الخاتمة

ماذا نستوحي من سيرة عليّ بن أبي طالب (ع) ؟

 

نستوحي من سيرة عليّ بن أبي طالب ما نستوحيه من سيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله ذاتها، لأنَّ علياً قد تربى على صدر رسول الله (ص)، واستلهم سنة وسيرة رسول الله (ص) في عبادته وعمله وسلوكه وحياته ؛ ولذا كانت سيرته عليه السلام تستند إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل شيء.

وهكذا نستوحي من سيرة الرسول الكريم (ص) إقامة المجتمع الفاضل الذي يسوده العدل والمساواة والتعاون، وهذا ما أكد عليه عليّ (ع) في سياسته وقضائه وقيادته لدولة الإسلام.

ونستوحي من سيرة رسول الله (ص) نشر العلم والفضيلة والتقوى في المجتمع، وهو مافعله عليّ بن أبي طالب (ع) أيضاً .

ونستوحي من سيرة الرسول الكريم (ص) العدل والرحمة مع الآخر، وهو مافعله عليّ (ع) في أعدائه .

ونستوحي من سيرة رسول الله (ص) الآداب الأخلاقية في الحرب، وعدم قتل الشيوخ والنساء والصبيان، وحرمة التمثيل بجثث القتلى، والوفاء بالعهد حتى مع الكافر، وكيفية الصلح مع الآعداء، وأمير المؤمنين عليّ (ع) فعل كل ذلك . ونستوحي من سيرة رسول الله (ص) عدم الاستسلام للأعداء ولمؤامراتهم وخبثهم وحقدهم على الإسلام والمسلمين، وعليّ (ع) انتهج هذا المنهج في حروبه مع أعدائه .

ونستوحي من سيرة رسول الله (ص) وسيرة عليّ (ع) ضرورة تطبيق القانون الإسلامي في المجتمع المعاصر، وتهيئة الفقه الدولي الإسلامي من قبل علماء الأمة لكي ينظم علاقات الدول الإسلامية مع غيرها من الدول .

نستوحي من سيرة الرسول (ص) التي سار عليها أمير المؤمنين عليّ (ع) التسامح والرحمة والحب مع بعضنا البعض، بعيداً عن التعصب الطائفي وفتاوى التكفير والقتل التي يمارسها البعض بتخلف مع المسلمين بجميع مذاهبهم، بمعنى أنَّ تعدد نوايا الأعمال التي يتقرب بها العباد إلى المعبود الواحد في التصور الإسلامي توضح مفهوم التعددية في إطار الوحدة الإسلامية(127).

إنَّ التعددية داخل أية حضارة من الحضارات لا تتأتى إلا مع وجود المرجعية الواحدة والجامع الواحد في هذه الحضارة، فلو ألغيت المرجعية الواحدة انتفى معنى التعدد(128)، والمسلمون اليوم بمذاهبهم مصداقاً لذلك فهم يتحركون في إطار المرجعية العامة الواحدة المتضمنة مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، التي اتفق عليها الجميع سنة وشيعة .

علينا أن نستوحي من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرة عليّ بن أبي طالب عليه السلام الرحمة والعدل والتسامح، وأن نفهم حجم المخططات الخارجية والداخلية لتدمير الإسلام بأيدي المسلمين من أجل السيطرة على موارد وخيرات منطقة (الشرق الأوسط) .

وفي هذه النقطة بالذات لا بد أن نستوحي من سيرة رسول الله (ص) التي طبقها عليّ (ع) معايير الكرامة والعزة، لكي نكون اليوم أصحاب قراراتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بحيث نملك ارادتنا ومناهجنا وأساليبنا في المجتمع المسلم، ولا نرتمي بذل أمام المناهج المستوردة بدعوى أنها الطريق الوحيد لتقدمنا !!

نحن بحاجة إلى منهج أصيل يتناغم مع ثقافتنا وخصوصيتنا، منهج يمازج بين الوحي والعقل، بين الروح والإيمان والعلم، منهج يقف بين الفكر الذي يمجد الروح والعرفان في المذهب الغنوصي الروحي الصرف، وبين الفكر الذي يمجد العقل المجرد المطلق في المذاهب الغربية المعادية للدين .

ويقيناً أنَّ هذا المنهج الأصيل الذي يتمثل بالإسلام كان له أكبر الأثر في نفوس الناس، ولذا فإنَّ بعض القوميين العلمانيين العرب قد استغلوا قوة الإيمان في قضاياهم السياسية مع أنهم يدعون لفصل الدين عن السياسة !! كما فعل الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر الذي جند عنصر الروح في معاركه مع العدو الصهيوني، وكان يخطب في جبهات القتال بالجيش المصري ويحثه على الإيمان والجهاد، وكأنه داعية إسلامي !!

والمعروف أنَّ الزعيم المصري القبطي مكرم عبيد قال بصراحة حول هذا الموضوع: (نحن مسلمون وطناً، ونصارى ديناً، اللهم اجعلنا نحن المسلمين لك، وللوطن أنصاراً، واللهم اجعلنا نصارى لك، وللوطن مسلمين ).

ولذا فإننا نؤمن أنَّ الإسلام كان له أكبر الأثر في عدم سقوط العرب كاملاً أمام العدو الصهيوني، ففي خضم إنكسارات العرب وهزائمهم وإحباطاتهم برز الدين والإيمان لتمتين البنى التحتية للمجتمع المسلم، وإعطاء القوة للناس الذين أصابهم اليأس والقنوط . وقد برز المنهج الإسلامي في التجربة الرائعة بطرد العدو الصهيوني من جنوب لبنان، وكذلك في مقاومة الشعب الفلسطيني لجيش الاحتلال الصهيوني .

وهكذا فإنَّ المنهج الأصيل له أكبر الأثر في التغيير الحضاري المطلوب، حيث يكون التنظير السياسي والاقتصادي والاجتماعي مرتبطاً بمشاكل الناس وعلاقاتهم وسلوكياتهم، وتكون البرامج الثقافية والتنموية الهادفة مرتبطة بخصوصية المجتمع، ومنطلقة من الأسفل؛ من الأرض التي نقف عليها ونحيا عليها، ونمارس فوقها تميزنا من فن وأدب وقانون إلى ما هنالك من ممارسات المجتمع ونشاطاته.

لقد انتظر العلمانيون العرب ولادة الإنسان الحضاري العربي من جديد في ظل السياسات المتغربة، وتطبيقات التنمية المتخلفة التي تهدر المال العام، ولكن لم يحدث ما كانوا يعتقدونه ويؤمنون به ؛ على العكس حصلت أزمات اقتصادية حادة حولت الناس إلى ربح وخسارة، ومشاكل اجتماعية خطيرة ضربت البنى التحتية في المجتمع، وظواهر سياسية مقيتة دعت لدكتاتورية الحزب الواحد والقائد الضروة والزعيم الملهم التاريخي .

وقد سحقت كرامة الإنسان وحقوقه المشروعة في ظل هذا الوضع المأساوي، وتمت مصادرة الرأي الآخر بحجة: الضرورات الأمنية والحفاظ على هيبة الدول البوليسية أمام الأطماع الإستعمارية والصهيونية!!

والغريب أنَّ العلمانيين العرب نظروا لمثل هذه الشعارات السيئة الصيت، وطبقوها على مدى أكثر من خمسين عاماً من أجل خداع الناس والضحك على ذقونهم، لإدامة حكم الزعيم الأوحد الجلاد لشعبه، والتمجيد له .

إنَّ عدم امتلاكنا المنهج الأصيل الذي نؤسس عليه حضارتنا، وافتقارنا للتخطيط المطلوب الذي نتحرك وفق حساباته العلمية المدروسه، جعلنا عرضة لمشاكل وأزمات وتحديات داخلية وخارجية . وبذلك سهلنا تمرير المؤامرات الدولية في العالم الإسلامي، خصوصاً في النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية . ومن المعروف أنَّ مصالح الإمبريالية العالمية والشركات المتعددة الجنسية تريد العالم العربي والإسلامي مقهوراً محبطاً لتسهيل تبعيته واستغلال موارده وخيراته الطبيعية.

ومثل هذه المعطيات الخطيرة في واقعنا المعاش لا نشير إليها من أجل جلد الذات، والتعود على ترديد مآسينا وأزماتنا بإحباط ويأس واستسلام، بل لتقييم المرحلة من منظار تحليلي علمي للخروج من المأزق التاريخي الذي نعيش . وأول خطوات العمل الانطلاق من الذات والتأكيد على الهوية والتمييز، والتحرك سريعاً من أجل تظافر كل القوى الإنسانية في العالم وبشكل خاص الاقتصاد والثقافة والإيمان لمواجهة تحديات العولمة والنظام الدولي الجديد .

إنَّ التحليل الموضوعي العلمي للأحداث التي يمر بها العالم الإسلامي والعربي، والإنسانية المضطهدة، يجعل من السهل إدراك أنَّ المستكبرين في الغرب يريدون استنزاف موارد العالم بكل الطرق، وهذا غير ممكن إذا كانت الشعوب متحدة قوية تمتلك قراراتها بنفسها.

ولذا فقد عمل الاستكبار العالمي على تصدير ثقافته ومناهجه إلينا عبر وكلاء محليين من المتغربيين فكرياً، إضافة إلى تهيئة ظروف معينة تساعد على نشوء صراعات إقليمية وحروب أهلية في مناطق أسموها (بالمناطق الساخنة)، حتى يعطوا لأنفسهم الحق بالتواجد العسكري، والتدخل الفعلي لرسم سياسات العالم وفق مصالحهم وتصوراتهم.

وهكذا يجب أن ندرك حجم المخططات الخارجية، والعمل وفق ماتقتضيه مصالحنا، وإقامة التحالفات الإقليمية اقتصادياً وعسكرياً، وحماية المنطقة بجهود ذاتية محلية بعيداً عن تدخلات أميركا وهيمنتها سواء كانت العسكرية منها، أم غير العسكرية المتمثلة بديون صندوق النقد الدولي وديون البنك الدولي التي تتحكم الولايات المتحدة بشروطيهما، لإرهاق كاهل الشعوب بفائدة الديون المتراكمة ومنعها من التنمية الشاملة .

ومن الجدير ذكره في عملية إدراك المخططات الخارجية فهم موضوع إدخال التكنولوجيا الحديثة في عملية التنمية الحضارية المطلوبة، الذي يجب أن يتم وفق أسس صحيحة، أي تحليل الواقع المعاش للبلد ومتطلباته ثم بعد ذلك التركيز على الصناعات التي يحتاجها الناس.

ويمكن ضمن هذه العملية أن نطور الاقتصاد المحلي من امكانيات ذاتية وفق خطط خمسية أو عشرية، اعتماداً على الصناعات المحلية وتطوير أساليب الزراعة والخروج من التبعية الاقتصادية الخارجية المتمثلة بالقروض والديون الجديدة وفوائدهما المتراكمة .

وهكذا شيئاً فشيئاً يتم ادخال التكنولوجيا الحديثة وفق احتياجات وطنية بعيداً عن الهيمنة الخارجية، مع تشجيع الإبداع والابتكار المحلي، وبناء شخصية الإنسان الحضاري وإعادة الثقة إلى نفسه والإيمان بذاته وقدراته الإبداعية .

إنَّ التحول التقني والتكنولوجي، الذي تحدث عنه تيار التغرب عندنا طويلاً، ليس هو العامل الوحيد لنهضة المجتمع وتحديثه، بل تسبقه عوامل أخرى حيوية ذاتية وموضوعية تقوي البنى التحتية، وتزيد الروابط الاجتماعية والأخلاقية، وتعمق الفكر الأصيل المرتبط بحاضر الأمة وتراثها ومستقبلها. بمعنى أوضح إحياء جميع العوامل المحلية والذاتية، التي تقود إلى تبني منهج حضاري له فلسفته وفكره ونظرته للحياة والإنسان والكون، بحيث يتم التخطيط وفق تصوراته لخلق (تكنولوجية مناسبة) كخطوة أولى نحو التحول الصناعي والتقني العالي، الذي سينشأ بإبداع محلي ذاتي بعد الاستفادة من علوم الغرب وتقدمه، وإذابتها في المنهج المطبق، عندها سيحدث التحول المجتمعي الصحيح نحو الرقي والحضارة، متناغماً ومنسجماً مع حركة العوامل التحتية من فكر وثقافة وتراث، فتلك العوامل بلا شك هي قوة المجتمع، إذا ارتكزت إلى منهج صحيح يدفع الفرد بقوة للإبداع.

ولقد حاولت دول الخليج النفطية إدخال تكنولوجيا متطورة إلى بلدانها، وأحدثت طفرة شكلية في تحديث مدنها، لكنها مع ذلك ظلت عاجزة عن طرح مشاريع حضارية، تنتشل المجتمع من تخلفه وتأثّره الشديد بالغرب. لهذا فإنَّ المسألة ليست في استيراد تكنولوجيا متطورة وترك المجتمع في تخلفه وجهله، المسألة تكمن في خلق الإنسان الحضاري المتعامل مع تكنولوجيا العصر بوعي وإدراك، وإذابتها في ثنايا وأعماق المنهج العام المطبق.

وأعتقد أنَّ المنهج الأصيل المطبق في المجتمع هو الذي يعطي الدافع للانطلاق، والقوة والحياة للبرامج المتربطة به، لأنه يحسس الناس بالعزة والكرامة والتميز، عكس المناهج المستوردة التي لا يتفاعل معها الناس نفسياً ولا إبداعياً، ولذا يعيشون في تبعية للآخر تقتل الإبداع والانطلاق .

ولذا فإنَّ العوامل المحلية والذاتية لا بد أن تكون ضمن عملية التحولات الحضارية، ولا يمكن إلغاؤها، لأنّ إلغاءها سيؤدي إلى الاستلاب الحضاري والسقوط الفكري.

إنَّ (شعباً بلا ماضٍ، لايستطيع أن يعطي إلا فناً بلا جذور . وحدها المجتمعات المتجذرة تستطيع أن تعطي فناً حقيقياً . الفن الهندي الأميركي، الذي تحولت أعماله الخلاقة المبدعة إلى سبائك ذهب، أذابها الغزاة الذين لا يقدّرون من هذه الروائع إلا وزن الذهب الذي تحتويه )(129).

والغريب أنَّ الذي يُكتب عن التراث، وعن (آرسطو وأفلاطون) وفلاسفة اليونان والرومان، وأعمال (الفيكانك) والقراصنة في الغرب، أكثر مما يكتب عندنا عن التراث والتاريخ، ومع ذلك نتهم بأننا شعوب تراثية ترتمي بأحضان التراث بنشوة !!

الخصوصية الثقافية موجودة في كل مذهب، ونراها بوضوح في المناهج الغربية، التي كانت نتيجة طبيعية لممارسات وسلوك معين، ونظرة خاصة للكون والطبيعة والإنسان .

وهذه الحقيقة العلمية استغلها (هانتجتون) في نظريته (صراع الحضارات)، حيث أوضح بأنَّ: الحضارة هي تراكم ثقافي، ولذا تتمايز الحضارات فيما بينها .

وقد أشار (ماركس) إلى هذه الخصوصية وتميّز التجربة واصطباغها بالمفهوم السائد في المجتمع، عندما استند إلى التجارب الغربية لتفسير بعض الظاهر، ومن بينها التطور الرأسمالي في إنكلترا، وهذا يتناقض مع ما آمن به (ماركس) عندما أطلق قانون الحتمية الذي رأى أنه ينطبق في كل مكان!!

حتى العلوم الإنسانية نراها مرتبطة بتاريخ تطورها، ولا يمكن فصلها عن تاريخها، ولذا يذكر الاقتصادي الغربي (آدم سميث) مؤسس علم الاقتصاد في كتابه (دراسة في طبيعة وأسباب ثروة الأمم) بأنَّ: الاقتصاد الغربي تطور من خلال تراكم عقود لا حصر لها.

بمعنى أنَّ العلوم الإنسانية والنظريات الاقتصادية قد تأثرت بالمحيط المادي المحيط بها، من ثقافة وفلسفة وسلوكيات وسياسات، وعليه كان التأثير متبادلاً بين علم الاجتماع وعلم السياسة، وكان التأثير متزايداً بين علم السياسة وعلم الاقتصاد .

ولذا فإنَّ مفهوم (الحداثة) في أوروبا كان أيضاً مرتبطاً بزمن في مجال الفن والسياسة والاجتماع والفلسفة، وهي جميعاً تأخذ ملامح غربية وتصطبغ بعادات وسلوك خاص ينسجم مع الحياة المادية والانحلال السائد في المجتمع .

هذه التأملات المعمقة في الفكر وشروط النهضة، دعتني للبحث ولسنوات طويلة في نظرية (الجذر الحي)، فإيماني بهذه النظرية يرجع إلى مبدأ أساس هو: (خصوصية كل أمة وظروفها وواقعها المحلي)، فأيّ تعارض مع هذا المبدأ سيؤدي إلى إعاقات وأزمات.

ومن عبقرية الإسلام أنه عندما انطلق نحو الشعوب الأخرى لم يلغ خصوصيتها الذاتية، بل أكد عليها، خصوصاً في موضوع العرف، على أن لايتناقض مع المبادئ الإسلامية، التي تريد أن توجه الإنسان بوعي لاستغلال العلاقة بين الأرض والسماء دون أي تراكمات سلبية.

وقد هذّب الإسلام أخلاق الشعوب، وجعلها لاتتناقض مع مبادئه السامية، التي تحمل رسالة حضارية للناس جميعاً، لأنها تمتلك أخلاقيات لا تتعامل مع الشعوب الأخرى بفوقية وتعنت وإلغاء، بل جعلتهم عندما يعتنقونها يتحركون وفق خصوصياتهم داخل المنهج الإسلامي العام، لهذا أبدعوا وكانت آثارهم الفكرية محترمة عند المسلمين جميعاً، وبين يديك التاريخ تجد فيه أنَّ أكثر علماء الحديث والصحاح، وعلماء الطب والهندسة والرياضيات والفلسفة هم من غير العرب، الذين اندمجوا في النظام الإسلامي، وأصبحوا جزءاً مهماً من الأمة الإسلامية الواحدة.

وتزداد أهمية (الجذر الحي) في المجتمع المسلم في الوقت الحاضر، لأنَّ العوامل المحلية والذاتية ارتبطت بقوة بمبادئ الإسلام، وترسخت في وجدان الأمة وفي حسها وضميرها وذاكرتها. فلا يمكن أن نتلمس حلولاً لمشاكلنا وأزماتنا إلا في إطار المنهج الإسلامي، ومشاريعه الحضارية المرتكزة إلى مبادئ القرآن وقيمه الأخلاقية(130).

والجدير ذكره بأنَّ التاريخ لا يُفهم من خلال معطيات الواقع المعاش فقط، هذه النظرة غير علمية، لأنَّ هناك في حياة الشعوب كبوات وهزائم وانكسار، وفي فترات أخرى نهضة وانتصارات وإبداع، ولذا فإنَّ استلهام التاريخ يكون وفق استقراء الماضي ودراسته لمعرفة الحاضر والانطلاق للمستقبل بعيون متفائلة، لاتأسر التحليل في إطار الواقع السيء اللحظي المعاش، ولا في إطار الماضي وذكرياته .

وهكذا فإنَّ الموضوعية تقتضي ـ قبل البدء بالتحديث ـ العمل على إعادة بناء الإنسان العربي، والانطلاق من ذاته الإسلامية، وتاريخه المشرق بحيث يكون له صلة بحاضر يستلهم تطور العصر وتقدمه، وصلة أخرى (ديناميكية) نشطة وغير جامدة بالتراث والأصالة، على شرط أن يكون استلهام تقدم الحاضر وتطوره وفق أسس صحيحة، لا تؤدي إلى الاستلاب الحضاري والفكري، بل إذابة (الوافد الأجنبي) في منهج ينبت في أعماقنا، ويحيا في نفوسنا.

وقد نقل المسلمون سابقاً من الحضارات الأخرى، لكنهم تعاملوا مع العلوم الأجنبية بصورة جعلتها تنصهر في المنهج الإسلامي، بحيث لم تعد علوماً أجنبية بل علوماً إسلامية تتساير وتنسجم مع المبادئ التي آمن بها المسلمون .

نظرية المعرفة في الإسلام استفادت من كل ذلك في إطار الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ولابست بين النقل والعقل والحواس والوجدان كطريق لاكتساب المعرفة، ولذا فإنَّ العقلانية الإسلامية لا تعرف الصراع الذي تواجهه العقلانية الغربية مع الدين والروح(131).

من وحي ما أسلفنا نعرف أنَّ استبعاد المنهج الأصيل يؤدي إلى انعكاسات خطيرة، وأزمات مزمنة . وقد رأينا عند تطبيق السياسات الاقتصادية المتغربة في البلاد العربية، نشوء ظواهر غريبة، كظاهرة (تنمية التخلف)، وظاهرة (ازدياد الفقر والبطالة)، وظاهرة (تضخم الشرائح المتخمة)، إضافة إلى ظاهرة (سيئة الصيت)، ظل المجتمع يعاني من ويلاتها واستبدادها، وهي ظاهرة (دكتاتورية الدول البوليسية العربية) .

إنَّ المنهج الأصيل ـ كما قلنا سابقاً ـ يعطينا الدوافع لوجود مشاريع حضارية تقوي إرادتنا، كمشروع السوق الاقتصادية المشتركة للمنطقة العربية والإسلامية بعيداً عن تدخلات الغرب ومصالحه، ومشروع استثمار مواردنا بصورة صحيحة بعيداً عن أطماع الغرب وجشعه، ومشروع التخطيط العلمي لسياسات المنطقة بعيداً عن الهيمنة السياسية والاقتصادية الغربية وأنماط الثقافة المستوردة التي تريد اختراقنا اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً.

نحتاج إلى تخطيط لتنمية حضارية شاملة تبنى على أسس نؤمن بها، لا على تنظير خارجي قاد إلى أزمات ومشاكل مزمنة في المجتمع . والمعروف أنَّ التنمية التي طبقت وفق المنهجية الغربية ساعدت على موت 40 ألف إنسان يومياً في العالم، وسوء تغذية مرعب، وجوع متأزم وأمراض خبيثة في مناطق عديدة من العالم، إنه شبح الموت الغربي الذي يخيم على الشعوب منذ ضحايا قنبلة هيروشيما .

ولذا فإنَّ فكرة (حرية السوق) وفق المنهج الغربي ستؤدي بالعالم العربي والإسلامي إلى الوقوع في شراك العولمة الاقتصادية وتراكم الثروة في الغرب، وستفرز الجوع والمرض والتخلف لشعوبنا شئنا أو أبينا.

والذين يربطون بين (حرية السوق) وفق المنهج الغربي وبين الديمقراطية يرتكبون خطأً كبيراً، لأنهم لم يدركوا أنَّ الغرب والولايات المتحدة الأميركية لم تهتما لموضوع الديمقراطية إلا بمقدار تعلق الأمر بمصالحهما، ولذا فإنهما يغضان الطرف عن انتهاكات لحقوق الإنسان في مناطق عديدة من العالم على يد أنظمة دكتاتورية عميلة لهما.

يجب علينا أن لا نعتمد على المعلومات المجتزأة في التحليل لأنها تدمر العقل، ولذا لا بد أن نتعلم كيف ننظم الأشياء ونرتبها ونفسرها وفق منهجية صحيحة، وهي عملية تستدعي إعمال العقل وتنشيطه، أي ما يسمى بالترتيب العقلي للأشياء والحقائق والمصاديق، ثم التحليل العلمي وفق معطياتها جميعاً.

ليست هناك قضية غربية واحدة في المجال الخارجي تمتلك مصداقية إنسانية أخلاقية، وفي مقدمة ذلك الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان والحرية . بلحاظ أنَّ الديمقراطية كانت دائماً، خدعة الأقلية التي تملك العبيد والثروات(132).

هذه المأسي التي تعاني منها الإنسانية جمعاء هي الوجه الآخر لجشع مصالح الغرب وأميركا في العالم، ولذا فإنَّ المفكر الفرنسي روجيه غارودي قال حول ذلك بأنَّ: (الحل الوحيد الممكن للاستجابة لجوع البعض، وبطالة البعض الآخر، والرد على هجرة الجياع في بحثهم الخادع عن عمل، يكمن في التغيير الجذري في علاقاتنا الغربية مع العالم الثالث ووضعنا نهاية لسيطرة الغرب وتبعية الجنوب، لأنَّ هذه التبعية هي التي تولد التخلف)(133).

إنَّ عوامل التخلف التي تفرزها هذه التبعية المذلة للغرب... تعاملت معها الولايات المتحدة على أنها: عوامل ضعف لشعوب المنطقة العربية والإسلامية يمكن استغلالها للهيمنة على منطقة (الشرق الأوسط)، وسلبها مواردها الطبيعية . ولذا فإنَّ مراكز الدراسات الأميركية المتخصصة تسعى لتقديم البحوث التي تصور (العالم الثالث) بأنه لا يمتلك (عقلاً علمياً) قادراً على استثمار موارده الطبيعية وخصوصاً النفط !!

وهذه السياسة التي تتسم بالهيمنة والجشع والمصالح هي سياسة قديمة في الفكر الغربي، بدأت منذ أن حاول (سقراط) وتلميذاه (افلاطون وآرسطو) التنظير لفلسفة الهيمنة والسيطرة على الآخر، من خلال الدعوة لأفضلية الكائن الغربي الذي هو أساس كل الهيمنات . ولذا فإنَّ الاقتصادي المعروف (آدم سميث) قال بصراحة: (لو أنَّ كل فرد (غربي) تبع مصلحته الفردية، لكان الرفاه العام مؤكداً) !!

وقد نتج عن هذا التنظير المتسافل بالبشرية مفهوم مهين للإنسان، باعتباره كائناً اقتصادياً يتحكم به الربح والخسارة، وتحركه مصالحه المادية الخاصة بعيداً عن الأخلاق والقيم.

إنَّ عالم الاجتماع الغربي (ماكس فليبر) عندما كتب عن(الأسلوب الإدائي) للأشياء أدرك أنَّ هذا الأسلوب سيقود إلى مفهوم جديد للعلمانية أسماه (العلمانية الباردة)، لأنه اكتشف قسوة (العلمانية الشمولية) التي استغلت كل شيء بصورة مادية، حيث أصبح الإنسان آلة في عالم مادي ضمن أدوات الاستعمال المتنوعة لزيادة رأس المال والبحث عن الأرباح .

الإنسان أصبح جزءاً من المادة، جزءاً من سوق العرض والطلب، لا يختلف كثيراً عن باقي المواد الجامدة في منظومة (المادية العلمانية)، التي دعت إلى إحلال الله سبحانه وتعالى في الإنسان ليشرع قوانين ولوائح حسب المصلحة المادية دون أي وازع أخلاقي.

ولذا فإنَّ (العلمانية الجزئية) هي الوجه الآخر (للإمبريالية )، فالتفريق بين الدين والسياسة، أدى إلى الصمت حيال حياة الإنسان الخاصة كالزواج والقيم والأخلاق، حيث ترك ذلك للإنسان يديره كيفما يحلو له، من كل ذلك نشأت (العلمانية الشمولية) وهي لا تقتصر على فصل الدين عن السياسة بل فصل الإنسان عن القيم كلها، وجعل الإنسان مركزاً للكون، ومرجعاً بالنسبة لنفسه وللآخرين، مما سهل عملية التنظير لاقناص ثقافة الشعوب وسرقة مواردها وخيراتها الطبيعية بجشع واضح.

والمعروف أنَّ (العلمانية) قد أوجدت (الأدب الحداثي) في الغرب، الذي تأثر نفسياً بالجو المادي البعيد عن الروح والأخلاق والقيم، ولذا نراه يتحدث عن الانتحار والانتهازية والرعب، عكس الأدب الغربي القديم الذي كان يتحدث عن الشهامة والفروسية، مع ملاحظة أنَّ الأدبين تجمعهما سمات العدوانية بالنسبة للآخر، لسحق الخصوصية الثقافية المحلية للشعوب .

وبما أنَّ (العلمانية) انعكاس لأوضاع سائدة في الغرب أصبحت (سلطة متعصبة)، وتعصبها قادها إلى جعل العلم كمعتقد جديد له قدسية كقدسية (آلهة اليونان). وقد أشار إلى ذلك (سان سيمون)، الذي يعد من أهم منظري (ايديولوجية الصناعيين) في فرنسا، حيث قال: (إنَّ الآراء العلمية التي تقررها المدرسة سيتعين أن ترتدي لاحقاً الأشكال التي تجعلها مقدسة). ويعلّق روجيه غارودي على الموضوع نفسه معتبراً أنَّ (القدسية الوهمية) قد لاحقت (مؤلفات أوجوست كونت بكاملها)، وهيمنت على (تصوره للعلم والسياسة)(134).

ويذهب بعض النقّاد إلى عدم واقعية (المذهب السياسي لكونت)، وعدم منطقية مبادئه التي وضعها في أربع مجلدات ليؤسس بها (علماً للاجتماع) يتناول القضايا الحساسة ومنها الدين، خصوصاً وأن (كونت) قد كتب عام 1852م كتاباً أسماه (التعليم الديني الواقعي)، كبديل عن التعليم الديني المسيحي.

هذه النفسية المعقدة التي طغت على شخصية (كونت) تراها أيضاً في شخصية بعض المفكرين الغربيين، ومنهم (سارتر) الذي ترجع شهرته إلى رواياته الجنسية البذيئة.

والغريب أنَّ هؤلاء المفكرين وضعوا فرضياتهم الظنية كقوانين حتمية . وأعتقد أنَّ حتمية التفكير في العقل الأوروبي ـ حتى عند أصحاب مذهب الشك وعند (ديكارت) ـ هي التي قادت إلى نتائج خاطئة وغير علمية في التحليل، علماً أنَّ (قوانين الحتمية) امتدت إلى الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث ظهرت مذاهب واتجاهات (عقلية، وحسية، ومادية) لها قوانينها التي تعتبرها (حقيقة مطلقة) لابد من تطبيقها في كل زمان ومكان!! وقد أثبتت النظريات الحديثة للذرة، وعلوم الفيزياء، وعلوم الأحياء، والكيمياء خطأ نظريات كانت إلى زمن قريب بمثابة (حقائق علمية) لا غبار عليها .

إنَّ هذه الحقائق استرعت انتباه بعض العلماء الغربيين، وجعلتهم يندفعون لانتقاد فكرة (العقل المطلق) لتخليص الفكر والمعرفة من بعض الأوهام، التي وصفها (بيكون) بأوهام العقل في كتابه (الأورجانون الجديد)، الذي ظهر عام1620م باللاتينية باسم (العلامات الصادقة لتأويل الطبيعة).

بلحاظ أنَّ الفيلسوف (كانت) قد وضع كتاباً عام 1794م أسماه (الدين في حدود العقل وحده)، أوضح فيه أهمية الدين باعتباره يقوم على (التصورات الأخلاقية المثالية البعيدة عن التزمّت)، ومن المعروف أنَّ هذا الكتاب قد أثار رجال الدين المسيحيين والملك (فردريك)، لأن (كانت) اتجه فيه إلى تحليل العقل ونقده، وليس تحليل الظواهر العقلية ذاتها، لهذا قال الفلاسفة الغربيين: إنَّ من يريد أن يبحث في نظرية المعرفة لابد أن يبدأ بكتاب (لوك): (مبحث العقل البشري)، ثم يتجه إلى كتاب (كانت): (نقد العقل الخالص).

إنَّ الاتجاه نحو (نقد العقل الخالص) أدى إلى ظهور آفاق معرفية جديدة، بحيث لم تسلم حتى (نظرية أنشتاين) من الانتقاد، بسبب تأثرها بـ(نظريات ديكارت) القائلة بهيمنة العقل المطلق، على الرغم من المكانة العلمية المرموقة، التي يحتلها (أنشتاين) ونظريته (النسبية).

وعلى إثر الاكتشافات العلمية الحديثة بالنسبة للصفات الوراثية، وتطور علم الأحياء وعلم الآثار، تم انتقاد ونسف (نظرية دارون: النشوء والارتقاء). أما (نظرية نيوتن) الفيزياوية، التي استند العلم الحديث إليها طويلاً، فقد تعرّضت للانتقاد الشديد بعد اكتشاف مبادئ الفيزياء الحديثة . وكذلك تعرضت (نظريات فرويد) للمساءلة والنقد بعد تطور النظريات البيولوجية الحديثة، التي أثبتت أنَّ: (فرويد) لم يفهم الطبيعة النفسية للإنسان بصورة صحيحة وعلمية.

لهذا فإنَّ (النظريات) هي إسقاطات فكرية إبداعية، لكنها ليست الحقيقة العلمية المطلقة، لأنها لا تعتبر بديهيات ثابتة. كما أنَّ العلم هو وسيلة من وسائل المعرفة لإدراك الظواهر وتفسيرها، لكنه في الغرب اتخذ أبعاداً أكبر من حجمه، فأصبح مصدراً وحيداً للتشريع كدين جديد لا يعترف بالأخلاق، فتم استخدامه بخبث لإرهاب الشعوب الأخرى، وإركاعها لإرادة النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

ومن الملاحظ أنَّ الغرب اعتمد على (قوانين نيوتن الفيزياوية) القديمة، التي جعلت بعض المفكرين الغربيين ـ ومنهم (ديكارت) ـ يؤمنون بعظمة وهيمنة العقل بصورة مطلقة، فتولدت نتيجة ذلك إشكالية معرفة تتمحور في تقييد الفهم داخل أبعاد مادية لا تعترف بالروح، واغتيال الأخلاق في المجتمع لإدخال أنماط سلوكية جديدة إلى الناس، مشبعة بالأنانية والجشع والنفعية.

ومن المفيد ذكره أنَّ الحقائق العلمية تكون مستندة إلى علوم الرياضيات الثابتة، لا إلى تفكير عقلي ظني غير معصوم عن الخطأ، فحتى في مجال (علم المحسوس) الذي نظر له (كلود ليفي ستراوس) فإنَّ العقل يمكن أن يخطئ في تنظيم الأشياء والمواضيع وإدارتها وتميزها، إذا استند إلى قضايا غير موضوعية، واستنتاجات جاهزة تخضع لأهواء بشرية، لهذا اعترف (ستراوس) نفسه بأنَّ: الثقافة والفكر الغربيين يتسمان بالتسلط والفوقية، لأنهما استندا إلى تنظير خاطئ، يصور الغرب حقيقة علمية مطلقة. وقد ذهب إلى ذلك أيضاً (لاتوش)، عندما تحدّث عن (العولمة) واصفاً إياها بأنها: نتاج الثقافة الأوروبية المتسلطة، لاقتناص ثقافات (العالم الثالث)، وقتل خصوصيتها الفكرية عبر اختراق وزعزعة الثوابت، والمعتقدات، واتهام العقل الآخر بالعجز وعدم مواكبة تطور العصر!!

وهكذا فإنَّ اقتناص ثقافات الآخرين بدأ بتنظير ظني استند إلى نظريات غير علمية، كنظرية (دارون: النشوء والارتقاء)، التي اقتبسها (سبنسر)، ليستنتج منها قوانينه حول تطور الأخلاق، وتطور قيم المجتمع وسلوكياته وتبدلها حسب الظروف(135).

ومن المعروف أنَّ الولايات المتحدة قد شاهدت بأنَّ الإسلام هو العقبة الوحيدة في وجه هذه النظريات الغربية، التي تخدم مصالحها وخططها في منطقة (الشرق الأوسط )، ولذا فقد كتب المفكر الأميركي من أصل ياباني (فوكوياما) في (النيوزويك) الصادرة في ديسمبر عام 2001 بأنَّ: الغرب يريد إسلاماً ليبرالياً علمانياً !!

بمعنى أنهم يريدون إسلاماً على مقاسات الغرب، يرتضي بمصالح الولايات المتحدة دون أي اعتراض أو نقد . يريدون إسلاماً يستسلم للتدخلات الأميركية العسكرية في المنطقة دون أي مقاومة . هم يريدون إسلاماً منزوياً في التكايا والمحاريب، لا يمارس أي دور سياسي، لأنهم يعلمون أنَّ الإسلام السياسي الحقيقي لا يمكن أن يساوم، أو يهادن، أو يرتضي بالمذلة والمهانة، أو يستسلم للسياسات المشبوهة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

وقد أوضح الكاتب الإميركي اليهودي الأصل (توماس فريدمان) طبيعة الإسلام الذي ينسجم مع تطلعات الولايات المتحدة، حيث قال بأنَّ: الجهاد يجب أن يزول من ثقافة المسلمين .

ثم استدرك (فريدمان) كلامه قائلاً: الجهاد هو الذي شجع على العمليات الانتحارية التي أرقت (إسرائيل )، أكثر مما أرقها أي شيء آخر وبضمنه كل الحروب العربية .

ولذا فإنَّ (بول ماري دولاغورس) لم يكن مخطأ عندما كتب سابقاً في (الموند ديبلوماتيك) في شباط 1997 بأنه: (انطلاقاً من هذه الأحداث، التي تدلنا على الطبيعة المشكوك فيها والمبهمة للسياسة الأميركية فيما يتعلق بظاهرة الإرهاب، نستنتج أنَّ هناك اعتبارات سياسية واستراتيجية معروفة جيداً، هي التي توجه عدوانية الولايات المتحدة ضد الحركات الإسلامية . الرغبة في قهر، أو على الأقل إضعاف النظام الإيراني، ومجابهة حركة حماس الفلسطينية، وحزب الله اللبناني، اللذين يخوضان معركتين متوازيتين ضد إسرائيل).

وهذا التوجه هو نفسه الذي ينشط عليه المتغربون فكرياً وبقايا الشيوعيين بمحاربة المد الإسلامي السياسي المتصاعد اليوم، في حين أنهم تعاملوا سابقاً بجفاء مع الذين اعتنقوا مثل هذا الإسلام المتخاذل الذي يدعون له اليوم ووصفوهم: بالرجعية العربية التي باعت مقدرات الأمة .

ولهذا نقول أنَّ من ينجر إلى مثل هذه الممارسات اللامسؤولة يكون قد خدم المخططات الإمبريالية والصهيونية في المنطقة، وسهل استسلام العرب للمؤامرات الدولية، وخصوصاً في موضوع السلام بين الفلسطينيين والعدو الصهيوني .

ومن الملاحظ أنَّ السلام المزعوم ارتبط بإرادة أميركية انحازت إلى جانب الصهاينة، وغيبت الحقوق العربية والفلسطينية المشروعة . وقد ساند اليهود الإميركان هذا التوجه طالما كان في مصلحة الصهاينة، ولذا فإنهم انتقدوا بشدة السلام العادل مع العرب، لأنه في نظرهم: (أمر لا قيمة له).

وأتصور أنَّ أفضل وصف لهذه الحالة هو تعبير الفيلسوف (سيمون وايل) الذي قال بصراحة وموضوعية: (نعرف جيداً أنَّ أمركة أوروبا بعد الحرب، تشكل خطراً بالغاً . ونعرف جيداً ماسنفقده لوتحققت هذه الأمركة. فأمركة أوروبا ستقود بلا شك إلى أمركة الكرة الأرضية كلها، وستفقد الإنسانية ماضيها) .

وأمركة العالم العربي والإسلامي سيكون لا محالة بالقضاء على الحركات الإسلامية التي نهلت من منهج الإمام علي بن أبي طالب الأخلاقي، والقضاء علىالإسلام السياسي المتنور بسياسة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام التي تعاملت مع الجميع مسلمين وغير مسلمين بعدالة وحب واحترام للآخر... أليس كذلك.

كوبنهاكن 21/5/2003

***

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

127 ـ الإسلام والتعددية لمحمد عمارة ـ المصدر السابق ـ ص 47 .

128 ـ المصدر نفسه ص 22 .

129 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط لغارودي ـ المصدر السابق ـ ص 83 .

130 ـ الحركة الإسلامية في ضوء المتغيرات الدولية لقاسم خضير عباس ـ المصدر السابق ـ ص 31 .

131 ـ التعددية لمحمد عمارة ـ المصدر السابق ـ ص 239 .

132 ـ الولايات المتحدة طليعة الانحطاط لروجيه غارودي ـ المصدر السابق ـ ص 148 .

133 ـ المصدر نفسه ـ ص 231 .

134 ـ الأصولية ـ روجيه غارودي ـ ص17 ـ 18.

135 ـ الحركة الإسلامية لقاسم خضير عباس ـ المصدر السابق ـ ص 255 ـ 257 .