ثانياً: الصفة التنظيمية:
يبتدأ الفكر الإداري في الإسلام بالتركيز على النظم والنظام، فأكبر مصداقٍ للنظم هو تنظيم شؤون الدولة وأُمور المجتمع، وقد جاء الاسلام بهذه الفكرة يوم كانت الفوضى هي الحالة السائدة في البلاد العربية، وتقدّم المسلمون لأنهم كانوا أكثر تنظيماً من غيرهم، إنتصروا في الحرب لأنهم أوجدوا نظاماً للقتال.. وانهالت عليهم الثروات لأنهم وضعوا نظاماً للاقتصاد يقوم على تحريك الموارد المجمدة التي كانت بيد الأغنياء واستطاعوا أن يوجدوا دولتهم لأنهم أقاموها على أساس مِن التنظيم ونشروا العلم لأنهم وضعوا نظاماً للتعليم.. وهكذا سادت الادارة المنضبطة سائر أرجاء البلاد الاسلامية بفضل الحث المتواصل على التنظيم والنظام. ويمكننا القول بكل ثقة: بفضل التنظيم إستطاع المسلمون أن يكتسحوا العالم ويوصلوا الاسلام إلى آخر بقعةٍ مِن بقاع الأرض.
وعلى هذا النسق أعار أميرالمؤمنين(عليه السلام) إهتماماً كبيراً لنظم الأُمور وتنظيم الشؤون حتى أنه لم ينس أن يوصي أولاده وأصحابه وجميع المسلمين في آخر كلمة له قبل أن يرحل إلى الرفيق الأعلى بنظم أمرهم.
فقد جاءت وصيته في النظم بعد وصيته بالتقوى لتأخذ مكان الصدارة في هذه الوثيقة الهامة: أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَن بلغْهُ كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم[103].
وفكرة النظم لم تكُ وليدة الساعة أو الحاجة فقد امتزجت هذه الفكرة بكلمات أميرالمؤمنين(عليه السلام) وبعقله قبل أن تأتيه الخلافة، فهذا عمر بن الخطاب يستشيره في الشخوص لقتال الفُرس، فيوصيه بأن يلتزم النظام في عمله، فيقول له: ومكان القيِّم بالأمرِ مكانُ النظامِ مِن الخَرَزِ ـ يجمعُهُ ويضمُهُ فإن انقطعَ النِّظام وتفرَّقَ الخَرَزُ وذَهَبَ، ثم لم يجتمِعْ بحذافيرهِ أبداً[104].
فالمدير هو كالفص الكبير في المسبحة التي تجمع بقية الفصوص، فإذا انفصل عن المسبحة إنفطرت جميع الفُصوص. فبدون النظام لايمكن أن تقوم لأحد قائمة، بل ستكون النتيجة الانفراط والتمزق وكيف لا يكون ذلك وقد اتّحد المسلمون لأنه أنزل الله إليهم ما يُنظّم شؤونهم وهو القرآن الكريم.
لنستمع إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) وهو يُشير إلى ذلك في خُطبةٍ يُبين فيها فضل القرآن الكريم: ذلك القرآنُ فاستنطقوهُ، ولن ينطِق، ولكِنْ أُخبرُكُمْ عنْهُ، ألا إنَّ فيه عِلْمَ ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواءَ دائكُمْ ونَظْمِ مابَيْنكُمْ[105].
يُشير أميرالمؤمنين(عليه السلام) في هذا النص إلى عظمة القرآن الكريم، وإنها تتجلى في هذا الأمر بالذات في نظم أمر الناس وإدارة شؤونهم الحياتية ـ فالنظـم هو أحـد أربعـة أُمور أوجدها القرآن الكريم في الاُمة الاسلامية: 1ـ الحديث عن المستقبل 2- الحديث عن الماضي 3ـ معالجة المشكلات والمعوقات 4ـ تنظيم شؤون الناس.
هذا هو التنظيم، وهذا مقدار أهميته عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) وهو بهذه النصوص يضع أمامنا نطفة الجنين الذي يُراد له أن يُولد مِن خلال هذه الدراسة حول النظرية الادارية للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وعندما نفتح ملف النظم في فكر الامام سنجد أنفسنا أمام حشد كبير من روائع الكلمات وهي تتناول هذه القيمة الأساسية في الادارة في شعبٍ مختلفة.
ويمكننا تصنيف المجالات التي ورد فيها لفظ النظم إلى الأُمور التالية:
كيف ينشأ النظام؟
كيف يقوى النظام؟
كيف ينهار النظام؟
 

أولاً: كيف ينشأ النظام؟
أولاً وقبل كل شيء كان مِن المفترض أن نتعرف على النبع الذي ينطلق منه النظام، في هذا المضمار يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): عقل المرء نظامه[106].
فالعقل هو الرحم الذي يستقبل نطفة النظم فتلتصق بجداره، وهناك تأخذ بالنمو لتتحوّل إلى جنين... ومِن ثم يخرج الجنين مِن الرحم إلى الوجود على شكل خُطة ونظام.
فالعقل هو المصدر الأول للنظام، وبدونه لايمكن لأمة أن تكون منظمة في حياتها.
فالعقل هو مصدر الفكر.
والعقل هو مركز التخطيط.
والعقل هو نبع البرامج.
والفكرة والخطة والبرمجة هي ألف باء النظام.
فالعقل يضع بين أيدي البشر النظام قبل التطبيق، يبقى المسؤول عن تطبيقه هو العلائق الحسنة التي تنمو في المجتمع، والتي تقوم على اساس مِن الحقوق المتبادلة. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): من تلك الحقوق حقُّ الوالي على الرعية، وحقُّ الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله ـ سبحانه ـ لِكُلٍّ على كُلٍّ، فجعلها نظاماً لأُلفتهم[107].
وعلى مبدأ الحقوق يقوم النظام، ويتحوّل إلى منهج في الحياة بعد أن كان مجرد فكرة في العقل، أي انه يدخُل حيّز التطبيق.
وهنا نقف عند مبدأ مهم يضعه أميرالمؤمنين(عليه السلام) بين أيدي الأجيال، وهو أنَّ الحقوق المتبادلة بين الرئيس والمرؤوس هي الأساس في تكوين النظام الاداري. فمثلما للرئيس حقٌّ عليه واجبٌ أيضاً إزاء المرؤوسين، وكما أنّ للمرؤوسين واجباً، لهم حقوقٌ على الرئيس، وعلى أساس هذه الحقوق المتبادلة تنشأ العلاقات الاجتماعية في المجتمع وينشأ مِن شبكة هذه العلاقات ما نطلق عليه (النظام الإداري). ويجدر بنا أن نذكر هنا أنّ النظام الاداري الذي لايقوم على المصالح الفردية الآنية، ولا يقوم على الرابطة العرقية أو القومية، بل يقوم على مبدأ الحقوق والواجبات لهو النظام الثابت والقوي الذي لايمكن أن تزحزحهُ أية قوة جبارة.
من هنا؛ فقد أرسى أميرالمؤمنين(عليه السلام) أقوى نظام إداري تمكن أن يسيطر على شؤون البلاد الاسلامية التي كانت مترامية الأطراف وكانت تموجُ بالاضطرابات والقلاقل، فعلى رغم هذه الظروف إستطاع النظام الاداري ان يفرض الأمن والنظام في طول البلاد وعرضها.
 

ثانياً: كيف يقوى النظام؟
النُظم الادارية التي يوجدها الاسلام تنظيمات قوية منيعة تقوم على روح الجماعة، وعلى الاستعداد الجمعي للتعاون والتآزر.
ولا ننس دور الأخلاق والفضيلة في إنشاء التنظيمات وتقويتها، لانّ التنظيم عملٌ جماعي، ولما كان الهدف من الخلق الحميد هو الحد مِن طغيان الفردية فإنه السبيل الأقوى دائماً لتأسيس التنظيمات الاجتماعية.
فالمجتمع الذي تنمو فيه الأخلاق هو الأقدر على تنظيم نفسه وتشكيل أعضائه ولاننس هنا أيضاً دور القانون في إرساء النُظم الادارية وترسيخها حيث أنّ القانون يحافظ على العلاقات التي تجمع أفراد التنظيم ويحافظ على ديمومتها وتقويتها. والمجتمعات التي يسود فيها القانون يسودها الضبط الاجتماعي أيضاً.
أما كيف يرى أميرالمؤمنين(عليه السلام) سبُل تقوية النظام بصورة عامة والنظام الاداري بصورة خاصة؟
الجواب: عبر هذه الوسائل:
أولاً: العدل؛ العدل بمثابة العصا الّتي يمسك بها مَن يُريد موازنة جسمه فوق حبلٍ رفيع في ألعاب السيرك. فلولا هذه العصا لا يستطيع رجل السيرك موازنة نفسه فهو عُرضة للسقوط في أية لحظة إذا ماغامر بنفسه ووقف فوق حبل السيرك.
يلعب العدل دور العصا في تنظيم المجتمع فوق حبل الحياة القاسية، فهو السبيل إلى الموازنة، فكلما مال الجسم إلى جهة أسعفه العدل في الجهة المقابلة، وهكذا حتى يستقيم المجتمع.
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): العدل نظام الإمرة[108].ثم يقول: حسن العدل نظام البرية[109].
وهذه قاعدة عامة لا تختص بالنظام الاداري وحسب بل تشمل كل نظام حتى لو أُقيم على مبدءٍ آخر غير الاسلام.
ثانياً: الحلم؛ هدوء الأعصاب عند الإنفعال، وعدم الانفعال عند الاثارات وهو من قواعد الادارة، بل هو من قواعد التنظيم بصورة عامة ذلك لأن التنظيم يقوم على الأفراد، وكان لابدَّ مِن وجود علاقات طيبة بين هؤلاء الأفراد، ومِن أهم أُسس هذه العلاقة، سيادة الحكمة في العلاقات وعدم حدوث ردود فعل إنفعالية أثناء العمل والتي تعود إليها أهم عوامل المشاكل في التنظيمات الادارية.
ثالثاً: روح التعاون بين الأفراد" كالإحسان إلى الآخرين، ومواساة الاخوان والكرم وهي صفات تنمُّ عن روح جماعية، وعن ضمور للروح الفردية التي تهدد التنظيمات الادارية.
لنتأمل هذه النصوص التي تحمل هذا المفهوم.
نظام المروءة حسن الأُخوة[110].
نظام الدين خصلتان إنصافك مِن نفسك ومواساة إخوانك[111].
نظام الكرم مولاة الاحسان ومواساة الاخوان[112].
نظام الفتوة إحتمال عثرات الاخوان وحُسن تعهّد الجيران[113].
رابعاً: الدعوة إلى الطاعة؛ لابُدّ مِن وجود محور تجتمع عليه التنظيمات والمؤسسات الاجتماعية، وهذا المحور هو طاعة الله سبحانه وتعالى فكلما زادت الطاعة إزداد التنظيم قوة وترابطاً، لأنّ الطاعة ستركز الالتزام القانوني في التنظيم أو المؤسسة.
خامِساً: التواضع؛ التواضع قيمة إجتماعية بدونها لاتقوم للمجتمع أية قائمة، وإذا أردنا أن نتعرف على أثر هذه القيمة الأخلاقية لنتصور المجتمع وقد حفّت به جماعة مِن المتكبرين، كيف سيكون حاله.
إن التكبر هو عامل تشتت وتمزّق في المجتمع، والمجتمعات التي تنمو فيها مظاهر التكبر عُرضة للانهيار أكثر مِن المجتمعات الأُخرى.
إذن التواضع هو السبيل لايقاف حالات التداعي والانهيار في المجتمعات البشرية، وقد جاء حث الاسلام على التواضع لصيانة المجتمع مِن الانهيار والحفاظ عليه مِن السقوط السريع.
من هنا أقرّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) قاعدة حيوية للحفاظ على حيوية المجتمع هي: بخفض الجناح تنتظم الأُمور[114].
وخفض الجناح هو كناية عن التواضع، وهو كناية عن تواضع الكبار من ذوي المسؤوليات لأن التعبير هو خفض الجناح لمن يمتلك القدرة على الطيران، فهؤلاء تقع عليهم مسؤولية التواضع، وهذا هو السبيل الأوفق لتقوية التنظيم والحيلولة دون انهياره وسقوطه.
سادساً: الأمانة؛ عندما يشعر كل فرد في التنظيم الاداري أو أيّ تنظيم إجتماعي بأنه أمين على مصالح الجماعة فإنّ إلتزامه نحو الجماعة ومصالحها سيكون متيناً للغاية وخلافاً للتنظيمات التي تقوم على التنافس المحموم والذي مِن شأنه أن يُفجّر التنظيمات من داخلها في كل لحظة، خلافاً لها أقام الاسلام نظامه الاداري على مبدأ الأمانة، فقد خاطب الله سبحانه وتعالى أفراد المجتمع الذين يتحملون مسؤولية إجتماعية قائلاً لهم: ﴿إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾[115].
فالنظام الاداري الذي يطمح إليه الاسلام هو النظام القائم على الأمانة، الذي يجعل مِن كُل فردٍ أميناً على مصالح الأُمة أميناً على ممتلكاتها، أميناً على قيمها ومثلها، أميناً على أسرارها وأفكارها.
وعلى النسق القرآني استعار أميرالمؤمنين(عليه السلام) فكرة الآية الكريمة حول الأمانة فذكر في إحدى كلماته:
*فرض الله... الأمانة نِظاماً للأُمة[116].
والسؤال: كيف تصبح الأمانة نظاماً للأُمة؟
الجواب: عندما يتحسس المسؤول الكبير سواء كان حاكماً أو والياً أو مُديراً أو رئيساً بانه أمين على مصالح الأُمة، وعلى كل فرد منها، وإنه سيُسأل يوم القيامة عن هذه الأمانة.
وعندما يشعر كُلَّ فرد من ابناء الأُمة بأنه أمين أيضاً على مصالح الأُمة فعليه أن يصونها ويذود عن حياضها ويحميها حق حمايتها. وأي ضعف عن أداء هذه المسؤولية سيحاسب عليه وسيواجه بأشدِّ العقوبات.
 

ثالثاً: كيف ينهار النظام؟
الأنظمة عُرضة للانهيار، كما ينهار البناء عندما يتسلل إليه الماء والرطوبة، فالأنظمة تتسوس كما يتسوس الكرسي الموضوع في زاوية مِن البيت ولا يحصل على الرعاية المطلوبة، وأكبر معول يهدم نُظم الجماعة هو الخلاف، وقد قال تعالى في كتابه الكريم ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾[117].
وقال أميرالمؤمنين(عليه السلام): الأُمور المنتظمة يفسدها الخلاف[118].
والخلاف هو جرثومة تبدأ صغيرة ثم تكبر فتنتشر فتهدد كيان المجتمع بأسره، والخلاف يبدأ صغيراً في نفس الانسان ثم ينمو كبيراً في كيان المجتمع.
وأول عملية هدم تتم بمعول الخلاف هو هدم الآراء، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الخلاف يهدم الآراء[119].
فيظهر الخلاف وينتشر إلى كافة الرعية: آفة الرعية مخالفة الطاعة[120].
ثم يسري إلى قمة المؤسسات الاجتماعية فيصل حتى إلى المقاتلين: آفة الجند مخالفة القادة[121].
عندها سينهار المجتمع ويتمزق شرّ ممزق، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن نتائج الاختلاف: سبب الفرقة الاختلاف[122].
وعندما تبلغ الجرثومة إلى هذا المستوى مِن التأثير يجب الاسراع في العلاج، وتقع على حكماء المجتمع وعقلائه مسؤولية وضع حدٍ لهذا الانهيار بإيقاف حالة التداعي في المجتمع، وذلك بالعمل وفق هذه الخطوات:
أولاً: الرفق بالآخرين، وهو يضع حداً للمخالفات، يقول الامام(عليه السلام): الرفق يغلُّ حدّ المخالفة[123].
ثانياً: الانصاف، وهو نوع من العدل، يظهر فيه تساوي الانسان بين نفسه والآخرين، يقول الامام(عليه السلام): الانصاف يرفع الخلاف ويوجد الائتلاف[124].
هذا ما يمكن القيام به عند وقوع الاختلاف في المجتمع وما يتحمله المسؤول أو المدير مِن أعباء للحفاظ على النظم الاجتماعيه. وهذه هي إحدى الخواص التي تمتاز بها النظم الادارية عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) فهي إدارة منتظمة متسقة الأجزاء لا مجال فيها للفُرقة والاختلاف.

 

ـــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــ

 

[103] باب الوصايا رقم 47.
[104] باب الخطب رقم 146.
[105] باب الخطب رقم 158.
[106] الغررر 364.
[107] باب الخطب رقم 216.
[108] الغرر 1/198.
[109] الغرر 3/385.
[110] الغرر 6/176.
[111] الغرر 6/176.
[112] الغرر 6/184.
[113] الغرر 6/185.
[114] الغرر 6/184.
[115] سورة النساء، آية 58.
[116] قصار الكلمات رقم 252.
[117] سورة الأنفال، آية 46.
[118] الغرر 1/307.
[119] الغرر 1/270.
[120] الغرر 3/104.
[121] الغرر 3/103.
[122] الغرر 4/123.
[123] الغرر 1/150.
[124] الغرر 2/30.