ثالثاً: الصفة الجماعية
لا تنشأ الإدارة إلاّ بين جمع مِن الناس، ولابُدّ لهذا الجمع مِن روابط تربطهم، وكلما قوي هذا الرابط قويت الجماعة وأصبحت الادارة متيسرة على المدير. فالجماعة هي البيئة التي تنشأ فيها الإدارة، وبدون مراعاة هذا الجانب تصبح الادارة أشبه ماتكون بمعادلة حسابية، وقد وُجّهت إنتقادات إلى المفكر الألماني (ماكس فيبر) عندما لم يهتم بالبيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها الإدارة فجاء نموذجه في ـ البيروقراطيةـ تُنقصه الروابط الانسانية. كذلك يؤخذ على (تيلر) إتجاهه إلى مكننة الانسان في المعمل.
وقد زخرَ فكر الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) بنصوص كثيرة في مجال المجتمع والجماعة، وهي بحدّ ذاتها تكوّن لدينا دراسة متكاملة عن المجتمع ودور الفرد في الجماعة، لكن سنقتصر على النصوص التي نحتاجها في تأكيد الصفة الاجتماعية في الادارة.
فالادارة التي نستقي أبعادها من كلام أميرالمؤمنين(عليه السلام) هي التي تنشأ في رحم المجتمع والجماعة. وقد أشرنا سلفاً أن المفردة الاجتماعية تحتل مساحة كبيرة مِن فكر الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) فكان علينا أن نقتطف ما ينفع دراستنا وهو الاشارة إلى ضرورة وجود المجتمع للحياة، وعوامل تكوين الجماعة، وتصنيف المجتمع وما إلى ذلك من الموضوعات التي سنأتي على ذكرها.
 

أولاً: ضرورة وجود المجتمع:
حاجة الفرد إلى الجماعة كحاجته إلى الهواء فهو لا يستطيع الاستمرار في الحياة بدون الجماعة، لأنّ تعقيدات الحياة تحتّمُ عليه أن يُعاشر الأفراد ويرتبط بهم برباط الأخوة، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن ذلك: عاشر أهل الفضل تسعد وتنبل[125]. فلا سعادة للانسان إلاّ عندما يكون في دائرة المجتمع، لذا أمر الاسلام أبناءه بحُسن العشرة.
وفائدة العشرة الحسنة هي: بحسن العشرة تدوم المودة[126]. وبحسن العشرة تأنس الرفاق[127]. وبحسن العشرة تدوم الصلة[128].
ويقول في حثه على كسب الصداقات: مَن لا أخاً له لا خير فيه[129].
وهو لا يقصد الأخ الحقيقي للانسان لأنه: رُبَّ أخٍ لم تلدهُ أُمك[130].
ومن محمل النصوص المتقدمة، ونصوص أُخرى لا مجال لذكرها ندرك ما يوليه الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) مِن أهمية لوجود الكيان الاجتماعي الذي تقوم العلاقات بين أفراده على أساس الأُخوة الصادقة.
فالأخوان زينة في الرخاء وعدّة في البلاء[131].
 

ثانياً:الحث على الارتباط بالمجتمع
إذا كان للمجتمع تلك الأهمية حيث لا تستقيم حياة الانسان ولا الإنسان تصلح أخلاقه إلاّ من خلاله ,فقد وردت النصوص الكثيرة وهي تحثُّ على الالتزام بالجماعة، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام):
الزموا الجماعة واجتنبوا الفُرقة[132].
الزموا السواد الأعظم فإنّ يد الله مع الجماعة[133].
والزموا ماعقد عليه حبل الجماعة[134]
وعليكم بهذا السواد الأعظم[135].
هنا نجد أنفسنا أمام نصوص تدعو إلى الارتباط بالجماعة حفظاً على وحدتها وكيانها السياسي حتى لا يتسرب إليها الفُرقة والاختلاف.
فالحفاظ على وحدة المجتمع مسؤولية شرعية، وهو أمانة في عنق كل مُسلم؛ اما الخروج على هذه الوحدة وشق عصا المسلمين فهو الخيانة لأنه تحوّل إلى معول لهدم مرتكز مهم مِن مرتكزات التقدم لدى المسلمين وهو وحدة المجتمع الاسلامي.
لذا يقول الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): أعظم الخيانة خيانة الأمة[136].
وخيانة الأُمة هي الخروج على وحدتها القائمة على أساس مِن الحق وليس على الباطل، لأنّ الأمانة التي فُرضت على المسلم هي: التعاون على إقامة الحق أمانة وديانة[137]. فالخروج على هذا المبدأ هو الخيانة، بل هو أعظم خيانة، لأنه خيانة لكل أبناء الأُمة الاسلامية.
 

ثالثاً: كيفية تكون الجماعة:
هذه الجماعة التي دُعينا إلى الارتباط بها لابُدّ وأن تقوم على أُسس متينة، وهي:
الوفاء: الوفاء قوام الأمامة وزين الأُخوة[138]. لأنه يبطن صدق العلاقة، وإخلاص الترابط.
التناصح: لاخير في قومٍ ليسوا بناصحين ولا يحبون النصح[139].
ويقول في هذا المضمار: خير الاخوان أنصحهم وشرهم أغشهم[140].
فالعلاقة القائمة في هذا المجتمع هي علاقة فاعلة تتحرك باتجاه الايجابية، فإذا ظهر الخطأ مِن أحد الأفراد يُسرع الآخرون إلى تغييره.
التعاون على إقامة الحق: التعاون على إقامة الحق أمانة وديانة[141]. فوجود الفرد في المجتمع يحمّله مسؤولية تحتم عليه العمل مِن أجل إرساء صرح الحق من أية زاوية كانت. يقول الامام: الزم أهل الحق وأعمل عملهم[142].
إقامة العدل: العدل قوام البرية[143]. فالمجتمع الذي يقوم على العدل هو المجتمع المسلم المعافى مِن كل مرضٍ، لأنّ العدل هو الذي يحافظ على توازن أطراف المجتمع. ويحافظ عليه من حالة الافراط والتفريط. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): العدل قوام الرعية[144].
الشريعة: وهو العنصر الأهم في بناء المجتمع يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الشريعة صلاح البرية[145] فالشريعة هي التي تحدد الاطار القانوني للجماعة، وبدون القانون لا يستطيع المجتمع مِن الحياة ولا النمو.
فالمجتمعات تتكون من عنصرٍ إنساني تنتج عنه العلاقات الاجتماعية، ومِن عنصر قانوني تفرزه الشرائع والأعراف والعلاقات، ولا يبلغ المجتمع حالة السمو إلاّ عندما تحكمه الشريعة، لأنها قانون صادر عن الله سبحانه وتعالى.
المسؤولية: وجود الفرد في المجتمع يفرض عليه المسؤولية لأنّ العلاقة الاجتماعية هي مسؤولية بحدِ ذاتها، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): قوام الدنيا بأربع عالم يعملُ بعلمه وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم وغني يجود بماله على الفقراء، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا لم يعمل العالم بعلمه إستنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخلَ الغني بماله باع الفقير آخرته بدنياه[146].
فالمجتمع التي يرسمه الامام من خلال هذا النص هو مجتمع التكافل والمسؤولية، يحمل كل فرد فيه مسؤولية إعتبارية، فإذا ما قام كل فرد بأداء مسؤوليته فإنّ هذا المجتمع سيتقدم أشواطاً إلى الأمام، أما إذا لم يؤد ما عليه مِن مسؤولية فإنه سينتكس ويتراجع.
 

رابعاً: تصنيف المجتمعات:
يصنف الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) المجتمعات البشرية إلى قسمين: مجتمع الأخيار ومجتمع الأشرار.
مجتمع الأخيار:
من صفات هذا المجتمع ـ كما يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) ـ الاحسان غريزة الأخيار والإساءة غريزة الأشرار[147] فهذا المجتمع قائم على صفات ذاتية أصلية. يتصف افراده بهذه الصفات:
حسن الطاعة: بحسن الطاعة يُعرف الأخيار[148].
لين الكلام وإفشاء السلام: سنة الأخيار لين الكلام وإفشاء السلام[149].
الصدق والأمانة: الزم الصدق والأمانة فإنهما سجية الأبرار (الأخيار)[150].
الايثار، وهي علاقة مجسدة للروح الجماعية: الايثار سجية الأبرار وشيمة الأخيار[151].
فهؤلاء الاخيار الذين يبنون مجتمعاً مثالياً، وهو يستقبل أعضاءً جُدداً، يقول أميرالمؤمنين في حثه للناس على الالتحاق بركب الأخيار: خير الإختيار موادة الأخيار[152]. ويقول أيضاً: ثمرة العقل صحبة الأخيار[153]. ويقول أيضاً: صحبة الأخيار تكسب الخير[154]. ويقول: ليس لشيء أدعى لخيرٍ وأنجى من شرٍ من صحبة الأخيار[155]. ويقول: مِن أحسن الاختيار صحبة الأخيار[156].
مجتمع الأشرار:
صفات هذا المجمع كما ورد في كلمات امير المؤمنين(عليه السلام): الاحتكار شيمة الفجار (شيم الأشرار)[157].
من صفاتهم: الحقد من طبائع الأشرار[158].
ومن عادتهم: عادة الأشرار أذية الرفاق[159].
والأشرار لا يخافون مِن أحد حتى مِن الله سبحانه وتعالى: شرّ الأشرار مَن لا يستحي من الناس ولا يخاف الله سبحانه[160].
والاساءة هي رذيلة ذاتية متأصلة فيهم: والاساءة غريزة الأشرار[161].
فهؤلاء الأشرار يجب أن يفرَّ الناس منهم ولا يدنون منهم لأنّ مصادقتهم تجلب السقوط والهلاك: مصاحبة الأشرار توجب التلف[162].
وهم كالنار يحترق مَن يقترب إليها، يقول الامام: إياكَ ومعاشرة الأشرار فانهم كالنار مباشرتها تحرق[163].‏0
وعلى العكس؛ على الانسان أن يختار دائماً مجتمع الأخيار وينفر مِن الأشرار، يقول الامام: جانبوا الأشرار وجالسوا الأخيار[164].
فكان لابُدّ أولاً أن يميز بين الاشرار والأخيار: الاختبار معيار يُفرق بين الأخيار والأشرار[165]. لأنّ هناك مَن يحاول أن يزكي الاشرار ويظهرهم بمظهر الأخيار، ويقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أكبر الأوزار تزكية الأشرار[166]. فبعد الاختبار يختار المسلم المجتمع الطيب ويفضله على مجتمع الأشرار، يقول الامام: من حُسن الاختيار مقارنة الاخيار ومفارقة الاشرار[167]. أما الأشرار فلابُدّ مِن إعتزالهم والابتعاد عنهم: ينبغي لمن عرف الأشرار أن يعتزلهم[168]، ذلك لأنّ: مصاحبة الأشرار كراكب البحر، إن سَلِمَ مِنَ الغرق لم يسلم مِنَ الفَرَق[169]. فهو بين كماشتين، كماشة السقوط وكماشة الحزن.
 

خامساً: كيفية الانتماء إلى المجتمع الصالح:
خَطى المُسلم خطوات وطيدة لللحاق بركب الصالحين فقد اختبر مجتمعه فعرفه بالاختبار العملي ثم إختاره على المجتمع الضال، والآن كيف السبيل إلى اللحاق به.
الاقتداء بالمجتمع الصالح، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الزم أهل الحق واعمل عملهم[170].وتكرار عملهم ليس تقليداً أعمى، بل هو الانسجام التام مع أهل الحق يجعلهم يسلكون طريقهم في الحياة، لأنه الطريق الصائب.
مشاركة المجتمع الصالح: يقول الامام: شاركوا أهل الدنيا في دنياهم[171] وهي مشاركة الانسان العامل الذي يضع رأسماله إلى جانب رأسمال الآخرين ليسارعوا إلى العمل بجد وهمة، والمشاركة في الدنيا تعبير عن المشاركة في الأُمور الاقتصادية والعمرانية.
الضديّة مع الشر: يقول الامام: ضادوا الشر بالخير[172]. فقتل الشر في النفس يمكّنها مِن الاقتراب إلى دائرة الخير.
الأخذ بالصدق والامانة: لأنهما جواز سفر إلى المجتمع الطيب، يقول الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): إلزم الصدق والأمانة فإنهما سجية الأخيار[173].
الصبر وتحمّل الصعاب: يقول الامام اميرالمؤمنين(عليه السلام): إن صبرت أدركت بصبرك منازل الأبرار[174] لأن الانتماء إلى المجتمع الصالح بحاجة إلى ضريبة، على الانسان أن يدفعها، عليه أن يصبر على ضغط سلطان الشهوة، وعلى ضغط سلطان الزمان، وإذا أردنا أن نلخص الفكرة الاجتماعية نستطيع القول إنًَّ المجتمع الذي يطمح إليه الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) هو:
المجتمع المتزن، الذي يقوم على دعامة العدل.
المجتمع النشط الذي يعمل بدوافع المسؤولية.
المجتمع المفتوح الذي يستقبل في كل يوم جمعاً جديداً من المؤمنين.
المجتمع المقنن، الذي يستند إلى قانون الشريعة الاسلامية.
المجتمع الذي يحتضن أفراده ويمنحهم الفرص والأدوار.
المجتمع المتطور الذي لا يعرف التوقف في حياته.
وهذه هي الخصال الضرورية للتنظيم، فأيّ تنظيم إداري ينشأ في وسط هذا المجتمع سينمو سريعاً، ويترسخ بقوة لانه سيُقام على أعمدة إجتماعية متينة.

ـــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــ


[125] الغرر 4/356.
[126] الغرر 3/201.
[127] الغرر 3/210.
[128] الغرر 3/220.
[129] الغرر 5/224.
[130] الغرر 4/76.
[131] الغرر 1/394.
[132] الغرر 2/240.
[133] باب الخطب رقم 127.
[134] باب الخطب رقم 151.
[135] باب الخطب رقم66.
[136] الغرر 2/388.
[137] الغرر 1/350.
[138] الغرر 3/68.
[139] الغرر 6/427.
[140] الغرر 3/433.
[141] الغرر 1/350.
[142] الغرر 2/366.
[143] الغرر 1/203.
[144] الغرر 1/183.
[145] الغرر 1/183.
[146] الغرر 4/518.
[147] الغر 2/115.
[148] الغرر 3/536.
[149] الغرر 4/130.
[150] الغرر 2/187.
[151] الغرر 2/187.
[152] الغرر 3/426.
[153] الغرر 3/327.
[154] الغرر 4/202.
[155] الغرر 5/87.
[156] الغرر 6/21.
[157] الغرر 1/222.
[158] الغرر 2/163.
[159] الغرر 4/332.
[160] الغرر 6/126.
[161] الغرر 2/115.
[162] الغرر 6/126.
[163] الغرر 2/115.
[164] الغرر 3/362.
[165] الغرر 4/516.
[166] الغرر 2/392.
[167] الغرر 6/47.
[168] الغرر 6/443.
[169] الغرر 6/138.
[170] الغرر 2/366.
[171] الغرر 2/789.
[172] الغرر 4/231.
[173] الغرر 2/320.
[174] الغرر 3/4.