخر والاستلاب الحضاري أمامه .

المعرفة العلمية تعتبر مشتركاً رائعاً بين الإنسانية جمعاء لتطوير مجالات البحث العلمي، وترشيد العقل إلى غايات أكثر نضجاً وفائدة للمجتمع. ونجد في التاريخ الإنساني صوراً من هذه المشتركات المعرفية، حيث أخذ اليونان من حضارة الهند القديمة، وأخذ المسلمون من حضارة اليونان، وأخذ الغرب في بداية نهضته من حضارة الإسلام. لقد تم ذلك ضمن منهجية أذابت الوافد الأجنبي في ثنايا المنهج العام ذي الخصوصية المحلية لكل حضارة دون انبهار به، أي ضمن ثقافة وخصوصية المجتمع .

الفلاسفة المسلمون استفادوا من نظريات فلسفية قديمة تعود لآرسطو وسقراط وافلاطون، لكنهم لم يأخذوا هذه النظريات كمسلمات، بل حاولوا ترشيد هذه النظريات، وأذابوها في الفكر الإسلامي بصورة لم تعد بعدها علوماً أجنبية، فجاءت نظرياتهم الفلسفية غير متعارضة مع المنهج الإسلامي العام، الذي آمنوا به، وربطوا تفكيرهم داخله .

إنَّ الترجمة والنقل والاستفادة من الحضارات الأخرى لا بد أن تتم وفق أسس صحيحة وسليمة. كتاب المنطق مثلاً لأرسطو تُرجم وظهر في البصرة، ولكن آراء أرسطو وفلسفته لم تدخل في حسابات الفلاسفة المسلمين إلا من قبيل الاستفادة المجردة، التي لا ترتمي عند هذه الآراء الفلسفية برضوخ ورتابة.

ولذا فإنَّ نشوء علم الكلام الذي ظهر في البصرة، أدى إلى وصف البصرين بأنهم: أهل المنطق، ليس لأنهم تبنوا آراء أرسطو الفلسفية حرفياً، بل استفادوا من هذه الآراء بعد انتقادهم لكثير من جوانبها وحواشيها، التي لم تكن صحيحة، فأبدعوا في التوصل إلى قوانين منطقية رائعة تحركت ضمن المنهج الإسلامي وتقيدت بقيده. وبناء عليه أصبحت غاية المنطق وغاية الفلسفة عند الفلاسفة المسلمين هي التوصل إلى بداية الحكمة ونهايتها، أي معرفة الله سبحانه وتعالى وإثبات وجوده.

وهكذا فإنَّ الديمقراطية كآلية من آليات المجتمع المتحضر ومن ضروريات التعددية والحوار مع الآخر إسلامياً كان أم علمانياً، مسلماً أم مسيحياً، عربياً أوكردياً، تركمانياً أو آشورياً، تتم وفق ما نعتقده وليس في إطار من مناهج مستوردة علمانية أو غير علمانية، رأسمالية أو إشتراكية.

ولذا يجب أن تتجرد الديمقراطية من جذرها الغربي، ومن سلوكياتها الغير لائقة للمجتمع المسلم، لكي تكون مقبولة من الجميع وذائبة في ثقافة المجتمع الذي عبرنا عنها بأنها: خاصة تترجم تطلعات الشعوب ورغباتها ؛ وهذا ثابت في النظريات الحديثة لعلم الاجتماع السياسي.

***

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ تهذيب الشيخ الطوسي ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 154 حديث رقم 272.

2 ـ المصدر نفسه ـ ج 6 ص 155 حديث رقم 273.

3 ـ مستدرك النوري الطبرسي ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 53 رقم الحديث 12409.

4 ـ اللمعة الدمشقية (في أحكام البغاة) ـ الشهيد الأول محمد بن جمال الدين مكي العاملي ـ ج 2 ص 408.

5 ـ المصدر نفسه ـ ج 2 ص 408 وما بعدها.

6 ـ مستدرك النوري الطبرسي باب (من كان له فئة من أهل البغي وجب أن يتبع مدبرهم) ـ المصدر السابق ج11 ص 55 رقم الحديث 12414.

7 ـ المصدر نفسه ـ ج 11 ص 55 رقم الحديث 12415.

8 ـ الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء ـ ابن قتيبة الدينوري ـ المصدر السابق ـ ج1 ص125 وما بعدها.

9 ـ شرح نهج البلاغة للبحراني (من كتاب له عليه السلام إلى معاوية) ـ المصدر السابق ـ ج 5 ص 190 .

10 ـ مسلمون ثوار لمحمد عمارة ـ المصدر السابق ـ ص 41 .

11 ـ مستدرك النوري الطبرسي (باب حكم قتال البغاة) ـ المصدر السابق ـ ج11 ص62 رقم الحديث 12428.

12 ـ وسائل الحر العاملي (باب استحباب إمساك أهل الحق عن الحرب حتى يبدأهم به أهل البغي )– المصدر السابق ـ ج 15 ص 92 رقم الحديث 20053 .

13 ـ مستدرك النوري الطبرسي (باب حكم قتال البغاة) ـ المصدر السابق ـ ج11 ص65 رقم الحديث12435.

14 ـ مسلمون ثوار لمحمد عمارة ـ المصدر السابق ـ ص 74 .

15 ـ المصدر نفسه ـ ص 73 .

16 ـ الحركة الإسلامية في ضوء المتغيرات الدولية ـ قاسم خضير عباس ـ المصدر السابق ـ ص 152 .

17 ـ المصدر السابق ـ ص 153 .

18 ـ منهاج الصالحين (المعاملات) للسيد الخوئي ـ المصدر السابق ـ ج2، ص10، مسألة33.

19 ـ كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري ـ المصدر السابق ـ ج 1 ص 88 .

20 ـ المصدر نفسه ـ ج 1 ص 87 .

21 ـ للاستزادة من الموضوع راجع الحركة الإسلامية لقاسم خضير عباس (الفصل الخامس: حقوق الإنسان في الإسلام) ـ المصدر السابق ـ ص 127 ـ 161.