الفصل السادس

عليّ بن أبي طالب (ع) وتحريم الغدر والوفاء بالعهد

* تحريم البغي والالتزام بالعهد:

إنَّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يؤكد دائماً على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتحريم البغي وضرورة الالتزام بالعهد، فعنه (ع) قال: قال رسول الله (ص): (مارفع الناس أبصارهم إلى شيء إلاّ وضعه الله تعالى، ولو بغى جبل على جبل لجعل الله تعالى الباغي منهما دكاً )(1).

وعن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال: (في كتاب عليّ (عليه السلام): ثلاث خصال لا يموت صاحبهنّ أبداً حتى يرى وبالهنّ: البغي، وقطيعة الرّحم، واليمين الكاذبة )(2).

وعن الأصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم وهو يخطب على المنبر في الكوفة: (أيها الناس لولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس إلاّ أنَّ لكل غدرة فجرة، ولكل فجرة كفرة، ألا وإنَّ الغدر والفجور والخيانة في النار )(3).

وذكر النوري الطبرسي عن عليّ عليه السلام أنه قال: (الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنّة أوفى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع، ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم الله قد يرى الحوّل القلب وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لاحريجة له في الدين )(4).

وروي عن الإمام أبي عبد الله أنَّ علياً عليه السلام أجاز أمان عبد مملوك لأهل حصن من الحصون وقال: هو من المؤمنين(5).

وعن حبة العرني قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (من ائتمن رجلاً على دمه ثم خاس به فأنا من القاتل برئ، وإن كان المقتول في النار )(6).

إنَّ علياً (ع) قد أكد على تحريم البغي وضرورة الوفاء بالعهد، لأنَّ الإسلام أراد ذلك، فعن الإمام أبي عبد الله الصادق عن أبيه قال: قرأت في كتاب عليّ عليه السلام أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب أنَّ كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً بالمعروف والقسط ما بين المسلمين، وأنه لا يجار حرمة إلا بإذن أهلها، وأنَّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وحرمة الجار كحرمة أمه وأبيه، لا يسالم مؤمن دون المؤمنين في قتال في سبيل الله إلا على عدل وسواء )(7).

وروي عن عليّ عليه السلام، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له فيما عهد إليه: (وإيّاك والغدر بعهد الله والإخفار لذمّته، فإنَّ الله جعل عهده وذمّته أماناً أمضاه بين العباد برحمته، والصبر على ضيق ترجو انفراجه، خير من غدر تخاف (أوزاره وتبعاته) وسوء عاقبته )(8).

ومن المعروف أنَّ أحكام الإسلام القرآنية تقارب بين الواقع المعاش والمثل العليا لتحقيق المصلحة العامة والعدل بين الناس جميعاً. وعليه نجد تلك الأحكام السماوية تحث المسلمين على احترام عهودهم والوفاء بها، وقد قال الله عزوجل في محكم كتابه العزيز: (ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)(9)، (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ماتفعلون)(10)، (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً) (11).

* الوفاء بالعهد من أسمى المبادئ الإسلامية

ويشير الشيخ محمد رشيد رضا إلى الآية المباركة: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم)(12) ويقول: إنها تعني وجوب الوفاء بالعهود، لأنَّ الذين ينقضون عهودهم ويعودون إلى تجديدها هم كالمرأة الحمقاء التي تنقض غزلها من بعد قوة إبرامه نقض أنكاث (وهو جمع نكث ـ بالكسر ـ مانقض ليغزل مرة أخرى )، وهو حال الذين يتخذون عهودهم دخلاً بينهم (والدخل بالتحريك: الفساد، والغش الخفي الذي يدخل في الشيء وماهو منه )(13).

لقد كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ التي جسدها عليّ في سيرته ـ في غاية الرحمة والأخلاق والعدل والوفاء بالعهد مع الآخر، لأنها تجسيد لمبادئ القرآن، وامتداد من السماء إلى الأرض.

وقد ورد عن الإمام أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): (يجيء كل غادر بإمام يوم القيامة مائلاً شدقه حتى يدخل النار)(14). وعن أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله (ص) قال: (ألا إنه ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته)(15). وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: (لكل غادر لواء يوم القيامة)(16). وقال (ص): (ألا أخبركم بخياركم؟ خياركم الموفون بعهودهم )(17).

وهناك صور رائعة من الوفاء بالعهد رسخها الإسلام في تعامل المسلمين مع بعضهم البعض ومع غيرهم ، فالرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قد التزم بعهوده ومواثيقه حتى مع غير المسلمين، كما حدث مع نصارى نجران الذين طلبوا منه (ص) أن يكتب لهم عهداً، وذلك بعد انصرافهم عن مباهلته، فكتب الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) كتاباً بأمر الرسول (ص) جاء فيه: (لهم بذلك جوار الله وذمة النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وبيعهم ورهبانيتهم على أن لايعشروا ولا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به فمن أكل الربا منهم بعد ذلك فذمتي منه بريئة)(18).

والشيء نفسه حصل في صلح رسول الله (ص) مع صاحب أيلة، ومن كان معه من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البر والبحر، الذين دخلوا في ذمة الله، وذمة رسوله (ص)، وكان لهم حرية العقيدة، وأن لا يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقاً يريدونه(19).

وفي خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام جدد العهد والأمان للنصارى النجرانيين وكتب لهم: (إنكم أتيتموني بكتاب من نبي الله (صلى الله عليه وآله )، وفيه شرط لكم على أنفسكم وأموالكم، وإني وفيت لكم لما كتب محمد (ص) و أبو بكر وعمر، من أتى عليهم من المسلمين فليف لهم، ولا يضاموا ولا يظلموا ولا ينتقص حق من حقوقهم )(20).

* المعاهدات الدولية في القانون الدولي الإسلامي:

إنَّ الوفاء بالعهود من أسمى مبادئ الإسلام الأخلاقية، التي أمر الله بها، وأثنى عليها، فقال الله عزوجل في محكم كتابه العزيز: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) (21) .

ويذهب السيد محمد حسين الطباطبائي في كتابه (الميزان في تفسير القرآن) إلى أنَّ الوفاء بالعهد هو من أخلاق الأبرار، كما أنه (لايشمل الإيمان والالتزام بأحكامه كما توهمه بعضهم، لمكان قوله: (إذا عاهدوا )، فإنَّ الالتزام بالإيمان ولوازمه لايقبل التقيد بوقت دون وقت ـ كما هو ظاهر ـ ولكنه يشتمل بإطلاقه كل وعد وعده الإنسان وكل قول قاله التزاماً … وكل عقد عقد به في المعاملات والمعاشرات ونحوها )(22).

وقد اعتبر بعض المفسرين أنَّ عدم الوفاء بالعهد المذكور في الآية المباركة هو صفة تتناقض مع الإيمان(23)، لأنَّ الإسلام أوجب على المسلمين الوفاء بعهودهم ومواثيقهم (24).

وهكذا نعرف أنَّ الوفاء بالعهد هو من خلق الإسلام، الذي يشيع القسط والعدل بين الناس جميعاً، ولو كانوا كفاراً مالم يقفوا في وجه الإسلام ويحاربوا دعاته، ويضطهدوا أهله(25) .

ولذا فإنَّ المعاهدات في الإسلام يجب أن تطبق بكل عدالة وصدق، من أجل إقامة السلم، وإشاعة الطمأنينة بين الناس جميعاً. والمعروف أنَّ المعاهدات في القانون الدولي الإسلامي هي: (اتفاقات تعقدها دولة الإسلام مع غيرها من الدول لتنظيم علاقة قانونية دولية، وتحديد القواعد التي تخضع لها الاتفاقات، وقد أجمع الفقهاء المسلمون على الالتزام بها، والالتزام بتنفيذ الوفاء بالعهود والمواثيق، نظراً لعناية القرآن الكريم والسنة الشريفة وتأكيدهما عليها )(26).

ومن الملاحظ أنَّ الظروف التي كان يعيشها المسلمون مع غيرهم قد أثرت في تعريف الفقهاء القدماء للمعاهدات، فالشيباني مثلاً يرى بأنَّ المعاهدة هي: (موادعة المسلمين والمشركين لسنين معلومة )(27). بينما ذهب البهوتي إلى أنها: (عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو كانت بقدر الحاجة )(28). وذهب الرملي إلى أنها: (عقد يتضمن مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة بعوض وبغير عوض )(29).

وذهب المحقق الحلي إلى أنها: (المعاقدة على ترك الحرب مدة معينة. وهي جائزة إذا تضمنت مصلحة للمسلمين )(30). وذهب النوري الطبرسي إلى أنها: موادعة ينظر فيها الإمام أو من يقوم مقامه (على مال يقتضيه من المشركين وعلى غير مال، كيف أمكنهم ذلك لسنة أو سنتين، وأقصى مايجب أن يوادع المشركون عشرسنين، لايجاوز ذلك، وينبغي أن يوفّى لهم )(31).

ولذا فإنَّ المسلمين قد التزموا بمعاهداتهم ومواثيقهم وعهودهم مع غيرهم، ولم يتحللوا منها إلا بعد تلمس الخيانة من الطرف الآخر، الذي نكث بعهوده ومواثيقه، وشكل خطراً على الإسلام والمسلمين .

وأتصور أنَّ الفقهاء اشترطوا مدة في المعاهدات بسبب الظروف التي كان يعيشها المسلمون مع غيرهم، ولكن هذا لايؤثر على صحة المعاهدات المؤبدة كعقود الذمة(32)، فقد روى البيهقي أنَّ رسول الله (ص) قال: (ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب خاطر فأنا حجيجه يوم القيامة )(33).

هذا التعامل مع الآخر والوفاء له بالعهد جعل المسلمين يتميزون عن غيرهم، ولذا فإنَّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام عندما رأى شيخاً مكفوف البصر كبير السن يسأل الناس، قال: (ماهذا ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني. فقال: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال )(34).

* ضرورة وجود الفقه الدولي الإسلامي المعاصر الذي يحكم علاقة المسلمين بغيرهم:

والجدير توضيحه هنا أنَّ المعاهدات بين المسلمين وغيرهم لابد أن تعقد بإرادة حرة من الجانبين لتحقيق غرض مشروع وممكن، يتفق مع الأصل المنشود في علاقة المسلمين بغيرهم وهو السلم، ولذا فإنَّ الدكتور وهبة الزحيلي يعتبر المعاهدة عقداً بين فريقين على شروط يلتزمونها، لأنَّ (العهد في الشريعة له معنى أوسع من كلمة عهد في القانون الوضعي، إذ هو أساساً اتفاق الإرادتين بصرف النظر عن الشكل أو الإجراء)(35).

وأضيف في هذا المجال للفائدة بأنَّ صحة المعاهدات ونفاذها تستلزم عدم تعارضها مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا استوفت هذا الشرط لايجوز نقضها قبل وقتها.

واستثنى الفقهاء من ذلك الخوف من الخيانة بأن تظهر شواهد يقينية تدل على نية المقابل الغدر، والعزم على حرب المسلمين أو إمداد المشركين(36)، والاستعداد للقتال والتجهيز له (37).

بلحاظ أنَّ شيخ المحدثين النوري الطبرسي ـ وهو من علماء الشيعة الإمامية ـ يرى بأنَّ الإمام أو من أقامه الإمام يستطيع نقض المعاهدة قبل وقتها إذا كان في ذلك صلاحاً للمسلمين(38).

وقد انفرد الأحناف بإجازة نقض المعاهدات للمصلحة إذا لم يُشترط على المعاهدين الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية ، أما إذا شرط عليهم الالتزام بأحكام الشريعة مدة المعاهدة فلايصح نقضها للمصلحة(39).

والجدير ذكره أنَّ المعاهدات تنقضي وتزول في القانون الدولي العام إذا عقدت لأجل معين كما في معاهدات التحالف، أو إذا زال موضوعها كما لو تعاقدت دولتان على ضمان حياد دولة ثالثة، ثم دخلت هذه الدولة في حرب، أو زال أحد أطراف المعاهدة(40).

كما أنَّ الحرب تعد أحد الأسباب الرئيسة التي تنقضي بها المعاهدات. وقد أوضحت اتفاقية فينا عام 1969 م كيفية إبطال المعاهدات أو إنهائها أو إيقاف العمل بها(41)، خصوصاً وأنَّ الفقرة (أ) من المادة (60) من اتفاقية فينا أجازت لأحد أطراف المعاهدة التحلل منها استناداً لحالة الضرورة القصوى.

الملفت للنظر حقاً أنَّ بعض القواعد الدولية الوضعية قد قطعت مرحلة انتقالية ووصلت في نهاية المطاف إلى مطابقة الموقف الإسلامي، وهي في ذلك تتشابه مع بعض مواد القانون الوضعي الداخلي التي انسجمت أخيراً مع موقف الشريعة الإسلامية (42)، مما يدل على عظمة الإسلام ورقي قواعده ومبادئه العامة .

ولذا لا بد للعلماء الأعلام أن يبلوروا لنا فقهاً دولياً إسلامياً يناسب ظروفنا الحالية، خصوصاً وأنَّ تداخل العالم مع بعضه في علاقات متبادلة يقتضي وقفة جادة ومسؤولة من علماء المسلمين، لإيجاد فقه دولي يهتم بعلاقات الدول الإسلامية مع غيرها من الدول، وتقنين ذلك الفقه وفق المذاهب الإسلامية المتعددة، بحيث يفرز مساحة واسعة لحقوق الإنسان، وتحرره من العبودية والقهر والاضطهاد، وإقرار السلم والأمن الدوليين بصورة واقعية حقيقية.

وهذه غايات نبيلة سعت إليها هيئة الأمم المتحدة ولم توفق في تحقيقها، بسبب مصالح الدول ونظرتها القومية الضيقة، التي حالت دون نشوء علاقات دولية أخلاقية متساوية ومتوازنة.

وأعتقد أنَّ ظهور الفقه الدولي الإسلامي وتقنينه ليس عملاً مستحيلاً إذا سعت الدول الإسلامية إلى تنظيم علاقاتها، وعقد معاهداتها، وإرساء عرفها الدولي على أسس اجتهادية معاصرة، إضافة إلى إنشاء مجمعات تهتم بالقانون الدولي الإسلامي، وتقنين قواعده القانونية، التي من شأنها التأثير بالعلاقات الدولية، و بالقانون الدولي العام وتطويره وتلافي عيوبه من خلال المشاركة الفاعلة في إصلاح النظام القانوني الدولي، على غرار إصلاح النظام القانوني الداخلي للدول، علماً أنَّ القواعد الدولية الوضعية لاتزال إلى اليوم في حالة عدم ثبات، وفي تطور دائم ومناقشة وشك(43) .

* شرعية قبول المسلمين بأحكام القضاة الدوليين غير المسلمين:

ويمكن أن يثار في هذا الموضوع تساؤل حول شرعية قبول المسلمين بأحكام القضاة الدوليين غير المسلمين، أو الالتجاء إلى القضاء الدولي في محكمة العدل الدولية لحل النزاعات بين دول إسلامية وغيرها من الدول، خصوصاً وأنَّ الشريعة الإسلامية لاتجيز تحكيم غير المسلمين في فض النزاعات وفقاً للآية الكريمة (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)(44).

وعليه لا ولاية للكافر على المسلم، وكل (مايؤدي إلى مهانة المسلم، أو جماعة المسلمين، أو الأمة الإسلامية، أو يدخل وهناً على الإسلام، بأي وجه من الوجوه، فإنَّ ارتكابه في حال الاختيار، من أعظم المحرمات الدينية، وأشد المنكرات الشرعية)(45).

لذا فإنَّ القاعدة العامة هي عدم جواز التحكيم عند غير المسلمين(46)، ولا يتوكل الذمي على المسلم للذمي ولا للمسلم لاستلزامها إثبات السبيل للكافر على المسلم(47). وعند الضرورة يمكن للفقهاء المسلمين أن يجيزوا التحكيم الدولي غير المسلم بالعناوين الثانوية إذا توقف تحصيل الحق به وفقاً لقاعدة دفع الضرر(48).

وقد ذهب فقهاء المالكية إلى تحكيم غير المسلمين(49) لإنهاء الحرب، لكنهم قيدوا ذلك بقيد الخوف من الأعداء فقالوا: (يجوز عقد هدنة مع غير المسلمين على أن يحكموا بين مسلم وكافر إذا كان هناك خوف منهم ). علماً أنَّ المالكية قد حرموا توكيل المسلم للذمي في خصومة (50).

بلحاظ أنَّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وافقت على تدخل الأمم المتحدة لحل نزاعها وحربها مع العراق، وقبلت مصر اللجوء إلى لجنة التحكيم الدولية بخصوص طابا بينها وبين العدو الصهيوني، وقبلت البحرين التحكيم الدولي بشأن نزاعها مع قطر حول بعض الجزر في الخليج .

الذي أريد قوله وباختصار شديد هو ترابط أحكام الشريعة وانسجامها وتداخلها وتنظيمها لكل أنشطة المجتمع المسلم، وعليه فإنَّ من الضروري تصدي الفقهاء لتطبيق القواعد الإسلامية العامة الثابتة، واستنباط الأحكام الشرعية لاستيعاب تطور العصر وتقدمه. ويدخل القانون الدولي الإسلامي ضمن ذلك لأنه (لافرق في نظام الإسلام بين الأمور الدينية أو الأمور التشريعية، فكلها ذات صفة إلزامية لامناص منها، وكلها واجبة التنفيذ)(51) .

وهكذا فإنَّ الإسلام يعتبر ديناً له نظامه السياسي المحكم، ونظامه الاجتماعي الكامل، بحيث لاتنحصر تعاليمه بعلاقات الإنسان بربه فقط، بل يمتد ذلك إلى تكوين المجتمع المثالي، الذي يتوسل إلى تحقيق أهدافه بتوفير العنصر الأخلاقي في نفس الإنسان. وقد امتد العنصر الأخلاقي إلى كل جوانب الحياة، فشمل علاقات المسلمين بغيرهم.

علماً أنَّ الإسلام يمتلك قوى تحريك هائلة، حيث استطاع بنجاح في زمن الرسول (ص) والخلافة الراشدة أن ينقل أحكامه وقواعده العامة خارج دار الإسلام، مما أدى إلى نشوء القانون الدولي الإسلامي وتطور قواعده بعد ذلك. وقد أكد الرسول الكريم (ص) على أخلاقية القواعد الدولية الإسلامية وقال: (اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولاتغلوا ولا تغدروا ولاتمثلوا ولاتقتلوا وليداً )(52).

ولذا تصدى الفقهاء لتنظيم العلاقات الدولية زمن الحرب على أسس روحية أخلاقية، كما تصدوا إلى تنظيم القواعد الدولية الإسلامية وقت السلم (كالصلح والأمان وشروطهما والوفاء بالعهود وتبادل السفراء. غير أنَّ الحرب كانت تأخذ مكان الصدارة بسبب الظروف التي أحاطت بالدولة الإسلامية وتربص الأعداء بها في الداخل والخارج )(53). ومع ذلك كانت علاقات المسلمين بغيرهم علاقات سلم وأمان، ولم يكن الجهاد عندهم إلا لرفع راية الإسلام، والحفاظ على إعلاء كلمة لاإله إلا الله(54) .

وتعتبر وثيقة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى مالك الأشتر النخعي، عندما ولاه مصر، من الوثائق السياسية والإدارية المهمة التي تدل على اهتمام المسلمين بالمبادئ الأخلاقية عند تعاملهم مع الناس، كل الناس، مسلمين وغير مسلمين(55) .

وهكذا يظل الإنسان في كل مكان بحاجة إلى مبادئ السماء الموجودة في القرآن الكريم، والسنة النبوية لتحقيق السعادة والأمن والسلام في الأرض. علماً أنَّ العلاقات الدولية التي سادت بين المسلمين وغيرهم في الماضي لاتختلف من حيث المضمون عن العلاقات الدولية الحالية، وإن اختلفت معها في الشكل والمظهر. فقد كان النبي الكريم محمد (ص) يطبق النصوص القرآنية بدقة، مما جعل المسلمين يمتنعون عن مقاتلة من يلقي إليهم السلم، لأنَّ الإسلام لايجيز للمسلمين أن يعتدوا على أحد، لكنه لايجيز لهم أيضاً أن يستسلموا باسم السلم والأمن لدولة غير إسلامية، ولايجيز لهم استعمار دولة أخرى، (وليس للمسلمين أن يتدخلوا في شؤون الدول الأخرى المسالمة إلا لحماية الحريات العامة، وإغاثة المظلومين، ودفع الاعتداء عن المعتقدين بالإسلام، وذلك منعاً للفتنة في الدين... الإسلام يحترم حق كل دولة في البقاء والسيادة، وفي الدفاع عن أراضيها وسيادتها، وإنَّ العلاقات بين المسلمين وغيرهم تقوم أساساً على السلام، وما الحرب إلا ضرورة يفرضها حق الدفاع عن النفس وعن العقيدة )(56).

إنَّ فقهاء الشريعة الإسلامية قد اهتموا كثيراً باستنباط قواعد التنظيم بين الدول، وأرسوا بذلك القانون الدولي الإسلامي، الذي يستند إلى قواعد أخلاقية لتوطيد السلم والأمن الدوليين لكافة الناس دون تمييز أو عنصرية. لقد كان هذا القانون الإلهي أخلاقياً لأنه لايجيز أبداً استعمال القوة للإفساد في الأرض وإتلاف الحرث والنسل والتخريب المتعمد في حالتي السلم والحرب(57)، لأنَّ الحرب في الإسلام لاتكون أبداً من أجل احتلال أراضي الغير والتوسع غير المشروع على حساب الدول الأخرى(58). كما أنَّ الجهاد يكون ضرورة إذا: (ازدحم الكفار على المسلمين بحيث يخاف منه زوال الحق وإثبات الكفر والباطل، فيجب على جميع المسلمين حينئذ مدافعتهم )(59).

من وحي ما أسلفنا فإنَّ العلاقات الدولية في الإسلام، المستندة إلى قيم روحية أخلاقية، هي ماتحتاجه الإنسانية في تطلعها للمساواة والحرية، وإقرار السلم والأمن في العالم.

***

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ مستدرك النوري الطبرسي (باب تحريم البغي) ـ المصدر السابق ـ ج 12 ص 85 رقم الحديث 13585 .

2 ـ المصدر نفسه ـ ج 12 ص 86 رقم الحديث 13589 .

3 ـ وسائل الحر العاملي (باب تحريم الغدر والقتال مع الغادر) ـ المصدر السابق ـ ج15 ص70 رقم الحديث 20005 .

4 ـ مستدرك النوري الطبرسي ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 47 رقم الحديث 12397 .

5 ـ تهذيب الأحكام للحسن الطوسي (باب إعطاء الأمان) المصدر السابق ـ ج6 ص140 رقم الحديث 235.

6 ـ وسائل الحر العاملي (باب جواز اعطاء الأمان ووجوب الوفاء وإن كان المعطي له من أدنى المسلمين ولو عبداً، وكذا من دخل بشبهة الأمان) ـ المصدر السابق ـ ج 15 ص 68 وما بعدها رقم الحديث 20002. وتهذيب الأحكام للحسن الطوسي (باب النوادر) ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 175 رقم الحديث 349 .

7 ـ تهذيب الأحكام للحسن الطوسي (باب إعطاء الأمان) ـ المصدر السابق ـ ج 6 ص 140 وما بعدها رقم الحديث 238.

8 ـ مستدرك النوري الطبرسي (باب تحريم الغدر والقتال مع الغادر) ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 47 رقم الحديث 12396 .

9 ـ سورة المائدة الآية الأولى.

10 ـ سورة النحل الآية 91 .

11 ـ سورة الإسراء الاية 34.

12 ـ سورة النحل الآية 92 .

13 ـ الوحي المحمدي لرشيد رضا ـ المصدر السابق ـ ص 307.

14 ـ وسائل الحر العاملي (باب تحريم الغدر) ـ المصدر السابق ـ ج 15 ص 70 رقم الحديث 20004.

15 ـ صحيح سنن ابن ماجه باختصار السند ـ محمد ناصرالدين الألباني ـ المصدر السابق ـ ج2 ص144 .

16 ـ صحيح مسلم ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 1360 .

17 ـ العلاقات الدولية للدكتور الشيخ وهبة الزحيلي ـ المصدر السابق ـ ص 134 .

18 ـ الوثائق السياسية في العهد النبوي -الدكتور محمد حميد الله ـ ص 141، 145 .

19 ـ سيرة ابن هشام ـ المصدر السابق ـ ج4 ص125. والوثائق السياسية د.حميد الله ـ المصدر السابق ـ ص 89.

20 ـ الوثائق السياسية للدكتور محمد حميد الله ـ المصدر السابق ـ ص 166 .

21 ـ سورة البقرة الآية 177.

22 ـ الميزان في تفسير القرآن للسيد محمد حسين الطباطبائي ـ المصدر السابق ـ المجلد الأول ص 430 .

23 ـ اختصار تفسير ابن كثير ـ محمد نسيب الرفاعي ـ المجلد الأول ص 136 .

24 ـ العلاقات الدولية في الإسلام للدكتور عبد العزيز صقر ـ المصدر السابق ـ ص95 .

25 ـ غير المسلمين ـ الشيخ يوسف القرضاوي ـ ص 6 .

26 ـ المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية للدكتور باناجة ـ المصدر السابق ـ ص 58 .

27 ـ السير الكبير ـ أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني ـ ج4 ص60 .

28 ـ الروض المربع في شرح زاد المستنفع ـ منصور بن يونس بن إدريس البهوتي ـ ج4 ص14 .

29 ـ نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ـ شهاب الدين الرملي الشافعي ـ ج8 ص100 .

30 ـ شرائع الإسلام للمحقق جعفر بن الحسن الحلي ـ المصدر السابق ـ ج 1 ص 332.

31 ـ مستدرك النوري الطبرسي ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 129 .

32 ـ العلاقات الدولية في الإسلام للدكتور وهبة الزحيلي ـ المصدر السابق ـ ص 131 .

33 ـ سنن البيهقي ـ ج5 ص 205 .

34 ـ وسائل الحر العاملي باب (أنَّ نفقة النصراني إذا كبر وعجز عن الكسب من بيت المال )– المصدر السابق ـ ج 15 ص 66 رقم الحديث 19996.

35 ـ العلاقات الدولية للدكتور وهبة الزحيلي ـ المصدر السابق ـ ص 136 .

36 ـ شرائع الإسلام للمحقق الحلي ـ المصدر السابق ـ ج 1 ص 329 .

37 ـ العلاقات الدولية في الشريعة الإسلامية للدكتور عباس شومان ـ المصدر السابق ـ ص107 نقلاً عن (مواهب الجليل) للحطاب ج3ص 386 .

38 ـ مستدرك النوري الطبرسي ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 129 .

39 ـ العلاقات الدولية في الشريعة للدكتور شومان ـ المصدر السابق ـ ص 107 نقلاً عن (تحفة الفقهاء) لعلاء الدين السمرقندي ج3 ص297 .

40 ـ القانون الدولي العام للدكتور عبد الباقي ـ المصدر السابق ـ ص 72 .

41 ـ القانون الدولي العام للدكتور أبو هيف ـ المصدر السابق ـ ص 591 .

42 ـ الدفاع الشرعي في الإسلام ـ الدكتور داود العطار ـ ص 208 .

43 ـ القانون الدولي العام ـ الدكتور أبو هيف ـ المصدر السابق ـ ص 75 .

44 ـ سورة النساء الآية 141 .

45 ـ نظام الحكم والإدارة في الإسلام ـ الشيخ محمد مهدي شمس الدين ـ ص 494 .

46 ـ أحكام الذميين والمستأمنين ـ الدكتور عبد الكريم زيدان ـ ص 601 . والعلاقات الدولية في الإسلام للدكتور وهبة الزحيلي ـ المصدر السابق ـ ص 143 .

47 ـ شرائع الإسلام للمحقق الحلي ـ المصدر السابق ـ ج 2 ص 199 .

48 ـ لقد وصلتني رسالة من آية الله السيد كاظم الحائري وهو من الفقهاء الشيعة رداً على استفساري عن هذا الموضوع فقال سماحته مانصه: (بسم الله الرحمن الرحيم: إذ ا توقف إنفاذ الحق على التحاكم لدى الكافر وكان في تركه ضرر مهم فالفقهاء يفتون عادة بجوازه عملاً بقاعدة نفي الضرر). وراجع أيضاً القانون الدولي العام للدكتور عبد الباقي ـ المصدر السابق ـ ص 137 .

49 ـ العلاقات الدولية للدكتور وهبة الزحيلي ـ المصدر السابق ص77 نقلاً عن الخرشي ج3 ص174 ط1.

50 ـ أحكام الأحكام على تحفة الحكام ـ محمد بن يوسف السكافي ـ ص 63 .

51 ـ العلاقات الدولية للدكتور الزحيلي ـ المصدر السابق ـ ص 9 .

52 ـ صحيح مسلم ـ المصدر السابق ـ ج 3 ص 1357 .

53 ـ القانون الدولي العام للدكتور عبد الباقي ـ المصدر السابق ـ ص 52 .

54 ـ الأحكام السلطانية ـ الماوردي ـ ص 41 .

55 ـ راجع ابن أبي الحديد عند شرحه لنهج البلاغة (عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر) ـ المصدر السابق ـ المجلد الرابع ج 17 ص 119 .

56 ـ المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية للدكتور باناجه ـ المصدر السابق ـ ص 14 ومابعدها .

57 ـ مقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية ـ علي علي منصور ـ ص 59 .

58 ـ الحرب والسلام في الإسلام ـ محمود شلتوت ـ ص 20 .

59 ـ جامع الأحكام الشرعية ـ السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري ـ ص 204 .