موقع عليّ في دولة الإسلام

 

الأستاذ الدكتور أحمد لواساني

كلية الآداب – الجامعة اللبنانية

بيروت - لبنان

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ـ 1 ـ

أرغب قبل السير في حديث الغدير وصاحب الغدير عليه السلام أن ألفت إلى أمر مهم هو نوع من التفكير يشيع في أوساط كثير من الناس، بسطائهم وحتى المفكرين، هو التفلت من كل ما يتعلق بالقديم، ثقاة أو تاريخاً أو عقيدة  (يزيد قتل الحسين؟ ماذا يهمنا نحن؟ فعل ماض ناقص... ما لنا نحن وما لهم؟ لم نولد الاحقاد أو نجددها؟ غفر الله للجميع... هو يحاسبهم دعنا نهتم بما يتعلق بنا.. الخ). هذا(1) النوع من التفكير هو الذي أرغب في أن ألفت لا فقط إلى تدني مستوى أصحابه الذين لا ترتفع أهتماماتهم عن مستوى المعدة والجسد والجيب وزهو السلطة، فتفكيرهم لا يمثل مستوىً حضارياً يؤبه له، بل إلى خطورة طرح مثل هذا التفكير وتداوله في المجتمع، لأنه يعدي، وقد يدفع السامعين أو المتأثرين به إلى التخلي فعلاً عن الاهتمام بالماضي من تاريخ وفكر وتقاليد وعقائد ومثل.

وأين تكمن الخطورة؟

تكمن في أن الماضي ينعكس دائماً على الحاضر، ثم يوجه المستقبل ، فلا يمكن تجاهله أو التخلي عنه...

كل منا، شاء أو أبى، هو أبن ماضيه، وأنا وأنت ورثنا عن الماضي الكثير من المعتقدات والتقاليد والمثل، فإذا كنت أؤمن بعقيدة ما، أو اعتنق فلسفة ما، أو أوالي أعلاماً في دين ما، فالواجب أن أتحرى صحة شعارات تلك العقيدة، ومثالية تلك الفلسفة، وإيمان ألائك الأعلام، أي ان أعود إلى الماضي لأتأكد إن كانت تلك الشعارات وهذه المثالثة وهؤلاء الأعلام، على توافق حقاً – أو اختلاف – مع ما أومن به من موازين خلقية وقواعد مثالية وتعاليم دينية، فازداد اقتناعاً ورضاً وتمسكاً بها، أو – من أجل أن أكون منسجماً مع نفسي ومع الأخلاق على الأقل – أتخلا عنها بكل جرأة وأرفضها.

أنا لا أستطيع أو أوالي وأؤيد وأصدق فيلسوف فكرة لا يعمل هو بها، لا أستطيع الانتساب إلى حزب ينادي رئيسه بمحاربة الطبقية ويتعالى هو على خدمة أو موظفيه أو أتباعه، لا أستطيع أن أصدق أو أحترم أو أوالي قائداً يدّعي ويظهر انه يحارب من أجل الإسلام الذي يمنع القتل والزنا والكذب، بينما هو يقتل ويزني ويكذب..

وعلى هذا الأساس، يجب عليَّ إذا كنت مسلماً مثلاً، وكنت أريد أن أكون صحيح المعتقد صحيح العمل، أن أرفض منطق التخلي عن الماضي، بل عليًَّ أن أتحرى أنا إسلامي ما دمت قد رضيته لي ديناً، وأن أتتبعه باصرار وتشدد، وأقبل على كل ما يتعلق بتاريخه وعقائده وأعلامه، لأتميز فيها الغث من السمين، فأتخلا عن الغث وأتمسك بالسمين، وبخاصة لأن جوانب كثيرة من تاريخ الإسلام... قد زودت كثير التزوير...

و... ويحمل البريد رسالة كريمة، تذكر بمناسبة من ماضي هذا الإسلام ومعتقداته، وتنبه إلى انتهاء أربعة عشر قرناً كاملة على يوم من مشهود أيامه، هو يوم وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع عند غدير خم، وتدعو إلى التدبر والكتابة في الموصي والوصي والوصية، فما أحلى، ألا أهلا فالموضوع ليس فقط من الموضوعات المهمة التي يجب أن أتحققها في تاريخ الإسلام، كما أسلفت فوق بل إن ثمة إلى جانب الواجب ضعفاً أما الحدث المهم بل قل أنساً ومتعة في السير مع صاحبه الذي لا أعرف بعد النبي، عبر تاريخ البشرية كلها، من هو في غنى شخصيته إنساناً...

-2-

ولكن... هل تراه عملاً سهلاً أن يمخر المرء بحر عليّ بن أبي طالب؟

ثم هل هو بحر، أو هو أبحر، أم انه بحار؟

وشعرت بالرهبة..

حقاً إني لأحار أي ساحل منه أتي، وأي مرفأ ألج ، وأي سفينة أركب، وكيف وأنا وإلى أي مدى فيه أو عبره أبحر..

إي والله إني لأتهيب أن أمخر عباب هذا الخضم..

وهل أبو الحسن عليه السلام بشر عادي فأنت لابدّ مدرك أبعاده مهما امتدت الأبعاد؟ أم أنه عالم لا حدّ له ولامنتهى؟

ثم.. هل غادر الشعراء – ما أكثرهم – من متردم؟ وهل تركو جانباً من الجوانب – ما أكثرها – في شخصية الأمير عليه السلام لم يتناولوه بالبحث والدرس والنقد والتقويم والتقدير والاعجاب والعاطفة؟!

لذا، لذا فإني أجد لنفسي المبرر  الوافي حين أحاول الخروج من الحيز الداخلي لشخصية الأمير عليه السلام، أي الخروج من حديث صفاته ومآتيه وسماته الفردية الرحبة الغنية حتى الأعجاز، لأرى إليه – ان استطعت – من خارج، أي لأقوم موقعه في دولة الإسلام، موقعه كفرد أو كمسؤول.

ماذا يعني هذا؟

يعني ان عليّ – قبل تناول حديث الأمير عليه السلام – أن أنظر إلى الإسلام كمؤسسة حكم أو كنظام يرتبط به ويخضع له فريق من الناس، وهو ما نسميه بلغة اليوم الدولة.

فما يمكن أن يقال في دولة الإسلام؟

ـ 3 ـ

ان لهذه الدولة ككل دولة أخرى مقومات وخصائص، ولكن دولة الإسلام تنفرد – في نظرنا المتواضع – بخصائص ليست لأية دولة أخرى غيرها، لا قبلها ولا بعدها، فهي سمات خاصة بها وحدها، فنجتزئ منها السمات الأبرز التالية:

 

 

سمات دولة  الإسلام:

1 – دولة المعتقد: أجل فالسمة الأولى التي تنفرد بها هذه الدولة انها دولة المعتقد، ذلك ان نظرة تقويمية شمولية عامة على الدول التي سبقت الإسلام تجعلنا ندرك بسرعة ان قوام وجود مؤسسة الدولة فيها أي الرباط بين أتباعها أو قل بلغة اليوم عنصر المواطنية فيها، إنما هو ارتباط الفرد بحيز جغرافي أو بشري محدد، أعني ارتباطه بمدينة (اثينا، أسبارطة، طراودة، جبيل، صيدا، صور، قرطاجة.. الخ) أو بقعة جغرافية محددة (مصر، بابل، عيلام، ليديا، آشور، فارس..) أو قبيلة (الغساسنة، المناذرة، الأنباط...) أو عرق (الفينيقيين، الكنعانيين، الحثيين، الكلدان، الأرمن..) أو ربما لغة (ترك...) او أسرة (الأخمينيين، الفراعنة، الأشكانيين، الأكاسرة الساسانيي..) أما في الإسلام فثمة مفهوم جديد للدولة ومفهوم جديد للمواطنية.

ماهو؟ هو ان الرباط بين مواطن ومواطن، ليس الظرف الخارجي الترابي أو اللحمي الجامع بينهما المفروض عليهما حتى لا يستطيعان الخروج منه، بل انه معتقد ذهني، فكري، عاطفي، إيماني، يلتقيان عليه ويشتركان فيه، لأنهما يعتنقانه مختارين.

هذا يعني إن الإنسان لم يكن له قبل الإسلام خيار في انتسابه إلى المجتمع أو الكيان أو الدولة التي يتنسب إليها، ولم تكن ثمة أهمية اطلاقاً لما يعجبه أو لما يراه مناسباً لمصلحته، والتالي لم يكن له حق أو خيار في التخلي عن المجتمع أو الكيان أو الدولة التي لا يجد فيها عدالة أو اقتناعاً أو حتى مصلحة أنت في الدولة النبطية أو الحثية أو الكلدانية أو الفارسية أو الرومية أو أو... نبطي رغماً عنك، أو حثي أو كلداني أو فارسي أو بيزنطي.. شئت أم أبيت، ولا تستطيع أن تكون روميا – مثلا – بعد أن كنت نبطياً.

أما في الإسلام فأنت الذي تختار المجتمع الذي يعجبك أن تنتمي إليه، أو الدولة التي تقتنع بأفضلية الأنتساب إليها، والتي تشترك أنت وتشارك في آمالها وآلامها وصنع مصيرها، تستطيع أن تصبح مسلماً بعد أن كنت غير مسلم، وتستطيع وأنت المسلم أن تتخلى عن إسلامك، فإذا ما بقيت على دينك فليس لأنك مجبر على ذلك، بل لأنك مقتنع به ومرتاح إلى تعاليمه مؤمن بأصلحيته فشخصك وشخصك وحده صاحب القرار.

وفي عملية تقويمية بسيطة على الصعيد الحضاري، للفارق بين المفهوم السابق للدولة، والمفهوم الجديد الذي تولد بظهور الإسلام، نقول ان الوطن في الدول السابقة لا يختلف كثيراً في جغرافيته الأرضية والبشرية عن قن ترتبط الدجاجة به وتأوى إليه أو حظيرة تحتوي قطيع الغنم والعنز في آخر النهار، أو مقعاً أو جحر يعده أو يعده الحيوان الأعجم القاصر مأواه الذي فيه يحتمي وإليه يرتاح، فهو المكان أو القبيل الذي يحمي منه الجسد أو يؤمن له الطعام، أما الوطن في الإسلام فقد انقلب إلى معنى، لقد تجاوز الأرض والقبيلة والمدينة والأسرة واللغة والعرق واللون... إلى العالم كله تجاوز الجسد إلى الفكر والقلب، تجاوز البشر إلى الإنسان.

بعبارة أخرى، ان ظهور الإسلام كان نقلة نوعية في تطور الإنسانية، كان في تاريخ البشرية مرحلة متقدمة رقي فيها الإنسان إلى مستوى ان يعيش قناعته، أن يعيش ذاته، أن يعيش انسانيته، انها دون شك تزيد قيمة عن اكتشافه للنار وتليينه للحديد، وتوصله إلى سر الكهرباء، وصناعته لآلات الالتقاط والارسال والتسجيل والبث، وتحطيمه للذرة، وإرساله المركبات إلى الفضاء، وحتى صعوده إلى القمر، لأن هذه كلها كانت لخدمة جسده ورفاهية بدنه ومدنيته، ودولة المعتقد والفكر رمت – فوق تلك – إلى خدمة فكره وحسبه وخلقه وحضارته، واستناداً إلى هذا المتجه الإنساني المترفع عن العصبيات الذي قام عليه الإسلام ودولته، كان (المسلمون خير أمة أخرجت للناس)، لأن ما أخرج للناس قبلاً كان يقوم – كما أسلفنا – على عصبية لقرابة أو لأرض أو إرث، بينما المسلمون يقول نبيهم صراحة: (ليس منا من دعا إلى عصبية).

ولكن، هل كان الناس في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمستوى هذا التفكير السامي الذي دعاهم إليه وطبقه عليهم في دولة الإسلام؟ هل استطاعوا أن يرتفعوا إلى مستوى ذاك الأمي الذي جعل إيمان الإنسان ومعتقده وتقواه فقط مقياساً لمواطنيه دولته (لا فضل لقرشي على حبشي إلاّ بالتقوى) لا عرقه ولا قوميته ولا طبقته ولا أسرته ولا لونه ولا قبيلته ولا مدنيته...؟ ونجيب انهم لم يكونوا، لا هم فقط، بل ولا عامة المسلمين الذين تلوهم على مدى القرون التالية، لم يكونوا ولم يرتفعوا على الصعيد الإجتماعي التنظيمي ، إلى المستوى الإنساني بل والخلقي الذي دعاهم الإسلام إلى رفع الإنسان إليه، ولم يصلوا إلى مشارف الفكر المحمدي الذي جعل سلمان الفارسي وبلالاً الحبشي وصهيباً الرومي من أمته، وجعل أبا جهل العربي وعمه أبا لهب القرشي خارجها.

هل هذا كلام عاطفي؟ لا، على الإطلاق، لأننا إذا استعرضنا الدول التي قامت بعد ظهور الإسلام، سواء منها ما كان في دار الإسلام عبر التاريخ  المديد، أو خارج حياض دار الإسلام ان في القرون الوسطى أو حتى ما يسمى بعصر النهضة وحقوق الإنسان لا نجد بينها كلها واحدة قامت على أساس ارتباط الإنسان بالإنسان على أساس المعتقد وحده، بعيداً عن الأرض والأسرة والعرق واللغة والجغرافية... الخ، فدول دار الإسلام الأموية والعباسية والطاهرية والسامانية والصفارية والزيارية والبويهية والسلجوقية والحمدانية والعمارية والأيوبية والعثمانية والصفوية.. وأمثالها، كلها تحمل في أسمائها النسبة إلى أشخاص مؤسسيها أو آبائهم(2) ورمز الولاء والتبعية لأسرهم وكسرويتهم وتاريخها واضح بتوارث الأبناء للملك أو النفوذ أو القيادة، عن الآباء أو الأخوة أو أبناء العم أو الانسباء من السلالة الحاكمة كانت تلك الدول وهي إسلامية الشهادة والشعار والعاطفة دول سلطة ومال ومنافع عائلية.

 

وخارج دار الإسلام؟

كانت التجمعات الجرمانية والسلافية والصربية والرومانية والسكندنافية والتشيكية.. وأمثالها ترمز إلى التجمعات البشرية على أساس العرق أو السلالة أو الأرض.. وحتى عندما تطورت الدولة بعامل المصالح الاقتصادية أو تجمعات العرق والقوميات أو نتيجة صراعات الملوك، انتقل مفهوم الولاء من رمز سلالي عرقي إلى رمز لتنظيم أداري حكمي، أو لمواطنية ترتبط بأرض محددة... وكم من دماء سالت دفاعاً عن علم يرمز إلى دولة عسكرية أو عائلية حتى ليوصف بعضها بدم أحمر وبعض آخر بدم أزرق ، وكم كانت كلمة بريطاني أو فرنسي أو برتغالي أو ألماني أو نمساوي... تثير الاعتداد والزهو والحماس، أو تثير الكره والحقد والغضب، فالكل يستوحي في حبّه وفي عدائه اسم أسرة خاصة، أو طابع شعب معين، أو انتساباً إلى أرض محددة، تماماً كما لو كنت تقول في جاهلية العرب: ثقيف، أو تغلب، أو عبس، أو قريش، أو الخررج، أو هوازن..

بل نحن نذهب إلى أبعد من هذا، نذهب إلى ان الإنسان اليوم في القرن العشرين للميلاد وبعد مضي أكثر من أربعة عشر قرناً على ظهور دعوة الإسلام ورغم كل الدعوات الإجتماعية والفلسفية والخلقية التي ظهرت في القرون الثلاثة الأخيرة خاصة وما تزال مستمرة داعية إلى حفظ ما يسمى حقوق الإنسان، وإلى تقارب الشعوب، ونبذ العصبيات، ورغم ترقي مدارك الإنسان وسمو تطلعاته الأخلاقية والأممية، لم يرتفع عملياً – وغالباً حتى ولا نظريا – إلى مستوى التفكير الإنساني الأممي المطبق في دولة الإسلام لم؟ لأننا لا نجد اليوم بعد، في العالم كله، دولة

تقوم على المعتقد وحده بين أتباعها، وحتى التي تزعم ذلك لم تتحرر من عوامل القومية والأرض واللغة... وسواها.

أليس ان معظم الناس اليوم بالذات، تهزهم عصبية الانتماء إلى عروبتهم أو إلى فارسيتهم أو تركيتهم أو أرمنيتهم، أو إلى بريطانيتهم أو ألمانيتهم أو زنجيتهم أو أو..؟ حكومة الولايات المتحدة تقيم الدنيا ولا تقعدها – وكذا باقي الدول المماثلة – لأن جنسية الرهينة الفلاني أمريكية، بصرف النظر عن إيمانه ومعتقده وانتمائه الخلقي المثالي أو غير المثالي, والرأي العام العالمي يرى تصرفها طبيعياً، لأن الطبيعي في موازين اليوم ، أن تتعصب إلى انتمائك التجمعي القبلي او الموطني.. بل ان المسلمين اليوم أنفسهم يتصرفون في غالبيتهم بهذه العقلية، لأنهم ربو على معطياتها، فمعظم المسلمين لم يتحررو من قيد الانتماء إلى الأرث او المصلحة أو التجمع البشري القومي والقبلي والجغرافي، أي انهم لم يرتفعوا بعد – هم أيضاً – إلى مستوى الانتماء إلى وحدة الإنسان الأممي التي نادى بها دينهم، والتي يقولون ويظنون انهم بمستواها وانهم يعتنقونها.

هذا ولابدّ لنا قبل الانتقال من حديث دولة المعتقد ومواطنية الإيمان في دولة الإسلام أن نتوقف عند اعتراضات محتملة على الجوانب التي تقدم عرضها.

فقد يقول قائل: (لقد ظهرت قبل الإسلام عدة دعوات إنسانية تتنكر للعصبيات العرقية والقبلية والمدنية والعائلية واللغوية.. الخ. فالزرادشيته مثلاً والبوذية والمسيحية وأمثالها ومشتقاتها، تنادي كلها بالرباط الإنساني وحده، أي بتلاقي الإنسان مع الإنسان مهما كان لونه أو عرقه أو قبيلته أو بلدته أو لغته..، هذا صحيح، ولكن تلك الدعوات انطلقت كلها على صعيد فردي، ولم تناد واحدة منها بقيم (دولة) على أساس المعتقد أي لم تتجاوز الفرد الصالح إلى التجمع البشري الصالح، القائم على معتقد إنساني نبيل، في تلك الدعوات ينظر إلى أن يكون المرء فقط صالحاً، ليتوصل من خلاله إلى المجتمع الصالح، نظف ساحة بيتك تنظف المدينة، نظف ساحة بيتك، وما عليك نظف غيرك ساحة بيته أم لم يفعل (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) لا تنظر إلى ما فعلت هي، أنظر إلى ما فعلت أنت، ليس هذا فقط بل انك تقرأ أحياناً دعوة صريحة إلى ان تتخلى نهائياً عن الاهتمام بشؤون الحكم والدولة والمجتمع والناس، حتى لو كان في الحكم والدولة ظلم، وفي المجتمع والناس مظلومون. (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، وفي هذه العبارة التي تجعل (قيصر) الند المقابل – ان لم نقل النقيض المضاد – لله المعبود واضح ان المقصود من كلمة قيصر ليس الحاكم العاتي المتربع ظالماً على عرش روما بل قيصر هنا هو رمز السلطة – كل سلطة – والدولة والادارة الحاكمة.

أما في الإسلام فإن خدمة المجتمع والناس ليست أمراً مستحباً فقط، بل انها أمر مطلوب، انها واجب (من أصبح ولم يهتم بشؤون المسلمين فليس بمسلم). ومحاربة كل قيصر حتى ولو كان خليفة المسلمين، باليد وباللسان والقلب أمر إلهي ونبوي إذا كان ظالماً وبالمسلمين وعباد الله ضاراً. (من رأى منكم منكراً فليدفعه بيده..). بل أن خدمة العباد عبادة كالمناسك الدينية  العبادية من صوم وصلاة وحج. (ليس عند الله ثواب أكبر من أدخال السرور على قلب مسلم). وفي رواية (على قلب إنسان)، والصدقة التي هي بر إنساني فردي، وتكافل إجتماعي، ليس وقفاً على المسلمين، بل تدفع لكل محتاج أو معوز مهما كان دينه وأياً كان معتقده.

أجل كانت الدعوات المعتقدية السابقة تتناول بتعاليمها الإنسان الفرد، والدعوة الوحيدة التي أقامت دولة في تاريخها – أعني اليهودية – إنما جعلت هذه الدولة خاصة بأسباط سلالة واحدة هي سلالة إسرائيل، وجعلت منافع تلك الدولة خاصة بتلك الأسباط التي سمتها شعب الله المختار، أي انها لم تكن أقل عصبية عنصرية من الدول السابقة، ان لم نقل انها كانت أكثر لأن تلك حين كانت تفضل شعوبها وتقدمها وتميزها وتخصها بالسلطة والمنافع، لم تقل ان أناسها يختلفون عن باقي الشعوب كبشر، بينما ذهبت دولة بني إسرائيل، إلى أن شعبها فوق البشر العاديين نطفة وتكويناً وقربا إلى الله، وهذا ما لم يقل به أي حكم معتقدي غيبي آخر في تاريخ الإنسان، في الشرق أو في غيره، قبل الإسلام أو بعده.

فإذا أردنا من جهة أخرى أن نرى الى الفرق بين الدعوة الإسلامية التي طبقت عملياً تعاليمها في دولة وبين الدعوات الغيبية الأخرى التي اكتفت بأن توصي بالمحبة للناس والصفح عن المسيء والعون للمحتاج والخدمة للبشر والصدق في المعاملة و... وكل التعاليم الخلقية والاجتماعية السامية المطلوبة لفرد نبيل، حق لنا أن نتسائل : ترا ما الفرق بين تعاليم هذه الدعوات الغيبية وكل الدعوات الفلسفية الإجتماعية الإنسانية الحضارية غير الغيبية التي ظهرت في فلسفات اليونان وحكمة الهند وعظات حكماء فارس؟ بل أليس أن الدعوت الغيبية السابقة التي وقفت الاصلاح على الفرد فقط، لا تصل أحياناً إلى مستوى بعض التنظيمات الإجتماعية التي أعدها بشر عاديون غير موحاً إليهم، كحمورابي مثلاً في شريعته التنظيمية الخلقية الرفيعة؟

وقد يعترض آخر بأن النزعات الاشتراكية والدعوات الشيوعية التي ظهرت منذ القرن التاسع عشر الميلادي أو قبله، إنما تقوم على معتقد، ولا ترتبط بقومية أو لون أو جغرافية، ونجيب بأن هذه النزعات والدعوات إنما كانت ردات لأفعال مظالم إجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أكثر منها طموحاً أو حتى شعوراً بوجوب الارتفاع إلى مستوى رباط المعتقد، وتلاقي الإنسان مع الإنسان على أساس الفكر والإيمان وهذا هو تفسير فشل تجربتها وتزعزعها في نصف قرن ونيف من الزمان.

ان ثمة فرقاً دقيقاً وعميقاً بين الدعوة الإسلامية وهذه الدعوات، فالدعوة الإسلامية تنطلق من جانب غيبي دون دافع اجتماعي سابق ضاغط، ودون النظر إلى منفعة فريق خاص في المجتمع على حساب فريق آخر، أما النزعات الاشتراكية والدعوات الشيوعية فكانت نتيجة لتعسف طبقي أشعر بالحاجة إلى عمل مصلحي لنفع طبقة خاصة مظلومة، فلما انتفا أو تبدل الدافع الذي أشعر بالحاجة إلى التنظيمات الطبقية، زالت أو تبدلت معها الحاجة إلى التنظيمات تلك.

ان منطلق النزعات الاشتراكية والشيوعية طبقي ينظر إلى تفضيل مصلحة قسم فقط من المجتمع فهو غير شامل أي انه غير منطقي وغير أهل للنجاح العميق الدائم وهذه النزعات ترتبط غالباً بمجتمعات إنسانية خاصة دون مجتمعات، لأنها تنظر وتطبق نظرياتها بصورة عامة في المجتمعات ذات الطابع الصناعي أو العمالي خاصة.

ولكن حتى لو قبلنا ان تلك النزعات والدعوات والحركات تماثل الإسلام من حيث الرباط المعتقدي الأممي الإنساني الشامل فعلينا أن نعترف بأن الإنسان الأوروبي الذي يبدو للبعض أرقاً علماً ومدنية من أناس باقي القارات والذي توصل إلى الكثير من المعارف والدراسات والدروس

والتجارب، إنما عرف ارهاصات هذا المستوى من التطلع، وبدايات مثل هذا التحرك الأممي العالمي، بعد أكثر من اثني عشر قرناً على ظهور الإسلام، وإن كل التطور الذي سببته في أوروبا كتابات الفلاسفة ودعوات الكتاب وصرخات دعاة الإصلاح، قد سبقهم إليها في جزيرة العرب الصحراوية الجرداء، وقبل عشرات المئات من السنين، فرد يتيم فقير، أكاد أقول بدوي أمي لم يكن يتلو قبل دعوته من كتاب ولا يخطه بيمينه.

ترى ، أليس في هذا وجه آخر واضح بارز صارخ للمعجزة المحمدية؟ أتراه أقل إعجازاً من القرآن الكريم، إذا كانت معجزة القرآن تقوم على اللغة العربية وتحدي فصحاء العرب بآياته وبيانه وروعة أدائه، وإذا كان جانب الاعجاز القرآني يتحقق في دنيا الاعراب وحدهم، وفي حقبة التباري والتعالي بالفصاحة والبيان والإداء والبلاغة ومعلقاتها ومتعلقاتها، بينما نحن نعترف أن مقارنة  الدعوة الإسلامية بدعوة الأوروبيين بعدها بقرون ‘ انما تتحدى المنطق في تاريخ الإنسان كله، وعبر الأحقاب كلها.

ولئن كان الكتاب والفلاسفة والمصلحون الاجتماعيون الأوروبيون الذين ذكرنا، قد دعوا في غالبيتهم إلى اشتراكية عادلة لم يشهدوا تحققها، فإن ذلك الأمي الفقير صاحب الأفق الأبعد الذي وزع الفيء والغنائم والأنفال والخمس والصدقات والزكاة، على مجتمع المدينة وعلى المقاتلين وذوي القربى واليتامى والفقراء والمساكين والعاملين عليها، قد حقق عملياً مجتمع الاشتراكية العادلة بصدق وأقام دولة الإنسان والمعتقد – كما أسمينا – التي عجزو هم عن إقامتها، وهنا.. هنا يجب أن نتلمس صدق المعجزة الغيبية، وعلائم القدرة الإلهية، وصحة السماوي في رسالة يتيم الجزيرة الفقير الأمي.

2 – حرية الجنسية: السمة الثانية من سمات الدولة الإسلامية، ان الانتماء إليها اختياري الإنسان يقرر هو مختاراً أن ينتمي أو لا ينتمي إلى هذه الدولة باعتناقه لعقيدتها أو برفضه لهذه العقيدة. بتعبير آخر ان اكتساب ما يسمى الجنسية – بلغة الحقوقيين وعلماء القانون الدستوري – لا يحتاج إلى موافقة أي سلطة في الدولة الإسلامية.

في دول اليوم ثمة مقررات تحدد شروط اكتساب جنسيتها ، فبعضها تمنح الجنسية بعد سنوات محددة من الإقامة في ديارها، وبعضها تمنحها بالتزاوج مع أحد أتباعها، وبعضها تجعل الجنسية على درجتين، وبعضها تجعلها هبة استنسابية، أي تمنحها إذا شاءت، وتمنعها إذا لم تشأ، وفي كل الحالات لابدّ للراغب في اكتساب الجنية من تقديم طلب واتصاف بمواصفات أو خضوع لمقررات، ثم نيل لموافقة السلطات ، كما أن بعض الدول تسقط الجنسية عن أتباعها، حتى لو كانوا هم وآباؤهم وأجدادهم قد نشأوا عليها.

أما في الإسلام فيكفي أن يعبر المرء عن إقراره بصلاح عقيدة هذا الدين، حتى يصبح مباشرة مواطناً في دولته، ولا يحتاج إلى تقديم طلب ولا إلى موافقة أو إقرار من أحد على هذه المواطنية، بل لا يستطيع أحد، لا خليفة المسلمين ولا حتى النبي نفسه أن يمنع عنه هذا الحق، حين جاء قاتل حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، عم النبي وحاميه والمقاتل حتى الموت دفاعاً عنه يعلن إسلامه ويعتذر لم يرفض النبي إسلامه، بل كان جُلُّ ما طلبه صلى الله عليه وآله وسلم منه، أن يبعد حتى لا تقع عينه عليه، فيذكره – وهو البشر على كل حال – بذلك العم الأعز ، ويؤلمه.

وبالنسبة لنفسها من الحصانة والقوة، لا يستطيع أي صاحب سلطان في دولة الإسلام ولا حتى النبي نفسه أن يسقط جنسية هذه الدولة عن تابعها ما دام يشهد لله تعالى بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة..

ترى، هل في ما يسمى اليوم بدول العالم المتحضر كلها دولة واحدة جعلت للإنسان هذا المقدار من الحرية في الاختيار وتقرير المصير؟ هذا المقدار من الكرامة؟

3 – عالمية الدولة: والسمة الثالثة من سمات دولة الإسلام عالميتها، فهذه الدولة تعد لتعميم عقيدتها التوحيدية وتعاليمها التي تؤمن بإنسانيتها السامية في العالم كله، ليعم خيرها الإنسان كل الإنسان، في أي بقعة أقام، وبأي لون اتسم، وبأي لغة تكلم، وإلى أي طبقة انتمى، ومن أي سلالة انحدر، مع احترامه لخصائص تلك الشعوب ومشاعرها.

علائم ذلك متوافرة وأبرزها فرض الصلاة باللغة العربية.

الغريب ان البعض يعد هذا مأخذا، ويتهم الإسلام بعصبية قومية أو عنصرية. هذا كان يمكن أن يكون صحيحاً لو ان الإسلام منع التكلم بغير العربية أو حارب لغات الشعوب الأخرى، ولكن الدين يحث نبيه على التعلم حتى في غير ديار الإسلام مهما بعدت، وبلغات شعوب متغايرة وربما معادية لدينه مهما تنوعت (اطلبوا العلم ولو في الصين)، والذي يشجع صراحة على تعلم اللغات الأخرى، بل وبصورة خاصة حتى لغات الأعداء الأشرار (من تعلم لغة قوم أمن شرهم)، والذي يردد اتباعه بوضوح عبارة (كل لسان بإنسان) وفيها ما فيها لا من الحث على تعلم اللغات الأخرى فقط بل من المعنى الحضاري الإنساني الأعمق الذي يرى القيمة الحقيقية  السامية للإنسان في كلامه المعبر، وفي مدى ما في تعبيره ذاك من فكر ورأي وفن وجمال.. هذا الدين المنفتح على العالم وكل لغاته، لا يمكن أن يكون دين العنصرية المقيتة والتحجر القومي والثقافة الواحدة المفروضة.

اذن ما الهدف من فرض الصلاة – بل شهادة الإسلام أيضاً، وبعض المناسك والممارسات التعبدية كذلك – باللغة العربية؟

هو في نظرنا المتواضع، ان تكون ثمة لغة مشتركة للتخاطب بين شعوب الإسلام المختلفة ، والتالي بين شعبو العالم المختلفة، ما دام الإسلام دعوة ترمي إلى أن تعم العالم بفكرتها التوحيدية الغيبية وما دام نبيه – كما ينص القرآن – بشيراً ونذيراً للعالمين.

هل توصلت أي فلسفة في العالم، أو أي دعوة أصلاحية، أو أي حركة اجتماعية، لا قبل الإسلام فقط، بل وبعده أيضاً منذ ظهور الإسلام حتى اليوم إلاّ هذا المستوى من الحسن الشمولي والتطلع الأممي الإنساني الحضاري الرفيع؟

بلغني أنه في أوائل عهد انشاء هيئة الأمم المتحدة، ارتفع صوت خجول نادى بمحاولة تأليف لغة عالمية واحدة تعتمد إلى جانب اللغات القائمة، سعياً إلى التقريب بين الشعوب وتوصلاً إلى مزيد من فهم بعضها للبعض طريقاً إلى التفاهم بينها وطبعاً لم يكن لمثل هذا الصوت أن يستمر في عصر لم ينضج فيه بعد مثل هذا التفكير المنطلق، بل كم من شفاه لابدّ قلبت سخرية من الاقتراح ومن صاحب الاقتراح، ولكن هل حقق فقير الجزيرة الأمي هذا الحلم الصعب؟

وجواب السؤال يحمله سؤال آخر: هل تعرف طالب دين غير عربي، أو قل حتى أي مسلم متدين ولو بعض التدين، صيني أو هندي أو ياباني أو ايراني أو تركي أو باكستاني أو بريطاني أو ألماني أو أمريكي أو أو..

لا يعرف العربية أو على الأقل لا يلم ولو إلماماً بها؟

إن كون القرآن الكريم والحديث الشريف وهما باللغة العربية مصدراً للتشريع، وكون الصلاة تؤدى وتتلا بهذه اللغة أيضاً، مضافاً إليها جميعاً كون بعض العقود والأحكام تقوم على لفظ نصوص عربية، مما يقتضي من المسلم غير العربي فهماً لمعانيها ومراميها وما ينتج منها من أحكام، هذه كلها قد أدت إلى عالمية هذه اللغة في دنيا الإسلام والمسلمين على الأقل. وما دام الإسلام يرمي إلى أن تعم دعوته التوحيدية العالم، فهذا يعني ان انتشار الإسلام يؤدي إلى تحقيق اللغة العالمية المشتركة.

ثم، هل الحج نفسه إلاّ دعوة أممية عالمية؟

لو كان الهدف من الحج وأعماله العبادية هو أن تؤدى تلك الأعمال في أماكن محددة بالذات دون سواها لكانت تأديتها في تلك الأماكن في أي يوم من السنة تحقق معنى الحج، ولو كان الهدف من الحج وأعماله العبادية أن تؤدى تلك الأعمال في يوم محدد بالذات (هو يوم عيد الأضحى) لكانت تأديتها في ذلك اليوم في أي مكان من العالم تكفي وتحقق معنى الحج، ولكن الأمر بأن يؤدي جميع المستطيعين من المسلمين الحج وأعماله العبادية في تلك الأماكن دون غيرها، وفي ذلك اليوم دون سواه، معناه انه يهدف إلى دفع جميع مسلمي العالم المستطيعين إلى لقاء أممي تعارفي عاطفي عقلي اجتماعي إنساني، من أي أرض أتوا, وبأي لغة تكلموا، وأي لون حملوا، وإلى أي شعب انتسبوا، ومن أي طبقة تحدرو..

هل حققت أية فلسفة، أو أي حكم، أو أي مجتمع، أو أي سلطة في التاريخ، أمراً ملزماً بهذا المستوى بوجوب التلاقي الشعبي الإنساني الأممي؟ وبعبارة أخرى هل عرف التاريخ دعوة عملية بهذا المستوى من العالمية؟؟

في أواسط الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين، انعقدت على التوالي في عواصم مختلفة من العالم مؤتمرات شعبية أممية كان يتلاقى فيها أناس محبون للسلام من جميع شعوب العالم هذه المؤتمرات تختلف عن المؤتمرات المتخصصة المتعلقة بموضوعات محددة معينة، كالزراعة – مثلاً – أو التعليم، أو الطب... لأنها كانت شعبية عامة إنسانية غير مرتبطة بثقافة محددة أو فن معين، كانت عملاً حضارياً جميلاً.. ولكنها لم تدم، لأنها كانت في الظاهر عملاً إنسانياً عالمياً، بينما كانت في الواقع تجمعاً سياسياً متحيزاً، لأنها تعقد في بلاد اشتراكية وبدعوات من الأحزاب الشيوعية لتستغل لمصلحة اليسار العالمي ومهجامة أخصامه من الرأسماليين واليمين الغربي.

وحتى لو كان سبب فشل تلك المؤتمرات شيئاً آخر، نتساءل هنا كما تساءلنا قبل هناك إذا كانت هذه الحركة الحضارية العالمية الإنسانية – أعني حركة التلاقي الجماهيري الأممي الهادف – قد عرفت المحاولات الأولى لتحققها في أواسط القرن العشرين، فبم نفسر الأمر الألزامي بهذا العمل الحضاري الأممي الذي جاءت به شريعة أمي الجزيرة الصحراوية قبل وصول الشعوب المتطورة إلى الاشتراكيات وتحطيم الذرة والصعود إلى القمر وتنظيم مؤتمراتها الشعبية بما يقرب من أربعة عشر قرناً من الزمان؟

4 – دولة السماء والأرض: والسمة الرابعة في الدولة الإسلامية انها دولة الدين والدنيا معاً فحين ظهرت هذه الدولة ظهر رئيسها ذا صفتين فهو من جهة نبي وهو من جهة أخرى رئيس حاكم، هو ذو سلطتين ، أو أنها سلطة مزدوجة الطابع والتأثير، وهذ السلطة لا يستمدها وراثة من أب أو أسرة، ولا هي ممنوحة له من الشعب بالانتخاب، انها سلطة من الله، فالله سبحانه هو مصدر سلطة الحكم في دولة الإسلام والمنطلق والهدف معاً في هذه الدولة هو الجانب الديني فالدين الإسلامي لم يكن لخدمة الدولة الإسلامية بل ان الدولة الإسلامية هي التي كانت لخدمة الدين الإسلامي ونشره وتثبيته.

إذاً فالجانب الغيبي في هذه السلطة هو أهم، قل هو الأهم انه رأس المال كله في الدولة الإسلامية في معتقد المسلمين على الأقل فإذا تخلى المسلمون وتخلت دولتهم عن الجانب الغيبي، فقدت الدولة مقومات وجودها كله، وانقلبت تلك الدولة إلى مجرد دولة دنيوية عصبية أخرى، لا تمتاز من غيرها ولا تختلف عن سواها من الدول المماثلة بشيء.

أجل ان قوة الدولة الإسلامية إنما هي في ان نبيها يأتي بتعاليم الهية غيبية أعلى من مدارك البشر فهو (ما ينطق عن الهوى) وقرآنه (إن هو إلاّ وحي يوحى) وعليه فأحكامه لأنها إلهية لا تعرف الخطأ، والتالي ان النبي في تعاليمه معصوم.

ولكن، هل كانت المقدرة الإلهية الغيبية الحكيمة وقفاً على الآيات القرآنية وحدها؟ وبعبارة ثانية هل كانت عصمة  النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخطأ تنحصر في الآيات الموحى بها، وان النبي في ما عداها لم يكن معصوماً وكان يخطئ؟

والجواب: لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجرد ناقل للوحي إذاً فلم كان المسلمون يسألونه – وهم أكثر علماً منه هو الأمي – عن معاني القرآن، وعن أحكام الشريعة، بل وحتى عن أمورهم البيتية والمعاشية والاجتماعية؟ ولم كان هناك سنّة يأخذون بها؟ ولم كانت هذه السنّة بل وحتى التصرفات النبوية العادية، مصدراً من مصادر التشريع والأحكام في الإسلام؟؟

ولو كان دور النبي صلى الله عليه وآله وسلم منحصراً بنقل الآيات القرآنية الكريمة تماماً كالمنوم مغناطيسياً ليكون مجرد ناقل لأقوال لابدّ له فيها ولا دور، لكان جديراً بالمسلمين أن لا يأخذوا منه أو عنه أكثر من سماع  الآيات القرآنية، ولا يعملوا بشيء من آرائه الشخصية، وأن يعملوا بآرائهم واجتهادهم وفهمهم هم ويقولوا له – مثلاً – بعد سماع الوحي على لسانه: لقد انتهى دورك أنت، وأترك علينا نحن أن نفهم أوامر الله ونتدبر أمور الشريعة، ولكن الجانب الغيبي عاشه المسلمون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم متحققاً عنده على وجهين، عاشوه وحياً وآيات، وعاشوه تعاليم وتصرفات عملية، عاشوه أقوالاً وأعمالاً كانت المصدر الأهم، بل المصدر الوحيد للتشريع والتقرير في الدولة الإسلامية.

إذاً فعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت شاملة كان معصوماً في الوحي المعلن قرآناً، وفي القرار المطبق عملاً في الدولة الأخروية الدنيوية.

– 4 –

والآن، هل كانت هذه الدولة الأخروية والدنيوية معاً خاصة بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من بين المسلمين؟ فإذا مات النبي انتهى دور الدولة والغرض من وجودها؟

طبعاً لا، لأن المسلمين يؤمنون ان الرسالة الإسلامية هي ذروة الاكتمال في التنظيم الاجتماعي السياسي للبشر، في كل العصور وفي كل الديار، وان نبيهم هو خاتم النبيين، أي انه لن يأتي بعده تنظيم آخر أكمل، وانه إنما جاء ليضع أساس دولة الإنسان كل الإنسان، الإنسان في عصره ، والإنسان في كل العصور, وعليه فهذا التنظيم يجب أن يستمر بعده، مع الأهداف نفسها، وعلى القواعد والأسس والأحكام نفسها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وإذا وجب أن تستمر الدولة الإسلامية على القواعد نفسها، وجب أن تستند إلى القوة  الغيبية نفسها، أي وجب أن يكون رئيسها دينياً ودنيوياً معاً أي ان يكون علمه غيبياً كذلك والتالي أن يكون معصوماً أيضاً.

  

استمرارية الدولة الإسلامية:

نصل الآن إلى موضوع استمرارية دولة الإسلام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو – كما يعلم الجميع من مؤيد ومتحفظ وحتى معارض – يرتبط بوصية الرسول في حجة الوداع (هذه الوصية التي عقد المؤتمر الحالي لبحثها وتقويمها).

في هذا الموضوع، لابدّ أن نسجل النقطتين التاليتين المستخلصتين مما تقدم:

1 – ان المسلمين لم ينتخبوا هم نبيهم، فرئيس الدولة تعينه القوة الغيبية التي تتولى تنظيم شؤون المسلمين وتوجيههم، والتي هي أعلم بصلاحهم وأصلحهم.

2 – ان اقرار المسلم بشهادتي الإسلام يعني قبوله بنبوة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وحقها عليه واعترافه ضمناً بأن الله والرسول أعلم بمصلحته (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً ان يكون لهم الخيرة من أمرهم)(3)، بل (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)(4) وعليه فالله ومن يمثله على الأرض هما صاحبا الولاية والقرار لأنهما بعلمهما الكامل أدرى بالصلاح والمنفعة ، وهما يتوليان عن المؤمن جانب التنظيم وتقرير الأنسب والأفضل لتصرفاته وأعماله.

المسلم يمتنع عن أكل لحم الخنزير وعن شرب الخمر وعن وعن .. لا لأن هذا ضار وذاك خطر، أو أو ... بل لأن الإسلام أمره بهذا، فهو يطيع راضياً لأنه يعلم ان في تلك الأوامر صلاحه ونفعه حتى لو لم يدرك وجه الصلاح وسر النفع، أما إذا اكتشف بعد ان لحم الخنزير ينقل إلى الإنسان جرثومة التريشينوز وان الخمرة تضر كبده وأمعاءه وخلايا دماغه وغيرها ففي ذلك مزيد الرضا، ومزيد الاقتناع والسعادة بفضل الله الذي رضي له الإسلام ديناً.

  

وجوب الوصية:

بعد هاتين المقدمتين نتسائل: إذا أقر المسلمون ان تنظيمات الدولة الإسلامية وتشريعاتها صادرة عن علم غيبي أعلى من علم الإنسان، وإذا أقررنا أن الدولة الإسلامية ما قامت لتعيش عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وحده، بل لتستمر بعده بمقوماتها الغيبية والمشهودة، أفليس المفروض أن يتولى العلم الغيبي ذاك متعابة مسيرة الدولة وتوجيهها بعد النبي أيضاً؟ هل المسلمون بحاجة إلى التوجيه والتعليم والتشريع وحل الإشكالات المتولدة الطارئة في الميادين التشريعية والمذهبية والاجتماعية وسواها، في عهد الرسول فقط؟؟ أليس ان الإشكالات والحاجة إلى التوضيح والشرح والتعليم هي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أضعافها في عهده صلى الله عليه وآله وسلم؟ ألم تثبت الخلافات وتعدد المذاهب والاجتهادات التي ظهرت حتى في عهود الإسلام المثالية الأولى، بعد غياب المصدر التشريعي الغيبي الواحد، ان الحاجة حقاً إنما كانت إلى الفهم الواحد والحكم الواحد والنهج الواحد؟؟

لو كانت دولة الإسلام - كالدول التي سبقت والتي تلت – دولة مدنية عسكرية دنيوية فقط، ولو كانت بعد النبي، خاصة بمسلمي المدينة وحدهم – مثلاً – ولذلك العصر وحده، لا انها نواة دولة الإنسان في كل الأمصار لكل الأعصار، فلربما كان مقبولاً أن يتركها النبي بلا وصية، وأن يدعها بعده لمن يرى الناس أصلحيته لإدارتها، أما وانها الدولة التي تقوم على أساس معرفة غيبية أعلى من مستوى الإنسان العادي والتالي ان من الواجب لتكملة مسيرتها أن يستمد رأسها دائماً علمه وقوته وقانونية سلطته من عالم الغيب إلى جانب جدارته الإدارية الدنيوية، فهل من الطبيعي وهل من الانصاف وهل من مصلحة الإسلام ومصلحة المسلمين بل هل من المنطق أو حتى من المعقول في هذه الدولة القائمة أولاً وآخراً على القوة السماوية الغيبية أن تترك بعد النبي بلا توجيه وبلا تعيين من القوة الغيبية لموجه؟؟ أليس على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو رسول القوة الإلهية وممثلها على الأرض أن يعين قبل وفاته خلفه الأهل، ليكمل على الأرض مسيرة دولة السماء؟

وإن لم يفعل، فهل يكون قد بلغ رسالته؟

ثم لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يوص، أي لو كان ترك أمر المسلمين على الغارب دون وصية فهل كان جرؤ الخليفة أبو بكر على أن يوصي؟ أو لم يكن النبي أوصى فكيف أوصى الخليفة عمر؟ أتراهما إذاً قد أبدعا في الإسلام وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؟؟

وحتى لو أردنا أن نجاري الذين يقبلون البدعة إذا أعجبتهم وعندئذ ينعتونها بقولهم (بدعة حسنة) فاننا نرانا مضطرين إلى التساؤل هل الشيخان الخليفتان أبو بكر وعمر (رض) هما أبعد نظراً من النبي وأعلم بالمصلحة وأسبق منه إلى ابداع الحسن (إذا عد الابداع حسناً)؟؟

بل اننا نسأل: لو لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى قبل وفاته وإذا كان ترك أمر الخلافة هملاً بعده لاجتهاد المسلمين ورغائبهم دون أن يحدد التصرف ويسمي الخلف من بعده فكيف قبل المسلمون من الخليفتين ان يحددا الناس من يليهما أي ان يجرداهم من حرية الاختيار والانتخاب بعد أن تركها لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وان يفعلا ما لم يفعله الرسول نفسه؟؟

إذاً فليس المنطق وحده، بل تصرف الشيخين أيضاً في العهدين التاليين يدل على ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى، وان الوصية التي اشتهر انها حدثت في الثامن عشر من ذي الحجة في العام العاشر للهجرة عند غدير خم في عودته من حجة الوداع، إنما كانت هي التجسيد العملي لهذا الواجب الذي يؤكده لا العقل والعدل وحدهما بل ان أخبار التواريخ وكتب السيرة أيضاً تقول بتحققه، وان اختلفت إلى مضمون الوصية أو إلى نصها.

  

بم أوصى النبي؟

طبعاً أن نلج هنا باب التفسيرات المختلفة لمعنى وصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو مضمونها فإن ذلك سيجرنا إلى بحث جرى فيه وحول جدل كثير وكتابات طويلة ولكننا بناء على المقدمات التي أسلفنا نحكم بأن الوصية يجب أن تكون في موضوع ولاية أمور المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبصورة أوضح وأدق في تعيين ولي أمر المسلمين أو قل رئيس دولة الإسلام بعده.

  

ومواصفات هذا الولي أو الرئيس؟

مادام خلفاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتولى أمور المسلمين ويدير شؤونهم فيجب أن يكون معصوماً، لأنه بدوره يستند في إدارة دولته وتسيير أمور أمته على القوة الغيبية التي هي وحدها قوام دولة الإسلام أولاً وأخيراً. وبما ان هذا الخلف ليس نبياً يوحى إليه ما دام النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم النبيين لذا فإنه يجب أن يكون النبي قد لقنه كل ما لقن هو من المعارف فوق البشرية وزقه كل متطلبات الشريعة السماوية وجعله باباً لمدينة علمه الغيبية محيطاً بأحكام الشريعة الخاتمية واعياً لآفاقها ومراميها الإنسانية الأممية ومؤهلاً لادارة الدولة الإسلامية الأخروية والدنيوية.. بل ويجب أن يكون ذاك الخلف أيضاً إلى جانب علمه الغيبي صنواً للنبي وبسمتواه أو قريباً من مستواه في ميدان الفهم لرسالة الإسلام وأهدافها ومدياتها، وفي ميدان الفقه المطلوب لتطبيق أحكامها، وفي ميدان البيان الواجب لقيادتها والتعبير عن متطلباتها بل وأن يكون بمستواه خلوصاً للإسلام وذوباً فيها وعطاء له، ليكون أهلاً للمنصب الغيبي العظيم الخطير الذي يمثل فيه بني الإسلام ورسول الله إلى البشر... بعد وفاته.

  

لمن أوصى النبي؟

قد يرى كثيرون ان هذه الصفات أو معظمها متوفرة لكثيرين حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صحابته ونحن إذ لا ننكر ما كان لصحابة الرسول الكرام من مقام عند النبي وعند المسلمين، لا نرى قط مجالاً للشك أو التردد أو الموازنة – على صعيد الوصية وتعيين الخلف له – بين الإمام أبي الحسن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ربيبه وابنه الروحي وصهره.. وبين باقي الصحابة  الكرام (رض) وطبعاً ان حجج الفاضل والمفضول ومعنى الولي والولاية وقصص فقه عليّ وعلمه ونصائحه وتوجيهه وإشاراته على الخلفاء الذين كانوا قبله وأحاديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها)،  ( ولولا عليّ لهلك عمر)، ( ولا أبقاني الله لمعضلة...) وأمثالها، هي من الأمور التي قيل ويقال وسيقال بعد فيها الكثير الكثير، وقل ان يقنع حديثها المعاد – لو كنا بصدد  الاقناع – طرفاً من هنا وطرفاً من هناك. لذا علينا إذا أردنا أن نصل إلى نتيجة مرضية بشأن الوصية التي حكمنا بأنها كانت حتمية وواجبة من أجل اصلاح المسلمين وتأمين سيرورة دولتهم ومتابعة صالح قيادتهم بعد النبي، ان نستلهم – ان أمكن – أفعال الرسول وأقواله وحده، ما دام هو المصدر الأول الذي يخضع له جميع المسلمين.

ولكن حديث الأفعال والأقوال النبوية طويل، بل وبعضها – إذا لم أقل الكثير منها – غير ثابت، لذا سأكتفي بالتذكير بموقفين ثابتين عند مؤرخي المسلمين ورواتهم جميعاً، وهما موقفان كانا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم فعلاً وقولاً بشأن عليّ عليه السلام:

1 – أما الموقف الأول، الموقف الفعل فهو ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمى علياً يوم الغدير (ولياً) من بعده ولقد رد الإمام شرف الدين رحمات الله عليه في مراجعاته(5) على الذين حاولوا أن يرو في كلمة (ولي) أو (مولى) معنى آخر غير معنى متولي الأمور ومدبرها، فجعلوها من (الولاء) بمعنى المتابعة أو التأييد أو النصرة أو الإرث أو الصداقة أو أو .. ردّ باستحالة ان يمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الألوف من الحجاج عن المسير ويوقفهم في الحر اللاهب دون كلأ أو ماء، ويرجع المتقدمين ويلحق المتأخرين ليقول لهم ما يعادل بلغتنا اليوم : (يا جماعة، عليّ رجل طيب) أو (عليّ يحب المؤمنين)... الخ.

ونحن بدورنا نتوجه إلى الذين يرون في عبارة (عليّ مولى كل مؤمن ومؤمنة) ان المقصود منها انه محب للمؤمنين والمؤمنات، أو صديق لهم، أو ناصر.. بسؤال: هل كان عليّ وحده بين الصحابة المحب للمؤمنين والمؤمنات؟ وإذا سلمنا ان اعلان هذا الأمر كان يستحق من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن يوقف الحجاج في المكان الذي يتفرقون منه إلى ديارهم المختلفة، ويطلب من الحاضرين أن يبلغوا الغائبين ان علياً يحب المؤمنين والمؤمنات، نسأل: لِمَ لم يعلن النبي النبي اسم أحد غير عليّ من الصحابة ولياً آخر أو أولياء آخرين لكل مؤمن ومؤمنة؟ هل يكون حب المؤمنين والمؤمنات محصوراً عادة بشخص واحد فقط؟

ان هذا الشخص الكريم الذي قال في حجة الوداع عن عليّ انه (مولى كل مؤمن ومؤمنة)، يؤمن المسلمون جميعاً ان الله يقول فيه انه (أولى بالمؤمنين من أنفسهم)(6) فما معنى هذه الولاية ؟ وهل زعم أحد انها تعني ان النبي أجدر بنصرة المؤمنين أبو بحبهم من أنفسهم؟ أم ان الآية واضحة الدلالة بأن الولاية هنا تعني انه سيد أمورهم وحاكمهم المطلق حتى لكأنه أبوهم الواجب الطاعة، بدليل جعل أزواجه بعدها مباشرة أمهاتهم (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) فهذا المولى الواجب الطاعة يقول يوم الغدير في روايات الأطراف والأهواء المختلفة: (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه) فكيف انقلب الأب السيد المطاع في (المولى) الأولى، إلى صديق محب للمؤمنين غير ملزم للطاعة في (المولى) الثانية؟

ثم ماذا يعني اعلانه صلى الله عليه وآله وسلم لتلك الولاية حين شعر انّه (يوشك أن يأتيه رسول ربه) أي في الأيام الأخيرة من الحياة حين يشعر المرء بوجوب تنظيم تراثه من بعده وتوزيع أعماله وادارتها ومتابعة تنظيماتها في خاصته وورثته؟ لم كان ذلك الاعلان عن (حب عليّ للمؤمنين ونصرته لهم..) قبيل الوفاة ققط؟ أما وجد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم خلال سنوات دعوته الثلاث والعشرين ، أو على الأقل خلال سنوات دولته العشر بعد الهجرة أو خلال المدة التي استقرت فيها دولته بعد الفتح.. أما وجد النبي خلال تلك المدة كلها فرصة واحدة ليقول للناس: عليّ يحب المؤمنين، أو : عليّ رجل طيب، إذا كان الغرض من وصفه الأمير (بالمولى) معنى النصير والمحب والصديق؟

أم ان علياً صار مؤمناً ومحباً للمؤمنين في الشهرين الأخيرين فقط؟

ثم أليس في حصر تلك الصفة بعلي عليه السلام وحده ، وفي موقف الشعور بدنو الأجل والتحدث بحديث الوداع.. أليس في ذلك دلالة خاصة ورمز عميق.

2 - أما الموقف الثاني للرسول صلى الله عليه وآله وسلم الموقف القول، في عليّ عليه السلام فحيث شريف ينقله ابن ماجة، وابن ماجة – كما هو معلوم – ليس شيعياً ولا يقدم خلافة الإمام عليّ عليه السلام بعد النبي مباشرة يقول:

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسويد بن سعيد وإسماعيل بن موسى قالوا: حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن حبشي بن جنادة قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (عليّ مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا عليّ)(7).

 

حديث كثير التقدير وظاهر التجليل لعليّ عليه السلام في شقيه كليهما:

أما الشق الأول منه (عليّ مني وأنا منه) فإن المتأمل فيه يستشف خلفه معنى غيبياً عميقاً يجعل لعليّ ميزة لم تكن لأي غيره من الصحابة الكرام ومن معاصري الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بل وتجعله أعلى منهم جميعاً ولقد ملأ أصحاب الصحاح والموطأت والسنن والمؤرخون وكتاب السيرة، الصفحات الكثيرة من كتبهم بالأحاديث المماثلة والمشابهة التي أجمعوا على ان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قالها في عليّ عليه السلام وان من أحب علياً فقد أحبه هو صلى الله عليه وآله وسلم ومن أحبه فقد أحب الله.. وان من كان النبي مولاه فعليّ مولاه.. وان علياً هو ولي كل مؤمن ومؤمنة.. الخ.

ومع ذلك، ورغم كل الوضوح في تلك الأحاديث التي تقدم الإمام أبا الحسن عليه السلام ، فإن الكثيرين من المسلمين المتأثرين بدعايات بني أمية منذ بدايات عهدهم أي منذ أيام معاوية، والكثيرين من المسلمين المخلصين في الأجيال التالية الذين رأو تناقضاً صريحاً بين مضامينها ومدلولاتها الواضحة، وبين موقف المسلمين في غالبيتهم من عليّ عليه السلام وتصرفهم معه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حاولوا تأويل تلك الأقوال وتحميلها المعاني التي تبعد المسلمين الأولين عن موقف المخالفة للرسول وأوامره.

وقياساً عليها، ولن نعدم اليوم أيضاً من يحاول أن يفسر قوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نقله ابن ماجة (عليّ مني وأنا منه) تفسيراً يبعده عن المعنى الواضح الصريح فيه ، ويجرد الإمام عليه السلام من مكرمة المزاملة والمشاركة بل المماثلة والمؤازرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لذا لن أتوقف طويلاً عند هذا الشق من الحديث رغم أهميته وعمق دلالته وبعد ما فيه من رمز، لأنتقل إلى الشق الثاني من الحديث وهو هنا الأهم.

في الشق الثاني من الحديث الذي نقله ابن ماجة حيث يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصراحة: لا يؤدي عني إلاّ عليّ، نتسائل أولاً هل ثمة من يفتش – هنا أيضاً – عن معنى آخر محتمل لفعل (يؤدي) يبعد عن عليّ عليه السلام ما في التأدية من عظمة وفاعلية؟

إن المحاولة أضعف من أن تحظى ولو ببعض الاحترام الجدي، إذ واضح ان (الأداء) الذي يذهب إليه الذهن بصورة عفوية طبيعية إنما هو أداء الرسالة كما أداها الرسول، وأداء أعماله بعده كما كان يؤديها في حياته، وأنه ينوب عنه ويحل محله في غيابه، وما عدا ذلك فهو سعي مفضوح إلى بلوغ تفسير مراد معروف يرمي المفسرون سلفاً إلى الوصول إليه ، لا إلى ما أراد الرسول وما تريد الحقيقة.

وحتى لو حاول البعض التفتيش رغم ذلك عن معنى آخر، فإنهم لن يجدوا أي تفسير أو تأويل يقبله عقل سوي عادي لكلمة (الأداء) غير ما أدى النبي نفسه في حياته من الرسالة السامية.

ان الأهم عندي (في هذا الشق من الحديث) الذي أتوقف كثيراً عنده، إنما هو هذا الحصر الصريح الواضح للحكم بخلافة النبي.

ان الأحاديث الكثيرة والمختلفة التي ذكرنا ان أصحاب الصحاح والموطّات والسنن والمؤرخين وكتاب السيرة نقلوها في كتبهم بشأن عليّ عليه السلام ليس فيها واحد يتضمن ما يتضمن الحديث الذي نقله ابن ماة من النص الصريح، ومن التحديد الواضح، تحديداً لا يقبل التأويل أو يحتمل التبديل والاسم الذي يؤدي الرسالة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده فهذا الحديث من حديث البنية اللغوية، ومن حيث دلالة المعنى، ومن حيث الحكم القضائي الشرعي، لا يختلف على الإطلاق عن قولك (لا حول ولا قوة إلاّ بالله) بل عن قول المسلمين والموحدين جميعاً (لا إله إلاّ الله) فكما حصرت (إلاّ) الاستثنائية الألوهية في الله وحده بعد (لا) النافية لجنس الألوهية عن سواه جل جلاله، كذلك حصرت (إلاّ) الاستثنائية في الحديث الشريف أداء الرسالة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عليّ وحده (بعد (لا) النافية لجنس الأداء عن سواه عليه السلام ) وكما لا يقبل المسلم – بعد شهادة لا إله إلاّ الله الباتة – احتمال وجود إله آخر غير الله، كذلك لا يمكن – بعد قول الرسول البات (لا يؤدي عني إلاّ عليّ) – احتمال وجود أي مؤد آخر غير عليّ عليه السلام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذه النتيجة التي قاد إليها الحديث المشار إليه، تحدد بصورة باتة ان موقع عليّ في دولة الإسلام، إنما هو موقع رئيس الدولة بعد غياب الرئيس المؤسس (كما نقول بلغة اليوم) وتؤدي إلى الاقتناع بأن وصية يوم الغدير في حجة الوداع إنما كانت لتنظيم أمر الدولة قبل مفارقة الرئيس لها، والتحديد للمسلمين بوضوح ان علياً هو وحده المولج بقيادة السفينة بعد غياب ربانها الأول، لأنه وحده المطلع من رسول الغيب على تعاليم الغيب وحكمة الغيب، فما يفعله بعد النبي فكأنما فعله النبي، ومن يعينه ليتابع بعده مسيرة رسالة السماء على الأرض، فكأنما عينه – عن طريق ما علمه رسوله – رب السماء والأرض..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

1 ـ يدعو صاحب الدراسة الى تبسيط الأملاء العربي ويطبق في كتبه وكتاباته قواعد تتلخص بما يلي:

أ ـ كل ألف تلفظ في القراءة، تثبت في الكتابة: لاكن، هاذا، وذالك.

ب ـ كل ألف تهمل في القراءة، تهمل في الكتابة: كتبو، وأعادو.

ج ـ الألف في آخر الكلمة تكتب ممدودة: صحارا، مستشفا، مصطفا... إلا في اسم الجلالة الله، والكلمات الأربع التالية/ حتى متى ، إلى، على.

2 ـ أما الدول القليلة التي ما عرفت في نسباتها أسماء أشخاص محدودين، لأن مؤسسيها لم يكونوا يعرفون أسماء آبائهم لينتسبوا إليهم بسبب انهم كانوا أرقاء مأسورين في حرب، أو أبناء عبيد انتزعوا صغاراً من أهاليهم فنسبوا إلى المدن التي حكموا فيها، كالغزنويين، أو إلى الطبقة التي ظهروا منها كالمماليك، وكذا الدول القليلة التي ظهرت بأسماء مذهبية، مثل العلويين في طبرستان، أو الفاطميين في شمالي أفريقيا ومصر، فإن أسمائهم العاطفية المذهبية لم تكن لتغطي عائليتهم الواضحة في أسماء ملوكهم المتوارثين للعروش ضمن الأسرة الحاكمة الواحدة .

3 ـ ج 22، ص 33 الأحزاب / ى 36 .

4 ـ ج 21، س 33 الأحزاب / ى 6 .

5 ـ المراجعات / المراجعة 58_  مطبوعات النجاح ط 2 القاهرة 1399 ه_ - 1979 م .

6 ـ ج 12 س 33 الأحزاب، ي 6 .

7 ـ سنن ابن ماجة ، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي الحديث 119 طبعة دار الفكر ج 1 ص 44 .