لمحات ديمقراطية من حياة الامام علي (ع)

(مقاربات موضوعية)

علاء الخطيب

هناك من الناس من يسبق عصره في طرح الفكرة لذا لا يأخذ موقعه المفترض في حياته ولكن الزمن هو من يتكفل في جلاء الحقيقة وإظهارها , وما حدث للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام حينما كان يطلق الفكرة ويمارسها على صعيد التطبيق لا يستوعبها الكثير من الذين عاصروه بل تجد منْ يعترض عليها ويسخر البعض الآخر منها , ففي حياة الإمام علي لمحات تجاوزت الزمن الذي عاش فيه, وبما أننا على أعتاب ذكرى ولادته الميمونه في الثالث عشر من شهر رجب , لاسيما ونحن الذين عشقناه لعشقه للإنسانية وتربينا على تعاليمه الأخلاقية, لابد وأن يمر نسيمه وشذاه الأنساني على أرواحنا العطشى وقلوبنا التي أتعبها الترحال بين متاهات الافكار, وأن نستعيد تلك الوقفات الرائعة لنقف من خلالها على عظمة الإنسان حينما ينطلق نحو الدائرة الأكبر وهي الإنسانية , وحينما يتجرد من نزعاته الذاتية,وهذه اللمحات سميتها بالديمقراطية وإن لم تكن الديمقراطية معروفة كمصطاح في زمن الإمام علي وقد يستغرب البعض من هذه المقاربة , ولكن الديمقراطية تعني المشاركة بمعناها العام ,فقد مارسها  الأمام على المستوى العملي التطبيقي, فحينما يرفض الإمام علي (ع)  البيعة المقتصرة على النخبة ويطالب بأنتخاب جماهيري واسع ليحقق للجميع فرصة إنتخاب من يرغبون للقيادة أي بمثابة الانتخابات العامة والتي هي مرتكز رئيس في العملية الديموقراطية, وعندما يرفض البعض إنتخابه يكون رده ديمقراطيا ً متبنيا ً فكرة حرية الرأي , فهذا الصحابي عبد الله بن عمر يدخل عليه ويرفض إنتخابه وحينما يسئله الإمام عن السبب يقول له   (( أعطني سيفا ً يفرق بين المسلمين والكافرين لأبايعك)) وماكان جواب الامام علي سوى قوله  لاتبايع فأراد أن يخرج فقام له مالك الأشتر فقال له (( والله لاتخرج من هنا حتى تأتينا بكفيل)) فرد الإمام علي عليه اتركه يا مالك انا كفيله )) أي لا يحق لنا ان نجبره على شئ هو غير مقتنع به ,وحينما  يرسل حاكما ً الى مصر يوصيه بثوابته الإنسانية التي تُعدُ اليوم من المرتكزات المهمة في بناء المجتمعات المدنية فيقول له ((واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم اكلهم فإنهم صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق يفرط منهم الزّلل وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على ايديهم في العمد والخطأ ، فأعطهم من عفوك وصفحك))  أي أن معيار الحاكم بالنسبة للمواطنين هو المواطنة  وليس الدين أو العرق, وهذه العبارة السالفة بالمناسبة قال عنها كوفي عنان الامين العام السابق للأمم المتحدة يجب ان تنشدها البشرية, فعلي (ع) يزرع ثقافة التعايش السلمي ومبدأ التعددية ويبذر الحب الذي أهم مقوم للفكر الديني والذي مع الأسف شوهه الرديكاليون والمتطرفون ممن يحملون الدين كونه حالة عصبية أو مطلقات لا يمكن مناقشتها  , فنرى عليٌ  في موقع آخر يقول للمسؤولين ((انصفوا الناس من أنفسكم وإصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية ووكلاء الأمة.... ولاتضربن احداً سوطاً لمكان درهم ولاتمسّن مال أحد من الناس مصلّ ولا معاهد )) والمعاهد هو غير االمسلم  واليوم وبعد تلك القرون ننادي بهذه المبادئ الإنسانية العظيمة ونسعى الى تحقيقها, ولكن علي بن أبي طالب مارسها كحاكم بشكل عملي في الكوفة وهو يمر على رجل يتسول ويطلب من الناس ,فيسأل عنه ويجيبوه بأنه  مسيحي غير مسلم, فينتفض هذا الحاكم العادل فيقول لهم زاجرا ً ((استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه؟ انفقوا عليه من بيت المال)) هنا يؤكد الامام على حقوق المواطنه الكاملة لجميع المواطنين دون تميز.

أما على صعيد فصل السلطات والتي تعتبر سمة مميزة للنظام الديموقراطي فقد نقل لنا تاريخ الامام علي صورة رائعة بهذا المضمار وكان الامام آنذاك رئيساً للدولة الإسلامية وهو يشاهد احد رعاياه يحمل درعاً يخصه , فيقاضيه لدى قاضي الكوفة ( شريح ), فيجلس إلى جانب ذلك الرجل يخاصمه مخاصمة رجل من رعاياه، فقال الامام: إن هذه درعي لم أبع ولم أهب، فقال الرجل: الدرع درعي، وما أمير المؤمنين عندي إلا بكاذب، ققال شريح ما تقول يا أمير المؤمنين فهل عندك دليل وبينه , فقال علي  لا  فيقضي القاضي للرجل , ... وهذه الصورة تبين لمحة جميلة لسيادة القانون وإستقلال القضاء وحيادية المحاكم, وما أكثر هذه اللمحات في حياة الامام علي (ع) الذي أراد أن يُكرس من خلال ممارساته العملية مفاهيم انسانية عظيمة يتفاخر العالم المتقدم اليوم بتطبيقها كالتعددية والمساواة والتسامح وثقافة اللا عنف والتعايش والانفتاح على الآخر ففي منظور الامام علي أن الدين قائم على هذه المبادئ فالعبادة علاقة مع الله وهي تخص الانسان فقط والله هو الذي يثيبه عليها ولا شأن للآخرين بهذه العلاقة , ولكن المفاهيم الأخرى هي صلب العملية الايمانية كما يقول النبي محمد ( ص)  (( إنما الدين المعامله))  فقد  أنزل الامام علي النظرية الى الواقع فجسد الاسلام بشكل ممارسة حياتية ليكون حالة تعم البشر جميعا ً و حينما نستذكر هذه اللمحات اليوم إنما نبحث عن أصول القوة  لدينا ومكامن الرقي الإنساني , ومن جانب آخر يتضح لنا اسباب الانحدار الانساني وهو الانغلاق والتعصب والكراهية ونبذ الآخر, فالإسلام وجميع الأديان إنما هي رسالة السماء من أجل إسعاد البشرية ونشر للمحبة والسلام.