35

عمر ودعوى القرابة

    نحن لو درسنا سيرة عمر بن الخطاب قبل وبعد الاِسلام لوقفنا على حقيقة أخرى غير ما يصوره أصحاب السير والتراجم ، ولرأيناها تنافي المدعى كمال المنافاة ، لاَنه كان يصر في معركة بدر على لزوم قتل كل قريبٍ قريبَهُ ، وقد طلب بالفعل من رسول الله أن يقتل عمَّه العباس ، ومن عليّ أن يقتل أخاه عقيل و.. مع أنّ رسول الله كان يؤكد له بأنّهما جاءا مكرهين للمعركة (1).
    كانت هذه صورة واحدة عن موقف عمر بن الخطّاب مع قرابة رسول الله ومفهوم القرب والقرابة عنده في أوائل الاِسلام ، وعدم وجود ميزة للقرابة عنده.
    وإليك الآن صورة أخرى تنبئك عن مدى اعتقاد عمر بمنزلة القربى واحترامه للقرابة ، تلك الصورة في خبر تعامله مع صفيه عمة رسول الله في المدينة المنوّرة وبعد أن قطع الاِسلام شوطاً كبيراً


( 1 ) صحيح مسلم 5 : 157 ، مسند أحمد 1 : 31 ، البداية والنهاية 3 : 362 ، تفسير ابن كثير 4 : 352 ، الدر المنثور 3 : 175.


36

واستحكم ، واستقرت مفاهيمه العامة استقرار كبيراً. ومنها وجوب مودة ذي قُرباه ، ومع ذلك لم يأبه عمر ، إذ اخرج الهيثمي عن ابن عباس قال :
    توفى ابنٌ لصفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله فبكت عليه وصاحت ، فأتاها النبيّ صلى الله عليه وآله فقال لها : يا عمة ما يبكيك ؟
    قالت : توفي ابني.
    قال : يا عمة ، من تُوفيِّ له ولد في الاِسلام فصبر بنى الله له بيتاً في الجنّة ، فسكتت.
    ثمّ خرجت من عند رسول الله صلى الله عليه وآله فاستقبلها عمر بن الخطّاب فقال : يا صفية قد سمعت صراخك ، إنّ قرابتك من رسول الله لا تغني عنك من الله شيئاً ، فبكت ، فسمعها النبيّ وكان يكرمها ويحبها فقال :
    يا عمة أتبكين وقد قلتُ لكِ ما قلتُ ! !
    قالت : ليس ذلك أبكاني يا رسول الله ، استقبلني عمر بن الخطّاب فقال :
    إنّ قرابتك من رسول الله لن تغني عنك من الله شيئاً.
    قال : فغضب النبيّ ، وقال : يا بلال هجّر بالصلاة ، فهجّر بلال بالصلاة ، فصعد النبيُّ المنبرَ ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :
    ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع ، كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي فأنها موصولة في الدنيا


37

والاخرة (1).
    فنحن لو قسنا مدعى عمر اليوم في الزواج مع ما قاله في نأنأة الاِسلام وفي عزّته لحصلنا على نتائج لا ترضي محبيه وأنصاره ، بل تشكك الجميع في صحة دعواه.
    أما لو أحسنا الظن بمدعاه وقلنا أنّه حقاً كان يريد القرابة ، لانه عرف منزلتهم لمّا غضب النبي وهجّر بلال بالصلاة...
    فلنتساءل : لو كان عمر آمن بقول رسول الله وعرف أن قرابته تنفع في الاخرة ، مضافاً لما لها من منزلة في الدنيا ! فكيف به يحتج بالصحبة وقربه إلى رسول الله على الاَنصار ـ كي يبعدهم عن الخلافة ـ ولا يرتضي أن يسلم الخلافة إلى الاِمام عليّ بن أبي طالب وهو أقرب المقربين إليه صلى الله عليه وآله ، مع أن الاِمام عليّاً ألزمه بما استدل به على الانصار بقوله : وَاعَجَبَاهُ أَتَكُونُ الْخِلاَفَةَ بِالصَّحَابَة ولا تكون بِالصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ ؟
    فَإِنْ كُنْتَ بِالشُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْفَكَيْفَ بِهذَا وَالْمُشِيرُونَ غُيَّبُ
    وَإِنْ كنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْفَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وأَقْرَبُ (2) بل كيف نقبل دعوى اهتمامه بالقرابة ، وهو لا يولّي أحداً منهم السرايا والبلدان أيام حكومته.
    بل بم يمكن تصحيح مدعاه وأنّه يريد بزواجه من أم كلثوم


( 1 ) مجمع الزوائد 8 : 216.
( 2 ) نهج البلاغة 4 : 44 باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام.



38

التقرب إلى رسول الله عن طريق بنته فاطمة الزهراء ، في حين نراه يقول لمن اعترض عليه عند هجومه على دار فاطمة الزهراء : إن فيها فاطمه ، قال : وإن (1).
    فهل يمكن الجمع بين هذه المواقف وبين ما يدعيه عن القرابة والقربى اليوم ؟
    ولو كان حقاً يعرف منزلة القرابة والقربى ، فلماذا نراه يتخوف من تولّي بني هاشم ويحرمهم من خمس الغنيمة (2) ؟
    بل إذا كانت القرابة لها هذه السمة المعنوية في الدنيا والاخرة حسب اعتراف عمر ؟ فكيف به لا يحترم ابنة رسول الله التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها (3) ؟ ويقول مستنقصاً مكانتها : وإن ! !
    إن عدم تفهمهم لتلك الخصائص الاِلهية ـ أو عدم ترتيبهم الآثار عليها ـ إنما يكمن وراءه موروث قديم ، وهو احترام الرئيس ما دام حياً ، ولا يعار للبنت أهمية إلاّ بمقدار كونها امراة لا توازي الرجل ولا تساويه ، بل ليس لها أن تطالب بشيءٍ من حقوقها الشرعية ، وقد يكون وراء هذا الاَمر مصالح وأهداف سياسية أخرى لا يريدون


( 1 ) الامامة والسياسة 1 : 30.
( 2 ) سنن أبي داود 2 : 27 ح 2984 ، السنن الكبرى للبيهقي 6 : 344 ، سنن النسائي 7 : 129 ، ح 4134 ، شواهد التنزيل 1 : 291.
( 3 ) انظر تهذيب الكمال 35 : 250 عن صحيح البخاري 6 : 158 باب ذب الرجل عن ابنته ، وفيه فإنما هى بضعة منى يروينى ما أرابي ويؤذينى ما آذاها ، صحيح مسلم 7 : 141 ، أبي داود 1 : 460 ، الترمذى 5 : 359.



39

الكشف عنها.
    وقد رأيتَ أنّ بعض النصوص تدعي أنّه كان يريد « النسب والسبب » مع أنّ المفروض أنّ عمر من قريش ، وله نسب مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وبذلك احتج في السقيفة ، كما انّ له سبباً من جهة ابنته حفصة ، فلا يبقى لمدعاه مجال من المصداقية.
    نعم ، في نصوص أخرى التصريح بأنّه أراد المصاهرة؛ وإذا صحّ هذا المدّعى من عمر فكان الاولى به أن يحاول تلك المصاهرة مع بنات رسول الله صلى الله عليه وآله مباشرة من خلال إحدى بناته؛ لا من خلال بنت بنته.
    فكما كان عثمان ذا نورين كان يمكن لعمر أن يكون ذا نور واحد ، لكنّ التاريخ لم يحدثنا أنه حاول تلك المصاهرة من إحدى بنات رسول الله صلى الله عليه وآله غير فاطمة ! !
    نعم أقدم عمر على خطبة فاطمة الزهراء ربّما منافسة لعلي فرّده رسول الله صلى الله عليه وآله وانتهى كل شيء (1).


( 1 ) روى النسائي بإسناده عن بريدة بن الخصيب قال : خطب أبو بكر وعمر ( رض ) فاطمة ، فقال رسول الله : إنها صغيرة ، فخطبها علي فزوجها منه. وقد صحح الاَلباني هذا الخبر في صحيح النسائي 2 : 678.
وعلق السندي على الخبر بقوله :... ففيه أن الموافقة في السنّ أو المقاربة مرعية ، لكونها أقرب إلى المؤالفة ، نعم قد يترك ذاك لما هو أعلى منه كما في تزويج عائشة( رض ).
لكن الاَمر لم يكن كما قاله السندي بل أغلب النصوص تصرح بأن رسول الله كا ينتظر بها القضاء وأمر الله تعالى إلى من يزوجه انظر الطبقات 8 : 19 ، مجمع الزوائد 9 : 204 ـ 212 ، المعجم الكبير 3 : 34.



40

هذا كلّه بغض النظر عن أنّ القوم وعمر لم يفهموا كلام رسول الله صلى الله عليه وآله على وجهه الصحيح ، أو فهموه وحرفوه ، لاَنّ مراد رسول الله هو أنّ نسبه في إطار المفهوم الديني هو الباقي. وذلك من خلال علي والحسنين وولد الحسين؛ وهم الاَئمّة الاثنا عشر الذين لا يزال الدين عزيزاً بهم (1) ى ، تسعة منهم من ولد الحسين الذي هو من رسول الله ورسول الله منه (2) حى.
    والمراد بسببه هو سبب الله الممدود والموصول بين السماء والاَرض ، بنص « اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود بين السماء والاَرض ، وعترتي أهل بيتي » (3).
    على أننا اليوم بالضرورة والوجدان لا نرى أولاداً نسبيين لرسول الله إلاّ أولاد فاطمة الزهراء من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهذه من نبوءات رسول الله ودلائل نبوته.
    وعليه فان هذه النصوص وغيرها تشككنا في مدعى عمر بن الخطاب ، بل توصلنا إلى أن الاَمر لم يكن كما يصوّره أتباع مدرسة


( 1 ) صحيح مسلم 6 : 3 ، مسند أحمد 5 : 90 ، 93 ، سنن أبي داود 2 : 309.
( 2 ) مسند أحمد 4 : 172 ، سنن ابن ماجة 1 : 51 ، سنن الترمذي 5 : 324 ، مصنف ابن ابي شيبة 7 : 515 ، الادب المفرد : 85.
( 3 ) مسند أحمد 3 : 18 ، 27 ، 59 ، مصنف ابن أبي شيبة 7 : 176 ، المعجم الكبير للطبراني 3 : 66 وعنه السيوطي في الدر المنثور 2 : 60.



41

الخلفاء ، لاَنّ العلل والاَسباب التي ذكرها عمر ـ أو ذكروها له ـ في التزويج لا تتفق مع ما يهدف إليه عمر من هذا الزواج.


    عمر وتزوجه من النساء

    إن شدة وغلظة عمر بن الخطاب لا يمكن لاَحد أن ينكرها ، حتّى وأن النساء كن يكرهن التزويج منه لنظرته الخاصة والخاطئة اليهن ، فجاء في أنساب الاَشراف : أن عمر نهر امرأة لاَنها تكلمت في شيء بقوله : ما أنت وهذا ، إنما انتن لعب ، فأقبلي على مغزلك ولا تعرضي فيما ليس من شأنك (1) ، وقد أقدم عمر على أكثر من امراة فردته.
    ففي تاريخ الطبري :.. قال المدائني خطب ـ أي عمر ـ أم كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة وأرسل فيها إلى عائشة ، فقالت : الاَمر إليك.
    فقالت أم كلثوم : لا حاجة لي فيه.
    فقالت لها عائشة : ترغبين عن أمير المؤمنين.
    قالت : نعم إنه خشن العيش شديد على النساء ، فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته.
    فقال : أنا اكفيك.


( 1 ) أنساب الاَشراف : 189 كما في( دراسة نقدية لمرويات عمر بن الخطاب ) ط الجامعة الاِسلامية بالمدينة المنورة 1 : 241.


42

فأتى عمر فقال : يا أمير المؤمنين بلغني خبرٌ أعيذك بالله منه.
    قال : وما هو ؟
    قال : خطبتَ أم كلثوم بنت أبي بكر ؟
    قال : نعم.
    قال : أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عني ؟
    قال : لا واحدة ، ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أم المؤمنين في لين ورفق ، وفيك غلظة ، ونحن نهابك وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك ، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها ، كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك.
    قال : فكيف بعائشة وقد كلّمتها.
    قال : أنا لك بها وأدلك على خير منها أم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب ، تعلق منها بنسب من رسول الله (1).
    وفي نص آخر : إن رجلاً من قريش قال لعمر بن الخطاب : ألا تتزوج أم كلثوم بنت أبي بكر ، فتحفظه بعد وفاته ، وتخلفه في أهله ؟
    فقال عمر : بلى ، إني لاَحبّ ذلك ، فاذهب إلى عائشة فاذكر لها ذلك وعد إليّ بجوابها.
    فمضى الرسول إلى عائشة فأخبرها بما قال عمر ، فأجابته إلى ذلك وقالت له : حباً وكرامة.
    ودخل عليها بعقب ذلك المغيرة بن شعبة فرآها مهمومة ، فقال


( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 275 ، شرح النهج 12 : 222.


43

لها : مالك يا أم المؤمنين ؟ ! فأخبرته برسالة عمر ، وقالت : إنّ هذه جارية حدثة ، وأردت لها ألين عيشاً من عمر ، فقال لها : عليَّ أن أكفيك.
    وخرج من عندها ، فدخل على عمر ، فقال : بالرفاء والبنين ، فقد بلغني ما أتيته من صلة أبي بكر في أهله ، وخطبتك أم كلثوم.
    فقال : قد كان ذاك.
    قال : إلاّ أنك يا امير المؤمنين رجلٌ شديد الخلق على أهلك ، وهذه صبية حديثة السن ، فلا تزال تنكر عليها الشيء فتضربها ، فتصيح ، فيغمك ذلك وتتألم له عائشة ، ويذكرون أبا بكر فيبكون عليه ، فتجدد لهم المصيبة ـ مع قرب عهدها ـ في كل يوم.
    فقال له : متى كنت عند عائشة ، واصدقني ؟ !
    فقال : آنفاً.
    فقال عمر : أشهد أنهم كرهوني ، فضمنتَ لهم أن تصرفني عمّا طلبتُ ، وقد أعفيتهم ، فعاد إلى عائشة فأخبرها بالخبر ، وأمسك عمر من معاودة خطبتها (1).
    قال المدائني : وخطب [ عمر ] أُمَّ أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت : يغلق بابه ، ويمنع خيره ، ويدخل عابساً ويخرج عابساً (2) .


( 1 ) اعلام النساء ، كحاله 4 : 250.
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 270 ، الكامل في التاريخ 2 : 451 ، 55 ، البداية والنهاية 7 : 157. وفي المعارف لابن قتيبة : 175 وانظر البدء والتاريخ 5 : 79 أن عمر خطب أم كلثوم بنت أبي بكر ، وذلك بعد وفاة أبي بكر ، خطبها من عائشة فأنعمت له بها ، لكنّ أم كلثوم كرهته ، فاحتالت حتى أمسك عنها ، فتزوجها طلحة بن عبيدالله فولدت له زكريا وعائشة... الخ. وانظر كذلك كنز العمال 13 : 626 ح 37590 عن ابن عساكر 25 : 96 ، والروضة الفيحاء في تواريخ النساء : 303.