119

البحث العقائدي



120



121

هنا سؤالان يطرحان نفسيهما :
    الاَول : هل إنّ الاِمام عليّاً زوّج أم كلثوم عن طيب خاطر مؤثراً ، أم أنّ تزويجه إياها كان عن إكراه وتقية ؟
    الثاني : لو كان عمر كافراً فكيف بالاِمام ـ أو وكيله ـ يزوّجان الكافر ، أَلا يكون الاِمام معرضاً ابنته للزنى ؟
   
    جواب السؤال الاَول :
    ادّعى الجاحظ بأنّ الزواج كان عن طيب خاطر ، فقال في كتابه العثمانية : ثّم الذي كان من تزويجه أمّ كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله من عمر بن الخطاب طائعاً راغبا ، وعمر يقول : إنّي سمعت رسول الله يقول : إنّه ليس سبب ونسب إلاّ [ وهو ] منقطع إلاّ نسبي ، قال علي : إنها والله ما بلغت يا أمير المؤمنين.
   


122

قال : إنّي والله ما أريدها لذاك (1) ، فأرسلها إليه ، فنظر إليها قبل أن يتزوّجها ، ثمّ زوّجها إيّاه ، فولدت له زيد بن عمر وهو قتيل سودان مروان (2).
    ويرد على الجاحظ باُمور :
    الاَول : إنّ رسول الله لم يزوج ابنته فاطمة من أبي بكر وعمر وهو مختار ، فكيف بعلي يزوج أمّ كلثوم من عمر مختاراً وعن طيب نفس ، فلو زوجها مختاراً فقد خالف بذلك ما رجحه من عدم تزويجهم رسول الله.
    الثاني : إنّ عمر نفسه كان يأبى تزوّج الشيخ الكبير بالشابة كما ستاتي قضيته في ذلك مضافاً إلى أنّ من البعيد جدّاً أن يُزوّج عليٌّ بنته مختاراً من شخص لا يتكافا مع أمّ كلثوم من جميع الجهات خصوصاً مع وجود شباب من بني هاشم ـ ابناء أخيه جعفر أو من غيرهم ـ يرغبون في الزواج من ابنة علي ، فكان على علي إن كان مختاراً أن يزوجها منهم لا من عمر ، بل ليس لعمر أن يقدم على أمّ كلثوم أو يصر على الزواج منها ، وعلي يقول له : حبستهن لاولاد أخي جعفر. فقد يكون في كلام الاِمام اشارة إلى هذا الخبر : أن النبي نظر إلى اولاد علي وجعفر فقال : بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا (3).


( 1 ) لقد وقفت على كذب دعواه هذه وأنّه ضمّها وقبّلها وكان طامعاً بها كل ذلك حسب النصوص التي مرت عليك.
( 2 ) العثمانية : 236 و 237.
( 3 ) من لا يحضره الفقيه 3 : 393 باب الاَكفاء ح 4384.



123

وهذا ليشير إلى أن الاِمام كان قد أُمر بحبسهن لاولاد أخيه جعفر فكيف بعمر يصر بالزواج منهن وهو الذي كان قد يلزم الآخرين بأن ينكح الرجل لمته من النساء وأن تنكح المراة لمتها من الرجال وأم كلثوم ليست من لمته وخصوصاً من جهة الحسب.
    فعن المجاشع الاسدي أنه قال اتى عمر بن الخطاب بامرأة شابة زوجوها شيخاً كبيراً فقتلته ، فقال : أيها الناس اتقوا الله ولينكح الرجل لمته من النساء ، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال يعني شبهها (1).
    فكيف خالف عمر هذه القاعدة أكان مصداقاً للآية الكريمة ( أتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم ) (2) انه تساؤل فقط ؟ !
    الثالث : ان هناك روايات صدرت عن أهل البيت تصرح بأنّه زوجها مكرهاً وقد مر عليك قسمٌ من تلك الروايات ، وفي نصوص أهل السنة ـ المارة سابقاً ـ ما يؤكد ذلك حيث ان قول عمر « قد علمنا ما بك » (3) اً أو « لا والله ، ما ذاك بك ، ولكن اردت منعي » (4) أو قوله للعباس كما في روايات الشيعة : « مالي ، أبي بأس ؟... أما والله لاَعورن زمزم ولا أدع لكم مكرمة إلاّ هدمتها ولاَقيمن عليه شاهدين بأنه سرق » (5) م أو قوله « لافعلن وافعلن.. » كل هذه النصوص والسير


( 1 ) تاريخ المدينة 2 : 769 ، كنز العمال 15 : 716 ح 42857.
( 2 ) البقرة : 44.
( 3 ) الطبقات الكبرى 8 : 464.
( 4 ) الكافي 5 : 346 ، رسائل المرتضى ، المجموعة الثالثة : 149.
( 5 ) الذرية الطاهرة : 114 ، ذخائر العقبى : 167.



124

التاريخي ينقض كلام الجاحظ ويثبت بأنه تزوّجها مكرهاً لا عن طيب خاطر.
   
    أما جواب السؤال الثاني
    فقد قال السمعاني في الانساب : لو كان أبو بكر وعمر كافرين لكان علي بتزويجه أم كلثوم الكبرى من عمر كافراً أو فاسقاً معرّضاً ابنته للزنى؛ لاَن وطء الكافر للمسلمة زنى محض (1).
    ويردُّ هذا الكلام :
    بأن الاحكام الشرعية تجري على الظواهر لا البواطن ، فإن كان في نفسِ شخصٍ كفرٌ أو نفاق أو ما شابه ذلك فليس على المكلف أن يرتّب على ذلك الآثار الشرعية ، وإنّما تجري الاَحكام على ظاهر الاِسلام.
    وهناك الكثير من المنافقين تركهم الرسول الاَكرم وهو يعلم ما في أنفسهم من غلٍّ للاِسلام والمسلمين ، وقد علم بتظاهر المرأتين عليه (2) ، وتآمر أصحاب العقبة على رميه من أعلى عقبة هرش (3) ،


( 1 ) الانساب للسمعاني 1 : 207.
( 2 ) صحيح البخاري 6 : 69 ، 70 7 : 46 ، صحيح مسلم 4 : 190 ، 192 ، مسند أحمد 1 : 48 ، سنن النسائي 7 : 13 ، 71 ، الدر المنثورة 6 : 242 ، 239 ، كنز العمال 2 : 530 ، 533.
( 3 ) مسند أحمد 5 : 453 ، المعجم الاَوسط 4 : 146 وعنه في مجمع الزوائد 1 : 110 ، و 6 : 195 ، تفسير ابن كثير 2 : 387.



125

ووو... فلم يقتل أحداً منهم بل كان يتألفهم على الاِسلام ويترضّاهم ويعطيهم من حطام الدنيا من الاِبل والشاة والاَغنام دون المؤمنين ، كل ذلك لاَنّه مامور بالتعامل مع الناس بظواهر الاَُمور لابواطنها ، فحاله حال بقية الاَنبياء إذ نبي الله نوح ولوط يتعاملان مع المرأتين اللتين كانتا تحتهما بالظواهر.
    وجاء عن رسول الله : إنّما أقضي بينكم بالبينات والاََيْمان ، فأيّما رجل قطعت له من أخيه شيئاً فإنّما قطعت له قطعة من النار (1).
    وفي آخر : إنّما أنا بشر ، وإنّكم تختصمون إليّ ولعل أحدكم أَلْحَنُ بحجّته من بعض ، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فأخذه فإنّما أقطع له قطعة من النار (2).
    وبما أن ظاهر عمر بن الخطاب هو الاِسلام حيث يشهد : أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله فيمكن تزويجه ، وجاء عن علي أنه سئل عن الذين قاتلهم من أهل القبلة ، أكافرون هم ؟ قال : كفروا بالاَحكام ، وكفروا بالنعم ، كفراً ليس ككفر المشركين الذين دفعوا النبوة ولم يقروا بالاِسلام ، ولو كانوا كذلك ما حلّت لنا مناكحتهم ولا ذبائحهم ولا مواريثهم (3) ذس هذا أولاً.


( 1 ) الكافي 7 : 414 ، تهذيب الاحكام 6 : 229 ، معاني الاخبار : 279.
( 2 ) صحيح البخاري 3 : 162 ، 8 : 62 ، صحيح مسلم 5 : 129 ، سنن ابن ماجة 2 : 777 ، السنن الكبرى للبيهقي 10 : 143 ، 149.
( 3 ) دعائم الاِسلام 1 : 388 ، وعنه في مستدرك الوسائل 11 : 66| الحديث 12440.



126

وثانياً : إنّ الزواج من أم كلثوم ـ علي فرض وقوعه ـ كان على نحو الاكراه لاعن طيب خاطر ، فيكون المكرِه هو الزاني لا البنت ووليها.
    فإنّ القائل بالتزويج من الشيعة يذهب إلى أنّ الاِمام قد أجاز هذا العقد للحرج والتقية ، وقد سئل مسعود العياشي عن أم كلثوم ، فقال : كان سبيلها سبيل آسية مع فرعون (1).
    وليس ببعيد أن يكون سببه الاكراه والجبر ، لاَنّ تاريخ السلطويين حدثنا بوقوع مثل ذلك الاِكراه كثيراً وإليك مثالاً واحداً لذلك : حيث اكره الحجاج الثقفي أسماء بن خارجه الفزاري وسعيد بن قيس الهمداني ـ وهما من انصار علي أمير المؤمنين ـ على تزويج ابنتيهما من رجل أوديّ خامل العشيرة من اتباع الحجاج.
    فقد روى ابن الكلبي عن أبيه ، عن عبدالرحمن بن السائب ، قال : قال الحجاج يوماً لعبد الله بن هاني ، وهو رجل من بني أَوْد ـ حي من قحطان ـ :... والله ما كافأتك بعد ! ثمّ أرسل إلى أسماء بن خارجة سيّد بني فزارة : أن زَوَّجْ عبدالله بن هاني بابنتك.
    فقال : لا والله ولا كرامة !
    فدعا بالسياط ، فلما رأى الشرّ قال : نعم أزوجه.
    ثمّ بعث إلى سعيد بن قيس الهمداني ـ رئيس اليمانية ـ : زوج


( 1 ) الصراط المستقيم 3 : 130.


127

ابنتك من عبدالله بن أود.
    فقال : ومن أوْد ! لا والله لا أزوجه ولا كرامة !
    فقال : عليّ بالسيف.
    فقال : دَعني حتى أشاور أهلي ، فشاورهم ، فقالوا : زَوِّجه ! ولا تعرض نفسك لهذا الفاسق فزوجه.
    فقال الحجاج لعبدالله : قد زوّجتك بنت سيد فزارة وبنت سيد همدان وعظيم كهلان ، وما أوْدُ هناك !
    فقال : لا تقل اصلح الله الامير ذاك ، فإن لنا مناقب ليست لاحد من العرب.
    قال : وما هي.
    قال : ما سب أمير المؤمنين عبدالملك في ناد لنا قط ، قال : منقبة والله.
    قال : وشهد مِنا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلاً ، ما شهد منا مع أبي تراب إلا رجل واحد ، وكان والله ما علمته امْرَ أسوء ، قال : منقبة والله.
    قال : ومنا نسوة نَذَرْن ، إن قتل الحسين بن علي أن تنحر كل واحدة عشر قلائص ، ففعلن قال : منقبة والله.
    قال : وما هنا رجل عُرِضَ عليه شتمُ أبي تراب ولعنه إلا فعل وزاد ابنيه حسناً وحسيناً وامهما فاطمة ، قال : منقبة والله (1).


( 1 ) شرح نهج البلاغة 4 : 61.


128

نعم قد يكون في اعتقاد الحجاج بن يوسف وقبله عمر بن الخطاب بأنّ في مثل هذا التزاوج يقع التألف والتاخي ، وأن العداوة ستتبدل إلى أخوة ، وبذلك ترتفع الضغينة بين الطرفين :
    قال الشافعي : لما تزوج الحجاج بن يوسف ابنة عبد الله بن جعفر ، قال خالد بن يزيد بن معاوية ، لعبد الملك بن مروان : اتركت الحجاج يتزوج ابنة عبد الله بن جعفر ؟
    قال : نعم ، ما بأس بذك.
    قال : أشد البأس والله.
    قال : وكيف ؟
    قال : والله ـ يا أمير المؤمنين ـ لقد ذهب ما في صدري على الزبير منذ تزوجت رملة بنت الزبير.
    قال : فكأنّه كان نائماً فايقظه.
    قال : فكتب إليه يعزم عليه في طلاقها ، فطلقها (1).
    اذاً هناك مسائل سياسية يجب أن تلحظ في مثل وقوع هكذا تزاوج ولا يجوز الاكتفاء بالمدعيات وأنهم يطلبون نسباً وسبباً إلى رسول الله ! !
    وثالثاً : إنّ القول بوقوع التزويج لا يضر بعقائد الشيعة على جميع


( 1 ) تاريخ دمشق 12 : 125 ، البداية والنهاية 9 : 141 ، مختصر تاريخ دمشق 6 : 205


129

التقادير وإليك بعض أقوالهم :
    قال الشيخ المفيد في جواب المسائل السرويّة :
    « ثمّ إنّه لو صحّ [ أي التزويج ] لكان له وجهان لا ينافيان مذهب الشيعة في ضلال المتقدّمين على أمير المؤمنين ، أحدهما : أن النكاح إنّما هو على ظاهر الاِسلام الّذي هو الشهادتان ، والصلاة إلى الكعبة ، والاِقرار بجملة الشريعة ، وإن كان الاَفضل مناكحة من يعتقد الاِيمان ، ويترك مناكحة من ضمّ إلى ظاهر الاِسلام ضلالاً لا يخرجه عن الاِسلام ، إلاّ أنّ الضرورة متى قادت إلى مناكحة الضالّ مع إظهار كلمة الاِسلام زالت الكراهة من ذلك... إلى أن قال : وأمير المؤمنين كان مضطراً إلى مناكحة الرجل ، لاَنّه تهدده وتواعده ، فلم يأمنه على نفسه وشيعته ، فأجابه إلى ذلك ضرورةً.
    كما أنّ الضرورة تشرع إظهار كلمة الكفر ، وليس ذلك بأعجب من قول لوط :( هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) ..... فدعاهم إلى العقد عليهم لبناته وهم كفار ضلاّل قد أذن الله تعالى في هلاكهم ، وقد زوّج رسول الله ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان الاَصنام ، أحدهما : عتبة بن أبي لهب ، والآخر : أبو العاص بن الربـيع ، فـلما بعث صلى الله عليه وآله فرّق بينهما وبين ابنتيه (1). وقال الشريف المرتضى في كتابه الشافي : « ... وأما تزويجه بنته فلم يكن ذلك عن اختيار ، ثمّ ذكر رحمه الله الاَخبار السابقة الدالّة


( 1 ) المسائل السرورية : 91 ، وعنه فى البحار 42 : 107.


130

على الاضطرار ، ثمّ قال :
    على أنّه لو لم يجرِ ما ذكرناه لم يمتنع أن يزوّجه عليه السلام لاَنّه كان على ظاهر الاِسلام والتمسك بشرائعه وإظهار الاِسلام ، وهذا حكم يرجع إلى الشرع فيه ، وليس مما تحظره العقول ، وقد كان يجوز في العقول أن يبيحنا الله تعالى مناكحة المرتدين على اختلاف ردّتهم ، وكان يجوز أيضاً أن يبيحنا أن ننكح اليهود والنصارى ، كما أباحنا عند أكثر المسلمين أن ننكح فيهم ، وهذا إذا كان في العقول سائغاً فالمرجع في تحليله وتحريمه إلى الشريعة ، وفعل أمير المؤمنين عليه السلام حجّة عندنا في الشرع ، فلنا أن نجعل ما فعله أصلاً في جواز مناكحة مَن ذكروه ، وليس لهم أن يلزموا على ذلك مناكحة اليهود والنصارى وعبّاد الاَوثان ، لاَنّهم إن سألوا عن جوازه في العقل فهو جائز ، وإن سألوا عنه في الشرع فالاِجماع يحظره ويمنع منه (1).
    وقد قال الشريف المرتضى جواباً لما وجه إليه بهذا الصدد :
    « إعلم أنا قد بينا في كتابنا( الشافي ) في الجواب عن هذه المسالة ، وأزلنا الشبهة المعترضة بها ، وأفردنا كلاماً استقصيناه واستوفيناه في نكاح أم كلثوم ، وانكاح بنته صلى الله عليه وآله من عثمان بن عفان ، ونكاحه هو أيضاً عائشة وحفصة ، وشرحنا ذلك فبسطناه.
    والذي يجب أن يعتمد في نكاح أم كلثوم ، أنّ هذا النكاح لم يكن عن اختيار ولا إيثار ، ولكن بعد مراجعة ومدافعة كادت تفضي


( 1 ) الشافي : 215 ، والبحار 42 : 108.


131

إلى المخارجة والمجاهرة.
    فانه روي أن عمر بن الخطّاب استدعى العباس بن عبدالمطلب فقال له : مالي ؟ أبي بأس ؟
    فقال له : ما يجب أن يقال لمثله في الجواب عن هذا الكلام.
    فقال له : خطبتُ إلى ابن اخيك عليِّ بنته أم كلثوم ، فدافعني ومانعني وأنف من مصاهرتي ، والله لاَعورن زمزم ، ولاَهدمّن السقاية ، ولا تركت لكم يا بني هاشم منقبة إلاّ وهدمتها ، ولاَقيمنّ عليه شهوداً يشهدون عليه بالسرقه وأحكم بقطعه.
    فمضى العباس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره بما جرى وخوّفه من المكاشفة التي كان عليه السلام يتحاماها ويفتديها بركوب كلّ صعب وذلول ، فلمّا رأى ثقل ذلك عليه ، قال له العباس : ردَّ أمرها إليّ حتّى أعمل أنا ما أراه ، ففعل عليه السلام ذلك وعقد عليها العباس.
    وهذا إكراه يحل له كلّ محرّم ، ويزول معه كلّ اختيار ، ويشهد بصحّته ما روى عن أبي عبدالله عليه السلام من قوله وقد سئل عن هذا العقد ؟ فقال عليه السلام : ذلك فرج غصبنا عليه.
    وما العجب من أن تبيح التقية والاِكراه والخوف من الفتنة في الدين ووقوع الخلاف بين المسلمين لمن هو الاِمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله والمستخلف على أمّته أن يمسك عن هذا الاَمر ويخرِجَ نفسه منه ، ويظهر البيعة لغيره ويتصرف بين أمره ونهيه ، وتنفذ عليه أحكامه ، ويدخل في الشورى التي هي بدعة وضلال وظلم ومحال ، ومن أن يستبيح ـ لاَجل هذه الاَمور المذكورة ـ عليٌّ ما لو ملك اختياره لما


132

عقد عليه...
    وقد تبيح الضرورة أكل الميتة وشرب الخمر ، فما العجب مما هو دونها ؟
    فأمّا من جحد... وقوع هذا العقد وأنها ولدت أولاداً من عمر [ فليس بمصيب ، لاَنّ ذلك ] معلوم مشهور ، ولا يجوز أن يدفعه إلاّ جاهل أو معاند ، وما الحاجة بنا إلى دفع الضرورات والمشاهدات في أمر له مخرج من الدين (1).
    ولم يكن الاَمر بشدة وضراوة ما قاله الشريف المرتضى على منكر إيلادها أولاداً بحيث لو أنكر أحد الاِيلاد لاَنكر ضروريّاً من الضرورات والمشاهدات ، إذ أنّ هناك بعض علماء الاَحناف قد أنكر وقوع هذا الزواج كالشيخ محمد إنشاء الله الحنفي المحمدي في كتابه ( السر المختوم في رد زواج أم كلثوم ).
    وقد مر عليك كلام الزرقاني المالكي في المواهب اللدنية بالمنح المحمدية وغيره ، حيث ذهبوا إلى وقوع التزويج لكنّ عمر مات قبل الدخول بها.
    ونحن في مناقشتنا لنصيّ زرارة وهشام السابِقَين (2) ونص المتوفّى عنها زوجها (3) لم نقف على وقوع إيلاد أم كلثوم ، فكيف اعتبر الشريف المرتضى أنّ ولادتها أولاداً من عمر أمرٌ معلوم


( 1 ) رسائل الشريف المرتضى ، المجموعة الثالثة : 149 ـ 150.
( 2 ) انظر الكافي 5 : 346 ح 1 و 2 باب تزويج أم كلثوم.
( 3 ) انظر الكافي 6 : 115 ح 1 و 2 ، والنوادر للراوندي كذلك.