رابعاً: الصفة الهدفية:
الحياة لم تُخلق عبثاً، فهي لم تخلق بالصدفة ـ كما يذهب البعض ـ ولا خلقتها الطبيعة العمياء ـ كما يقول آخرون ـ ولم تخلق الدنيا نفسها ـ كما هو رأي البعض ـ بل خلقها خالق قدير متعال، عالم قادر رازق حكيم عادل، فمن الخطأ أن يعتقد المرء بأنّ لهذا الوجود خالق ثم يقول باللاهدفية، فأينما رميت ببصرك فثمة دليل قاطع على هدفية الكون والحياة، هذا ما يؤكده لنا القرآن الكريم والسُّنة النبوية وما أشار إليه أميرالمؤمنين(عليه السلام) في كلماته الرائعة، فتسلسل الفكرة يفرض علينا هذه الخطوات، وأن نسأل هذه الأسئلة.
 

أولاً: هل خلق الله هذا الكون عبثاً؟
 أم إنّ هناك هدفاً واضحاً من خلق الكون والسماوات والأرضين، فما هو جواب أميرالمؤمنين(عليه السلام) يقول الامام: ما خلق السموات والأرض ومابينهما باطلاً[175]. والعبث (اللاهدفية) هو صنف مِن أصناف الباطل لأنه إذا قلنا بالعبثية لواجهنا هذا السؤال، ما الفائدة إذن مِن الخلق هل ليلهو الخالق بخلقه؟!يضع الامام الجواب البيّن على هذا السؤال وغيره مِن التساؤلات: ما خلق الله سبحانه أمراً عبثاً فيلهو[176].
والبشر هو مِن هذا (الأمر) الذي لم يخلقه الله عبثاً. وهنا نصل إلى المحطة الثانية.
 

ثانياً: هل خلق الله البشر عبثاً؟
يُجيب اميرالمؤمنين(عليه السلام): لم يخلقكم الله سبحانه عبثاً ولم يترككم سُدىً[177].
وعندما يشاهد أمامه أُناساً يلهون في هذه الدنيا فيخاطبهم خطاباً صارماً: اهجر اللهو فإنك لم تُخلق عبثاً فتلهو، ولم تُترك سُدىً فتلغو[178].
فعندما يصنع الصانع آلة يُريد لآلته أن تعمل وفق الهدف المرسوم لها، لا أن تُرمى بعيداً بدون أن يستفاد منها. فالله الذي خلق الانسان أراد له أن يعمل وفق الهدف الذي وضعه له. وأن يكون في دائرة المسؤولية التي ألقاه فيها. فإذا وجده يلهو بغير الهدف المرسوم له، يغضب عليه لأنه عاكسه في اصل الخلقة وهو الهدف مِن خلقه. وهنا نصل إلى المحطة الثالثة وهي الهدف من خلق الانسان.
 

ثالثاً: ما هو الهدف من خلق الإنسان؟
يُجيب اميرالمؤمنين(عليه السلام): رضا الله سبحانه أقرب غاية تُدرك[179].إذن رضا الله سبحانه هو الهدف الكبير، والسؤال: كيف يتحقق رضا الله سبحانه وتعالى؟
لقد بعث الله الأنبياء والرُسل وأرسل الكُتب وبيَّن فيها ما يُريد وما لا يُريد، فالعمل بهذه الكُتب، وبما يقوله الانبياء هو تحقيق لمرضاة الله سبحانه وتعالى، يقول الامام في ذلك: إنَّ للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته وأخرجوا إلى الله مما إفترض عليكم مِن حقوقه[180].فالعمل بالاسلام هو ما يريده الله تبارك وتعالى، وغاية الاسلام هي إخراج الحقوق المفروضة على المسلم حقّ نفسه عليه، وحقّ الآخرين عليه، وحق الله عليه، وبذلك تتحقق الغاية الكبرى والهدف الأسمى مِن الخليقة.
إذن رضا الله هو الاطار العام للهدف الذي مِن أجله خلق الله الانسان، أما تفاصيل هذا الاطار فهو العمل بالاسلام بكل جزئياته وتفاصيله، فهو الطريق المعبّد إلى رضا الله وبالتالي هو الهدف مِن خلق الانسان في هذه الحياة.
وتبقى هناك قضية تمسُ حياة الانسان في كل صغيرة وكبيرة وهي: خَلَق الله الانسان وخَلَقَ معه الدنيا، فكم أخذ مِن الدنيا وكم يعطيها، وهل الدنيا لذاتها هدف للانسان أم إنها وسيلة لهدف آخر؟ الجواب على ذلك هو الخطوة الرابعة مِن بحثنا.
 

رابعاً: الدنيا وسيلة وليست هدفاً:
هناك خط رفيع يفصل بين عمل الدنيا الذي فيه رضا الله، وعمل الدنيا الذي ليس فيه رضا الله، والانسان الذي لا يستطيع أن يميز هذا الخط سينغمر في الدنيا وقد يغرق في مياهها، فكيف نستطيع ان نُميّز هذا الخط؟
هذا هو السؤال الشائك الذي قامت على جوابه المذاهب والفلسفات والأفكار والنظريات من قديم الزمان وحتى يومنا هذا.
فما هو جواب اميرالمؤمنين(عليه السلام) يقول الامام مخاطباً الانسان: إنك لم تُخلق للدنيا فازهد فيها وأعرض عنها[181].
وهذا لا يعني أن يترك الانسان الدنيا وشأنها بل معنى ذلك أنّ الدنيا ليست هدفاً فلابد أن يزهد فيها الانسان فلا يتعلق بها تعلق الحبيب بمحبوبه، بل يأخذ منها ما يكفيه، والذي يكفيه هو إشباع حاجاته الضرورية وهي ثلاثة:
أولاً: الحاجات الضرورية لبقائه في الحياة وهي الحاجة إلى الطعام والشراب والسكن.
ثانياً: الحاجات الضرورية لبقاء النوع، وهي الحاجة إلى الزواج وما يتعلق بها.
ثالثاً: الحاجات الاجتماعية كالحاجة إلى الاحترام والتقدير، فمن حق الانسان ان يأخذ مِن الدنيا ما يشبع هذه الحاجات، لكن ان لا يزيد عن ذلك، يقول الامام: إنَّ الدنيا دار منها لها الفناء، ولأهلها منها الجلاء، وهي حلوة خضرة قد عجلت للطالب والتبست بقلب الناظر، فارتحلوا عنها بأحسن ما يحضُرُكُمْ مِنَ الزّادِ ولا تسألوا فيها إلاّ الكَفافَ ولا تطْلبُوا مِنها أكثرَ مِنَ البَلاغِ[182].
فإذا لم نُخلق للدنيا فلأي شيء خُلقنا يا ترى؟
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): إنكم إنما خُلقتم للآخرة لا للدنيا، وللبقاء لا للفناء[183]. فإذا كان الأمر كذلك إذن: وما يصنع بالدنيا مَن خُلق للآخرة[184]. عليه أن يغتنم من الدنيا لآخرته: الأعمال في الدنيا تجارة الاخرة[185].
وهي تجارة رابحة، لأنها متاجرة بين شيء زائل وشيء باقٍ يقول الامام: الرابح مَن باع الدنيا بالآخرة[186].
فالدنيا ليست إلاّ ساحة سباق يتسابق فيها الناس إلى غاية اسمى يقول الامام: المؤمن الدنيا مضماره، والعمل همته والموت تحفته والجنة سبقته[187]. نص رائع يشتمل على قمم البلاغة.. إذن الدنيا ساحة سباق والهداية يأخذها عند الممات، أما الجائزة التي يسعى مِن أجلها فهي (الجنة).
هذا هو حال المؤمن أما حال الكافر: الكافر الدنيا جُنتُه، والعاجلة همته والموت شقاوته، والنار غايته[188].
صورتان متعاكستان؛ متسابقان أحدهما إتخذ الدنيا ساحة سباق أما الآخر فاتخذها هدفاً له، فإلى أين إنتهى المتسابقان أحدهما إلى الجنة، والآخر إلى النار. فالغاية إذن هي الجنة يقول اميرالمؤمنين(عليه السلام): غاية المؤمن الجنة[189].
 

خامساً: لمن الجنة؟
وصلنا إلى ان الهدف الذي خلق الله الانسان له هو الجنة، والجنة ليست المكان وحسب، بل هي متضمنة شروط الوصول إلى هذا المكان. وعندما يقول الامام اميرالمؤمنين(عليه السلام): غاية المؤمن الجنة يختصر كل شيء في هذا النص القصير، فالغاية هنا نقطة النهاية اي المكان الذي سينتهي إليه المؤمن، والغاية هنا أيضاً تحقيق الشروط التي توصل الانسان إلى تلك النقطة النهائية وشروط الوصول هو الايمان المتحقق في المؤمن.
فنحن إذن أمام نصٍّ يجمع بين البداية والنهاية، الايمان البداية والجنة هي النهاية، الايمان شرط للوصول، والجنة مكان وتمكين، فمن حصل على تلك الشروط فهو واصل إلى الجنة لا محالة. ويكرر الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) هذه الحقيقة قائلاً: الجنة جزاء كل مؤمن محسن[190].
إذن الايمان هو الطريق إلى الجنة، وأول خطوة في طريق الايمان هو الجهاد مع النفس، لأنه مَن لا يفرّغ قلبه من الشر لا يستطيع أن يملأه بالايمان، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): لا يجوز الجنة إلاّ من جاهد نفسه[191].
 

سادساً: مَن هو المؤمن؟
في هذه المحطة نصل إلى المؤمن، أو بعبارة أُخرى مَن ترجم الايمان في حياته يقول الامام: ثلاث مَن كنّ فيه كمل إيمانه: العقل والحلم والعلم[192]. فالمؤمن على درجات، لانّ العقل والحلم والعلم على درجات أيضاً، فإذا كملت هذه العناصر الثلاثة كَمُلَ إيمانه ايضاً، وعلى اساس هذه الدرجات تكون درجته في الجنة، فكلما إرتفعت درجة إيمانه إرتقى درجة في الجنة أيضاً.
إذن هدف الانسان في الحياة هو كسب الأُمور الثلاثة المذكورة: العقل والحلم والعلم، فكان لابُدَّ من التوقف عند كل واحدة منها.
1. العقل
للعقل مكانة مرموقة في فكر الامام علي(عليه السلام)، فهو جزء فاعل ومتفاعل في حياة الانسان، فالعقل عند الامام(عليه السلام) ليس ـ كما هو عند أصحاب النظريات الفلسفية المعقدة ـ فهو يُعرف مِن خلال آثاره وعبر نتائجه.
إذن ماهو العقل، وماهي فوائده، وماهو دوره في حياة الانسان، وكيف يمكن صيانته؟
سنلمُّ بهذه الاستفهامات الخمسة مِن خلال النصوص الواردة عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)
أ.ما هو العقل:
العقل عند أميرالمؤمنين(عليه السلام): هو السلطة التي تقود الانسان إلى الخير والسعادة. يقول الامام في ذلك: العقل إنك تقتصد فلا تسرف وتعِد فلا تُخلف وإذا غضبت حَلُمت[193] ويقول: إنما العقل التجنب مِن الاثم والنظر في العواقب والأخذ بالحزم[194] وهو أداة السلطة التي يستخدمها الانسان في مواجهة حالات الضعف والسقوط التي قد تعتريه، يقول الامام: العقل سلاح كل أمر[195].
وإذا ما دققنا في النصوص الأُخرى التي تحكي عن ماهية العقل نجد أنها تتفق على أنَّ العقل قوة وسلطة تساعد الانسان على نقله مِن دائرة الشر إلى دائرة الخير.
ب. فوائد العقل:
عندما يستخدم الانسان سُلطة العقل في توجيه حياته فإنه سيكسب كل خير، وسيتجنب كل شر، سيكسب الحياة وما فيها مِن خيرات وسيكسب التعالي في بناء شخصيته وما تتحلى به مِن فضائل.
من هنا: فإن ثمرة العقل: الاستقامة[196]. لزوم العقل[197] العمل للنجاة[198] مداراة الناس[199]، الصدق[200] قمع الهوى[201].
يقول الامام: مَن عقل... فَهِمَ[202]، عفّ[203]،إستقال[204]، سمح[205]، قنع[206]، صمت[207]، كثر إعتباره[208]،.. اعتبر بأمسه وإستظهر لنفسه[209]، يتعظ من غفلته[210].
ج. مَن هو العاقل:
عرفنا العقل وفائدته وقد آن الأوان لنعرف مَن هو العاقِل، يستخدم الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عبارة العاقل للدلالة على مَن استخدم عقله، وكأنَّ هذا العقل قد تسرب إلى أنحاء بدنه كما أن الدم ينتشر ويتسرب فيمنح الحياة لأعضاء بدن الانسان.
فالعقل هو الحاكم على أعضاء بدنه، بل كل خلية في كيانه تديره سلطة العقل، فهي خاضعة له خضوع طاعة واعية، مُنصاعة إليه لأنه سلطة تقوده إلى الخير والسعادة، لذا: يستدل على عقل الرجل بالتحلّي بالعفة والقناعة[211]... بما يجري على لسانه[212]... بكثرة وقاره[213].
فكل جوارحه وجوانحه وأعضائه منساقة منضبطة لسلطة العقل: فالعاقل لا ينخدع[214]... يضع نفسه[215]... من وعظته التجارب[216]... مَن أمات شهوته[217]... من صدق أقواله افعاله[218]... مَن وقف حيث عُرف[219]... مَن تورّع عن الذنوب [220]... إذا سكت فكّر وإذا نطق ذكر وإذا نظر إعتبر[221]... مَن وضع الأشياء مواضعها[222]...يجتهد في عمله[223]... لا يفرط به عنف[224]... مَن يملك نفسه إذا غضب وإذا رغب وإذا رهب[225]... مَن قمع هواه بعقله[226]. الفكرة التي تطرحها هذه النصوص هي: أنّ العقل قوة تعمل على تنظيم أجزاء الانسان بما تفرض مِن قواعد وضوابط، ومن ثمَّ هو المسؤول عن تفعيل هذه الأجزاء بطريقة متسقة، وينتج عن ذلك إنساناً متزناً منضبطاً تتحرك أجزاؤه وفق معايير وقواعد، وتكون الحركة بطبيعة الحال باتجاه أهداف خيرة.
د ـ صيانة العقل:
فإذا كان للعقل هذه الأهمية، فكيف يمكن صيانته والحفاظ عليه؟ يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): شرُّ آفات العقل الكبر[227] فالتكبر يعزل الناس عن المتكبر حتى لو كان عالماً عاقلاً، مِن هنا كان: جهاد النفس بالعلم عنوان العقل[228].ويقول الامام علي(عليه السلام) عن معاول العقل: سبب فساد العقل الهوى[229] وأيضاً: سبب فساد العقل حبّ الدنيا[230].
ويقول أيضاً: ذهاب العقل بين الهوى والشهوة[231].
فمنطقة الخطر التي تهدد العقل حدودها الهوى، فكلّما اتسعت هذه الدائرة إشتدّ خطرها، لذا كان لابُدّ مِن التحفّز الدائم لصيانة العقل مِن هذه المخاطر.
يقول الامام: ردع النفس عن زخارف الدنيا ثمرة العقل[232].
ويقول أيضاً: كسب العقل الاعتبار والاستظهار[233].
ويقول أيضاً: لا تصحبنّ من لا عقل له[234].
وأفضل وسيلة لصيانة العقل هو مجالسة الحكماء، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): مجالسة الحكماء حياة العقول وشفاء النفوس[235].
2. الحلم:
هدف آخر يسعى مِن أجله الانسان ليصبح متمكناً من نفسه من شهواته وغضبه، والحلم هو سلطة لأرغام النفس على إتخاذ حالة الاعتدال، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): إنما الحلمُ كظم الغيظ وملك النفس [236]. اما فائدته فتنعكس على سلوك الانسان فيضعه في مكانة مرموقة داخل المجتمع، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الحلم عشيرة[237] ومن ثمار الحلم الرفق ـ كما يقول الامام(عليه السلام) ـ وهذه الخصال ذات أثر واقعي على حياة البشر لأنها تفتح الطريق أمام التوسع في العلاقات الأخوية الصادقة. أضف إلى ذلك فإن الحلم يستر معايب الفرد إذا كانت فيه معايب، فسطوع هذه الفضيلة سيُغطي على العيوب، لذا كان الحلم غطاءٌ ساتر[238] يستر على جوانب ضعفه الذاتية التي لا دخل له فيها كالبُكم والصم. وحتى لو كانت فيه رذيلة فإن الحلم يستر عليها، ويخفف مِن آثارها.
أما كيف تصبح حليماً؟
يضع الامام اميرالمؤمنين أمامنا عدة طرق لكسب هذه الفضيلة، من هذه الطرق مجالسة الحلماء: جالس الحلماء تزد حلماً[239]. ويقول ايضاً: صاحب الحكماء وجالس الحلماء[240].
كما لابُدَّ مِن مكافحة الآفات التي تقف حجر عثرة أمام الحلم منها المذلة: آفة الحلم الذلّ[241]، لأن الذليل يفقد موازين القيم.
3. العلم:
هدف ثالث من أهداف الانسان في الحياة. فهو يتعلم مِن أجل أن يحيا حياةً أفضل، فبالعلم يستطيع الانسان أن يقود مسيرة حياته وأن يُحسن معيشته يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): إكتسبوا العلم يكسبكم الحياة[242]. والعلم عندما يقترن به العمل يتحوّل إلى حركة صحيحة في الحياة، يقول أميرالمؤمنين: العلم أصل كل خير[243]. ويقول أيضاً: العلم حياةٌ وشفاء[244]، العلم خيرُ دليل[245] فالعلم هو الوسيلة التي تنقل الانسان مِن الطريق المظلم إلى الطريق الواضح، وتمنحه القدرة على إدارة نفسه وتخليصها مِن الهفوات والنواقص، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): العلم يُنجِي مِن الارتباك في الحيرة[246] لأنه يضيء الطريق أمام البشر ويجعلهم متبصرين بأحكام الله وقادرين على تفهم الظروف المحيطة بهم، وما الذي يجب فعله، يقول اميرالمؤمنين: العلم يرشدك إلى ما أمرك الله به[247].
ولو تعمقنا في النصوص الواردة عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) لاستنتجنا ما يلي:
العلم لا يكون نافعاً إلاّ إذا اقترن بالعمل: علم بلا عمل كشجر بلا ثمر[248].
لا فائدة مِن العبادة بدون العلم: المتعبّد بغير علم كحمار الطاحونة[249].
تجارب الإنسان في الحياة، وهو نوع من العلوم: التجارب علم مستفاد[250].
وهناك علوم متنوعة، يجب تعلم الأفضل: خذوا من العلم أحسنه[251].
وهناك علوم تؤدي بمن تعلمها إلى الضلال يجب إجتنابها: رب علم أدى إلى مضلتك[252].
بالعلم يسعد الفقير والغني: العلم زين الأغنياء وغنى الفقراء[253].
وبالعلم يمتلك الانسان المقومات الاجتماعية: تعلموا العلم تُعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله[254].
من مظاهر العلم الخشية: أعظم الناس علماً أشدهم خوفاً لله سبحانه[255].
لابُدّ مِن أن يُعلِّم العالم الجاهل: المال تُنقصهُ النفقة والعلم يزكوا على الانفاق[256]. ويقول أيضاً: زكاة العلم نشره[257].
إذا اقترنت الزعامة بالعلم فستكون زعامة متميزة: سياسة النفس أفضل سياسة ورياسة العلم أشرف رياسة[258].
لابُدّّ من التعب والنصب مِن أجل تحصيل العلم: لا يُدرك العلم براحة الجسم[259]. هذا هو العنصر الثالث عنصر العلم الذي يجب على الانسان أن يسعى للحصول عليه.
 

وحدة الهدف بين العقل والحلم والعلم:
مِن الشروح السابقة للعقل والحلم والعلم تبين لنا وجود نسق مشترك بين هذه الأركان الثلاثة، فالعقل كما يقول الامام؛ مركب العلم، والعلم ـ كما يقول ـ مركب الحلم، وفي نص آخر: العقل أصل العلم وداعية الفهم[260].
ولا خير في عقل لا يُقارنه حلم[261].
والحلم هو تمام العقل[262].
ومع العقل يتوفر الحلم[263].
والعلم مصباح العقل[264].
والعلم قائد الحلم[265].
فالعقل يؤدي إلى العلم وهما معاً يؤديان إلى الحلم. وهذه هي الصفات الأساسية للشخصية المتكاملة التي يسعى من أجلها كل إنسان. وهي بالتالي صفات يجب توفرها في المدير المناسب القادر على إدارة دفة الأُمور.
فالعقل والحلم والعلم هي شروط يجب توفرها في المدير الجيد القادر على الادارة فسلطة العقل تمتد في آثارها منعكسة على الادارة، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أول شيء يدل على غزارة العقل حسن التدبير[266]. لأنّ بالعقل يتمكن الانسان العاقل أن يُدير الناس أفضل إدارة. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): عنوان العقل مداراة الناس[267]. ومداراة الناس هي إحدى أركان الادارة الجيدة، وهي معرفة ما يرضيهم وما يزيدهم من فاعليتهم في الحياة.
أما شرط الحلم في المدير، فنذكر هنا ما ورد في عهد أميرالمؤمنين إلى مالك الأشتر وهو يذكره بشروط تنصيب القادة العسكرييين فيقول له: فولِّ مِن جنودك.. وأفضلهم حلماً[268]. أما العلم فهو أحد أركان الادارة والقيادة عند الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): رياسة العلم أشرف رياسة[269].
فالادارة ليست فناً وحسب، بل هي علم أيضاً.
من هنا كان الهدف تنمية قدرات الانسان ليستطيع من تحمُّل المسؤولية وإدارة دفة الأُمور.
 

خلاصة البحث:
مما سبق تبين لنا أن الادارة عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) ليست فعلاً ميكانيكياً بل هي مجموعة صفات وخصال تمتزج فيما بينها للحصول على المدير الجيد والإدارة الجيدة، وهذه الصفات هي التنظيم، فلا إدارة بدون تنظيم ونظام، فإذا حلَّ نقص التنظيم حلّت محله الفوضى.
والصفة الثانية: الانسانية بمعنى ان الذي يتحرك ويفعّل الادارة هو الانسان وليس الآلة، فكان لابُد من معرفة الانسان والتعريف على نقاط قوته ونقاط ضعفه، فالادارة الجيدة هي التي تحاول أن تستثمر نقاط القوة في أعضائها وتعالج نقاط الضعف فيهم.
أما الصفة الثالثة: فهي الحالة الاجتماعية، أي أن الادارة تشكل بمجموعها مجتمعاً منظماً تنشأ فيه العلاقات الانسانية وتنمو فيه الروح الجماعية. وعندما تتحرك هذه الادارة كأنما المجتمع بأسره قد تحرك وهذه النظرة تخالف أولئك الذين ينظرون إلى الادارة وكأنها متكونة مِن أجزاء بشرية متناثرة لا يربطها رابط سوى القوانين الصارمة، كما هي البير وقراطية والتِلرية العلمية.
أما الصفة الرابعة: فهي الهدفية، فلابد أن يكون للإدارة هدفاً وأن يكون هذا الهدف منسجماً مع أهداف الانسان في الحياة، وبالتالي يجب أن تكون هذه الأهداف منصبة في بناء الإدارة القوية، وهنا نجد أنفسنا أمام دائرة متكاملة شاملة وهي المعبرة عن الفضائل الانسانية والساعية أيضاً إلى تحقيقها في الحياة.

***

المصادر:
القرآن الكريم.
نهج البلاغة.
غرر الحكم ودرر الكلم/ الآمدي.
المفردات/ الراغب.
 

ـــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــ


[175] الغرر 2/613.
[176] الغرر 6/80.
[177] الغرر 5/103.
[178] الغرر 2/222.
[179] الغرر 4/91.
[180] الغرر 3/535.
[181] الغرر 3/57.
[182] الغرر 2/660.
[183] الغرر 3/66.
[184] الغرر 1/233.
[185] الغرر 1/345
[186] الغرر 2/70.
[187] الغرر 2/87.
[188] الغرر 2/88.
[189] الغرر 4/370.
[190] الغرر 1/383.
[191] الغرر 5/65.
[192] الغرر 3/335.
[193] الغرر 2/145.
[194] الغرر 3/84.
[195] الغرر 1/210.
[196] الغرر 3/322.
[197] الغرر 3/320.
[198] الغرر 3/329.
[199] الغرر 3/329.
[200] الغرر 3/333.
[201] الغرر 3/334.
[202] الغرر 5/135.ذ
[203] الغرر 5/135.
[204] الغرر 5/140.
[205] الغرر 5/145.
[206] الغرر 5/150.
[207] الغرر 5/154.
[208] الغرر 5/258.
[209] الغرر 5/359.
[210] الغرر 5/397.
[211] الغرر 6/448.
[212] الغرر 6/448.
[213] الغرر 6/453.
[214] الغرر 1/116.
[215] الغرر 1/178.
[216] الغرر 1/312.
[217] الغرر 1/313.
[218] الغرر 1/365.
[219] الغرر 1/366.
[220] الغرر 2/36.
[221] الغرر 2/55.
[222] الغرر 2/79.
[223] الغرر 2/92.
[224] الغرر 2/107.
[225] الغر 2/111.
[226] الغرر 2/162.
[227] الغرر 4/178.
[228] الغرر 3/368.
[229] الغرر 4/121.
[230] الغرر 4/125.
[231] الغرر 4/32.
[232] الغرر 4/88.
[233] الغرر 4/627.
[234] الغرر 6/262.
[235] الغرر 6/151.
[236] الغرر 3/74.
[237] قصار الكلمات رقم 418.
[238] قصار الكلمات رقم 424.
[239] الغرر 3/357.
[240] الغرر 4/326.
[241] الغرر 3/16.
[242] الغرر 2/240.
[243] الغرر 1/205.
[244] الغرر 1/182.
[245] الغرر 1/156.
[246] الغرر 2/34.
[247] الغرر 2/60.
[248] الغرر 4/350.
[249] الغرر 2/125.
[250] الغرر 1/260.
[251] الغر 3/458.
[252] الغرر ق/76.
[253] الغرر 1/394.
[254] الغرر 3/297.
[255] الغرر 2/428.
[256] الغرر 2/116.
[257] الغرر 4/104.
[258] الغرر 4/135.
[259] الغرر 6/387.
[260] الغرر 2/91.
[261] الغرر 6/396.
[262] الغرر 1/264.
[263] الغرر 6/121.
[264] الغرر 1/144.
[265] الغرر 1/211.
[266] الغرر 2/429.
[267] الغرر 4/310.
[268] باب الرسائل، رقم 53.
[269] الغرر 4/135.