بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

إنَّ التقرير الدولي الصادر من منظمة الأمم المتحدة ـ وبالتحديد من برنامج التنمية الإنمائي وحقوق الإنسان لعام 2002 ـ قد اتخذ شخصية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام شخصية حضارية متميزة، وهذا يبين أنَّ علياً بن أبي طالب (ع) يعد مفخرة يحار الإنسان إلى أي جانب منها يشير .

وكيف لا ؟ وهو قد تربى على صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان مما أنعم الله عزوجل به على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنه كان في حجر رسول الله (ص)، وكان أول ذكر من الناس آمن برسول الله، وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى(1).

وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه عن حبشي بن جنادة، قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (عليّ مني، وأنا من عليّ )(2).

نشأ عليه السلام وترعرع والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتهجد على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام، لم يُفارق الرسول في حياته، وبمجرد أن فتح عينيه على هذه الحياة فإنَّ شفتيه رفت بذكر الله عزوجل، وقلبه استحضر الله سبحانه وتعالى.

وروى مسلم في صحيحه ـ باب فضائل عليّ بن أبي طالب ـ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يوم خيبر: (لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله).

فقال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. فدعا رسول الله (ص) علياً بن أبي طالب، وأعطاه إياها وقال: (امش. ولا تلتفت. حتى يفتح الله عليك )(3).

وأخرج الطبراني والحاكم عن ابن مسعود أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (النظر إلى عليّ عبادة ). وأخرجه الطبراني والحاكم أيضاً من حديث عمران بن حصين، وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي بكر، وعثمان بن عفان، ومعاذ بن جبل، وأنس، وثوبان، وجابر بن عبد الله، وعائشة (4).

إضافة لذلك كان حفظ العدل وإشاعة العدالة الإجتماعية في المجتمع مطلباً أساسياً في سياسة عليّ بن أبي طالب، فعن محمد بن عيسى، عن أحمد بن عائذ، عن محمد بن أبي حمزة، عن رجل بلغ به أمير المؤمنين عليّ قال: مرّ شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ماهذا ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني، فقال أمير المؤمنين (ع): استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال(5).

لقد أوصى عليه السلام بالعدل بين الناس جميعاً، والشفقة على الفقراء(6)، وساوى بين الناس فلا فرق عنده بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، وقد ورد عنه عليه السلام أنه قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من ولد في الإسلام فهو عربي)(7).

وروي عنه عليه السلام أنه أمر عمار بن ياسر وعبيد الله بن أبي رافع وأبا الهيثم بن التيهان، أن يقسموا مالاً من الفيء بين المسلمين، وقال: (اعدلوا بينهم ولا تفضلوا أحداً على أحد ). فحسبوا فوجدوا الذي يصيب كل رجل من المسلمين ثلاثة دنانير، فأتوا الناس، فأقبل عليهم طلحة والزبير ومع كل واحد ابنه، فدفعوا إلى كل واحد منهم ثلاثة دنانير، فاعترض طلحة والزبير عند عليّ بن أبي طالب فقال لهم: (أليس كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقسم بين المسلمين بالسوية ). ثم قال: (فو الله ما أنا وأجيري هذا في المال إلا بمنزلة واحدة )(8).

وعن ربيعة وعمارة وغيرهما: أنَّ طائفة من أصحاب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، مشوا إليه عند تفرق الناس عنه، وفرار كثير منهم إلى (معاوية)، طلباً لما بين يديه من الدنيا، فقالوا له: يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال، وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، ومن يخاف خلافه عليك من الناس وفراره إلى (معاوية)، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور؟‍ لا والله لا أفعل ما طلعت شمس، ولاح في السماء نجم، لو كان مالهم لي لواسيت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم ).

وعن مجمع التميمي قال: كان عليّ يكنس بيت المال ويصلي فيه يتخذه مسجداً رجاء أن يشهد له يوم القيامة. وعن عنترة الشيباني قال: كان عليّ لا يدع في بيت المال ما لا يبيت فيه حتى يقسمه إلا أن يغلبه شغل فيصبح إليه، وكان يقول: (يا دنيا لا تغريني وغري غيري)(9).

ولذا ليس غريباً أن يُتخذ هذا الرجل عليه السلام من قِبَل المجتمع الدولي كقدوة حسنة في حياتنا المعاصرة، ونموذجاً في المنهج السياسي الصحيح، ونبراساً في أساليب الحكم والدولة الصالحة، ومنهجاً قويماً في احترام الآخر وحقوق الإنسان والتعددية، وأخلاقاً رفيعة تكون أساساً للعلاقات الدولية بين الأمم .

من وحي ذلك كله كان هذا الكتاب لإلقاء الضوء على شخصية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ومبادئه العادلة في السياسة والحكم، وتعامله مع الآخر. وهي محاولة متواضعة مني لإسقاط هذه المزايا والخصال في واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي المعاش.

***

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ سيرة ابن هشام ـ ج1 ص 228 .

2 ـ تاريخ السيوطي ـ ص 169 .

3 ـ صحيح مسلم ـ ج 4 ص 1872 .

4 ـ تاريخ السيوطي ـ ص 172 باب فضائل عليّ بن أبي طالب.

5 ـ وسائل الشيعة للحر العاملي (باب الجهاد) ـ ج 15 ص 66 .

6 ـ شرح نهج البلاغة للبحراني (خطبته عليه السلام بأن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطرات المطر) ـ ج 2 ص 3 .

7 ـ مستدرك النوري الطبرسي ـ ج 11 ص 126 .

8 ـ المصدر نفسه ـ ج 11 ص 90 وما بعدها .

9 ـ حياة الصحابة للكاندهلوي ـ ج 2 ص 178 .