يمتاز الفكر الإداري عند الإمام علي(عليه السلام) بمتانته وتماسكه واستناده إلى قواعد منطقية رصينة، فجاء هذا الفكر متميزاً بخصائص قد لا يظفر بها أيُّ مفكر إداري غربي. فهو فكرٌ إنساني لأنه ينظر إلى الادارة بنظرة إنسانية، فالذي يتحرّك في أُفق الادارة هو الإنسان وليس الآلة، كما وأنّ نظرة الإمام إلى المؤسسة الإدارية؛ إنّها مجتمع مصغّر تتضامن فيه جميع المقومات الاجتماعية، كما وأن نظرته إلى الادارة؛ أنها جهاز منظم وليس خليطاً مِن الفوضى، وأنّ لهذا الجهاز هدفاً سامياً فالتنظيم لم يوجد عبثاً، بل مِن أجل تحقيق أهداف كبيرة في الحياة.
إستناداً إلى هذه الرؤية الشمولية عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) فانّ الادارة هي كيانٌ حيّ ينبض بالحياة فهي متصفة بالصفة الانسانية والصفة التنظيمية والصفة الجماعية والصفة الهدفية.
فهي إذن كيانٌ إجتماعي حي يعيش في وسط المجتمع يسعى مِن أجل أهداف كبيرة في الحياة. وسنأتي على توضيح أهم تلك الصفات فيما يأتي:

أولاً: الصفة الإنسانية
يمتاز فكر الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) بالتناسق والتعاضد لأنّ رؤيته للحياة رؤية شاملة لكل أبعادها وأركانها وأجزائها.
فالاقتصاد متداخل مع السياسة وهما يعتمدان على الإدارة، فإذا ما تتبعنا حلقات فكر الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) لوجدنا أنها تستمد مِن رؤيته الثابتة عن الإنسان، طبيعته، وأساليب رقيه، مشاكله وكيفية مواجهته لها، فكان لابُدَّ مِن عرض رؤية الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن الإنسان قبل أن نستعرض نظريته في الإدارة. ذلك لأنّ الإدارة في المنظور الإسلامي ليست أدوات صماء، بل هي تقوم على أكتاف البشر، والبشر فيهم عوامل قوة وعوامل ضعف. وبقدر تفعيل عوامل الخير وتحريك الطاقات الكامنة في البشر تتقدم المؤسسات والمشاريع وهي بأجمعها رهن الإدارة الجيدة.
فالمدير الجيد هو الذي يعرف طبيعة الناس الذين يتعامل معهم، ويعلم ما الذي يُحركهم؟ وماذا يثبّط عزائمهم؟ يعرف متى يتقدمون ومتى يتأخرون؟ وما مِن نظرية إدارية إلاّ وهي قائمة عَلى رؤية أصحاب هذه النظرية إلى الإنسان، فالرأسمالية الاحتكارية التي تنظر إلى الانسان ككتلة مِن اللحم الصماء تتعامل معه بطريقة خاصة تقوم على هذه الرؤية، فهي لا تُعير أهمية للمحفزات المعنوية التي تدفع بالإنسان إلى الأمام عشرة أضعاف المحفزات المادية.
إذن النظرية الإدارية المتكاملة هي التي تبدأ أولاً بالإنسان.. ماهيته، وممّ يتكون، وكيف يتعامل مع الحياة؟ وماهي مشاكله وكيف يتقدم؟ وماهو السبيل إلى توجيهه الوجهة الصحيحة؟.
 

ماهو الإنسان وكيف خُلق؟
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) في وصفه لخلق الإنسان: ثم جَمَعَ سُبحانه مِنْ حَزْنِ الأرْضِ وسَهْلِها، وعَذْبِهَا وسَبَخ`ها تُربةً سنّهَا بالمَاء حتى خَلَصَتْ، ولا طهَا بالبَلَّةِ حتى لَزَبَتْ، فجَبلَ مِنْها صُورةً ذاتَ أحْنَاء ووصُولٍ، وأعضاءٍ وفُصُولٍ: أجْمَدَهَا حتى استَمْسَكَتْ، وأصْلَدَها حتى صَلْصَلتْ لِوقتٍ معدودٍ، وأمدٍ مَعْلُوم،ثُمَّ نَفَخَ فيها مِنْ روحِهِ فمَثُلَتْ إنساناً ذا أَذهَانٍ يُجيلُهَا، وَفِكَرٍ يتصَرَّفُ بِها، وجَوارِحَ يخْتَدِمُها، وأدوات يُقلِّبُها، ومَعْرفةٍ يَفْرُقُ بها بَين الحقِّ والباطِلِ، والأذواقِ والمشَامِّ والألوان والأجنَاس، معجوناً بِطينةِ الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة، والأضدادِ المتعادية، والأخْلاطِ المتباينة، مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، والبَلَّةِ والجُمُود[1].
فالإنسان هو قبضة مِن طين الأرض مِن السهل والسبخ، ونفخةٌ مِن روح الله، وهذه النفخة هي التي جعلت منه إنساناً، هي التي منحته القدرة على التفكير والقدرة على الحركة والقدرة على التمييز، فأخذ يُفكر لحياته وحياة أبنائه، وأخذ يتحرك مِن وحي تلك الفكرة التي توصل إليها، وأخذ يُميّز الحق عن الباطل.
ولولا تلك النفخة العِلويّة لظلت أطرافه بلا حركة، ولظلّ لسانه بلا إحساس للأذواق، ولظل أنفه غير قادر على تحسس الروائح، ولظلت عينهُ غير قادرة على تمييز الألوان.
إذن الإنسان هو روحٌ وجسد، فالروح هي مِن آثار تلك النفخة العلوية والجسد مِن الطين الذي صُنع منه كل البشر، وإلى هذا المعنى يُشير أميرالمؤمنين(عليه السلام) في قوله عَن أولياء الله: وصَحبُوا الدُّنيا بأبْدانٍ أرْواحَها مُعلَّقة بالمحلِّ الأعلى [2].
فهي معلقة بالمحل الأعلى لأنها في الأصل مستمدة مِن تلك النفخة العلوية أمّا الأبدان فهي ليست إلاّ أوعية للأرواح.
 

الإنسان عقلٌ وهوى:
وينشأ عن هذه النفخة نورٌ يهتدي به الإنسان طريقه في الحياة وهذا النور هو العقل.
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الإنسان بعقله [3]. ويقول: العقل فضيلة الإنسان[4].
ومنتهى كمال الإنسان عندما يكتمل عنده العقل، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): كمال الإنسان العقل[5] ويقول أيضا: إن أغنى الغنى العقل[6] ويقول أيضاً: لاغنى كالعقل[7].
وكان مِن مسؤولية الإنسان أن يُنشط عقله، ففي وصفه(عليه السلام) للسالك إلى الله؛ قد أحيا عقله، وأمات نفسه[8].
وعندما يزول العقل يتحوّل الإنسان إلى جسدٍ ميت: أيها القوم الشاهدة أبدانهم الغائبة عنهم عقولهم [9].
ويضرب الإمام لنا مثلاً مُجسداً عن أهمية العقل في توجيه الإنسان، يقول الإمام لمعاوية بن أبي سفيان؛ يا معاوية لئن نظرت بعقلك.. لتجدني أبرأ الناس...[10].
وإذا غاب العقل إستولى مكانه الهوى، يقول الإمام: آفة العقل الهوى[11]. ولا عقل مع الهوى[12].
ويقول عن معاوية: قد دعاه الهوى فأجابه[13]. وهذا هو الشقي؛ الشقي في الدنيا، وهو شقيٌّ لنفسه ولغيره أيضاً: والشقي من انخدع لهواه وغروره[14]. وأكثر فتن التاريخ مصدرها إتباع الحكام لأهوائهم. يقول الامام أميرالمؤمنين: إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تُبتدع[15].
ويُفسِّر الإمام الانحراف التاريخي الذي أدى إلى إنحراف الناس: هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يُعمل فيه بالهوى[16].
فأين كانت العقول يوم حكمت الأهواء البلاد؟.. إنها كانت أسيرة مثلما كان الدينُ أسيراً.
وكم مِن عقل أسيرٍ تحت هوى أمير[17].
وما هو الحل؟؟ الحل أن يتمرّد العقل على الاغلال وأن يقف بقوة بوجه الهوى مقاتلاً صُلباً.. يقول الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): إذا وقع الأمر بفصلِ القضاءِ (وخسر هُنالك المبطلون) شَهِد على ذلك العقل إذا خرج مِن أسرِ الهوى، وسلم مِن علائق الدُّنيا[18].
وهنا العقل سيشهر سيف الوعي ضد ظلام الهوى، ويدخل معه في حرب لا هوادة فيها. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) العقلُ حُسامٌ قاطِع، فاستر خلَلَ خُلُقك بحِلمكَ، وقاتِلْ هواك بعقلك[19].
فالعقل سيفٌ.. وهو سيفٌ بتّار يقطع كل إنحرافٍ إذا مااستطاع الإنسان حملهُ وشهره.
ولابُدَّ مِن مقاتلة الهوى لأنه العدو الأول الذي يمنع الإنسان عن التقدم، ويدفع به إلى الوراء، ويتركه في الظلام الدامس يلقي مصيرهُ المؤلم. وقد مثّل أميرالمؤمنين(عليه السلام) صراع العقل والهوى بمعركة وقعت بين جيشين فيقول: الهوى قائد جيش الشيطان[20].
فامتلاك العقل ينتج عن مخالفة الهوى. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): مخالفة الهوى شفاءُ العقل[21]. ويقول أيضا: ثمرة العقل مقت الدنيا وقمعُ الهوى[22]. فهناك علاقة متينة بين الهوى وحب الدنيا. ومنشأ هذه العلاقة: مَن أطاعَ هواه باع آخرته بدُنياه[23]. إذن العقل والهوى في حالة معاكسة دائماً.
طاعة الهوى تُفسد العقل[24].
الهوى عدو العقل[25].
الهوى ضد العقل[26].
فهما لا يجتمعان في إنسان أبداً، بل هما في صراع دائم حتى يتغلب أحدهما على الآخر. لذا خاطب أميرالمؤمنين(عليه السلام) أصحابه قائلاً لهم:
إياكم وتمكن الهوى منكم[27].
ويقول أيضاً: إسترشد العقل وخالف الهوى تنج[28].
وتترى التعليمات والوصايا..
إملك عليك هواك[29].
إنك إن أطعت هواك أصمّك وأعماك[30].
قاتل هواك بعقلك تملك رُشدك[31].
ثم يقول: قاتل هواك بعلمك[32] لأنّ العلم هو ثمرة العقل، فالإمام يضع الإنسان أمام أقسى عدو لايمكن السكوت حياله.
هواك أعدى عليك من كل عدو فاغلبهُ وإلاّ أهلكك[33]. وأمام دغدغات الهوى التي تسابقه إلى عمل المنكرات، عليه أنْ يسوِّف الهوى، ولا يتعجل في تنفيذ رغباته لأنّ فيه الهلاك، يقول الإمام: كن لعقلك مُسعِفاً ولهواك مسوّفاً[34].
 

مصدر الفضائل والرذائل:
يعتبر الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) العقل مصدر كل الفضائل:
العقل فضيلة الإنسان[35].
العقل ينبوع الخير[36].
العلم مصباح العقل وينبوع الفضل[37].
ولما كان العقل هو أصل العلم كما ورد في كلام الإمام [38].فهو ينبوع الفضل أيضاً.
والأدب أحد الفضائل المهمة في الإنسان وأساسه العقل.
 الأدب في الإنسان كشجرة أصلها العقل[39].
والتواضع أحد الفضائل وهو رأس العقل كما ورد في الغرر[40].
والسخاء وهو أحد الفضائل أيضاً ثمرة العقل كما في الغرر[41].
والحلم أحد الفضائل وهو الآخر ناتج عن وفور العقل: بوفور العقل يتوفر الحلم[42].
والعلاقة بين العدل والعقل علاقة وطيدة تُبينها هذه العبارة الرائعة: من علامات العقل العمل بسنة العدل[43].
والحكمة هي عصارة الفضائل منبعها العقل يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): بالعقل يُستخرج غور الحكمة[44].
والإعتبار بالأحداث وهو أحد الفضائل أساسه أيضاً العقل: من قوى عقله أكثر الاعتبار[45].
والمروءة هي إحدى الفضائل التي يتبارى على التمسك بها الرجال وهي تستند أيضاً إلى العقل: مروءة الرجل على قدر عقله[46].
والفكر هو الآخر مِن مكتسبات العقل يقول الامام: الفكر جلاء العقول[47].
فالفكر، الأدب، العلم، التواضع، الحلم، السخاء، العدل، الحكمة، الاعتبار، والمروءة كلها فضائل تجدها عند العاقل.
أما الجاهل الذي يتبع هواه فماذا تجد عنده؟
سبب كل المحن؛ الهوى أُسُّ المحن[48].
عامل كل فتنة؛ الهوى مطية الفتنة[49].
سبب الارتباك في الحياة؛ لاتتبع الهوى؛ فمن تبع هواه إرتبك[50].
سبب الهلاك؛ مَن أطاع هواه هلك[51].
سبب الزلل؛ مَن ركب هواه زلّ[52].
سبب لفساد النفس؛ فساد النفس الهوى[53].
سبب عدم الاخلاص؛ كيف يستطيع الاخلاص مَن يغلبه الهوى[54].
سبب الضلال؛ مَن ملكه هواه ضل[55].
سبب العمى والصمم والذُّل؛ مَن اتبع هواه أعماه وأصمه وأذله وأضله[56].
سبب الظُلم؛ مَن نظَر بعين هواه إفتتن وجارَ[57].
 

الدنيا والآخرة:
الدنيا هي ميدان الانسان فهو يستطيع أن يحوّلها إلى منبع للخير، أو مصدر للشرِّ، فعن الذين حولوها إلى ميدان للخير يقول الامام: إن للدُنيا رجالاً لديهم كنوزٌ مذخورةٌ مذمومةٌ عندكُمْ مَدْحُورةٌ، يكشف بِهم الدّين كََشْفِ أحَدِكُمْ رأسَ قِدْرِهِ ويَلُوذونَ كالجرادِ فيُهلِكُون جبابرة البلاد[58].
فهؤلاء الرجال إستفادوا مِن الدنيا وصمموا على الجهاد لاقامة حكم المستضعفين في الأرض. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام):
إن الدنيا دارُ صِدقٍ لمن صَدَّقَها، ودارُ عافيةٍ لمَن فَهِمَ عنْها، ودارُ غنى لِمنْ تَزَوَّدَ فِيها، ودارُ موعظةٍ لِمن اتَّعظَ بها[59].
فخيرها متعلق بالموقف منها؛ فهي تكون طوع إرادة من حوّلها إلى الخير، فمن فهمها يعيش فيها بعافية، ومَن تزودَ منها أغنته لأنها تكدّس نِعماً كثيرة يمكن الاستفادة منها. وهي في الوقت ذاته مدرسةٌ لمن أراد الموعظة والعبرة من حوادثها. أما من أرادها للشر فهي طوع يمينه أيضاً.
يقول الامام: إنَّ الدُّنيا يُونِقُ منظَرها ويُوبقُ مخبرها، قد تزينت بالغرور وغرَّتْ بزينتها، دارٌ هانت على ربِّها، فخُلِط حلالُها بحرامِها وخيرُها بشرِّها وحُلْوُها بمُرِّها[60].
أما مظهرها فهي حلوةٌ نضرة حُفّتْ بالشهوات، وهي كالحية ليِّنٌ مَسُّها قاتِلٌ سمُّها.
فهي إذن ميدان للاختيار ودارٌ يمتحن فيها الإنسان فإن وقفَ منها موقف الخير فاز بها، وإذا وقف منها موقف الشر خسرها وخسر كل شيء: الدُّنيا دارُ مِحن، ودارٌ بالبلاء معروفة[61].
فعلى الانسان أن لايرغب فيها رغبة والهٍ، وأن لايجعلها كل همه وأن لايصبو إليها كهدفٍ في حياته، لأنها سريعة التحوُّل، كثيرة التنقُّل، شديدة الغَدْر، دائمة المكر.
لذا جاءت وصية أميرالمؤمنين(عليه السلام): خذ من قليل الدُّنيا مايكفيك[62].
لأنهُ مخلوقٌ لشيءٍ آخر، ولأنها مخلوقةٌ لأمر آخر أيضاً.
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أما بعد فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد جعل الدُّنيا لما بعدها وابتلى فيها أهلها، ليعلم ايهم أحسن عملاً، ولسنا للدُّنيا خُلقنا[63].
ففي هذا النص يُبين لنا أميرالمؤمنين(عليه السلام) الهدف من خلق الدُّنيا والهدف مِن خلق الانسان، فالدُّنيا مخلوقة للآخرة، والانسان مخلوقٌ ليمتحنه الله ليعلم حسن عمله عن سيئهِ.
ويوضّح الإمام ذلك بصورة اكثر في هذا النص: إنَّ الدُّنيا لم تُخلق لكم دارَ مُقامٍ وَلا مَحَلّ قرارٍ وإنَّما جُعلت لكُمْ مجازاً لتزوّدُوا منها الأعمال الصالحة لدار القرار، فكونوا فيها على أوْفازٍ ولا تخْدعنكُم منها العاجلةُ، ولا تغُرَّنَّكُم فيها الفتنة[64].
وبعد أن حدّد الله سبحانه وتعالى الهدف من خلق الحياة والانسان ظهر أمامنا موقفان: إنَّ أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدُّنيا إذا نَظَرَ الناسُ إلى ظاهِرِها، واشتغلوا بأجلها إذا اشتغلَ الناس بعاجلها[65].
فهناك دائماً نمطان مِن البشر؛ نمط يجعل الدُّنيا هدفاً له، فينغمس فيها حتى يغرق، ونمط يجعل الدنيا وسيلة للآخرة.
فماذا عن الآخرة التي خُلقنا مِن أجلها: إنكم إنما خلقتم للآخرة لا للدُنيا وللبقاء لا للفناء[66].
مرارةُ الدُنيا حلاوةُ الآخرة[67].
غايةُ الآخرة البقاء[68].
والآخرة فوزُ السعداء[69].
الدنيا تضرُّ والآخرة تسرُّ[70].
الدنيا أمد الآخرة أبد[71].
فإذا كانت الآخرة حلوة وهي باقية، وتسرُّ، وفيها ينال الانسان سعادته، إذا كانت هكذا؟ فلماذا لايعمل الانسان مِن أجلها؟ فهو عُرضة دائماً لجذب الدُنيا التي تحاول أن تشغلهُ عن الآخرة، فالانسان بين الدنيا والآخرة بين جذبٍ وتنافُر، وقد مَثَّل الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) حيرةُ الإنسان بين الدُنيا والآخرة كحيرة المتزوج بزوجتين، يقول في ذلك: إن مثل الدُّنيا والآخرة كرجُلٍ له امرأتان إذا أرضى إحداهما أسخط الأُخرى[72].
فكيف السبيل إلى غلبة الآخرة على الدُّنيا؟
 

التقوى:
التقوى في تعريفات الشرع: «حِفظُ النفس عما يُؤثِم، وذلك بترك المحظور ويتم ذلك بترك بعض المُباحات»[73].
ولن تتحقق التقوى إلا بخطة تدريجية،
الخطوة الأولى: يُقلل من يُريد التقوى إهتمامهُ بالدُنيا يقول الامام: خُذ من قليل الدُنيا مايكفيك[74].
الخطوة الثانية: الإكثار من العمل الصالح؛ والعمل الصالح حرثُ الآخرة[75].
ويقول أيضاً: ثقِّلوا موازينكم بالعمل الصالح[76].
الخطوة الثالثة: عقد صفقة تجارية بين الدُّنيا والآخرة، يقول اميرالمؤمنين(عليه السلام): الأعمال في الدُّنيا تجارة الآخرة[77]. أرْبَح الناس من إشترى بالدُنيا الآخرة[78].
وهو يستخدم ماحصل عليه في الدُنيا لشراء الآخرة، ومنه المال، يقول الإمام (عليه السلام): أزكى المال مااشترى به الآخرة[79].وستكون تجارته رابحة لأنه سيربح الدُُّنيا والآخرة معاً.
مَن ابتاع آخرته بدنياه ربحهما[80]
ويقول أيضاً: الرابح من باع الدُنيا بالآخرة[81]. فهو لن يخسر شيئاً عندما يضع هدفه الأول ـ الآخرة ـ يقول في ذلك: مَن أصلح أمرَ آخرته أصلح الله له أمر دُنياه[82]. فالمطلوبُ منه هو التقوى لأنه لم يُخلق عبثاً، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أيها الناس إتقوا الله فما خلق امرؤٌ عبثاً فيلهو ولا يُترك سُدىً فيلغُو[83].
فهذا النص يلخص لنا العلاقة بين التقوى وبين الدُنيا والآخرة، وبينهما وبين الهدف مِن الخلقة.
وهذه النُقلة من حُبّ الدُنيا إلى حُبّ الآخرة هي التقوى: فملاك التقى رفض الدُنيا[84].
فماذا تعني التقوى عند أميرالمؤمنين(عليه السلام)؟
يقول الامام: التقوى اجتناب[85].
وماذا يحصل لو أخذ المؤمن بالتقوى؟
يعدّد الامام نتائج التقوى.
التقوى أزكى زراعة[86].
التقوى رأس الحسنات[87].
التقوى رئيس الأخلاق[88].
التقوى مفتاح الصلاح[89].
التقوى ظاهره شرف الدنيا [هذا في الدُنيا أما في الآخرة] وباطنه شرف الآخرة[90].
 

المتقون:
وصل بنا مسار البحث حول رؤية الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن الانسان إلى المتقين، فمن هم المتقون؟
يتصف المتقون بهذه الصفات:
الورع؛ الورع شعار الأتقياء[91].
القناعة؛ القناعة علامة الأتقياء[92].
السخاء؛ إن الأتقياء كل سخيّ متعفف محسن[93].
لاطريق للحسد؛ ليس الحسد من خُلق الأتقياء[94].
التزكية؛ المتقون أعمالهم زاكية[95].
ذرف الدموع خشية؛ وأعينهم باكية[96].
الخوف من الله؛ وقلوبهم وجلة[97].
الزهد؛ الزهد شيمة المتقين[98].
سَهرُ الليل؛ سَهَرُ الليل شعار المتقين[99].
ذكر الله؛ ذكر الله شيمةُ المتقين[100].
 

علامات المتقين:
للمتقي ثلاث علامات: إخلاصُ العمل، وقصرُ الأمل، واغتنام المَهَلِ[101].
فأولاً: إخلاصُ العمل.. ومعناه الصدق أثناء العمل.
ثانياً:قصرُ الأمَل، ومعناه ترجمة عملِه إلى واقع وإلى برنامج زمني مرحلي.
ثالثاً إغتنام المَهَلِ: « والمَهَل هو التؤدة والسُّكُون»[102]. وهي حالة في منتهى الفضيلة لا يبلغها إلاّ مَن ربى نفسه تربية قاسية بحيث لا ينفعل حين وقوع المشكلة ولا يضطرب ولا يقلق عند وقوع حدث ما يستدعي منه التفكير والحل.
وهنانلتقي بموضوع هذه الدراسة، هنا يُصافح مبحث الانسان مبحث الادارة، فالانسان الذي يترقبه أميرالمؤمنين(عليه السلام) وتترقبه الرسالة الاسلامية هو مَن يخلص العمل، ويقصر الأمل ويغتنم المَهَل، وهو الانسان الذي يصلح للعمل الاداري سواء كان مُديراً أو عاملاً.
وهذا الإنسان لم يأت مِن فراغ، فلو تتبعنا عملية بنائه لوجدنا أنه في بداية أمره كان عقلاً وهوىً، فقاتل عقلُه هواه فانتصر عليه عندما عَرف أنَّ الله لم يخلقه للدُّنيا بل خلقهُ للآخرة، وأنه تحت الرقابة الدائمة، لأنه في حالة إمتحانٍ متواصل، إمتحان الوعي والارادة.
فهل استخدم وعيهُ بصورة سليمة؟
هل أنه عرف الغاية من خلقه والغاية مِن خلق الدنيا؟
وهل إنه استخدم إرادته في مكانها؟ هل استخدمه في هدف دنيوي أم أُخروي؟
وعندما تغلَّب عقله على هواه وانتصرت الآخرة على الدنيا (كهدف مطلق) فاضت الفضائل مِن جوانبه وإنحسرت الرذائل التي هي نبع الهوى.. ماذا كانت نهاية هذا الانسان؟
كانت نهايتهُ كبدايته، عندما خلقهُ الله وفطرهُ على حُبِّ الخير.
أصبح لدينا الآن إنسانٌ يُغلب العقل على الهوى، ويُقدّم الآخرة على الدنيا فتظهر عليه الفضائل ولا تُشاهد على سلوكه الرذائل،.. وهذا هو المتقي الذي يعدّه الاسلام مِن خلال منهاجه التربوي القيم الذي ساهم في إعداده القرآن الكريم من ناحية والسُنّة النبوية وكلمات الأئمة المعصومين مِن ناحية أخرى.
هذا هو الانسان الذي يجب أن يعرفه مَن يُريد قيادته وتوجيهه، وهذا هو الانسان الذي تقوم الادارة على أكتافه، فإذا حدث تقدمٌ فمنشأه هو الانسان نفسه، وإذا حدث تراجع فسببه هو أيضاً. فالادارة التي يؤسسها أميرالمؤمنين (عليه السلام) هي التي تقوم على سُلّم عبقرية هذا الانسان الصاعد نحو سلم الحياة بإمكاناته وكفاءاته.

 

ـــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــ


[1] باب الخطب رقم (1) يذكر فيها إبتداء خلق السماء والأرض.
[2] الغرر 6/214.
[3] الغرر 1/61.
[4] الغرر 1/67.
[5] الغرر 4/631.
[6] قصار الكلمات رقم38.
[7] قصار الكلمات رقم54.
[8] باب الخطب رقم 220.
[9] باب الخطب رقم 97.
[10] باب الكتب والرسائل رقم 6.
[11] الغرر3/101.
[12] الغرر 6/363.
[13] باب الكتب و الرسائل رقم7.
[14] باب الخطب رقم 86.
[15] باب الخطب رقم 50.
[16] باب الكتب والرسائل رقم53.
[17] الكلمات القصار رقم 211.
[18] كتابه إلى شريح قاضيه رقم 3.
[19] قصار الكلمات رقم 424.
[20] الغرر 2/137.
[21] الغرر6/130.
[22] الغرر 3/334.
[23] الغرر5/279.
[24] الغرر 4/249.
[25] الغرر 1/68.
[26] الغرر 1/258.
[27] الغرر 2/325.
[28] الغرر 2/184.
[29] الغرر 2/199.
[30] الغرر 3/56.
[31] الغرر 4/ 499.
[32] الغرر 4/513.
[33] الغرر 6/213.
[34] الغرر 4/613.
[35] الغرر1/65.
[36] الغرر 1/173.
[37] الغرر 2/7.
[38] الغرر 2/91.
[39] الغرر 2/109.
[40] الغرر 2/151.
[41] الغرر 2/151.
[42] الغرر 3/221.
[43] الغرر 6/24.
[44] الغرر 3/204.
[45] الغرر 5/269.
[46] الغرر 6/128.
[47] الغرر 1/232.
[48] الغرر 1/262.
[49] الغرر 1/276.
[50] الغرر 6/296.
[51] الغرر 5/146.
[52] الغرر 5/202.
[53] الغرر 4/417.
[54] الغرر 4/475.
[55] الغرر 5/137.
[56] الغرر 5/465.
[57] الغرر 5/137.
[58] الغرر 2/655.
[59] الغرر 2/652.
[60] الغرر 2/651.
[61] الغرر 2/637.
[62] الغرر 3/227.
[63] الغرر باب الخطب رقم 55.
[64] الغرر 2/662.
[65] قصار الكلمات رقم 430.
[66] الغرر 3/66.
[67] الغرر 6/140.
[68] الغرر 4/370.
[69] الغرر 1/183.
[70] الغرر 1/45.
[71] الغرر 1/10.
[72] الغرر 2/538.
[73] الراغب الاصفهاني: المفردات، ص530.
[74] الغرر 3/441.
[75] الغرر 2/62.
[76] الغرر 3/350.
[77] الغرر 1/276.
[78] الغرر 2/413.
[79] الغرر 2/407.
[80] الغرر 5/257.
[81] الغرر 2/70.
[82] الغرر 5/373.
[83] قصار الكلمات: 340.
[84] الغرر /117.
[85] الغرر 1/53.
[86] الغرر 1/161.
[87] الغرر 1/188.
[88] الغرر 1/194.
[89] الغرر 1/233.
[90] الغرر 2/106.
[91] الغرر 1/156.
[92] الغرر 1/165.
[93] الغرر 2/491.
[94] الغرر 5/73.
[95] الغرر 2/92.
[96] الغرر 2/32.
[97] الغرر 2/92.
[98] الغرر 2/32.
[99] الغرر 4/140.
[100] الغرر 4/29.
[101] الغرر 5/47.
[102] الراغب الاصفهاني: المفردات ص476.