بسم الله الرحمن الرحيم

1 – المقومات البنائية لشخصية الإمام عليّ

هو عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، فهو أول هاشمي يولد من أبوين هاشميين إذ كان بنو هاشم قد تعودوا أن يصهروا إلى أسر أخرى من قريش قبل أن يتزوج أبو طالب من بنت عمه فاطمة بنت أسد(1).

وروت فاطمة أنها أثناء حملها قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعمه أبي طالب: ان كانت حاملاً أنثى فزوجنيها، فلما وضعت في الكعبة جعلت حملها في غشاوة فأمر أبو طالب ألا تفتح حتى يأتي محمّد فيأخذ حقه فلما جاء محمّد وفتح الغشاوة أخرج منها غلاماً حسناً فشاله بيده وسماه علياً وأصلح أمره ثم انه لقمه لسانه فما زال يمصه حتى نام(2).

هكذا فتح عليّ بن أبي طالب عينيه أول ما فتحهما على ابن عمه محمّد الذي أصبح فيما بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام ... منه تعلم أولى الكلمات وأولى الخطوات.

وعندما أصابت قريشاً أزمة عنيفة كانت أشد وطأة على أبي طالب لكثرة عياله فاقترح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على عمه العباس الذي كان أيسر بني هاشم ان يتكفلا اثنين من عياله فكان نصيب محمّد علياً، فلم يزل عليّ معه حتى بعثه الله عزّوجلّ رسولاً نبياً فاتبعه عليّ رضي الله عنه وآمن به وصدقه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حضرت الصلاة – وهي التعبد قبل أن تفرض الصلاة ليلة الاسراء – خرج إلى شعاب مكة وخرج معه عليّ بن أبي طالب فيصليان فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا(3).

نشأ عليّ بن أبي طالب اذن في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفارقه حتى اختاره الله إلى جواره وفي هذا يقول عليّ لقومه : (تعلمون موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره، ويكنفني فراشه ويمسني جسده ويشمني عرقه وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلا في فعل وكنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بهذا الاقتداء) (4).

وقد بلغ من عمق تأثير عليّ بن أبي طالب على الناس انه اشترى عبداً فعلمه الإسلام وأعتقه ولكن العبد لزمه حتى إذا مات النجاشي ملك الحبشة واضطربت الأمور من بعده اكتشف الملأ من الحبشة ان هذا العبد هو ابن للنجاشي قد خطفه تجار الرقيق وهو غلام وباعوه في مكة فجاءه الملأ من الحبشة يعرضون عليه ملك الحبشة خلفاً لأبيه النجاشي لكنه رفض الملك وأثر البقاء على الإسلام في صحبة عليّ(5).

وربما صح من أوصاف عليّ في طفولته انه كان طفلاً مبكر النماء، سابقاً لأنداده في الفهم والقدرة لأنه أدرك في السادسة أو السابعة من عمره شيئاً من الدعوة النبوية التي يدق فهمها والتنبه لها على من كان في هذه السن الباكرة فكانت له مزايا التبكير في النماء كما كانت له أعباؤه ومتاعبه التي تلازم أكثر المبكرين ، ولا سيما المولودين منهم في شيخوخة الآباء(6).

وتدل أخباره – كما تدل صفاته – على قوة جسدية بالغة في المكانة والصلابة على العوارض والآفات فربما رفع الفارس بيده فجلد به الأرض غير جاهد ولا حافل ولا يمسك بذراع الرجل فكأنه أمسك بنفسه فلا يستطيع أن يتنفس واشتهر عنه أنه لم يصارع أحداً إلاّ صرعه ولم يبارز أحداً إلاّ قتله وقد يزحزح الحجر الضخم لا يزحزحه رجال ويحمل الباب الكبيريعيى بقلبه الأشداء ويصيح الصيحة فتخلع لها قلوب الشجعان(7).

وكانت شجاعته من الشجاعات النادرة التي يشرف بها من يصيب بها ومن يصاب ويزيدها تشريفاً أنها ازدانت بأجمل الصفات التي تزين شجاعة الشجعان الأقوياء فلا يعرف الناس حلية للشجاعة أجمل من تلك الصفات التي طبع عليها عليّ بغير كلفة ولا مجاهدة رأي وهي التورع عن البغي والمروءة مع الخصم قوياً أو ضعيفاً على السواء وسلامة الصدر من الضغن على العدو بعد الفراغ من القتال(8).

وتقترن بالشجاعة – ولا سيما شجاعة الفرسان المقاتلين بأيديهم – صفة لازمة لها متممة لعملها قلما تنفصل عنها وكأنها والشجاعة أشبه شيء بالنصح للماء أو بالاشعاع للنور فلا تكون شجاعة الفروسية إلاّ كانت معها تلك الصفة التي نير إليها وهي صفة الثقة أو الاعتزاز فهي من شجاعة الفارس المقاتل(9).

كان ملاك الأمر في أخلاق عليّ عليه السلام انه كان لا يتكلف اظهار شيء ولا يتكلف اخفاء شيء ولا يقبل التكلف حتى من مادحيه وكانت قلة التكلف هذه توافق منه خليقته الكبرى من الشجاعة والبأس والامتلاء بالثقة والمنعة، وكانت تسلك معه مسلك الحقيقة والمجاز على السواء كأنه يعني ما يصنع وهو لا يعنيه وإنما يجيء منه على البديهة كما تجيء الأشياء من معادنها(10). بل كانت قلة التكلف هذه توافق منه خليقة أخرى هي قرينة للشجاعة في نفس الفارس النبيل وقلما تفارقها ونعني بها خليقة الصدق الصراح الذي يجتريء به الرجل على الضر والبلاء كما يجتريء به على المنفعة والنعماء فما استطاع أحد قط أن يحصى عليه كلمة خالف بها الحق الصراح في سلمه وحربه وبين صحبه أو بين أعدائه ولعله كان أحوج إلى المصانعة بين النصراء مما كان بين الأعداء لأنهم أرهقوه باللجاجة وأعنتوه بالخلاف فما عدا معهم قول الصدق في شدة ولا رخاء حتى قال فيه أقرب الناس إليه انه رجل يعرف من الحرب شجاعتها ولكنه لا يعرف خدعتها وكان أبدا عند قوله: (علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك والاّ يكون في حديثك فضل على علمك وأن تتقي الله في حديث غيرك) (11).

وكان زواج عليّ من فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علامة ما بعدها علامة تؤكد ميزة تاريخية تربوية اختص بها الإمام العظيم وقد تعددت روايات الزواج لكننا نستطيع رغم هذا أن نعمل العقل لنرجح أي الروايات أقرب إلى المعقول فمن المعقول مثلاً ان يؤثر النبي علياً بفاطمة وهما ربيبان في بيئة واحدة ومن المعقول أن يؤثر زواجها من عليّ على مشاركتها في بيت أبي بكر وعمر لزوجات الشيخين ومن المعقول أن يتردد عليّ لخطبتها لفقره ولا يخالف المعقول ولا المألوف أن يقدم بعد تردد لشعوره بأنه مخصوص بها وانه ينبغي عليه أن يقطع الشك باليقين ويعمل من عنده ما لابدّ من عمله ولا يخالف المعقول ولا المألوف كذلك أن يتأخر الزواج إلى ما بعد الهجرة، لأن حياة المسلمين في مكة – قبل الهجرة إلى المدينة – لم تكن حياة أمن ولا استقرار ولم يكن من النادر أن يهاجر المسلمون بزوجاتهم إلى بلد بعيد كالحبشة كلما ملكوا وسائل الهجرة فمن كان متزوجاً قبل اشتداد العنت على المسلمين فلا حيلة له في الزواج ومن لم يكن فليس أخلق به من أرجاء الزواج إلى حين(12).

ولما انتظمت الحياة في السكن الجديد الذي أوى إلى ظل النبي على مثال من حياة النبي في بيته ما لبث البيت الصغير أن سعد بالذرية وقد رزق الأبوان الفقيران نصيباً صالحاً من البنين والبنات الحسن والحسين ومحسن وزينب وأم كلثوم(13).

وكان أسعد ما يسعدان به عطف الأب الأكبر الذي كان يواليهم به جميعاً ولا يصرفه عنه شاغل من شواغله الجسام في محتدم الدعوة والجهاد، وقد أوشكت كل كلمة قالها في تدليل كل وليد أو الترحيب به أن تصبح تاريخاً محفوظاً في الصدور والأوراق وكان يدلل الطفل منهم ويستدرجه فربما شوهد وهو يعلو بقدمه الصغيرة حتى يبلغ بها صدر النبي والنبي يرقصه ويستأنسه ويدعب صغره وقصره بكلمات حفظها الأبوان ولم يلبث أن حفظها المشرقان وربما شوهد النبي عليه الصلاة والسلام ساجداً وطفل من هؤلاء الأطفال راكب على كتفيه فيتأنى في صلاته ويطيل السجدة لكيلا يزحزحه عن مركبه بل وربما كان على المنبر فيقبل الحسن والحسين يمشيان ويتعثران فيسبقه حنانه إليهما وينزل من المنبر ليحملهما وهو يقول(14): (صدق الله العظيم) إنما أموالكم وأولادكم فتنة.

وإذا كانت المواجهة بين عليّ عليه السلام ونسله وبين معاوية ونسله قد كان ما كان لها من أثر على حركة التاريخ الإسلامي، فلابد أن يستتبع ذلك آثار عدة على التاريخ التربوي مما يدفعنا إلى الإشارة إلى بعض النظرات في موازنة بين الأثنين كوسيطين تربويين فالهاشميون من ارومة واحدة مع الأمويين ترتفع إلى عبد مناف ثم إلى قريش في أصلها الأصيل ولكن الأسرتين تختلفان في الأخلاق والأمزجة وان اتحدتا في الارومة فبنو هاشم في الأغلب الأعم مثاليون أريحيون ولا سيما أبناء فاطمة الزهراء، وبنو أمية في الأغلب عمليون نفعيون ولا سيما الاصلاء منهم في عبد شمس من الآباء والأمهات(15). ذلك ان بني هاشم كانوا يعملون في الرئاسة الدينية وبنو عبد شمس يعملون في التجارة أو الرئاسة السياسية وهما ما هما في الجاهلية من الربا والمماكسة والغبن والتطفيف والتزييف فلا عجب أن يختلفا هذا الاختلاف بين أخلاق الصراحة وأخلاق المساومة وبين وسائل الإيمان ووسائل الحيلة على النجاح(16).

وقد تنافس هاشم وأمية على الزعامة قبل أن يولد معاوية فخرج أمية ناقماً إلى الشام وبقى هاشم منفردا بزامة بني عبد مناف في مكة ثم علا نجم أبي سفيان بن حرب بن أمية في الحجاز فأصبحت له زعامة مرموقة إلى جانب الزعامة الهاشمية فلما ظهرت الدعوة المحمدية أخذته الغيرة على زعامته فكان في طليعة المحاربين للدعوة الجديدة(17).

وكان أمير المؤمنين عليّ عليه السلام كما يخبرنا هو يوجه عناية فائقة إلى التاريخ عناية جعلت من التاريخ عنصراً بارزاً فيما وصل إلينا من كلامه في مختلف الموضوعات التي كانت تثير اهتمامه وعناية الإمام بالتاريخ ليست عناية القاص والباحث عن القصص كما انها ليست عناية السياسي الباحث عن الحيل السياسية وأساليب التمويه التي يعالج بها تذمر الشعب وإنما هي عناية رجل الرسالة والعقيدة والقائد الحضاري والمفكر المستقبلي(18).

والإمام ليس مؤرخاً ولذا فليس من المتوقع أن نجد عنده نظرة المؤرخ وأسلوبه في سرد الوقائع وتحليلها والحكم عليها وإنما هو رجل دولة حاكم ورجل عقيدة ورسالة وهبها كل حياته فهو يتعامل مع التاريخ باعتباره حركة تكوّن شخصية الإنسان الحاضرة والمستقبلة لذا فهي تشغل حيزاً هاماً وعلى درجة كبيرة من الخطورة في عملية التربية والتحرك السياسي وهذا ما يجعل منه رجل رسالة وحاكماً كالإمام عليّ حريصاً على أن يدخل في وعي أمته التي يحمل مسؤولية قيادتها نظرة إلى التاريخ تجعله قوة بانية لا مخربة ولا محرّفة(19).

كان رجل رسالة هي الإسلام رسالة استوعبت الحياة كلها تنظيماً وتشريعاً ومناهج وهي رسالة ذات طابع عالمي ممتد في الزمان إلى آخر الزمان أراد الله تعالى لها أن تكون ديناً للإنسان كل إنسان تقوده نحو التكامل الذي يحقق له التوازن والتسامي.

وهي رسالة تقوم على العلم والمعرفة وترفض الجهل لأنه يتيح لأعدائها أن يتسللوا في ظلماته إلى قلوب أتباعها المؤمنين بها وعقولهم فيشوهون ويحرفون عقائدها وشرائعها ومناهجها ويظللون بعد ذلك اتباعها المؤمنين بها وذلك حين يلبسون لهم الحق بالباطل والصواب بالخطأ(20).

ومن هنا كان من أكبر هموم رجل الرسالة الاستعداد الدائم في هذا المجال لأجل أن يجعل المسلمين على معرفة كاملة بالإسلام وفي حالة وعي متجدد وتام لحقيقة الإسلام وجهره ومناهجه وغاياته ليكون المسلم المستنير بالمعرفة في حصانة من الحيرة والتضليل، على بينة من أمره، وليكون الإسلام بمنجاة من التشويه والتحريف، ويكون كل مسلم مستنير ديدبانا على دينه الذي هو معنى وجوده وشرف وجوده ومن هنا كان عليّ عليه السلام في حركة تعليمية دائمة لمجتمعه وخواص أصحابه الذين كانوا علماء ينشرون علمهم ووعيهم بين الناس بالحديث والخطابة وجلقات الدرس والتعليم(21).

والإمام كمربي أمة قد فكر في المجتمعات التي حكمها وفكر في أفضل الطرق والوسائل التي تنمي حياتها الاجتماعية وترتفع بها إلى ذروة من الرفاهية والوفرة والأمن مع ملاحظة انها تدين بالإسلام وان شؤون اقتصادها وحربها وسلمها وعلائقها الإجتماعية تخضع لقوانين الإسلام وأنها يجب أن تأخذ سبيلها إلى النمو في اطار إسلامي بحت وقد هداه تفكيره الى نتائج باهرة في التنظيم الإجتماعي فالحكم وضرورته والنزعة القبلية وعقابيلها وشغب الغوغاء ونتائجه ودعامات المجتمع ومقوماته والطبقات الإجتماعية وآليتها كل ذلك خصه الإمام بمزيد من البحث والتفكير وطبق النتائج التي اهتدى إليها على المجتمعات الإسلامية ولولا ان أعداءه شغلوه على أن يفرغ لمهام العمل السلمي لكسب التاريخ الحضاري للمسلمين مكاسب رائعة(22).

وإذا كان الإسلام قد جعل الفضيلة هي مصدر القيمة الإجتماعية وأراد اتباعه أن يحملوا أنفسهم على هذا المركب صوناً للمجتمع من أخطار التفاوت الطبقي فإنه لم يغفل أمر الواقع النفسي للإنسان ولذلك لم يكل أمر تحقيق القيمة العليا إلى الإنسان وحده وإنما جعل لها سنداً من القانون ليكون لها من القوة ما يحمل الأغنياء الأقوياء وغير الأغنياء على

التمسك بها(23) فشرع الله تعالى أحكاماً تحول دون تكوّن الثروات بطريق غير عادل وغير مشروع – وتحول بين أصحاب الثروات بعد أن تتكون لديهم الثروة بطريق مشروع وبين أن يستخدموها في استغلال الآخرين.

ولقد وعى الإمام ان الإنسان الجائع المستغل المحروم المصفد بالأغلال لا يستطيع أن يكون فاضلاً وان من اللغو أن يوعظ بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، وأن أنساناً كهذا ينقلب كافراً، كافراً بالقيم والفضائل والإنسان . ووعى ان المجتمع القائم على سيادة فريق وعبودية فريق، وعلى استغلال الأسياد العبيد والأحرار للمصفدين بالأغلال مجتمع لا يمكن أن توجد فيه فضيلة ولا يمكن أن يوجد فيه فضلاء انه ليس إلاّ مجتمع لصوص ومجرمين وعبيد تسير أفراده الأحقاد والمكر والاستغلال.

على أساس من هذا الوعي جعل الإمام الإصلاح الاقتصادي أساساً للإصلاح الإجتماعي(24).

 

 2 – التربية: أهمية ومفهوماً ووظيفةً ومجالاً:

أهمية العمل التربوي:

إذا كان الإيمان بالله يضع يدنا على معرفة المصدر الأول الذي صدر عنه الكون، والإيمان باليوم الآخر يحقق المعرفة بمصير الوجود ويضع أيدينا على النهاية التي ينتهي إليها الكون إلاّ ان الإيمان وحده لا يكفي لتحقيق الارتباط بالله سبحانه بصيغته الصالحة، لأنّ ذلك يرتبط بطريقة في الحقيقة بطريقة اشباع فطرة الإيمان وأسلوب الأستفادة منها كما هي الحال في كل طاقات الإنسان وقواه واستعداداته الفطرية فإن التصرف السليم في اشباعها هو الذي يحقق المصلحة النهائية للإنسان كما ان السلوك وفقاً للفطرة أو ضدها هو الذي ينمي تلك الفطرة ويعمقها أو يضمرها ويخنقها فبذور الرحمة والشفقة تموت في نفس الإنسان من خلال سلوك سلبي وتنمو في نفسه من خلال التعاطف العلمي المستمر مع البائسين والمظلومين والفقراء، ومن هنا كان لابدّ للإيمان بالله والشعور العميق بالتطلع نحو الغيب والانشداد إلى المطلق من توجيه يحدد طريقة اشباع هذا الشعور ومن سلوك عملي يعمقه يرسخه ويعمقه على نحو يتناسب مع سائر المشاعر الأصلية في الإنسان وبدون توجيه قد ينقلب هذا الشعور ويمني بألوان الانحراف كما وقع ذلك بالنسبة إلى الشعور الديني غير الموجه في أكثر مراحل التاريخ وبدون سلوك موجه ومعمق قد يزول هذا الشعور ولا يعود الارتباط حقيقة فاعلة في حياة الإنسان وقادرة على تفجير طاقاته وإمكاناته الصالحة(25)، ومن هنا تأتي أهمية العمل التربوي في رسالة الإمام عليّ.

وقد أثر عن الإمام أحاديث عدة في فضل العلم وقيمته منها على سبيل المثال قوله لتلميذه كميل بن زياد: يا كميل احفظ عني ما أقول لك، الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الأنفاق. يا كميل محبة العالم دين يدان به تكسبه الطاعة في حياته وجميل الاحدوثة بعد وفاته فمنفعة المال تزول بزواله يا كميل مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة(26). وقال كذلك: الجاهل صغير وإن كان شيخاً والعالم كبير وإن كان حدثاً. وقال: لا كنز أنفع من العلم. وأيضاً: لا علم كالتفكير ولا شرف كالعلم(27). وقوله: كفى بالعلم شرفاً انه يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه من ليس من أهله وكفى بالجهل خمولاً انه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه(28).

ولم يقتصر حث الإمام على طلب العلم والتفقه في الدين على فئة دون فئة بل شمل جميع المسلمين يقول الإمام: أيها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم والعمل به وان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال أن المال مقسوم بينكم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وضمنه سيفي لكم به، والعلم مخزون عليكم عند أهله قد أمرتم بطلبه منهم فاطلبوه واعلموا ان كثرة المال مفسدة للدين مقساة للقلوب وان كثرة العلم والعمل به مصلحة للدين سبب إلى الجنة والنفقات تنقص المال والعلم يزكو على انفاقه. قال ابن عبد البر: ان قول عليّ بن أبي طالب: قيمة كل امرئ ما يحسنه، لم يسبقه إليه أحد قال: وقالوا: ليس كلمة أحض على طلب العلم منها وقد طار له الناس كل مطير ونظمه جماعة من الشعراء اعجاباً به وكلفاً بحسنه(29).

وقد عبّر الإمام عليّ عن ان العمل التربوي وطلب العلم إنما هو وسيلة لخير الإنسان نفسه ومن أجل صالح البشرية مما ينحى جانباً القول بأن طلب العلم إنما يكون للعلم نفسه يقول في ذلك عليه السلام: فالله سبحانه قبل أن يخلق الإنسان خلق الكون ورتبه أحسن ترتيب ونظمه أجمل تنظيم ومهد الأرض وأتم مرافقها على أكمل الوجوه فخلق فيها الهواء الطلق ، وأجرى فيها العيون والأنهار وأعد أنواع الأطعمة والأشربة ومن كل الثمرات وأنبت فيها النبات والزهو مختلفا ألوانه. وبعد أن أتمها وجمع فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين أخرج إليها الإنسان وأسكنه فيها على أن يكون خليفته في أرضه يحيا في كنفها ويعيش في خيراتها ويمضي في أقواله وأفعاله ونواياه ومقاصده وفق أحكام الله سبحانه وإرادته.. (30).

واستناداً إلى هذه الثقة بخير الوجود وعدله وإلى عظمة الحياة والاحياء يخاطب عليّ بن أبي طالب الأجيال بما يوقظهم على ان الحياة حرة لا تطيق من القيود إلاّ ما كان سبباً في مجراها وواسطة لبقائها وقبساً من ضيائها وناموساً من نواميسها.

 

معنى التربية:

عندما نفتش فيما بين أيدينا من النصوص فإنها قد لا تسعفنا بطريق مباشر في أن نجد شرحاً بالصورة التي نأمل فيها ونتوقعها لكننا نستطيع بعمليات استدلال واستنباط ان نجد عدداً غير هين من النصوص التي تتضمن بعض الدلالات والمعاني التي من شأنها في المجموع العام أن تشير إلى مفهوم يقرب العملية التربوية من ذلك المعنى الذي يجعلها عملية تنمية الشخصية الإنسانية في جوانبها المختلفة فمن ذلك قول الإمام: فإنك أول ما خلقت جاهلاً ثم علمت وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك(31).

فخلو الإنسان من المعارف حال ولادته يفيد معنى الاكتساب بمرور الخيرات والأحداث عبر حياة الإنسان وان هذا الاكتساب لا يجيء سهلاً هينا وإنما يقتضي عمليات مجاهدة وبحث حيث أن الحقيقية لا تستبان لأول وهلة.

والتربية عملية إنسانية بالدرجة الأولى حيث خلق الله الإنسان قادراً على التعلم قابلاً له بحكم ما في فطرته من مرونة وقدرة على التكيف فقد جاء عن الإمام قوله: إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقى فيها من شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك(32). وقد تناول الإمام جعفر الصادق هذا المعنى بالشرح والتحليل فكان مما قاله: فصار – أي الطفل – يخرج إلى الدنيا غبياً غافلاً عما فيه أهله فيلقي الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلاً قليلاً وشيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال حتى يألف الأشياء ويتمرن ويستمر عليها فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطرار إلى المعاش بعقله وحيلته وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية. ويعلل الإمام الصادق ذلك بقوله: فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلاً بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم(33).

وقد أبان الإمام عليّ عليه السلام ركيزتين أساسيتين لا قيام للتربية بدونهما ألا وهما ما أسميناه بمرونة الفطرة الإنسانية وكذلك الميل الفطري لدى الإنسان إلى التقليد يقول: يا بني أني لما رأيتني قد بلغت سناً ورأيتني أزداد وهنا، أردت بوصيتي إياك خصاً لا منهن أني خفت أن يعجل بي أجلي قبل أن أفضي إليك بما في نفسي وأن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور، ومن هنا بدأ بتربيته التربية الصاحة ليوفر له أسس الشخصية السوية لتستقبل بجد رأيك ما قد كفاك أهل التجارب بغيبة وتجربة فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة(34).

فقد أكد الإمام عليّ أهمية الركيزتين بتعبيره البليغ عن التقليد قوله: فتكون قد كفيت مؤونة الطلب ويعني بذلك أنه سيسأله أو سيسأل غيره حتماً في هذه الأمور فلذلك بادره هو قبل أن يبادر إليه غيره وتعبيره عن مرونة الطفل اليافع قوله: أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور فإن قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها شيء قبلته مشيراً بذلك إلى فترة النضوج ومرحلة التكامل الإنساني(35).

والتربية لابدّ لها من أساس عقيدي ونبع تغترف منه ما يعين المربين على سلوك الطريق المستقيم ومصدر تهتدي بما فيه لتحدد أهدافها وتعين وسائل الوصول إلى هذه الأهداف ومختلف البدائل التي تخطط لها في سبيل ذلك وغنى عن البيان ان هذا الأساس العقيدي وذلك النبع الفياض والمصدر الملهم قائم في كتاب الله عز وجل كتاب ربكم فيكم مبيناً حلاله وحرامه وفرائضه وفضائله وناسخه ومنسوخه ورخصه وعزائمه وخاصه وعامه وعبره وأمثاله ومرسله ومحدوده ومحكمه ومتشابهه مفسراً مجمله ومبيناً غوامضه بين مأخوذ ميثاق في عمله وموسع على العباد جهله وبين مثبت في الكتاب ومعلوم في السنة نسخة وواجب في السنة أخذه ومرخص في الكتاب تركه وبين واجب بوقته وزائل في مستقبله ومباين بين محارمه من كبير أوعد عليه نيرانه أو صغير أرصد له غفرانه وبين مقبول في أدناه موسع في أقصاه(36).

فليس كتاب الله فقط هو الأساس الذي تستند إليه عملية التربية في الإسلام كما يرى الإما وإنما هناك كذلك سنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وإذا كان القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة يشكلا نبع التبرية فإن خبرة الحياة وحركة الدنيا مصدر هام لابدّ من حسن التعامل معه لتكتمل العملية التربية فوفقا لسلوك المتعلم فيها وما يمر به من أحداث تكون حياته أن خيراً فخيراً وان شراً فشراً , ان الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غني لمن تزود منها ودار موعظة لمن اتعظ بها مسجد أحباء الله ومصلى ملائكة الله ومهبط وحي الله ومتجر أولياء الله اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمها وقد أذنت بنيها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها فمثلت لهم ببلائها وشوقتهم بسرورها إلى السرور، راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيراً فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة وذكرتهم الدنيا فتكذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا(37).

وقد حرص الإما م عليّ على أن يوثق الصلة بين التربية النظرية والتربية التطبيقية ببيان أهمية العمل بما نعلم ويظهر هذا فيما ورد نقلاً عنه حيث قال: الدنيا كلها جهل إلاّ مواضع العلم والعلم كله حجة إلاّ ما عمل به والعمل كله رياء إلاّ ما كان مخلصاً والاخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم به(38). وتجيء كلماته أكثر صراحة في قوله:  العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل

عنه، وقوله لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر قوام الدنيا بأربعة عالم مستعمل علمه وجاهل لا يستنكف أن يتعلم فإن ضيع الالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم(39).

وتلعب الأسرة دوراً أساسياً في تشكيل البذور الأولى للشخصية مما يجعلها أول وأخطر وسيط تربوي بحيث يشكل الوعي بها وبأهميتها مقياساً هاماً للحكم على الفكر التربوي في مذهب من المذاهب أو عند علم من أعلام التربية ومن هنا نلمس حرص الإسلام على ضمان القواعد الراسخة والأسس القويمة التي لابدّ أن تقوم عليها الأسرة بحيث تكون بالفعل خير نموذج يحتذى به الأبناء وأروع قدوة ترسم المنهج المطلوب قال عزوجل حكاية عن عباده الصالحين الذين يعون ذلك حق الوعي ويسعون بالفعل إلى تحقيقه: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً) وفي مقدمة قواعد التربية كما رسمها الإسلام أن توجد عملياتها التربوية القدوة الحسنة والمثل الأعلى للخير والصلاح(40).

ومن هنا يعتبر الأب هو المسؤول الأول عن تربية أبنائه تربية قويمة حتى يمكن أن يكونوا قرة أعين له في مقبل الأيام يقول الإمام عليّ لولده الحسن: ... وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئاً لو أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي. فالولد ليس بعضاً من الأب بل هو نفسه يحكي وجوده وكيانه فعليه أن يهتم بشؤونه التربوية وأن يعني في تهذيبه وكماله ليكون فخراً له وفي ذلك يقول الإمام كذلك: ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق ، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل بين ذي النقية والنية وان أبدأك بتعليم كتاب الله... (41).

 

وظائف التربية:

وهذه الدلالات والمعاني التي تشكل في مجملها مفهوم التربية كما تبدي في أقوال الإمام عليّ إنما تشكل (كلاً) يحتاج إلى تخصيص كما يحتاج إلى تفصيل وهو ما اصطلح علماء التربية وباحثيها على تسميته بوظائف التربية وهو ما سنحاول أن نقوم به فيما يلي:

1 – الوظيفة الإيمانية: فبحكم الموقع الذي احتله الإمام من المسيرة الإسلامية ومن رسول الإسلام وبحكم طبيعة التربية الإسلامية نفسها كان من الطبيعي أن تكون الوظيفة الأولى للتربية أن ترسخ إيمان المسلم وتعمقه وتقيمه على قاعدة من الفهم الصحيح والحب العميق والحماس الذي يشكل قوة دفع لا تلين أمام الخطوب وتستعذب النضال والجهاد من أجل الرسالة الإسلامية تاركة وراء الظهور المنافع الخاصة ونزعات الهوى الشخصي ومن هنا كانت واجبات الوالدين في القيام بالمهمة التربوية تنمية المشاعر الإيمانية في قلب الطفل ومن هنا أيضاً كان من أولى واجبات الآباء والأمهات أن يوقظوا في أبنائهم فطرة عبادة الله بواسطة العبادات التمرينية فيشجعوهم على اتباع الأوامر الإلهية والارتباط بالخالق العظيم(42).

والإيمان بالله الذي هو الركيزة الأولى لدين الله يحصل بسلوك على مرحلتين : الأولى عقلية وهي اثبات وجود الله, والثانية أسمى من الأولى وهي الإيمان بالله. في المرحلة الأولى يستفيد القرآن الكريم من قوة العقل ويدعو الناس إلى التفكير في خلق الله وفي النظام الدقيق الذي يسود الكون كي يصلوا من هذا الطريق إلى وجود الخالق الحكيم العالم مستخدمين

في ذلك الأدلة والبراهين العقلية والعلمية . أما الإيمان بالله فإنه لا يحصل بمجرد النظر في قانون العلية بمنظار العقل فحسب، بل يجب أن يسمو هذا الحساب العلمي إلى درجة أرقى وينفذ من العقل إلى الروح ويستقر في القلب عند ذلك تخرج هذه الحقيقة من صورة الاستدلال العقلي الجاف الجاف إلى حالة من الشوق والاندفاع إلى الحب الإلهي الذي ينفذ في جميع ذرات وجود الإنسان(43).

ولقد كانت تضحيات الإمام عليّ تسير جنباً إلى جنب مع شجاعته وشهامته وتبرهن على ثباته واستقامته حتى قال: ما ضعفت ولا جبنت، ان من ينشأ على الإيمان والاستقامة ويستند في جميع أموره إلى القدرة الإلهية اللامتناهية لا يخاف أبداً ولا يجبن في موقف مهما كان حرجا.

لقد شهدت أيام خلافة الإمام في الكوفة موجة من الاضطرابات والفتن وفي بعض الأحيان كان يصمم الخوارج في وضع خطة لاغتياله عليه السلام ومع ذلك فقد كان يخرج في أواخر الليل إلى نقطة هادئة من المدينة وينجي ربه وكان يخرج (قنبر) الخادم الوفي وراءه حاملاً سيفه مختفياً عن أنظار الإمام وفي احدى الليالي نظر عليّ عليه السلام إلى خلفه فرأى قنبر، فقال له: يا قنبر مالك ، قال: جئت لأمشي خلفك، فإن الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين فخفت عليك قال له الإمام: ان أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئاً إلاّ بإذن الله عزوجل، فارجع(44) فرجع.

2 – الوظيفة الثقافية: فالتحليل العلمي الدقيق لحقيقة المجتمع البشري يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ان قوام هذا المجتمع هو ما يحمله أفراده من مفردات وعناصر الثقافة والحضارة من معارف ومعلومات

وعادات وتقاليد ونظم وأنساق وعلوم وفنون ومن ثم تحرص الجماعة البشرية لأجل استمرارها وتواصل أجيالها على تواصل واستمرار ثقافتها ولا يتأتى هذا إلاّ بعملية نقل لها من الكبار إلى الصغار وهذا هو نفسه الذي تقوم به العملية التربوية مما يجعل منها أساساً لوجود المجتمع واستمراره.

والقارئ لكلمات الإمام عليّ يستطيع أن يلمس مدى الوعي بالدور الذي يجب أن يقوم به المربي من حيث نقل خبرات وتجارب وثقافة السابقين إلى الأجيال الجديدة لا لتستوعبها كما هي، وإنما لتنتقي وتختار منها ما يعينها على سلامة المسير وعمق الفهم وسعة الاحاطة يقول لابنه الحسن: أي بني، أني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليَّ من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره فاستخلصت لك من كل أمر نخيله وتوخيت لك جميله وصرفت عنك مجهوله ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر ذو نية سليمة ونفس صافية(45).

وللإمام نص هام يتعلق بطريقة وفلسفة النظر في التراث الحضاري للأمة(46)، نجده يركز على عاملين ثابتين في طبيعة الحركة البشرية وطبيعة الحياة على هذه الأرض(47):

أ – عامل التغير والتقلب في الحياة: فالحياة بما هي حركة وبما هي تفاعل وبما هي طاقات وقوى تتفاعل فتتكامل أو تتقاتل في داخل كل شيء ومن حول كل شيء  في الكون المادي كله الحياة بما هي كل هذا

متقلبة متغيرة باستمرار هي في حالة صيرورة دائمة لا تستقر على حال ولا تثبت على وتيرة واحدة.

ب – عامل الزمن: فأثر الزمن في الأشياء والأعمار ظاهر لكل ذي بصيرة فالزمن يفتت الحياة باستمرار فما أن يبدأ وجود الحياة في شيء بل ما ان يبدأ وجود شيء حياً كان أو غير حي حتى يبدأ هذا الوجود بالذوبان والتفتت والضياع أن الحياة تولد في الزمن ولكن الزمن يغتالها باستمرار.

وهذان العاملان – التغير والزمن – لا يختصان بعالم الإنسان وحده، إنهما يعملان في كل شيء ويحولان دون ثبات كل شيء: الجماد والنبات والحيوان والإنسان، ويتميز الإنسان – بالنسبة إليهما – عن العوالم الأخرى بأنه – لما أوتي من عقل وادراك – يستطيع أن يعي الوجه المأساوي لعمل هذين العاملين وأثرهما في حياته وفي الوجود من حوله ووعي الإنسان لهذين العاملين وأثرهما في الحياة والأشياء يجعله قادراً على مواجهة الحياة ومباهجها المؤقتة(48).

3 – الوظيفة الأخلاقية: فإذا تداعت أخلاق أمة عاجلها الفناء لذلك اهتم الدين الإسلامي بتقويم الأخلاق اهتماماً بالغاً فوق حدود التصور والخيال وجاء بدستور متين لا يضاهيه أي دستور بشري بأي حال من الأحوال فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وإنما هذه(49) هي أداة حصر أي ان علة بعث الرسل وأرسال نبينا العظيم إنما هي تكميل مكارم الأخلاق وابلاغ الإنسان إلى آخر حد ممكن من الكمالات الأخلاقية لكي يخرج من هذه الدنيا زكياً نقياً طاهراً حرياً ليحشر (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً).

وكما يسعى الإنسان في سبيل احياء مواهبه الفكرية، وأدراك الحقائق العلمية، ويحرز تقدما جديداً في كل يوم، كذلك عليه أن يسعى في سبيل تزكية نفسه وتطهيرها بالفضائل الخلقية قال الإمام العظيم: لو كنا لا نرجو جنة ولا نخشى ناراً ولا ثواباً ولا عقاباً، لكان ينبغي لنا أن نطالب بمكارم الأخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح. ولهذا فإن شطراً مهما من سعادة المجتمع مرتبط بالفضائل الأخلاقية كما ان شطراً مهما من شقاء المجتمع وفساده له ارتباط وثيق بالانحطاط الأخلاقي يقول الإمام : رب عزيز أذله خلقه وذليل أعزه خلقه(50).

ومن هنا كان اهتمام أتباع الإمام عليّ بالتربية الأخلاقية اهتماماً كبيراً حتى أوصوا المتعلمين بأن يكون المعلم الذي يقوم بمهمة العملية التعليمية متصفاً بالكمالات الأخلاقية يقول العيناثي: (ومن أسعد السعادات ان يتفق لك يا أخي معلم رشيد عارف بحقائق الأمور مؤمن بيوم الحساب، عالم بأحكام الدين، بصير بأمور الآخرة، خبير بأحوال المعادـ مرشد لك إليهما، ومن أنحس المناحس أن يكون ضد ذلك، واعلم ان المعلم والاستاذ أب لنفسك وسبب لنشوئها وعلة لحياتها كما أن والدك أعطاك صورة جسدانية فمعلمك أعطاك صورة روحانية وذلك ان المعلم يغذي نفسك بالعلوم ويزينها بالمعارف ويهديها طريق الآخرة التي هي دار البقاء والدوام والخلود في النعيم واللذة والسرور الأبدي والراحة السرمدية.

واعلم يا أخي ان من سعادتك أيضاً أن يتفق لك معلم ذكي، جيد الطبع حسن الخلق صافي الذهن محب للعلم مبغض للرئاسة، قنوع متوكل غير شره، ولا مداهن ولا متعصب، وقد أخذ علمه من العلماء الأخيار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام(51).

4 – الوظيفة العقلية: فقد بعث الله محمداً صلّى الله عليه وعلى آله وسلم في وقت كان الدين فيه مجموعة تقاليد لا يدعمها برهان ولا يسندها دليل وقد انعزل العقل عن التفكير والتعمق والتدبر والسؤال والاعتراض، في وقت كان شعار الآخرين في مشارق الأرض ومغاربها: اطفيء مصباح عقلك واعتقد وأنت أعمى(52).

جاء الإسلام وهو ينادي بصوت رفيع: الدين هو العقل ولا دين لمن لا عقل له. وقد نهى عن التقليد الأعمى وعن قبول شيء دونما برهان ودليل فقال: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) (53) وقال أيضاً: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون) (54).

والهدف الذي يرمي إليه الإسلام من ذلك، تكوين العقل الاستدلالي أو البرهاني عند الإنسان فلابدّ في رأي الإسلام لانشاء الفكر الحر أن ينشيء في الإنسان العقل الاستدلالي الذي لا يقبل فكرة دون بحث ولا يؤمن بعقيدة ما لم تحصل على برهان ليكون هذا العقل الواعي ضماناً للحرية الفكرية وعاصماً للإنسان من التفريط فيها بدافع من التقليد أو التعصب أو الركون إلى الخرافة. وفي الواقع ان هذا جزء من معركة الإسلام لتحرير المحتوى الداخلي للإنسان فهو كما حرر الإرادة الإنسانية من عبودية الشهوات كذلك حرر الوعي الإنساني من عبودية التقليد وبهذا وذاك أصبح الإنسان حراً في تفكيره وحراً في إرادته(55).

ان العقل ينمو على أثر التوجيهات الصحيحة، ويظهر كماله بصورة تدريجية، ولهذا فالإسلام يعتبر التفكير واستخدام العقل والتدبر في عوالم الطبيعة أعظم العبادات وقد ورد بهذا المعنى روايات وأقوال، من ذلك قول الإمام عليّ يوصي ولده الحسن: يا بني، لا فقر أشد من الجهل ولا عدم أشد من عدم العقل... ولا عبادة كالتفكر في صنعة الله عزوجل يا بني العقل خليل المرء انه لابدّ للعاقل من أن ينظر في شأنه... . وقال أيضاً: لا غني كالعقل ولا فقر كالجهل ولا ميراث كالأدب. وقوله: لا علم كالتفكر ولا شرف كالعلم(56).

وإذا كان التفكير يلعب الدور الأكبرفي الحياة الاجتماعية وإذا كان نوعه يتحدد بنوع هذه الحياة وبالاطار الفلسفي الذي يوجهها في هذه الناحية، فإنه يوفر للتربية مناخاً صحيحاً ملائماً للنمو السليم(57) ومن هنا نجد الإمام عليّ يقول: العقل ولادة، والعلم افادة، ومجالسة العلماء زيادة، ويقول الصادق: من صحب جاهلاً نقص عقله، وجاء عن الإمام الصادق قوله: كثرة النظر في العلم يفتح العقل(58).

 

مجالات التربية:

ولعلنا نستطيع من خلال التعرف على مفهوم ومعنى التربية وكذلك من خلال استقراء وظائف التربية كما تبدت لنا من قراءة أقوال الإمام عليّ عليه السلام أن نقف على الآفاق والمجالات التي يجب أن يقتحمها المربي والباحث في التربية والعامل بها، وعلى سبيل المثال ، إذا كانت الوظيفة الإيمانية لها ما لها من الأهمية والاعتبار في التربية السلامية عند الإمام عليّ يصبح من الطبيعي أن يكون القرآن وتكون السنّة النبوية من المجالات الأساسية الاولى لكل عامل في حقل التربية الإسلامية وما يرتبط بهما من دراسات وبحوث. ونفس الشيء يمكن الإشارة إليه بالنسبة للوظيفة الثقافية من حيث ما تقتضيه من دراسات تاريخية وحضارية واجتماعية وأنثروبولوجية وجغرافية وفنية وأدبية، وكذلك الأمر بالنسبة للوظيفة الأخلاقية من حيث ما تقتضيه من دراسات اجتماعية وفلسفية ودينية وتدريب عملي وسلوك فعلي ودراسة للعبادات الدينية . أما الوظيفة العقلية فهي إذ يمكن أن تتخلل – كمنهج – مختلف المجالات والآفاق السابقة إلاّ انها يمكن أيضاً أن تتحقق من خلال دراسة الفلسفة وعلوم النفس والمنطق ومناهج البحث والرياضيات.

الارتباط وثيق إذاً بين (الوظائف) و (المجالات) ومع ذلك فاننا نستطيع أن نضع أيدينا على عدد آخر من الآفاق والمجالات يكمل ويفصل ويحدد ما قد أوضحناه.

1 – الدراسات الفلسفية: فمن خلال اهتمام الإمام عليّ ببعض موضوعاتها ومباحثها نستطيع الأستدلال على ضرورة العناية بها ويذكر أبو زهرة ان الكلام في القدر قد كثر في عهد الإمام وكان هو الذي يرد الشبهات ويكشف الغمة عن ادراك كل ما يلتبس عليه الأمر ويتحير(59). ولم يكن أبو زهرة هو الوحيد الذي أشار إلى ذلك فقد شاركه الرأي محمود حب الله إذ أكد ان المشكلة لم تأخذ شكلاً واضحاً إلاّ في زمن (عليّ) الخليفة الرابع وكان الجواب عنها – أي مشكلة حرية إرادة الإنسان – وخاصة عند مريديه ومن قبلهم عنده هو نفسه تأكيداً لاختيار الإنسان(60). أما السيد أمير عليّ فقد ذكر كذلك وأول من تكلم في حرية الإنسان في أفعاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم عليّ بن أبي طالب ... يهدينا إلى الرأي الإسلامي الصحيح في موضوع الحرية الإنسانية... (61). ولفت عمارة النظر إلى ان القائلين بالعدل والتوحيد سواء منهم المعتزلة أو الذين وقفوا في الإمامة والسياسة مع فرق الشيعة يذكرون الكثير من الأقوال والمواقف التي تثبت اشتراكه – أي الإمام عليّ – في هذا الصراع الفكري حول الجبر والاختيار ووقوفه إلى جانب القول بحرية الإنسان(62).

ومن المسائل الفلسفية كذلك التي تكشف عن الاهتمامات الفكرية للإمام عليّ مسألة الصفات المتعلقة بذات الله ووحدانيته فقد كان ينكر كل معنى من معاني التشبيه في عبارات قوية(63).

2 – الدراسات اللغوية: ويأتي في مقدمتها علم النحو الذي ترجح روايات عديدة أن يكون أبو الأسود الدؤلي هو مؤسسه ومنشئه. وبالاضافة إلى هذا فإن هناك روايات أخرى تشير إلى ان أبا الأسود نفسه قد تلقى الارهاصات والبذور الأولى من الإمام عليّ فهذا ابن الأنباري يكتب: اعلم أن أول من وضع علم العربية وأسس قواعده وحدد حدوده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأخذ عنه أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي. وعلى نفس النهج سار القفطي الذي أشار إلى ان الجمهور من أهل الرواية على ان أول من وضع النحو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه. وروى عن الدؤلي قوله انه دخل على الإمام فرآه مطرقاً مفكراً فلما سأله عما يفكر فيه أجاب عليه السلام انه سمع لحنا فأراد أن يضع كتاباً في أصول العربية فكان رد الدؤلي انه لو فعل هذا أبقى في المسلمين هذه اللغة العربية ثم أتاه بعد أيام فألقى إلى الدؤلي صحيفة فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كله اسم وفعل وحر...) (64).

3 – الدراسات القرآنية: وفي مقدمتها علم التفسير، حيث تذكر روايات اهتمام الإمام به ضمن عدد آخر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، حتى ليعدهم البعض مؤسسي مدرسة التفسير في الإسلام(65). وقد روى عن الإمام عليّ قوله للمسلمين: سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلاّ حدثتكم به، سلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلاّ أنا أعلم أبليل نزلت أو بنهار أم في سهل نزلت أم في جبل... (66).

4 – الدراسات التاريخية: ولقد سبق لنا ان بينا اهتمام الإمام الواضح بدراسة التاريخ دراسة تقوم على الاستيعاب والوعي. ومن المؤكد ان الإنسان العربي الجاهلي – قبل الإسلام – كان يعوزه الوعي التاريخي بالمعنى الذي عرفته الشعوب المتحضرة ذات الثقافة المدونة وذات المؤسسات  السياسية والادارية الراسخة العريقة، هذا فضلاً عن أن يكون الوعي التاريخي بالمعنى الذي عرفه إنسان العصور الحديثة قد وجد لدى الإنسان العربي الجاهلي قبل الإسلام(67). ولكن الحال تغير بعد ظهور الإسلام ان القرآن الكريم والسنّة الشريفة النبوية قد كشفا للعربي تدريجاً عن عمقه في الزمان باعتباره مسلماً، وغدا القرآن والسنّة يغذيان على مهل وعي المسلم بعمقه التاريخي من خلال القصص الذي يؤرخ للأمم الماضية وأنبيائها ومواقفها منهم باعتبارهم أنبياء وحالات ازدهارها وانحطاطها وفنائها.

وللتاريخ وظيفة تتعدى شعورنا بالاستمرار والديمومة وهذه الوظيفة تربوية أخلاقية لا يعني هذا ان التاريخ يتحول إلى مادة وعظية فقط فإن البحث والنقد غرضان من أغراض التاريخ بلا شك , ولكن الوظيفة النهائية بعدهما هي كما نؤكد كثيراً تربوية أخلاقية(68). وهذه الوظيفة تستمد معالمها وطبيعتها من طبيعة النهج الذي تسلكه الأمة في بناء نفسها للقيام به في محيطها الاقليمي أو على المستوى العالمي ولذا نرى ان كل أمة ذات نهج فكري مميز لشخصيتها تجعل التاريخ مادة بانية لهذا النهج الذي ارتضته.

من هذا المنطلق وعلى هذا الأساس كان الإمام عليّ عليه السلام يتعامل في توجيهه الفكري وفي وعظه، وفي تعليمه وتوجيهه السياسي مع التاريخ وكان يوجه المسلمين إلى أن يعوا التاريخ على هذا الأساس وأن يتعاملوا مع التاريخ من هذا المنطلق الذي يخدم الأخلاقية والرسالية.

5 – الرياضيات والعلوم: فقد روي عن عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) قوله: (علّمني رسول الله ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف با). ان هذا النوع من التعليم لا يتوصل إليه إلاّ من زاول التزكية، تزكية النفس وتطهيرها، ولا يعلم كيفية انفتاح ألف باب من العلم من كل باب إلاّ من أيقن أن العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، وذلك بتطهير نفسه من الدنس والرجس وما أصعب ذلك ولا يقوى عليه إلاّ الأقلون(69).

وقد قال الله عزوجل: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور). وقد أورد بعض الباحثين عدداً من الأمثلة التي رووا فيها كيف ان الإمام قد استطاع أن يحل ما عرض عليه من مسائل رياضية بطريقة فريدة قد لا تتماثل مع الطرق القائمة لدى علماء الرياضيات المتخصصين، لكنها على أية حال تصل إلى الحل من باب آخر هو صحيح. ولا يتسع المقام لذكر العديد من هذه الأمثلة ، فليرجع إليها من يريد الاستزادة، وسوف نكتفي بمثال واحد(70).

رجلان أ ، ب كان لأحدهما أ خمسة أقراص من الخبز وللآخر ب 3 أقراص ، فجاءهم رجل ثالث وأخذ يأكل معهم ، فلم يبق شيء، ودفع إليهم بعد الانتهاء 8 دراهم، فقال أ لـ ب خذ أنت 3 دراهم وأعطني 5، فأجابه ب : لا، أبيت إلاّ العدل ومر الحق، خذ 4 وأعطني 4 دراهم، فأجابه أ قائلاً: كان لي 5 أقراص وكان لك 3، فكيف تأخذ نصف المبلغ فأجابه ب: لنتحاكم عند عليّ عليه السلام.

فجاءا علياً عليه السلام وعرضا عليه القضية فخاطب الإمام الرجل ب وهو الذي كان معه ثلاثة أقراص قائلاً: أقنع بما منحك صاحبك (أ) واقبل منه 3 دراهم، فقال ب: لا والله، لا رضيت منه إلاّ بمر الحق، فقال عليّ: وليس لك في مر الحق إلاّ درهم واحد وله سبعة. فقال ب: سبحان الله يا أمير المؤمنين، هو ـ  أي أ ـ يعرض عليَّ 3 دراهم فلم أرض، وأشرت عليًَّ بأخذها فلم أرض وتقول لي الآن: لا يجب لي في مر الحق إلاّ درهم واحد.

ان علياً عليه السلام لم يفكر كما يفكر الرياضيون في حل المسألة وإنما ارتجل ارتجالاً بنهج غير مألوف يمكن التحقق من نتيجته بالنهج الرياضي المعتاد(71).

وروى البعض عن الإمام قوله: (في التجارب علم مستأنف) فهو بهذا القول يوجه الأنظار إلى قيمة الطريقة التجريبية في البحث والنظر كما روى عنه انه سئل عن وزن فيل فطبق عليه المعنى المستفاد من قانون الطفو في الفيزياء وسئل عن ثقل قيد في رجل أحدهم فعين ثقله دون اخراج القيد من رجل الرجل ... إلى غير ذلك من أمثلة لا يستطيع الباحث أن يؤكدها مكتفياً بنسبتها إلى راويها(72).

6 – الدراسات الأدبية: فعند العقاد انه رضي الله عنه كان ينظم الشعر ويحسن النظر فيه، وكان نقده للشعراء نقد عليم بصير يعرف اختلاف مذاهب القول واختلاف وجوه المقابلة والتفضيل على حسب المذاهب ومن بصره بوجوه المقابلة بينهم انه سئل: من أشعر الشعراء قال: ان القوم لم يجروا في حلقة تعرف الغاية عند قصبتها، فإذا كان ولابدّ فالملك الضليل. وهذا فيما يؤكد العقاد أول تقسيم لمقاييس الشعر على حسب المدارس والأغراض الشعرية بين العرب، فلا تكون المقابلة إلاّ بين أشباه وأمثال ولا يكون التعميم بالتفضيل إلاّ على التغليب.

والكلم الجوامع أو فرائد الحكمة فهي تسجل للإمام في ثقافة الأمم عامة كما تسجل له في ثقافة الأمة الإسلامية على مر العصور، فالكلم الجوامع التي رويت له طراز لا يفوقه طراز في حكمة السلوك على أسلوب الأمثال السائرة وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، فهذا الحديث الشريف أصدق ما يكون على الإمام عليّ في حكمته التي تقارن بحكم أولئك الأنبياء فهي من طراز الحكم المأثورة عن أشهر أولئك الأنبياء بالمثل السائر وهو سليمان بن داود. يزيد عليها انها أبدع في التعبير وأوفر نصيباً من ذوق الجمال كقوله مثلاً: من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة، أو قوله\: نفس المرء خطاه إلى أجله، أو قوله: المرء مخبور تحت لسانه، او قوله: الحلم عشيرة(73).

7 – الدراسات التربوية والنفسية: فمعظم ان لم يكن كل ما أثر عن الإمام في مختلف المواقف إنما له دلالاته التربوية والنفسية مما يشكل في جملته قدوة رائعة تؤكد لنا جميعاً أهمية وضرورة الدراسة التربوية والنفسية ويطول بنا المقام لو حاولنا أن نوفي هذا الجانب حقه من البحث والدراسة ويكفينا هنا أن نشير إلى موقفه المتوازن بين الدنيا والآخرة فهو لا يريد ما ان نقطع أنفسنا عن دنيانا وان نحرمها لذات هذه الدنيا وان نغل غرائزنا وشهواتنا عن الانطلاق، ان التحرر عن طريق الحرمان شيء عظيم ونبيل، ولكن أكثر الناس لا يستطيعونه، ولا يقوون على احتماله، فها هو عليه السلام يقرر في احدى كلماته المضيئة الهادية عقم كل محاولة ترمى إلى اقتطاع الإنسان من واقعه واقع جسمه وغرائزه ورغباته كأنسان، وواقع حياته ذات المطالب والحاجات، وواقع كينونته الإجتماعية(74).

يقرر عليه السلام عقم كل محاولة ترمى إلى اقتطاعه من هذا الواقع بالتنكر لغرائزه ورغباته وحاجات حياته ولكن لماذا؟ لأن أسر هذه الغرائز والرغبات مودع في طبيعة الإنسان، ولا يسعه التفلت من أسرها إلاّ بالاستحالة إلى ذات أخرى. قال عليه السلام: الناس أبناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب أمه. كنى بذلك عن أن دوافع الإنسان إلى اجابة حاجات نفسه وشهواتها مودعة فيه، وإذا كانت مودعة فيه فهي جزء من كيانه وهي تسهم في حبك جزء من نسيج وجوده الإنساني ولذلك فهو يحبها ويقبل عليها ويأخذ بحظ منها ولكن لا لوم عليه في ذلك فهو حينما يقبل عليها إنما يلبي باقباله هاتفاً ملحاً لا قبل له بكتم صوته(75).

وكما قلنا في مستهل الحديث في هذا الجزء ان تلك أمثلة ونماذج لآفاق نستدل من خلالها على أهمية اقتحام مثل تلك المجالات دراسة وبحثاً، تعليماً وتعلما.

 

3 – الآثار التربوية للإمام عليّ في الحضارة الإسلامية

نحن نعترف بداية ان العنوان الذي يحمله هذا الجزء من الدراسة هو (أكبر) من مضمونه (مضمون الدراسة)، ذلك أن استقصاءه مهمة عسيرة شاقة تحتاج إلى نفر من الباحثين يستغرقون زمناً طويلاً، ويستغرق ما يصلون إليه من نتائج ربما أضعاف صفحات هذه الدراسة في مجملها لكننا كما نشير في أكثر من موضع، لا نستهدف دائماً (استيفاء) ما نطرق من موضوعات استيفاء كاملاً وإنما نحن (نثير) من القضايا أكثر مما نسوق الراي الفاصل والنتيجة القاطعة، وحسبنا من مهمتنا هذا الهدف، آملين أن يخطو باحثون آخرون خطوات تفصل وتشرح وتتعمق مثل هذه القضايا المثارة من خلال دراستنا.

أولاً: التشيع، والشيعة في أصل معناها اللغوي اتباع الرجل وأنصاره، وقد غلب هذا الاسم على من يتولى علياً وهل بيته حتى صار اسماً خاصاً لهم، فإذا قيل فلان من الشيعة عرف انه شيعة (عليّ) عليه السلام . وفي القرآن الكريم في سورة الصافات آية 83: (وان من شيعته لإبراهيم)، وقال تعالى فيما اقتصه من خبر موسى بن عمران عليه السلام في سورة القصص آية 15: (هذا من شيعته وهذا من عدوه). ويقول الشيخ محمّد أبو الحسن بن موسى النوبختي في كتاب الفرق والمقالات (أصول الفرق أربع ومنها الشيعة، فالشيعة هم فرقة عليّ بن أبي طالب المسمون بشيعة عليّ عليه السلام في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم المقداد بن الأسود الكندي وسلمان الفارسي وأبو ذر جنادة وعمار بن ياسر ومن وافق مودته مودة عليّ عليه السلام وهم أول من سمي بأسم التشيع في هذه الأمة لأن اسم التشيع قديماً كان لشيعة إبراهيم، وذكر محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني في ملله ونحله: (والشيعة هم الذين شايعوا علياً عليه السلام وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصاية أما جلياً وأما خفياً واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده وان خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده) (76).

والشيعة كما هو معروف يعتقدون أن ما يقوم عليه السلام أصول ثلاثة: توحيد الله ، نبوة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم’، المعاد في يوم الجزاء، وأن الإسلام هو الإقرار بالشهادتين وهي كلمة لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن من قالها كان مسلماً فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم وإن قوام مذهبهم بإضافة أصلين إلى الأصول الثلاثة وهما: عدل الله، إمامة الأئمة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم (77).

وغني عن البيان ما احتله الشيعة من مساحة معتبرة في التاريخ الحضاري للأمة الإسلامية فمن عدد كبير من العلماء إلى عدد آخر من الفلاسفة والفقهاء والمربين، صالوا وجالوا في آفاق البحث في مختلف العلوم والفنون، وتركوا من الآثار الفكرية والعلمية ما لا يستطيع أحد أن يذكره حتى من قبل من ناصبوهم العداء. وهم بحكم (المذهبية) كان لابدّ أن يتوسلوا بالتربية والتعليم لنشر مذهبهم والدعوة له حيث ان أمراً مثل هذا لا يتأتى بالعنف والقوة ، وإنما هو بالاقناع والتمثل ، مما مكنهم من أن يتركوا بصمات واضحة على حركة التربية الإسلامية.

ثانيا: المدارس العلمية: فقد مر بنا كيف أرسى الإمام عليّ عدداً هاماً من البذور التي أنبتت فيما بعد مدارس علمية في فروع شتى من المعرفة، وإذا كانت عنايتنا في الجزء السابق قد اتجهت إلى الكشف عن بعض جهود وأقوال الإمام العظيم، يصبح من المهم في الجزء الحالي أن نشير إلى أمثلة من الرواد الأوائل الذين تتلمذوا على يديه وقبسوا من نور علمه. وليس من الضروري أن يكون تتلمذ هؤلاء قد جاء مباشراً في كل الأحوال ، إذ ان المبادئ التي وضعها الإمام عليّ والطاقة التي فجرها والنهج الذي دل عليه ، قد حفز كثيرين إلى أن يشقوا طريقهم على طريق المعرفة والعلم والتربية.

وأبرز من يحسن التنويه به في هذا المقام هو الإمام جعفر الصادق فقد انصرف إلى العلم انصرافاً كلياً فلم يشغل نفسه بدعوة للخلافة ولا قيادة لاتباعه ليقضوا على سلطان الأمويين، ولا سلطان العباسيين كما فعل أولاد عمومته محمّد بن عبد الله وإبراهيم بن عبد الله بل انصرف للعلم بكليته ولم يذكر اسمه في الأحداث التي وقعت في عصره إلاّ إذا كانت ألماً أو أسفاً أو حزناً على الذين يقتلون من أئمة الهدى من ذوي قرباه(78).

وسواء كان انصرافه عن الامرة وشدائدها تقية كما يقول الإمامية أم كان رغبة في العلم كسائر الأئمة كما يقول الجمهور قد عكف على العلم عكوفه على العبادة، وتلازم علمه مع عبادته، حتى ما كان يرى إلاّ عابداً أو دارساً أو قارئاً للقرآن، أو راوياً للحديث، أو ناطقاً بالحكمة التي أشرف بها قلبه واستنارت بها نفسه.

وقد كان مخلصاً في طلب العلم لا يطلبه ليستطيل به على الناس ولا ليماري ويجادل بل ليبين الحقائق سائغة وقد كان يحث تلاميذه واللائذين به والطائفين حول رحابه على الاخلاص في طلب العلم فكان يقول: لا تطلب العلم لثلاث: لترائي به، ولا لتباهي به، ولا لتماري به. ولا تدعه لثلاث: رغبة في الجهل، وزهادة في العلم، واستحياء من الناس(79).

ولقد خاض في عدة علوم وبلغ في أكثرها الذروة فهو نجم بين علماء الحديث وساد علماء عصره في الفقه حتى انه كان يعلم اختلاف الفقهاء، وكان العلماء يتلقون عنه التخريجات الفقهية وتفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الفقهية، وكان يحث أصحابه ومريدية على طلب الفقه لأنه علم الدين(80). ولقد اشتهرت مناظرات الإمام الصادق حتى صار مصدراً للعرفان بين العلماء وكان مرجعاً للعلماء في كل ما تعضل عليهم الاجابة عنه من أسئلة الزنادقة وتوجيهاتهم، وقد كانوا يثيرون الشك في كل شيء، ويستمسكون بأوهى العبادات ليثيروا غباراً حول الحقائق الإسلامية والوحدانية التي هي خاصة الإسلام(81).

وقد كان رضي الله عنه مهتما بدراسة الكون وما اشتمل عليه ويذكر الباحثون ان جابر بن حيان نشر خمسمائة رسالة ذكر فيها انه تلقاها عن استاذه الصادق وقد أكد هذا المؤرخ المعروف ابن خلكان(82).

ثالثاً: الآراء التربوية: فهناك عدد من العلماء والمفكرين الذين ساروا على درب الإمام فاجتهدوا في مجال الرأي التربوي أثمر اجتهادهم عن آراء لها قيمتها بالنسبة للعمل التربوي فمن ذلك الكتيب المنسوب إلى نصير الدين الطوسي بعنوان (آداب المتعلمين).

ومما ورد فيه تأكيد (وجوب) العلم على المسلم، فالعلم الذي يفترض على المكلف بعينه يجب تحصيله نجبره عليه ان لم يحصل، والذي يكون الاحتياج به في الأحيان فرض على سبيل الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وان لم يكن في البلد من يقوم به اشتركوا جميعاً بتحصيله بالوجوب فينبغي لطالب العلم أن لا يغفل عن نفسه وما ينفعها وما يضرها في أولها وآخرها، فيستجلب مما ينفعها ويجتنب ما يضرها لئلا يكون عقله وعمله حجة عليه فتزداد عقوبته(83).

وأوجب الطوسي على طالب العلم أن يختار من كل علم أحسنه وما يحتاج إليه في أمور دينه في الحال، ثم ما يحتاج إليه في المآل، ويقدم علم التوحيد، ويعرف الله تعالى بالدليل، ويختار العتيق دون المحدثات، ويختار المتون لا الحواشي. وأما اختيار الاستاذ فينبغي أن يختار الأعلم والأروع والأسن. وينبغي أن يشاور في طلب أي علم يراد في المشي إلى تحصيله، وإذا دخل المتعلم إلى بلد يطلب لعلم فيها ألاّ يتعجل في الاختلاط بالعلماء قبل أن يستوثق من حسن الاختيار(84).

ونصح الطوسي طالب العلم بالجد والمواظبة والملازمة قيل: من طلب شيئاً وجدّ وجد، ومن قرع باباً ولجّ ولج، وقيل: بقدر ما سعى ينال، وقيل: يحتاج في التعليم إلى جد الثلاثة: المتعلم، والاستاذ، والابن إن كان في الحياة، ولابد لطالب العلم من المواظبة على الدرس، والتكرار في أول الليل وآخره، فإن بين العشائين ووقت السحر وقت مبارك(85).

ولابدّ لطالب العلم من المطارحة والمناظرة، فينبغي أن يكون بالانصاف والتأني والتأمل، فيحترز عن الشغب والغضب، فإن المناظرة والمذاكرة مشاورة ، والمشاورة إنما تكون لاستخراج الصواب، وذلك إنما يحصل بالتأمل والانصاف ولا يحصل ذلك بالغضب والشغب والمشقة، وفائدة المطارحة والمناظرة أقوى من فائدة مجرد التكرار لأن فيه تكراراً مع زيادة قيل: مطارحة ساعة خير من تكرار شهر، لكن إذا كان مع منصف سليم الطبع، وحذر الطوسي من المذاكرة مع متعنت غير مستقيم الطبع (فإن الطبيعة مسترقة والأخلاق متعدية، والمجاورة مؤثرة) (86).

وينبغي أن يكون صاحب العلم مشفقاً ناصحاً وغير حاسد، فالحسد يضر ولا ينفع، بل يسعى بنية التحصيل وينبغي على المعلم أن يحفز تلاميذه على أن يتفوقوا على غيرهم من طلبة العلم وينبغي لطالب العلم ان لا ينازع أحداً ولا يخاصمه لأنه يضيع أوقاته، فالمحسن سيجزي بإحسانه والمسيء ستكفيه مساءته(87).

وأوجب مفكرنا على طالب العلم أن يكون مستفيد في كل وقت حتى يحصل له الفضل وينبغي لطالب العلم أن يغتنم الشيوخ ويستفيد منهم ولا يتحسر لكل ما فات، بل يغتنم ما حصل له في الحال والاستقبال(88).

رابعاً: مراكز التعليم، وأول هذه المراكز الكتاتيب، لكننا لا نستطيع أن نجزم بكتاتيب اختص بها الشيعة دون غيرهم من سائر المسلمين، ولعل السبب الرئيسي لذلك ان المادة الأساسية للتعليم على هذا المستوى كانت تدور حول القرآن الكريم وهو القاعدة المشتركة بين مختلف الملل والنحل والمذاهب الإسلامية، كذلك فإن التعليم بهذه المرحلة كان يتركز أيضاً حول اللغة العربية قراءة ونحوا، وهذا الجانب أيضاً لا خلاف عليه بين المذاهب الدينية لكن ذلك لا يمنع وجود تعليم على هذا المستوى بصورة فردية خاصة في بعض بيوت الشيعة، فالإمام الصادق أوكل تعليم أولاده لمؤدب، وكان أبو داود سهل بن محمّد الشاعر مؤدب سيف الدولة ابن حمدان، وكان محمّد بن الحسين الذي عرف فيما بعد بالشريف الرضي قد أحضر إلى ابن السيرافي النحوي وهو طفل جداً لم يبلغ عمره عشر سنين فلقنه النحو وقعد يوماً معه في الحلقة فذاكره بشيء من الاعراب على (عادة التعليم..) (89).

ودأب الأئمة وعلماء الشيعة على تعليم أتباعهم في المساجد، ومن شيوخ الشيعة الذين تولوا التعليم في المسجد أبان بن تغلب الجريري قال الباقرعليه السلام لأبان: (اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك) وكان عبد الله العبدي قارئاً يقرئ في مسجد الكوفة، له كتاب يرويه عدة من أصحابنا. روى الصدوق ان عليّ بن العباس قال: حدثنا ابن الربيع الصحاف عن محمّد بن سنان وحدثنا عليّ بن أحمد بن عبد الله البرقي وعلي بن عيسى المجاور في مسجد الكوفة.. وذات مرة قال الفضل بن شاذان: كنت في قطيعة الربيع في مسجد الربيع أقرأ على مقرئ(90).

ويعتبر مسجد الكوفة في مقدمة المراكز التعليمية التي تمثل طاقة اشعاع لنهج الإمام عليّ حتى أصبح مجمع أهل العلم من الشيعة باعتباره من أهم المواقع، فالكوفة حاضرة خلافة الإمام ومهد شيعته وشيعة أبنائه من بعده، فلا غرو اذن أن تكون موطناً لعلماء الشيعة، وان يكون المسجد هو المكان الذي يقومون فيه بتعليم وتدريس علوم آل البيت، ولهذا يقول الحسن بن عليّ الوشاء: إني أدركت في هذا المسجد – يعني مسجد الكوفة – تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمّد عليه السلام. ولهذا شهد هذا المسجد الكثير من مظاهر النهضة العلمية والأدبية ونشطت فيه المجالس العلمية وحلقات الدرس، وكان الكميت الشاعر من أبرز معلمي العراق، فكان يجلس في مسجد الكوفة لتعليم الصبيان(91).

وقد اتخذ أئمة الشيعة وشيوخهم منازلهم مكاناً للدرس والتعليم فكان منزل الإمام عليّ بن الحسين يزدحم فيه طلاب العلم والوافدون عليه من كل مكان حيث يلتف حوله طلاب العلم والمعرفة. وكذلك كانت دار الإمام محمّد الباقر، فكان مقصد العلماء من كل بلاد العالم الإسلامي، وما زار أحد المدينة إلاّ عرج على بيت محمّد الباقر يأخذ عنه(92). وكانت دار السيد المرتضى دار علم ومناظرة (فكان منزله داراً للضيافة ومدرسة للتعلم والمدارسة، ينقطع فيه التلاميذ والطلاب والمريدون، ويستروح في رحاله الوافدون من شتى الجهات... بل انه جعل للكثير من تلامذته مرتبات منظمة وحبوساً موقوفة عليهم...) وما كتابه الأمالي إلاّ مجالس أملاها على طلابه في داره. ولما فصل الفصيحي من النظامية فإن أفواجاً من المتعلمين راحوا يقصدونه في داره ليواصلوا القراءة عليه(93).

وظهرت طائفة أخرى من المراكز العلمية سميت بدور العلم وكانت معاهد علمية ذات صلة بالتعليم مستقلة عن المسجد أسسها أفراد من الشيعة كما أسس أفراد من السنة عدداً منها كذلك وقد أصبحت المؤسسات المذكورة تسهم بعملية التعليم بجانب الأمكنة التقليدية أمثال المساجد ومنازل العلماء. وكانت المؤسسات الجديدة هذه أنسب للتعليم بالنسبة للشيعة من المساجد، فدور العلم أنسب لوجود الكتب ووسائل المطالعة الأخرى وربما السكنى والعيش فيها من المسجد ولأن الشيعة لم يكونوا في الغالب أحراراً في تعليم قواعد مذهبهم في المساجد العامة من جهة أخرى، وحتى بعد توفر الحرية النسبية لهم في العهد البويهي أصبحت المساجد غير مناسبة في القرن الرابع الهجري لأن التعليم أصبح معقداً وقد يكون مصحوباً بجدل ومناقشات تكون سبباً في تكدير راحة المصلين في المسجد الذي لم ينشأ في الأصل لغرض تعليمي(94).

خامساً: انتشار العلماء: والعلماء إذا كان من الممكن أن نستخدم بعض التشبيهات البيانية (مصابيح) تشع نور العلم أينما حلّت، وتكاثرهم في مكان، شاهد هام يمكن من خلاله ان نستدل على مدى حرية الحركة العلمية في الموقع الذي شهد هذا التكاثر، والبذور الاولى التي ألقاها الإمام كان لابدّ أن يتواصل نماؤها عبر القرون والأعوام تعطى تقوى وتبث علماً وهدى وتربي تلاميذ ينمون هم بدورهم ليصيروا فيما بعد معلمين وأساتذة يربون تلاميذ آخرين.. وهكذا. ولقد كانت النجف الأشرف غنية بالعلماء والمفكرين الذين ربّوا أجيالاً عديدة كان لها أكبر الأثر في حركة التربية الإسلامية.

ويأتي العلامة الحلي في مقدمة العلماء الذين شكلوا قرى تربوية موجهة، وخاصة فيما تميز به من قوة الحجة ومتانة المنطق ومنهجية التفكير مما ينعكس واضحاً على مؤلفاته ، فله على سبيل المثال (منهاج اليقين في أصول الدين، والأبحاث المفيدة في تحصيل العقيدة، ونهج الحق وكشف الصدق(95))... إلى غير ذلك من المؤلفات التي بثت العديد من الأصول المنهجية والقواعد الفكرية مما يساعد على تصحيح التفكير وبنائه على أسس عقلية.

والسر في نجاح آثاره واستمرارها عقوداً عدة دون أن تفقد أصالتها وحيويتها، بل وتستمر إلى ما هو أبعد زمناً ان مدرسته الفكرية ترتكز على الاستقلال في الرأي، وأعمال العقل والنظر، قال نفر من أتباع المذاهب: أن العلامة حصر نشاطه العلمي بتأييد مذهب التشيع وصرف كل همه واهتمامه إلى انتصاره على بقية المذاهب، ووصفه بعضهم بالمتعصب وآخر بالمتحامل وثالث بطاغية الشيعة، وقد جانب هؤلاء الصواب فقد كان الرجل عالماً كبيراً لا يميل إلى التعصب يعشق البحث عن الحقيقة(96).

ومن العلماء أيضاً الشيخ مرتضى الأنصاري ويستطيع العارف الخبير أن يدرك من النظرة الأولى إلى كتبه انه لم يكن عظيماً تميز بالحفظ وقوة الذاكرة بل كان عظيماً لشخصيته المستقلة التي لا تعتمد على غيرها ويعتمد عليها الغير ولفكره الناقد الذي كان يتصدى بجرأة للقدماء والمحدثين متفرقين ومجتمعين وقد تخرج عليه أكثر الفحول مثل الميرزا الشيرازي، والميرزا حبيب الله الرشتي، والسيد حسين الترك، والشربياني، والمقمقاني، والميرزا أبو القاسم صاحب الهداية، وانتشر تلاميذه وذاعت آثاره في الآفاق، وعاش مع ذلك عيشة الفقراء المعدمين، وقد توفي عام 1281 هـ (97).

سادساً: النزعة العقلية: ولسنا في حاجة إلى أن نفيض القول في أهمية وضرورة النهج العقلي في عملية بناء الإنسان وإنما يكفي هنا أن نشير إلى أهمية هذه القضية في موضوعنا الحالي بصفة خاصة لما يتوهمه كث يرون بكل أسف من تضاد بين الدين والعقل، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن تربية الإنسان إنما تفضل بمقدار الجهد المبذول لتربية هذا الجانب الذي يجعل من الإنسان إنساناً ألا وهو العقل.

ولقد وصل الأمر بالثقة بالعقل إلى الحد الذي جعل الشيعة الإمامية بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، على أساس أن كل ما استقل العقل بدركه وحكم بمدح فاعله أو ذمه فلابدّ أن يكون حكم الشارع على طبقه، ولا يمكن أن يخالفه بأي حال من الأحوال سواء كان المدرك من الأصول أو الفروع، فالعقل على هذا الوجه دليل مقرر للأحكام الشرعية كالكتاب والسنّة على حد سواء، ويستحق من أطاعه المدح والثواب أو الذم والعقاب من الله تعالى لأنه رسوله الباطن إلى الناس كافة، والحجة بينه وبين عباده، ولا يخفى أن هذا الوجه يتمشى مع كل القائلين بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع من مسلمين وغيرهم(98).

ومما ذكره القاسم الرسي (المتوفي عام 246 هـ ) ان الله خلق عباده المكلفين لعبادته ، والعبادة على ثلاثة وجوه أولها: معرفة الله. والثاني معرفة ما يرضيه وما يسخطه، والوجه الثالث اتباع ما يرضيه واجتناب ما يسخطه، وقد احتج المعبود على العباد بثلاث حجج: العقل والكتاب والرسول بحجة العقل يعرف به المعبود وبحجة الكتاب تتم معرفة التعبد، وجاءت حجة الرسول بمعرفة العبادة، والعقل أصل الحجتين الأخيرتين لأنهما عرفا به ولم يعرف بهما، ثم يأتي الاجماع حجة رابعة مشتملة على جميع الحجج الثلاث وعائدة إليها(99).

وأكد يحيى بن الحسين الملقب بالهادي الى الحق (245 – 298 هـ ) على حرية إرادة الإنسان بأدلة عقلية، بالاضافة إلى الأدلة النقلية ومن أدلته العقلية ان الأعمال جميعاً لو كانت بقضائه وقدره وانه سبحانه شاءها وأرادها، لما كان بين الطاعة والمعصية فرق، ولكان من عمل شيئاً من الفعلين فهو لله مطيع ولإرادته منفذ ولمشيئته مؤد. ولو أن الله قضى على قوم بالمعصية لا يقدرون عمل غيرها، وقضى على آخرين بالطاعة له وبالعمل بما يرضيه، فإلى من أرسل الأنبياء وإلى من دعوا ومن خاطبوا وعلى من احتجوا وما وجه حاجة العباد إليهم وقد أرسلهم الله إلى قوم قد منعهم من طاعته(100).

والثقة بالعقل تعطي العمل التربوي مدداً بغير حدود إذ أنها تلقى مسؤولية كبرى على عمل الإنسان وسلوكه مما يقتضي اعداداً وتكويناً وتنشئة سليمة.

وماذا بعد؟

ان الناظر إلى الواقع المعاصر لمجمل الشعوب الإسلامية لابدّ أن تفزعه الصورة التي أصبحت عليها وليس من المعقول بأي حال من الأحوال ان تتجمع بين أيدينا تلك الثروة الفكرية الهائلة من كتاب وسنّة وأعمال فكرية وجهود عملية لمسنا أمثلة لها لدى الإمام العظيم عليّ بن أبي طالب ومن سار على دربه على طريق الحق، دون أن يستنهضنا هذا لمعاودة النهوض وتجاوز الواقع بكل ما يحمله من مرارة، واستيعاب خبرة الماضي بكل ما تحمله من سلبيات أو ايجابيات.

وبالتأمل في قوله عز وجل: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) يجد انها تقول له لابدّ لك لكي تغير الواقع من أن تغير نفسك من الداخل من خلال تغيير تصوراتك وأفكارك ومشاعرك تجاه القضايا التي تواجهك أو الأشياء التي تحيط بك أو الأشخاص الذين يعيشون معك وقد حاول الإسلام أن يضع للإنسان منهجاً تربوياً تغييريا، يخطط فيه للإنسان المنهج الذي يواجه فيه الكون بدقة وتأمل، ليواجه – من خلاله – الله، بوعي ومعرفة ليلتقي – على أساس ذلك – بالمسؤولية العامة عن الحياة والإنسان من خلال المفاهيم الكبيرة والشريعة الواسعة الممتدة في كل مجال من مجالاته العلمية ليلتقي التغيير الفكري بالتغيير العلمي ويحقق الصياغة الإسلامية الجديدة للإنسان على صورة الحق(101).

ولكن إذا كانت الحياة تبدأ من الداخل، في عملية انطلاق وامتداد فقد يحدث أن يخضع الداخل لتأثيرات الضغوط الخارجية للبيئة وغيرها، كنتيجة طبيعية لتأثر الإنسان نفسياً وفكرياً بما يحدث حوله، ولذلك حاول الإسلام أن يحيط الواقع الحياتي للإنسان المسلم بالعناصر الرادعة التي تحارب الانحراف من جهة وتخفف الضغط على الداخل من جهة أخرى، وبذلك كان الاتجاه الإسلامي منطلقاً نحو الداخل ليبني القاعدة النفسية للإنسان، كما كان الردع الخارجي، طريقة من طرق حماية القاعدة وتقويتها(102).

ان هذا المنطق هو الذي يجعلنا نستجيب استجابة تقوم على الإيمان والاقتناع بتلك الدعوة التي أطلقها بعض العلماء والمفكرين بالعودة إلى الذات، حيث يعني بها العودة إلى الثقافة الإسلامية والايديولوجية الإسلامية، وإلى الإسلام لا كتقليد أو وراثة أو نظام عقيدة موجود بالفعل في المجتمع، بل إلى الإسلام كأيديولوجية وايمان بعث الوعي وأحدث المعجزة بالفعل في هذه المجتمعات، ليس الأمر في الحقيقة استناداً إلى دين موروث أو احساس روحاني جاف، على أساس شعار المفكرين الذي طرح على المستوى العالمي، وعلى أساس تلك القضية التي تناولها مؤلف كتاب (المسيح يصلب من جديد)، كما رفع نفس الشعار أيما سيزار في أمريكا اللاتينية ، وفرانز فانون مواطن جزر الأنتيل(103).

والمسألة بهذه الصورة إنما هي على درجة كبيرة من العموم تحتاج معه إلى تضافر الجهود لقدر من التحديد الذي يشير إلى مسارات العمل والتنفيذ، فهل هذه الذات هي ذات دينية، هل هي ذات إسلامية، أي إسلام؟ وأي مذهب؟ نحن نعلم ان هذه الذات الثقافية عندنا ذات تجلت في العالم كذات عليمة عن طريق جامعاتنا الموجودة في الألف سنة الأخيرة وفي آدابنا طوال الألف سنة الأخيرة، وعن طريق مفاخرنا وتاريخنا وحضارتنا ومواهنا واستعداداتنا المتنوعة من عسكرية ورياضية وعلمية وفلكية وأدبية وعرفانية في هذه الألف ومائة سنة الأخيرة، بحث أستطيع أمام أوربي ينتسب إلى عصر النهضة أن أقول له: انني فرد منتسب إلى ثقافة إسلامية عظيمة وهؤلاء البشر وهذه الشخصيات وهذه الحضارة والشخصية وهذا الاستعداد للتوالد والخصب والمواصلة فيّ وفي حضارتي، لكن المهم هو أي إسلام؟ وأي مذهب؟ هل هو ما هو موجود الآن؟ هل هو ما هو موجود الآن في صميم المجتمع بصورة تكرارية وعفوية ان العودة إليه من قبيل تحصيل الحاصل(104).

فلابدّ اذن من معين آخر – غير المفاهيم المادية عن الكون – يستقى منه النظام التربوي، ولابدّ من وعي تربوي صحيح ينبثق عن مفاهيم حقيقة للحياة، ويتبنى القضية الإنسانية الكبرى، ويسعى إلى تحقيقها على قاعدة تلك المفاهيم، ويدرس مسئل العالم من هذه الزاوية وعند اكتمال هذا الوعي التربوي في العالم واكتساحه لكل وعي تربوي آخر، وغزوه لكل مفهوم للحياة لا يندمج بقاعدته الرئيسية، يمكن أن يدخل العالم في حياة جديدة، مشرقة بالنور عامرة بالسعادة(105).

ان هذا الوعي التربوي العميق هو رسالة السلام الحقيقي في العالم، وان هذه الرسالة المنقذة لهي رسالة الإسلام الخالدة التي استمدت نظامها التربوي – المختلف، عن كل ما نعرفه من أنظمة – من قاعدة فكرية جديدة للحياة والكون.

وقد أوجد الإسلام بتلك القاعدة الفكرية النظرية الصحيحة للنسان إلى حياته فجعله يؤمن بأن حياته منبثقة عن مبدأ مطلق الكمال وانها اعداد للإنسان إلى عالم لا عناء فيه ولا شقاء، ونصب له مقياساً خلقياً جديداً في كل خطواته وأدواره وهو رضا الله تعالى فليس كل ما تفرضه المصلحة الشخصية جائز وكل ما يؤدي إلى خسارة شخصية فهو محرم غير مستساغ بل الهدف  الذي رسمه الإسلام للإنسان في حياته هو الرضا الإلهي والمقياس الخلقي الذي توزن به جميع الأعمال انما هو مقدار ما يحصل بها من هذا الهدف المقدس، والإنسان المستقيم هو الإنسان الذي يحقق هذا الهدفـ، والشخصية الإسلامية الكاملة هي الشخصية التي سارت في شتى أشواطها على هدى هذا الهدف(106).

  

ــــــــــــــــــــــــــــــ هوامش ــــــــــــــــــــــــــــــ

 

1 ـ عبد الرحمن الشرقاوي: عليّ إمام المتقين القاهرة مكتبة غريب د . ت ص 12.

2 ـ المرجع السابق: 13 .

3 ـ المرجع السابق: 14 .

4 ـ المرجع السابق: 15 .

5 ـ المرجع السابق: 17.

6 ـ عباس محمود العقاد: عبقرية الإمام القاهرة دار المعارف العدد 113 ص 6 .

7 ـ المرجع السابق: 7.

8 ـ المرجع السابق: 8.

9 ـ المرجع السابق: 12 .

10 ـ المرجع السابق: 15 .

11 ـ المرجع السابق:16 .

12 ـ عباس محمود العقاد: فاطمة الزهراء والفاطميون، القاهرة كتاب الهلال العدد 27 دار الهلال يونية 1953 ص 31 .

13 ـ المرجع السابق: 41.

14 ـ المرجع السابق: 42 .

15 ـ عباس محمود  العقاد: أبو الشهداء الحسين بن عليّ، القاهرة دار الهلال سلسلة كتاب الهلال (4) يولية 1951 ص 39.

16 ـ المرجع السابق: 41 .

17 ـ المرجع السابق: 24.

18 ـ محمّد مهدي شمس الدين: حركة التاريخ عند الإمام عليّ ، بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر 1985 ص 25.

19 ـ المرجع السابق: 26.

20 ـ المرجع السابق: 49.

21 ـ المرجع السابق: 50 .

22 ـ محمّد مهدي شمس الدين: دراسات في نهج البلاغة ، بيروت الدار الإسلامية 1981 ص 22 .

23 ـ المرجع السابق: 44 .

24 ـ المرجع السابق: 46 .

25 ـ محمّد باقر الصدر: موجز في أصول الدين، مطابع صوت الخليج د. ت ص 88 .

26 ـ الخطيب البغدادي: ناريخ بغداد المدينة المنورة المكتبة السلفية د . ت ج 6 ص 379 .

27 ـ علاء الدين السيد أمير محمّد  القزويني/ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية الكويت مكتبة الفقيه 1986 ص 156 .

28 ـ ياقوت الحموي: معجم الأدباء، مطبعة المأمون د. ت ج 1 ص 65 .

29 ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية : 159 .

30 ـ عليّ محمّد الحسين الأديب: منهج التربية عند الإمام عليّ / بيروت دار الكتاب العربي 1979 ص 33.

31 ـ المرجع السابق: 34 .

32 ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية: 149 .

33 ـ المرجع السابق: 150.

34 ـ منهاج التربية عند الإمام عليّ: 36.

35 ـ المرجع السابق: 37 .

36 ـ المرجع السابق:43 .

37 ـ المرجع السابق: 48 .

38 ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية : 162 .

39 ـ المرجع السابق: 163.

40 ـ باقر شريف القرشي: النظام التربوي في الإسلام  بيروت دار التعارف للمطبوعات 1979 ص 83 .

41 ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية: 189 .

42 ـ لشيخ محمّد تقي فلسفي، الطفل بين الوراثة والتربية، بيروت مؤسية الأعلمي للمطبوعات 1969 ج 2 ص 154.

43 ـ المرجع السابق: 163 .

44 ـ المرجع السابق: 182 .

45 ـ دراسات في نهج البلاغة : 52 .

46 ـ حركة التاريخ عند الإمام عليّ : 40، 42.

47 ـ المرجع السابق: 43 .

48 ـ المرجع السابق: 44.

49 ـ أحمد أمين : التكامل في الإسلام بيروت دار المعرفة د. ت ج 1 ص 135.

50 ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية : 182 .

51 ـ المرجع السابق: 185 .

52 ـ التكامل في الإسلام: ج 1 ص 43 .

53 ـ البقرة: 170.

54 ـ المائدة: 104 .

55 ـ محمّد باقر الصدر : المدرسة الإسلامية بيروت دار الزهراء، 1985 ص 126 .

56 ـ سعيد إسماعيل عليّ: العلاقة بين التربية والفلسفة من منظور الاعتزال في: دراسات فلسفية تصدير إبراهيم مدكور، القاهرة دار الثقافة للطباعة والنشر 1976 ص 114 .

57 ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية: 177 .

58 ـ محمّد أبو زهرة: الإمام الصادق ، القاهرة دار الفكر العربي د . ت ص 141 .

59 ـ محمود حب ا لله: موقف الإسلام من المعرفة في : محمّد خلف الله: الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة، القاهرة النهضة المصرية 1962 ص 36 .

60 ـ السيد أمير عليّ: روح الإسلام ترجمة محمود أمين الشريف، القاهرة المطبعة النموذجية 1963 ج 2 ص 297.

61 ـ محمّد أبو زهرة: الإمام الصادق، القاهرة دار الفكر العربي د . ت ص 141 .

62 ـ محمود حب الله: موقف الإسلام من المعرفة في : محمّد خلف الله: الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة/ القاهرة النهضة المصرية 1962 ص 36 .

63 ـ السيد أمير عليّ: روح الإسلام، ترجمة محمود أمين الشريف القاهرة المطبعة النموذجية 1963 ج 2 ص 297 .

64 ـ محمّد عمارة:  المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية ، بيروت المؤسسة العربية 1972 ص 20 .

65 ـ علاء الدين سيد أمير محمّد القزويني : الشيعة الإمامية ونشأة العلوم الإسلامية/ القاهرة دار النهضة العربية 1986 ص 35.

66 ـ المرجع السابق: 66 .

67 ـ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي القاهرة النهضة المصرية 1948، ص 514.

68 ـ لشيعة الإمامية ونشأة العلوم الإسلامية: 95 .

69 ـ حركة التاريخ عند الإمام عليّ: 83.

70 ـ المرجع السابق: 86 .

71 ـ أحمد أمين: التكامل في الإسلام 2/ 412.

72 ـ المرجع السابق: 417 .

73 ـ المرجع السابق:418 .

74 ـ عباس محمود العقاد: عبقرية الإمام عليّ: 140.

75 ـ المرجع السابق: 148 .

76 ـ السيد أمير محمّد الكاظمي القزويني: الشيعة في عقائدهم وأحكامهم بيروت دار الزهراء 1977 ص17.

77 ـ المرجع السابق: 23.

78 ـ حمد أبو زهرة: الإمام الصادق: 93.

79 ـ المرجع السابق: 94.

80 ـ المرجع السابق: 95.

81 ـ المرجع السابق: 99.

82 ـ المرجع السابق: 100.

83 ـ أحمد عبد الغفور عطار: آداب المتعملين، ورسائل أخرى في التربية الإسلامية بيروت د.ت ص 144.

84 ـ المرجع السابق: 145.

85 ـ المرجع السابق: 147.

86 ـ المرجع السابق: 148.

87 ـ المرجع السابق: 151.

88 ـ المرجع السابق: 152 .

89 ـ عبد الله فياض: تاريخ التربية عند الإمامية وأسلافهم من الشيعة بين عهدي الصادق والطوسي ، بغداد مطبعة أسعد 1972 ص 63 .

90 ـ المرجع السابق: 67 .

91 ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية: 333 .

92 ـ محمّد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية القاهرة دار الفكر العربي د ، ت ص 688 .

93 ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية: 343.

94 ـ عبد الله فياض: تاريخ التربية عند الإمامية ص 95.

95 ـ محمّد جواد مغنية، مع علماء النجف الأشرف بيروت دار الجواد 1984 ص 39.

96 ـ المرجع السابق: 40 .

97 ـ المرجع السابق: 89.

98 ـ شدي محمّد عرسان: العقل عند الشيعة الإمامية بغداد مطبعة دار السلام 1973 ص 186 .

99 ـ أحمد محمود صبحي، الزيدية، القاهرة الزهراء للأعلام العربي 1984 ص 116.

100 ـ المرجع السابق: 165.

101 ـ حمّد حسين فضل الله: الإسلام ومنطق القوة، بيروت الدار الإسلامية 1979 ص 230.

102 ـ المرجع السابق:231 .

103 ـ عليّ شريعتي، العودة إلى الذات ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا، القاهرة، الزهراء للأعلام العربي 1986 ص 36.

104 ـ المرجع السابق: 51 .

105 ـ محمّد باقر الصدر ، المدرسة الإسلامية: 88 .

106 ـ المرجع السابق: 89 .