(الرسائل التي وردتني)

91 ـ رسالة سماحة السيد آية الله محمد باقر الحكيم التي وردتني في 15 محرم الحرام 1424 هـ وهذا نصها :

( المكرم الأستاذ قاسم خضير عباس دام موفقاً بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. والشكر لكم على هذا الاهتمام والتفكير ولاسيما في مثل هذه القضايا الحساسة والمهمة. والجواب بصورة إجمالية:

إنَّ مهنة المحاماة: هي مهنة محللة، ويمكن أن يقوم بها الانسان، المحاماة مهنة محللة إذا كانت دفاعاً عن المظلومين أو عملاً من أجل كشف الحقيقة أو إثباتها أو توثيقها. ولا يجوز فيها الكذب والخداع والغش إلاّ في الموارد التي استثناها الفقهاء وهي محدودة.

1ـ فالمتهم قد يكون مظلوماً ولكن لا يعرف أن يتصرف في حديثه بحيث يجعل الأدلة والقرائن تتجه إلى تثبيت ظلامته فينقلب لعدم معرفته من منكر لا يحتاج إلاّ إلى النفي إلى مدعٍ يحتاج إلى الإثبات وهو لا يملك الإثبات، فيمكن للمحامي أن يوجهه بطريقة مناسبة.

2ـ وكذلك يمكن للمحامي أن يجد له النصوص والمواد القانونية التي تدفع عنه الظلم، أو كشف العناصر التي تخفف العقوبة والملاحقة.

3ـ وهكذا الحال فيما إذا كان المدعي محقاً والطرف الآخر يتهرب من الحق وهو لايعرف كيف يطالب بحقه ويستخدم القرائن والشواهد والوثائق لإثباته، فيكون دور للمحامي في إحقاق هذا الحق.

4ـ كما أنَّ المحامي له دور في توثيق الحوادث كالوصايا والمعاملات مثل البيع والطلاق والزواج... والخلاصة إذا كان عمل المحامي دافعاً للظلم عن المظلوم وإحقاقاً للحق للمستحق له وتوثيقاً للحقيقة، فهو عمل صحيح، هذا فيما لو تبينت له الحقيقة.

أما لو لم يعرفها بل كان يحتملها فيمكنه أن يتقمص شخصية موكله فيما إذا كان يدعي ذلك ويعمل على أساس افتراض الصحة في عمل موكله ويكون عمله صحيحاً أيضاً.

5 ـ نعم إذا كان المحامي يعرف الحقيقة على خلاف إدعاء موكله أو يقوم بتعليم موكله التهرب من الحق والحقيقة فهو عمل محرم، ومأثوم عليه، لما فيه من كذب وافتراء أو ظلم أو غير ذلك من الأمور المحرمة شرعاً وواقعاً وإن كان القانون لا يمكن أن يعرفها أو يتوصل إليها. وهذا ما نبّه إليه رسول الله (ص) في حديثه المعروف (إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والايمان..).

فإنَّ موقف القاضي يشبه إلى حد ما موقف المحامي أيضاً، حيث قد يخطأ الواقع، ولكن مع الالتزام بالضوابط، وعندئذ يكون معذوراً حتى لو خالف الواقع، نعم لو خالفه عن علمٍ فهو مأثوم ومجرم عند الله تعالى. ولذا ذهب الفقهاء إلى جواز حكم الحاكم بعلمه.

6ـ أما اقتراح أن تقوم الدولة أو نقابة المحامين بالمهمة فيكون تأميماً للمحاماة بطريقة أو أخرى، فهو أمر يحتاج إلى دراسة ميدانية وليس من الواضح لديّ صحّة ذلك لأنّ المحامي قد لا يكون حريصاً ـ عند ذلك ـ في كسب الدعوى ويتهاون فيها، وقد يستخدم نفوذه في الدولة أو النقابة للمزيد من الكسب والتحايل.

7ـ نعم هناك شيء آخر مهم وهو أنّ المحامي ـ عادة ـ تكون له حماية وصيانة ويمكن مساءلته وملاحقته، إذا تبين أنه حرّض موكله على الغش والتهرب من قول الحقيقة أو استخدم الحيل في توجيه الكلام والوثائق والقرائن، وبذلك يمكن إصلاح المحاماة وتطويرها.

8 ـ كما أنّ من الضروري التوعية الأخلاقية والشرعية للمحامي بحيث تكون لديه التقوى القضائية، وهذا هو الضمان الحقيقي للمحاماة عن الانحراف.

والله ولي التوفيق والسداد..

15 محرم الحرام 1424هـ

محمد باقر الحكيم

***