آيات قرآنية

وأحاديث نبويّة في الولاية

أفتتح هذا البحث بالصلوات الشعبانيّة.

اللهمّ صَلِّ على محمّد وآل محمّد، شجرة النبوّة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعدن العلم، وأهل بيت الوحي.

اللهمّ صَلِّ على محمّد وآل محمّد، الفلك الجارية، في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدّم لهم مارق، والمتأخّر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.

اللهمّ صَلِّ على محمّد وآل محمّد، الكهف الحصين، وغياث المضطرّ المستكين، وملجأ الهاربين، وعصمة المعتصمين.

ووهذه بعض الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة
في مناقب مولى الموحّدين وأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

 

بسم الله الرحمن الرحيم

1 ـ قوله تعالى: (وَأنْذِرْ عَشيرَتَكَ الأقْرَبينَ)(1).

ذكر تفسير هذه الآية عدد كبير من حفّاظ القوم ورواتهم منهم: الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل(2)، أذكر روايته بالنصّ بعد حذف السند طلباً للاختصار.

قال الحاكم الحسكاني: حدّثني ابن فنجويه، بإسناده إلى البراء بن عازب قال:

لمّـا نزلت (وَأنْذِرْ عَشيرَتَكَ الأقْرَبينَ) جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطّلب، وهم يومئذ أربعون رجلا. الرجل منهم يأكل المسنّة ويشرب العسّ، فأمر(صلى الله عليه وآله)علياً برِجل شاة فآدمها ثمّ قال: ادنوا باسم الله، فدنا القوم عشرة عشرة، فأكلوا حتّى صدروا، ثمّ دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة، ثمّ قال لهم: اشربوا بسم الله. فشرب القوم حتّى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل!! فسكت النبي (صلى الله عليه وآله) يومئذ فلم يتكلّم، ثمّ دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب، ثمّ أنذرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطّلب، إنّي أنا نذير إليكم من الله عزّ وجلّ، وبشير لما يجيء به أحدكم، جئتكم] بخير [الدنيا والآخرة، فأسلِموا وأطيعوني تهتدوا، ومن يؤاخيني منكم ويؤازرني ويكون وليّي ووصيّي بعدي، وخليفتي في أهلي، ويقضي ديني؟ فسكت القوم، وأعاد ذلك ثلاثاً كلّ ذلك يسكت القوم] ويقوم [ويقول علي: أنا. فقال: أنت. فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك، فقد أمّره عليك.

هذا نصّ الحسكاني.

ورواه جمعٌ غفير من أعلام القوم ومؤرّخيهم ومفسّريهم أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:

الإمام أحمد بن حنبل الشيباني المروزي في (المسند) 1: 111، طبعة مصر.

ومنهم: ابن أبي الحديد في (شرح النهج) 2: 253.

ومنهم: الحافظ البغوي في (معالم التنزيل) 5: 105، طبعة القاهرة.

ومنهم: العلاّمة النسائي في (الخصائص): 18، طبعة التقدّم بمصر.

ومنهم: العلاّمة الطبري في (تفسيره) 19: 68، طبعة الميمنية بمصر.

أكتفي بهذا القدر من المصادر، ومن أراد التفصيل، فليراجع:

موسوعة (عليّ في الكتاب والسنّة) ; للمؤلّف، وموسوعة (إحقاق الحقّ) 3: 562، و (مستدركه) 14: 423 - 430، و 20: 119 - 125 للعلاّمة السيّد المرعشي النجفي.

2 - عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور الحقّ معه حيث دار

3 - آية التطهير وحديث الكساء:

(إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً)(3).

ممّـا لا شكّ فيه أنّ حديث نزول آية التطهير في أهل البيت (عليهم السلام)، أو ما أطلق عليه العلماء والمحدّثون (حديث الكساء) قد روي بطرق لا تحصى كثرةً، حتّى جاوزت حدّ التواتر، وبلغ من الشهرة والثبوت بحيث لم يُبقِ سبيلا أمام أيّ عالم، باحث، محقّق، مؤمن، منصف إلاّ تصديقه وتصحيحه والإذعان به، بل أدّى هذا التواتر إلى انكباب كبار الحفّاظ وأجلّة العلماء وثقات الرواة إلى روايته وحفظه ودراسته، والتصدّي له بالتأليف والتصنيف، وحرّك صيارفة القول وصاغة القريض والشعراء البارعين روح الإبداع فنظموه في قصائد عصماء وأراجيز بديعة، سار ذكرها مع الركبان، وحكاها مهرة الفنّ وأئمّة النقل.

ولتكن فاتحة متون الحديث ومصادره بذكر متنه المطوّل الذي رواه العلاّمة الجليل الشيخ عبد الله البحراني في (العوالم) بسند فيه ثلّة من أجلاّء العلماء وأعلام الطائفة إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال:

سمعت فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالت:

دخل عليَّ أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في بعض الأيام.

فقال: السلامُ عليكِ يا فاطمة.

فقلت: وعليك السلام يا أبتاه.

فقال: إنّي لأجدُ في بدني ضعفاً.

فقلت: اُعيذك بالله يا أبتاه من الضعف.

فقال: يا فاطمة، ائتيني بالكساء اليماني، وغطّيني به.

فأتيتهُ وغطّيتهُ به، وصِرتُ أنظر إليه فإذا به يتلألأ كأ نّه البدر في ليلةِ تمامهِ وكمالهِ.

فما كانت إلاّ ساعة وإذا بولدي الحسن قد أقبل، فقال: السلامُ عليكِ يا اُمّاه.

فقلت: وعليكَ السلام يا قرّة عيني، وثمرة فؤادي.

فقال لي: يا اُمّاه، إنّي أشمُّ عِندَكِ رائحةً طيّبةً كأ نّها رائحةُ جدّي رسول الله.

فقلت: نعم يا ولدي، إنَّ جدّكَ تحتَ الكساء.

فأقبل الحسن نحو الكساء، وقال: السلام عليك يا جدّاه، يا رسول الله، أتأذن لي أن أدخل معك.

فقال: وعليكَ السلام يا ولدي، وصاحب حوضي، قد أذنتُ لكَ، فدخل معه تحتَ الكِساء.

فما كانت إلاّ ساعة فإذا بولدي الحسين قد أقبل، وقال: السلامُ عليكِ يا اُمّاه.

فقلت: وعليكَ السلام يا قرّة عيني، وثمرة فؤادي.

فقال لي: يا اُمّاه، إنّي أشمُّ عندكِ رائحةً طيّبةً كأ نّها رائحةُ جدّي رسول الله.

فقلت: نعم يا بني، إنّ جدَّك وأخاك تحت الكساء، فدنا الحسين نحو الكساء وقال: السلام عليكَ يا جَدَّاه، السلامُ عليكَ يا مَن اختارهُ الله، أتأذن لي أن أكونَ معكما تحت هذا الكساء.

فقال: وعليكَ السلام يا ولدي، ويا شافع اُمّتي، قد أذِنتُ لك، فدخل معهما تحت الكساء.

فأقبل عند ذلك أبو الحسن علي بن أبي طالب، وقال: السلامُ عليكِ يا فاطمة، يا بنتَ رسول الله.

فقلت: وعليكَ السلام يا أبا الحسن، ويا أمير المؤمنين.

فقال: يا فاطمة، إنّي أشمُّ عندَكِ رائحةً طيّبةً كأ نّها رائحة أخي وابن عمّي رسول الله.

فقلت: نعم، ها هو مع ولديكَ تحت الكساء.

فأقبل عليٌّ نحو الكساء، وقال: السلامُ عليكَ يا رسول الله، أتأذنَ لي أن أكون معكم تحت الكساء؟

فقال له: وعليكَ السلام يا أخي وخليفتي، وصاحبَ لوائي في المحشر، نعم قد أذنت لك، فدخل عليٌّ تحت الكساء.

ثمّ أتيت نحو الكساء، وقلت: السلامُ عليك يا أبتاه، يا رسول الله، أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟

فقال لي: وعليكِ السلام يا ابنتي، ويا بضعتي، قد أذنتُ لكِ، فدخلتُ معهم.

فلمّـا اكتملنا واجتمعنا جميعاً تحت الكساء أخذَ أبي رسول الله بطرَفَي الكساء، وأومى بيده اليُمنى إلى السماء وقال:

«اللهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي، وخاصّتي، وحامتي، لحمهم لحمي، ودمهم دمي، يؤلمني ما يؤلمهم، ويحزنني ما يحزنهم، أنا حربٌ لمن حاربهم، وسلمٌ لمن سالمهم، وعدوٌّ لمن عاداهم، ومحبٌّ لمن أحبّهم، وإنّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلواتَك وبركاتِك ورحمتَك وغفرانك ورضوانك عليَّ وعليهم، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً».

فقال عزّ وجلّ: «يا ملائكتي، ويا سكّان سماواتي، إنّي ما خلقتُ سماءً مبنيّة، ولا أرضاً مدحيّة، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور، ولا فُلكاً تسري، ولا بحراً يجري إلاّ لمحبّة هؤلاء الخمسة، الذين هم تحت الكساء».

فقال الأمين جبرئيل: يا ربّ، ومَن تحت الكساء؟

فقال الله عزّ وجلّ: هم أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، وهم: فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها.

فقال جبرئيل: يا ربّ، أتأذن لي أن أهبط إلى الأرض لأكون معهم سادساً؟

فقال الله عزّ وجلّ: قد أذنت لكَ.

فهبط الأمين جبرئيل، وقال لأبي: السلامُ عليكَ يا رسول الله، العليُّ الأعلى يقرؤك السلام، ويخصّك بالتحيّة والإكرام، ويقول لك: وعزّتي وجلالي، إنّي ما خلقت سماءً مبنيّة، ولا أرضاً مدحيّة، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئةً، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري، ولا فُلكاً تسري إلاّ لأجلكم ومحبّتكم، وقد أذن لي أن أدخل معكم، فهل تأذن لي أنت يا رسول الله؟

فقال أبي: وعليك السلام يا أمين وحي الله، نعم، قد أذنتُ لك، فدخل جبرئيل معنا تحت الكساء.

فقال جبرئيل لأبي: إنّ الله قد أوحى إليكم يقول: (إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً)(4).

فقال عليّ: يا رسول الله، أخبرني ما لجلوسنا هنا تحت هذا الكساء من الفضل عند الله.

فقال: والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، واصطفاني بالرسالة نجيّاً، ما ذُكِرَ خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض، وفيه جمعٌ من شيعتنا ومحبّينا إلاّ ونزلت عليهم الرحمة، وحفّت بهم الملائكة، واستغفرت لهم إلى أن يتفرّقوا.

فقال عليّ: إذن والله فزنا وفاز شيعتنا، وربّ الكعبة.

فقال أبي: يا عليّ، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، واصطفاني بالرسالة نجيّاً، ما ذُكِرَ خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض، وفيه جمعٌ من شيعتنا ومحبّينا وفيهم مهمومٌ إلاّ وفرّج الله همّه، ولا مغمومٌ إلاّ وكشف الله غمّه، ولا طالب حاجة إلاّ وقضى الله حاجته.

فقال عليّ: إذن والله فزنا وسعدنا، وكذلك شيعتنا فازوا وسعدوا في الدنيا والآخرة وربّ الكعبة - انتهى الحديث.

الله أكبر ! ما أجلّ هذا الحديث وأعظمه، اللهمّ اجعلنا من مُحبّي أهل بيت نبيّك وشيعتهم، والمتمسّكين بأهدافهم.

إتماماً للبحث أذكر بعض ما ورد من أحاديث وآثار اُخرى ترتبط بهذه الآية الكريمة الجليلة.

فقد روى الحديث المفسّر الثقة الحسين بن الحكم الحبري المتوفّى سنة 286 هـ في «ما نزل من القرآن في عليّ (عليه السلام)»، الصفحة 297، الحديث 50 بإسناده إلى اُمّ سلمة، قالت:

نزلت هذه الآيةُ في عليّ: (إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً).

قالت: قلت يا رسول الله ! ألستُ من أهل البيت؟

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّكِ على خير، إنّك من أزواج النبيّ».

وكان في البيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم السلام).

وهناك روايات متعدّدة بألفاظ متقاربة.

وللمزيد راجع: الغدير وإحقاق الحقّ وموسوعة علي في الكتاب والسنّة للمؤلّف، الصفحة 411 آية التطهير.

4 - آية المباهلة:

ذكر البيقهي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جدّه:

إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب إلى أهل نجران قبل نزول سورة النمل (طس) سليمان:

«باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمّد رسول الله إلى اُسقف نجران، إن أسلمتم فإنّي أحمد إليكم الله إله إبراهيم، وإسحاق ويعقوب، أمّا بعد: فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العِباد، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد اُوذِنتُم بحرب، والسلام».

فلمّـا قرأ الاُسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل ابن وداعة، فدفع إليه كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقرأه، فقال له الاُسقف: ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرّية إسماعيل من النبوّة فما يُؤمَن من أنّ ذلك الرجل، ليس لي في النبوّة رأي، لو كان أمرٌ من اُمور الدنيا لأشرت عليك فيه وجهدت لك.

فبعث الاُسقف إلى واحد بعد واحد من أساقفة أهل نجران فكلّمهم فقالوا مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن فيض - وفي رواية قدم فيهم ثلاثة من النصارى، وهم العاقب، ومحسن، والاُسقف - فانطلق الوفد حتّى قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتّى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فقال (صلى الله عليه وآله): ما عندي فيه شيءٌ يومي هذا فأقيموا حتّى اُخبركم بما يُقال لي في عيسى صبح الغداة، فأنزل الله سبحانه: (إنَّ مَثَلَ عيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكونُ)(5)، إلى قوله تعالى: (فَنَجْعَل لَعْنَةَ اللهِ عَلى الكاذِبينَ) فأبوا أن يقرّوا بذلك.

فلمّـا أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له، ومعه عليّ وفاطمة (عليهم السلام)، تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدّة نسوة.

فقال شرحبيل - أو الاُسقف - لصاحبيه: إنّي أرى أمرأً مقبلا إن كان هذا الرجل نبيّاً مرسلا فنُلاعِنه ولا يبقى على وجه الأرض منّا شَعر ولا ظِفر إلاّ هَلَك - وفي رواية اُخرى: إنّي لأرى وجوهاً لو أقسمت على اللهِ أن يزيل بها هذا الجبل لفعل -.

فقالا له: ما رأيك؟

فقال: رأيي أن اُحكِّمُه فإنّي أرى رجلا مقبلا لا يحكم شططاً أبداً.

فقالا له: انت وذاك، فتلقّى شرحبيل رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقال: إنّي قد رأيت خيراً من ملاعنتك.

قال: وما هو.

قال: اُحكِّمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية.

وفي رواية اُخرى عن عليّ (عليه السلام) قال: لمّـا قرأ النبيّ (صلى الله عليه وآله) عليه الآية: (إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ... ) قال الاُسقف: ما نجد هذا يا محمّد في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا نجد هذا إلاّ عندك. ولمّـا لم يؤمنوا، فأوحى الله سبحانه إلى رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله): (قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وَأبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأنْفُسَنا وَأنْفُسَكُمْ... ) إلى آخر الآية فقرأها عليهم ودعاهم إلى المباهلة (الملاعنة) فقالوا: أنصفتنا يا أبا القاسم، فمتى موعدك؟ قال: بالغداة إن شاء الله، قالوا: حتّى نرجع وننظر في أمرنا ونأتيك غداً.

ثمّ قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): فلمّـا صلّى النبيّ (صلى الله عليه وآله) الصبح أخذ بيدي وجعلني بين يديه، وأخذ فاطمة (عليها السلام) فجعلها خلف ظهره، وأخذ الحسن والحسين (عليهما السلام) عن يمينه وعن شماله ثمّ برك لهم باركاً، فلمّـا رأوه قد فعل ذلك ندموا] قال أحدهم: والله إنّه برك كما يبرك الأنبياء للمباهلة [عند ذلك تشاوروا وتآمروا فيما بينهم وقالوا: والله إنّه لنبيّ، ولئن باهلنا ليستجيب الله له علينا فيهلكنا ولا ينجينا شيء منه إلاّ أن نستقيله، قال: فأقبلوا حتّى جلسوا بين يديه، ثمّ قالوا: يا أبا القاسم أقلنا، قال: نعم، قد أقلتكم، أما والذي بعثني بالحقّ نبيّاً لو باهلتكم ما ترك الله على ظهر الأرض نصرانياً إلاّ أهلكه.

قال الطبرسي: أجمع المفسّرون على أنّ المراد بأبنائنا: الحسن والحسين (عليهما السلام)، قال أبو بكر الرازي: هذا يدلّ على أنّ الحسن والحسين أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنّ ولد الإبنة ابن في الحقيقة.

وقال شيخنا المجلسي: ويدلّ على كون المراد بأنفسنا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ما رواه ابن حجر في صواعقه رواية الدارقطني: أنّ علياً (عليه السلام) يوم الشورى احتجّ على أهلها فقال لهم: اُنشدكم الله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الرحم منّي؟ ومن جعله نفسه، وأبناءه أبناءهُ، ونساءه نساءه غيري؟ قالوا: اللهمّ لا.

وقد تواتر الحفّاظ والمحدّثون في أسفارهم وصحاحهم ومسانيدهم بنقل هذا الحديث جمّ عن الحصر وإليكم بعضاً منهم على سبيل المثال منهم:

الحافظ أحمد بن حنبل في (المسند) 1: 185، طبعة مصر.

العلاّمة الطبري في (تفسيره) 3: 192، طبعة مصر، وفي (ذخائر العقبى): 25، طبعة مصر.

الحافظ الحاكم في (المستدرك) 3: 150، طبعة حيدر آباد الهند.

العلاّمة البغوي في (معالم التنزيل) 1: 302، وفي (مصابيح السنّة) 2: 204، طبعة المطبعة الخيرية مصر.

العلاّمة الزمخشري في تفسيره (الكشّاف) 1: 192، طبعة مصطفى محمد مصر.

العلاّمة فخر الدين الرازي في (تفسيره) 8: 85، طبعة مصر.

الحافظ ابن حجر العسقلاني في (الإصابة) 2: 503، طبعة مصطفى محمّد مصر.

العلاّمة الترمذي في (مناقب مرتضوي): 44، طبعة بومباي.

العلاّمة ابن المغازلي في (المناقب) كما في (كفاية الخصام): 388، طبعة طهران.

العلاّمة البيهقي في (السنن الكبرى): 63، طبعة حيدر آباد الهند.

الحافظ السيوطي في (تأريخ الخلفاء): 65، طبعة مصر.

وفي الجزء الثاني والثالث من كتابنا (علي في الكتاب والسنّة والأدب) ذكرنا ذلك بثلاث صور مفصّلة، فراجع.

5 - آية الولاية:

قوله تعالى:

(إنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ وَالَّذينَ آمَنوا الَّذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعونَ)(6).

فقد اتّفق المفسّرون والمحدّثون من العامّة والخاصّة على أ نّها نزلت في عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لمّـا تصدّق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة.

وسأذكر بعض مصادر الحديث المعتمدة عند محدّثي العامّة بعد ذكر الواقعة بصورة موجزة، والإشارة إلى سبب نزولها، بالمعنى - لا بالنصّ - ، وقد استخلصته من الأخبار والسير والتأريخ الإسلامي الصحيح.

وخلاصة ما روي:

دخل أعرابي مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله) بعد صلاة الظهر ووقف أمام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنشد الأبيات الآتية:

أتيتك والعذراء تبكي برنّة***وقد ذهلت اُمّ الصبيّ عن الطفلِ

واُختٌ وبنتان واُمّ كبيرةٌ***وقد كدت من فقري اُخالَط في عقلي

وقد مسّني عريٌ وضرٌّ وفاقةٌ***وليس لنا ماء بمرّ ولا يحلي

وما المنتهى إلاّ إليك مفرّنا***وأين مفرّ الخلق إلاّ إلى الرسل

فلمّـا سمع النبيّ (صلى الله عليه وآله) شعره بكى، ثمّ قال: «أ يّها الناس، إنّ الله تعالى قد ساق إليكم ثواباً، وقاد إليكم أجراً عظيماً، والجزاء من الله، غرفة في الجنّة تضاهي غرف إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فمن يواسي هذا الفقير بشيء من الدنيا؟».

وذكر العلاّمة المظفّر(7) ما لفظه: أجمعوا على نزولها في عليّ (عليه السلام)، وهو مذكور في الصحاح الستّ، لمّـا تصدّق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة، والولي هو المتصرّف وقد أثبت الله تعالى الولاية لذاته وشرك معه الرسول وأمير المؤمنين، وولاية الله عامّة فكذا النبيّ والوليّ، انتهى، فراجع البحث مفصّلا.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) في ناحية من المسجد يصلّي ركعات يتضرّع بها إلى ربّه، فأوماً إلى الأعرابي، وكان في حالة ركوع، إلى إصبعه الذي فيه الخاتم، فدنا الأعرابي واستلّ الخاتم منه، وأنشد يقول:

أنا عبدٌ لآل ياسين***وآل طه والطواسين

وهم خمسة في الأنام كلّهم***لأ نّهم في الورى ميامين

وتوجّه نحو النبيّ، أمّا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد انصرف إلى بيته بعد أن انفتل من صلاته; وسأله النبيّ(صلى الله عليه وآله): «هل أعطاك أحدٌ شيئاً؟» فأشار إلى المكان الذي كان يصلّي فيه علي (عليه السلام)، وأخبره الخبر وبعد هذا الحادث مباشرة نزلت الآية الشريفة: (إنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ وَالَّذينَ آمَنوا الَّذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعونَ)، فقال النبيّ لأصحابه: «مَن منكم اليوم عمل خيراً؟» فقالوا: يا رسول الله، ما منّا من عمل خيراً إلاّ أخوك وابن عمّك وزوج ابنتك علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنّه تصدّق بخاتمه على الأعرابي، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): «وجبت الغرفة والله لعليّ ابن عمّي» وقرأ عليهم الآية، وأنشد الأعرابي هذه الأبيات أيضاً:

أنا عبدٌ لخمسة***نزلت فيهم السور

آل طه وهل أتى***فاقرؤوا واعرفوا الخبر

والطواسين بعدها***والحواميم والزُمر

أنا عبدٌ لهؤلا***ءِ وعدوٌّ لمن كفر

فبعث النبيّ (صلى الله عليه وآله) خلف أمير المؤمنين (عليه السلام) فأحضره، وسأله أمام جمع من الصحابة: «يا عليّ، أيّ شيء عملت يومك هذا بينك وبين الله تعالى؟» فأخبره بذلك، فقال (صلى الله عليه وآله): «هنيئاً لك يا أبا الحسن، قد أنزل الله فيك آية من القرآن: (إنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ).

وعند ذلك أنشد شاعر النبيّ (صلى الله عليه وآله) حسّان بن ثابت الأبيات التالية:

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي***وكلّ بطيء في الهدى ومسارع

أيذهب مدحي والمخبّر ضائعاً***وما المدح في ذات الإله بضائع

وأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً***زكاة فدتك النفس يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيّد***ويا خير شار ثمّ يا خير بايع

فأنزل فيك الله خير ولاية***وبيّنها في محكمات الشرائع

كما قيل في ذلك أيضاً:

أوفى الصلاة مع الزكاة أقامها***والله يرحم عبده الصبّارا

من ذا بخاتمه تصدّق راكعاً***وأسرّه في نفسه إسرارا

من كان بات على فراش محمّد***ومحمّد أسرى يؤمّ الغارا

من كان جبريل يؤمّ يمينه***يوماً وميكال يؤمّ يسارا

من كان في القرآن سمّي مؤمناً***في تسع آيات جعلن غزارا

عندك ذلك تصدّق الناس في ذلك اليوم على الأعرابي بأربعمائة خاتم ولم ينزل في حقّهم شيء.

وهناك روايات متعدّدة وبألفاظ مختلفة ومتقاربة المعنى، منها ما رواه السيّد الطباطبائي في تفسير الميزان، والفيض الكاشاني في تفسير الصافي، والناصري في مختصر مجمع البيان في تفسير القرآن، قولهم ملخّصاً.

ذكر بسند متّصل عن الأعمش قال: بينا عبد الله بن العباس جالس على شفير زمزم، إذ أقبل رجل متلثّم بعمامة، فقال له ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟

قال: فكشف اللّثام عن وجهه وقال: أ يّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا اُعرّفه بنفسي، أنا جندب بن جنادة - أبو ذرّ الغفاري البدري -.

سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهاتين وإلاّ صمّتا، ورأيته بهاتين وإلاّ عميتا يقول: عليٌّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، ومخذول من خذله.

أما إنّي صلّيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً من الأيّام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهمّ اشهد أ نّي سألت في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يعطني أحد شيئاً.

وكان عليٌّ راكعاً فأومأ بخنصره اليمنى إليه، وكان يتختّم فيها، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فلمّـا فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهمّ، إنّ أخي موسى سألك فقال: (رَبِّ اشْرَحْ لي صَدْري وَيَسِّرْ لي أمْري وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِساني يَفْقَهوا قَوْلي وَاجْعَلْ لي وَزيراً مِنْ أهْلي هارونَ أخي اشْدُدْ بِهِ أزْري وَأشْرِكْهُ في أمْري) فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخيكَ وَنَجْعَلْ لَكُما سُلـْطاناً فَلا يَصَلونَ إلَيْكُما).

اللهمّ وأنا محمّد نبيّك وصفيّك، اللهمّ فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أخي أشدد به ظهري.

قال أبو ذرّ: فوالله، ما استتمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكلمة حتّى نزل جبرئيل من عند الله تعالى، قال: يا محمّد، إقرأ. قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ: (إنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ وَالَّذينَ آمَنوا) إلى آخر الآية.

ولصحّة الأسناد راجع موسوعة (علي في الكتاب والسنّة) للمؤلّف الشاكري 1: 95.

6 - آية (في بُيوت أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ):

قوله تعالى:

(في بُيوت أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرُ فيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالغُدُوِّ وَالآصالِ)(8).

لمّـا نزلت هذه الآية قام رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال: بيوت الأنبياء.

فقام إليه أبو بكر وأشار إلى بيت عليّ وفاطمة وقال: يا رسول الله، هذا البيت منها؟

قال: نعم، من أفضلها.

ورواه جماعة من أعلام القوم.

منهم: الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) 1: 409 - 410، طبعة بيروت، بثلاثة طرق.

ومنهم: العلاّمة البدخشي في (مفتاح النجا): 12، مخطوط.

ومنهم: العلاّمة الآلوسي في تفسيره (روح المعاني) 18: 157، طبعة المنيرية بمصر قال ما لفظه:

أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قال:

قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية: (في بُيوت... )إلى آخرها فقام إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟

فقال (صلى الله عليه وآله): بيوت الأنبياء (عليهم السلام).

فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله، هذا البيت منها؟ بيتُ علي وفاطمة رضي الله عنهما.

فقال: نعم، من أفاضلها.

ورواه أيضاً:

السيّد شهاب الدين أحمد بن عبد الله الحسيني الشافعي في (توضيح الدلائل): 163، مخطوطة مكتبة ملّي بفارس، وقال: رواه الإمام الصالحاني.

الشيخ أبو حفص عمر بن محمّد بن عبد الله البغدادي في (عوارف المعارف): 261.

الحافظ المفسّر أبو إسحاق الثعلبي في (الكشف والبيان)، مخطوط.

الأمرتسري في (أرجح المطالب): 75، طبعة لاهور.

جلال الدين السيوطي في (الدرّ المنثور) 5: 50، طبعة مصر.

وروى المحدّث العارف الشيخ جمال الدين محمد ابن أحمد الحنفي الموصلي، الشهير بابن حسنويه، في (در بحر المناقب): 18، مخطوط، قال:

روى ابن عباس (قدس سره) أ نّه قال: كنت في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد قرأ القارئ: (في بُيوت أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرُ فيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالغُدُوِّ وَالآصالِ) فقلت: يا رسول الله، ما البيوت؟

فقال (صلى الله عليه وآله): بيوتُ الأنبياء. وأومأ بيده إلى منزل فاطمة (عليها السلام).

وراجع:

(تأويل الآيات) 1: 361 - 363.

(تفسير البرهان) 3: 137 - 139.

(إحقاق الحقّ) 3: 558، 9: 137، 14: 421 و 422، 18: 515، 20: 73.

7 - علي قسيم الجنّة والنار:

انتخبنا منها ستّة أحاديث:

الحديث الأوّل: لمّـا مرض الأعمش مرضه الذي مات فيه دخل عليه ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة قالوا: يا أبا محمّد، هذا آخر يوم من أيّام الدنيا، وأوّل يوم من أيّام الآخرة، وكنت تروي في عليّ (عليه السلام)، وكان السلطان يعترضك عليها، وفيها تعيير بني اُمّية، ولو كنت أمسكت عنها لكان الرأي. فقال: إليّ تقولون هذا؟ ! أسندوني: فسندوه، فقال: حدّثني المتوكّل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة، قال الله تعالى لي ولعليّ: أدخلا الجنّة من أحبّكما، وأدخلا النار من أبغضكما، فيجلس عليّ على شفير جهنّم فيقول: هذا لي وهذا لك.

رواه جماعة من أعلام القوم بطرق متعدّدة وألفاظ متقاربة.

منهم العلاّمة ابن المغازلي في (المناقب).

ومنهم العلاّمة الشهير بابن حسنويه في (درّ بحر المناقب): 132، مخطوط.

ومنهم العلاّمة القندوزي في (ينابيع المودّة): 84.

ومنهم العلاّمة الكشفي في (المناقب المرتضويّة): 115، طبعة بومباي، وغيرهم.

للمزيد راجع كتاب إحقاق الحقّ 6: 210 - 224.

الحديث الثاني: عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عليّ، أنت منّي بمنزلة شيث من آدم، وبمنزلة سام بن نوح، وبمنزلة إسحاق من إبراهيم، كما قال تعالى: (وَوَصَّى بِها إبْراهيمُ بَنيهِ وَيَعْقوبُ)(9) الآية، وبمنزلة هارون من موسى، وبمنزلة شمعون من عيسى.

وأنت وصيّي ووارثي، وأنت أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأوفرهم حلماً، وأشجعهم قلباً، وأسخاهم كفّاً، وأنت إمام اُمّتي وقسيم الجنّة والنار.

بمحبّتك يعرف الأبرار من الفجّار، ويميّز بين المؤمنين والمنافقين والكفّار.

رواه أعلام القوم منهم العلاّمة القندوزي المتوفّى سنة 1293 هـ في (ينابيع المودّة): 86، طبعة إسلامبول.

والحاكم النيسابوري المتوفّى سنة 405 هـ في (المستدرك) 3: 136، طبعة حيدر آباد.

ومنهم العلاّمة ابن عبد البرّ المتوفّى سنة 463 هـ في (الاستيعاب) 2: 457، طبعة حيدر آباد. وغيرهم.

وللمزيد من التفاصيل راجع كتاب إحقاق الحقّ 4: 150 - 170، 259، 264 و 287.

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام): إنّك قسيم الجنّة والنار، وأنت تقرع باب الجنّة وتدخلها بغير حساب.

رواه جماعة من أعلام القوم:

منهم العلاّمة ابن الأثير في كتابه (النهاية) 3: 284.

ومنهم العلاّمة الحمويني المتوفّى سنة 722 هـ في فرائد السمطين.

ومنهم الحافظ ابن كثير القرشي المتوفّى سنة 774 هـ في (البداية والنهاية) 7: 355، طبعة مصر، وغيرهم ما يقرب من الأربعين محدّثاً وعالماً، كلّهم ينقلون حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بشتّى الطرق وبالنعوت المذكورة أدناه.

الحديث الثالث: يا عليّ أنت قسيم الجنّة والنار، حامل اللواء الأكبر، صاحب لواء رسول الله في الدنيا والآخرة، الذائد عن الحوض يوم القيامة، حامل لواء الحمد أنت، وأنت أوّل من يقرع باب الجنّة، أنت صاحب حوض رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة، وأوّل من تنشقّ عنه الأرض، الرؤوف بالناس، الأوّاه، الحليم، أفضل الناس منزلةً، أقرب الناس قرابةً، أعظم الناس غنىً.

وللمزيد من التفاصيل والأحاديث راجع كتاب إحقاق الحقّ 4: 259 - 272.

الحديث الرابع: إنّ المأمون العبّاسي، قال للإمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام): بأيّ وجه جدّك علي بن أبي طالب قسيم الجنّة والنار؟

قال: ألم تروَ عن أبيك، عن عبد الله بن عباس، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يقول: حُبُّ عليّ إيمان، وبغضه كفر؟ قال: بلى، فقال: بهذا ظهر كونه قسيم الجنّة والنار.

فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، أشهد أ نّك وارث علوم رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال أبو الصلت عبد السلام الهروي: ما أحسن ما أجبت به يا بن رسول الله.

فقال (عليه السلام): يا أبا الصلت، إنّها كلمة من حيث يهوى، ولقد سمعت أبي، عن آبائه، عن جدّي عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت قسيم الجنّة والنار، فيوم القيامة تقول للنار: هذا لي فذريه، وهذا لكِ فخذيه.

بالمعنى نقلته من كتاب إحقاق الحقّ 4: 264.

الحديث الخامس: روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يقول: إنّ في عليّ خصالا، لو كانت واحدة في رجل اكتفى بها فضلا وشرفاً، منها: وليُّ عليٍّ وليُّ الله، وعدوّ عليّ عدوّ الله، ومنها: عليّ حجّة الله على عباده، ومنها: حبّ عليّ إيمان وبغضه كفر، ومنها: حزب عليّ حزب الله، وحزب أعدائه حزب الشيطان، ومنها: عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ لا يفترقان، ومنها: عليٌّ قسيم الجنّة والنار.

أخرج الدارقطني أنّ علياً (عليه السلام) قال للخمسة الذين جعلهم عمر بن الخطّاب أهل الشورى: أنشدكم الله، هل فيكم أحد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عليّ أنت قسيم الجنّة والنار، فيوم القيامة، تقول للنار: هذا لي، وهذا لك؟ فقالوا: لا.

الجزء العشرون من كتاب إحقاق الحقّ: 395، وبهذه المناسبة، قال الشافعي:

عليٌّ حُبّهُ جُنّة***قسيم النار والجَنّة

وصيّ المصطفى حقّاً***إمام الإنس والجِنّة

ولمزيد من التفاصيل، راجع موسوعة إحقاق الحقّ 4: 160، 259، 264، 287 و 370، و 15: 185 - 186.

الحديث السادس: عن اُمّ سلمة مرفوعاً، قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

وللمزيد من التفاصيل راجع المصادر التي ذكرها العلاّمة السيّد المرعشي النجفي في موسوعته إحقاق الحقّ 5: 639 - 645، و 16: 398 - 401، هذا غيضٌ من فيض فضائل ومناقب مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأيّ صحابيّ عادل عاصر نبيّ الرحمة ووعى منه هاتيك الآيات، وعرف انطباقها عليه (عليه السلام)، ثمّ تجاوز عنها، بل واتّخذ سبيلا غير سبيله، وبغى عليه، وتربّص به الدوائر.

8 - حديث الثقلين:

وهو حديث متواتر مشهور، صحيح ثابت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، رواه أئمّة الحديث وكبار الحفّاظ بطرق كثيرة متعدّدة عن بعض وعشرين صحابياً منهم الإمام أمير المؤمنين والحسن وفاطمة صلوات الله عليهم، وأبو أيّوب الأنصاري وأبو ذرّ الغفاري وأبو رافع وجابر بن عبد الله الأنصاري وجبير بن مطعم وحذيفة بن اُسيد الغفاري وحذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت وسعد بن أبي وقّاص وطلحة بن الزبير وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن العاص وغيرهم حثّ فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على التمسّك بهما واتباعهما وحذّر من مخالفتهما والتخلّف عنهما، كرّره في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عمره الشريف أربع مرّات وهذا دليل على شدّة اهتمامه بهذا الأمر وأ نّه أهمّ الاُمور لديه ومؤشّر الهداية والضلالة بعده، وصدر منه (صلى الله عليه وآله) في أربعة مواقف:

1 - يوم عرفة في حجّة الوداع على ناقته القصواء.

2 - يوم غدير خم لمّـا رجع من حجّة الوداع.

3 - في مسجده بالمدينة في آخر خطبة خطبها وهو مريض.

4 - على فراشه في حجرته وقد امتلأت من أصحابه.

وإليك نصّ ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه المناسبات:

1 - عن جابر بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول:

«يا أ يّها الناس، إنّي تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي».

2 - عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم، قال: لمّـا رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن ثمّ قال:

«كأ نّي دعيت فأجبت، وإنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

ثمّ قال: «إنّ الله مولاي وأنا وليُّ كلّ مؤمن» ثمّ أخذ بيد عليّ فقال:

«من كنت وليّه فهذا وليّه، اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه».

قال أبو الطفيل: فقلت لزيد: سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ !

فقال: ما كان في الدوحات أحدٌ إلاّ رآه بعينيه وسمعه باُذنيه.

3 - عن جابر بن عبد الله، قال: أخذ النبيّ بيد علي والفضل بن عباس في مرض وفاته، خرج يعتمد عليهما حتّى جلس على المنبر فقال:

«أ يّها الناس، تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا إخواناً كما أمركم الله، ثمّ اُوصيكم بعترتي وأهل بيتي».

4 - عن عبد الله بن عباس واُمّ سلمة أ نّهما سمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه وقد امتلأت الحجرة باصحابه، يقول:

«أ يّها الناس، يوشك أن اُقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي، وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي».

ثمّ أخذ بيد عليّ (عليه السلام) فرفعها وقال: «هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض فأسألهما ما خلفت فيهما».

فهذه أربعة نصوص قالها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أربع مناسبات تأكيداً لفضل أهل بيته ووجوب تقديمهم، ونصّاً على إمامتهم وأهليتهم لقيادة الاُمّة من بعده.

أمّا مصادر حديث الثقلين فكثيرة جدّاً لا يسع المجال لذكر جلّها فضلا عن كلّها، ولكن أذكر هنا شيئاً يسيراً، فممّن رواه:

1 - الحافظ مسلم في (صحيحه) 7: 122 و 123، طبعة مصر بأربع طرق.

2 - الحافظ الدارمي في (سننه) 2: 431، طبعة دمشق.

3 - الحافظ الترمذي في (صحيحه) 13: 199 و 200، طبعة مصر بعدّة طرق.

4 - الحاكم النيسابوري في (المستدرك) 3: 109، 148 و 533، طبعة حيدر آباد الدكن بعدّة طرق.

5 - شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الشافعي في (الاعتقاد): 163، طبعة القاهرة.

6 - وفي (السنن الكبرى) 2: 148، و 7: 30، و 10: 113، طبعة حيدر آباد الدكن.

7 - الحافظ محيي السنّة البغوي في (مصابيح السنّة) 4: 185، 189 و 190، طبعة دار المعرفة بيروت.

8 - الحافظ المؤرّخ ابن سعد في (الطبقات الكبرى) 2: 194، طبعة مصر.

9 - الحافظ الطبراني في (المعجم الصغير) 1: 131 و 135، طبعة المدينة.

10 - وفي (المعجم الكبير) 5: 171، 190، 205، 206، 537 و 538، طبعة بغداد، بعدّة طرق.

11 - الحافظ البسوي في (المعرفة والتأريخ): 536، طبعة بغداد.

12 - الحافظ ابن المغازلي في (المناقب): 234 - 236، بعدّة طرق، طبعة دار الأضواء - بيروت.

هذه بعض مصادر حديث الثقلين، ولمزيد من الطرق والأسانيد والمصادر راجع (بحار الأنوار) 23: 104 - 166، ومجلّد حديث الثقلين من موسوعة (عبقات الأنوار) للمير سيّد حامد الموسوي، و (إحقاق الحقّ) 9: 309 - 375، و 18: 261 - 289.

9 - قوله تعالى: (إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هاد)(10):

لقد وردت في شأن أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه الآية الكريمة، كما ذكرها المفسّرون والحفّاظ من أعلام القوم،
فضلا عن ثبوتها عندنا ثبوتاً لا يرقى إليه شكّ عن الأئمّة الأطهار سلام الله عليهم، وخلاصة القول:

لمّـا نزلت (إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هاد) وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده على صدره وقال: أنا المنذر، ولكلّ قوم هاد. وأومأ بيده إلى منكب عليّ (عليه السلام)، وقال: أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي.

وفي بعض طرقه:

عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليلة اُسري بي ما سألت ربّي شيئاً إلاّ أعطانيه.

وسمعت منادياً من خلفي يقول: يا محمّد، إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد. قلت: أنا المنذر، فمن الهادي؟

قال: علي الهادي المهتدي، القائد اُمّتك إلى جنّتي غرٌّ محجّلين برحمتي.

وقد احتجّت الزرقاء الكوفية بهذا الحديث عندما دخلت على معاوية وسألها: ما تقولين في مولى المؤمنين علي؟

فأنشأت تقول:

صلّى الإله على قبر تضمّنه***نور فأصبح فيه العدل مدفونا

من حالف العدل والإيمان مقترناً***فصار بالعدل والإيمان مقرونا

فقال لها معاوية: كيف غررت فيه هذه الغريرة؟

فقالت: سمعت الله يقول في كتابه لنبيّه: (إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هاد) المنذر: رسول الله، والهادي: عليّ وليّ الله.

وروي هذا الحديث وأشباهه بطرق وأسانيد كثيرة ومعتبرة، تنتهي إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وجماعة من الصحابة منهم: ابن عباس، أبو هريرة، أبو برزة الأسلمي، جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو فروة السلمي، يعلى بن مرّة، عبد الله بن مسعود، سعد بن معاذ.

رواه جماعة من أعلام القوم أذكر منهم:

الحاكم النيسابوري في (المستدرك على الصحيحين) 3: 129، طبعة دار المعرفة، وقال: هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرّجاه.

ومنهم: العلاّمة الجويني في (فرائد السمطين) 1: 148، الحديث 111 و 112، طبعة المحمودي - بيروت.

ومنهم: الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) 1: 293 - 303، الحديث 398 - 416، طبعة بيروت.

ومنهم: العلاّمة البيهقي الشافعي في تفسيره (التهذيب) مخطوط.

ومنهم: العلاّمة فخر الدين الرازي في (تفسيره) 19: 14، طبعة مصر.

ومنهم: العلاّمة ابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة): 105، طبعة النجف.

ومنهم: العلاّمة الطبري في (تفسيره) 13: 63، طبعة مصر.

ومنهم: العلاّمة المفسّر في (الكشف والبيان)، مخطوط.

ومنهم: الحافظ نور الدين الهيثمي في (مجمع الزوائد) 7: 41، طبعة مكتبة القدسي - القاهرة، وقال: رواه عبد الله بن أحمد، والطبراني في الصغير والأوسط، ورجال المسند ثقات.

ومنهم الحسين بن الحكم الحبري في (ما نزل من القرآن في عليّ (عليه السلام)): 281، الحديث 38، والصفحة 282، الحديث 39، طبعة مؤسسة آل البيت - بيروت.

وللحديث مصادر وطرق اُخرى كثيرة مثبتة في مصنّفات الفريقين، تركناها خوف الإطالة.

وقد ذكر السيّد الجليل ابن طاووس في (سعد السعود): 99، طبعة النجف، أنّ محمّد بن العباس بن مروان قد روى هذا الحديث في كتابه من خمسين طريقاً.

وراجع (إحقاق الحقّ) 3: 88 و 532، و 14: 166 - 181، و 20: 59 - 61.

10 - آية المودّة:

روى الإمام أبو الحسين البغوي في تفسيره يرفعه بسنده إلى ابن عباس ; قال: لمّـا نزلت الآية قوله تعالى: (قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ في القُرْبى).

قالوا: يا رسول الله، مَن هؤلاء الذين أمرنا الله بمودّتهم؟

قال: عليّ، وفاطمة، وابناهما.

وروى السدّي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فيها حُسْناً).

قال: المودّة لآل محمّد (صلى الله عليه وآله) فهؤلاء هم أهل البيت المرتقون بتطهيرهم إلى ذروة أوج الكمال المستحقّون لتوقيرهم مراتب الإعظام والإجلال ولله درّ القائل إذ قال:

هم العروة الوثقى لمعتصم بها***مناقبهم جاءت بوحي وإنزالِ

مناقب في شورى وسورة هل أتى***وفي سورة الأحزاب يعرفها التالي

وهم آل بيت المصطفى فودادهم***على الناس مفروض بحكم وإسجال

وقال آخر:

هم القوم من أصفاهم الودّ مخلصاً***يمسك في اُخراه بالسبب الأقوى

هم القوم فاقوا العالمين مناقباً***محاسنها تجلى وآياتها تروى

موالاتهم فرض وحبّهم هدى***وطاعتهم ودّ وودّهم التقوى

إلى آخره.

وقد تسابق الشعراء والعلماء إلى نظم هذه الفضيلة، فقد روى الحاكم الحسكاني(11) بإسناده إلى حرب بن الحكم بن المنذر الجارود شعره الذي قال فيه:

فحسبي من الدنيا كفاف يكفني***وأثواب كتّان أزور بها قبري

فحبّي ذوي القربى النبيّ محمد***وما سالنا إلاّ المودّة من أجرِ

وقال حافظ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي(12): أنشد بعض مشايخنا، وهو محمد بن العربي شيخ المحقّقين:

رايت ولائي آل طه فضيلةً***على رغم أهل البعد يورثني القربى

فما سأل المبعوث أجراً على الهدى***بتبليغه إلاّ المودّة في القربى

ومن نظم شاعر أهل البيت سفيان بن مصعب العبدي:

آل النبيّ محمّد***أهل الفضائل والمناقب

المرشدون من العمى***المنقذون من اللوازب

الصادقون الناطقون***السابقون إلى الرغائب

فولاهم فرض من الر***حمن في القرآن واجب

أخرجه عنه العلاّمة الأميني في الغدير 2: 305، وقد أعقبه بذكر آية المودّة، وبعض ما ورد فيها من آثار وأخبار مع مصادرها.

11 - حديث السفينة:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها هلك.

وهو من الأحاديث المتواترة.

الأوّل: حديث أبي ذرّ الغفاري.

رواه جماعة من أعلام القوم.

منهم: الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في (المعجم الصغير) 1: 139، طبعة السلفية بالمدينة المنوّرة.

ومنهم: الحافظ الخطيب أبو الحسن علي بن محمد الواسطي، الشهير بابن المغازلي في (مناقب علي بن أبي طالب): 132، طبعة طهران.

ومنهم: العلاّمة علاء الدين بن حسام الشهير بالمتّقي الهندي في (كنز العمّـال) 13: 84، طبعة حيدر آباد الدكن.

الثاني: حديث ابن عباس.

رواه جماعة من أعلام القوم.

الثالث: حديث أبي سعيد الخدري.

رواه جماعة من أعلام القوم.

12 - سورة البراءة:

لمّـا جاء شهر ذي الحجّة من السنة التاسعة ونزلت الآيات الاُولى من سورة براءة أرسل النبيّ (صلى الله عليه وآله) أبا بكر ليحجّ بالناس، والمشركون لا يزالون يشاركون المسلمين في أداء الفريضة، فيجتمع في الموسم من يؤمن بالله ومن يؤمن بالجبت والطاغوت.

ومضى أبو بكر بمن معه من المسلمين ليشرف على الحجّ في ذلك العام حتّى انتهى إلى ذي الحُلَيْفَة، وهو الميقات المعروف بمسجد الشجرة في يومنا هذا، وفيما هو يسير بمن معه وإذا بالوحي ينزل على النبيّ ويأمره بأن يرسل عليّاً مكان أبي بكر وقال له: لا يؤدّيها إلاّ أنت أو رجل منك.

فأرسل النبيّ (صلى الله عليه وآله) علياً وأمره أن يأخذ الآيات من أبي بكر ويؤدّيها بنفسه.

فلحقه علي وهو بذي الحُليفة فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى المدينة خائفاً أن يكون قد نزل فيه ما يغضب النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله، أنزل فيَّ شيء؟

فقال النبيّ: لا، ولكنّي اُمرت أن اُبلّغها أنا أو رجل منّي.

ومضى علي (عليه السلام) حتّى بلغ مكّة فقرأ على الناس الآيات الاُولى من سورة براءة في اليوم العاشر من ذي الحجّة، كما جاء في رواية ابن كثير في البداية والنهاية، ونادى في الناس: أن لا يدخل مكّة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوف في البيت عريان، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدّته.

وفي رواية ثانية: أ نّه تلا عليهم من سورة براءة حتّى بلغ قوله تعالى:

(إنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللهَ عَليمٌ حَكيمٌ)(13).

ثمّ أعاد عليهم القول: لا يحجّن بعد العام مشرك، ولا يطوفنّ في البيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهد فأجله إلى مدّته.

وأصغى المشركون إلى هذا القرار بقلوب ترتعد من الخوف، ويسعرها الحقد، ثمّ رجعوا إلى أنفسهم وتلاوموا وقال بعضهم لبعض: ما تصنعون وقد أسلمت قريش، وأكثر العرب، فأسلم أكثرهم قبل نهاية الأشهر الأربعة.

وقد أفردنا من الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة في هذا البحث ما فيه الكفاية، وعبرة لمن اعتبر في فضل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ما يثبت لمن ألقى السمع وهو شهيد، ومن لجّ وعاند فحسبه إمامه الذي يقتدي به (يَوْمَ نَدْعو كُلَّ اُناس بِإمامِهِمْ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها)، ولا تزروا وازرة اُخرى.

أختتم هذا البحث الموجز عن الولاية وبيان الحقيقة المدعومة بالأدلة القاطعة العقلية منها والنقلية، عسى الله أن يهدي بها الضالّ، والحائر الذي يبحث عن الحقيقة، حتّى يعرف إمام زمانه ولا يموت ميتة جاهلية.

 

خاتمة المطاف

إتماماً للفائدة، أذكر نصّ الكلمة القيّمة، والبحث المستفيض عن الولاية وتدوين الحديث، الذي ألقاه سماحة الشيخ ضياء الجواهري في الحفل الذي اُقيم بمناسبة ولادة مولى الموحّدين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ليلة الثالث عشر من شهر رجب الأصمّ سنة 1418 هـ ق في مسجد الإمام الرضا (عليه السلام) في قم المقدّسة.

بسمه تعالى

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله وآله الطاهرين.

وبعد:

من الثابت عند الفريقين أنّ الذين استولوا على مقاليد الاُمور بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) منعوا حديث النبي (صلى الله عليه وآله)، منعوا من تدوينه، بل منعوا حتّى من ذكره وتداوله، وهو أمر في غاية الغرابة، ونسأل: لماذا كان ذلك؟ أليس إنّ السنّة النبوية الشريفة هي المفصّلة لمعاني القرآن والموضحة لغوامضه والمبيّنة لأهدافه وفرائضه، وهل نستطيع أن نستغني عن السنّة في فهم القرآن، وقد قال تعالى:

(وَأنْزَلـْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ)(14).

والتبيان هو التفسير والتوضيح، فإذا كانت السنّة النبويّة المطهّرة هي في الدرجة الثانية بعد القرآن الكريم في الحجّيّة والاعتبار عند المسلمين فلماذا مُنع حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) من التدوين، بل وحتّى الذكر والتحدّث عنه و...؟ سؤال يبعث على الاستغراب والدهشة.

فلقد جاء في كنز العمّـال(15):

أنّ الخليفة أبا بكر أحرق في خلافته خمسمائة حديث كتبه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولمّـا قام عمر بعده بالخلافة نهى عن كتابة الحديث وكتب إلى الآفاق: إنّ من كتب حديثاً فليمحه. ثمّ نهى عن التحدّث فتركت عدة من الصحابة الحديث عن رسول الله(16) (صلى الله عليه وآله).

وهذا ابن جرير الطبري في تأريخه يقول:

إنّ عمر ابن الخطاب كان كلّما أرسل حاكماً أو والياً إلى قطر أو بلد يوصيه في جملة ما يوصيه: «جوّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمد».

وجاء في طبقات ابن سعد(17) والمستدرك على الصحيحين(18) عن قرضة بن كعب الأنصاري، قال: أردنا الكوفة، فشيّعنا عمر إلى (صرار) وقال: أتدرون لِمَ شيّعتكم؟ فقلنا: نعم نحن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدويّ النحل فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم. جوّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله.

وقد حفظ التأريخ أنّ الخليفة قال لأبي ذرّ وعبد الله ابن مسعود وأبي الدرداء مستنكراً: «ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمد»(19).

وهذا الخطيب البغدادي يذكر بسنده:

إنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّ في أيدي الناس كتباً فاستنكرها وكرهها وقال: أ يّها الناس، إنّه قد بلغني أ نّه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبّها إلى الله أعدلها وأقومها فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي. قال: فظنّوا أ نّه يريد ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار»(20).

وقد صار عمل الخليفتين سنّة فمشى عثمان مشيهما وكذلك سائر حكام بني اُميّة ما عدا عمر بن عبد العزيز الذي أحسّ بضرورة تدوين الحديث فكتب إلى أبي بكر ابن حزم في المدينة: اُنظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء... فإنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً»، ومع هذا الإصرار من عمر بن عبد العزيز فلم يكتب الحديث بسبب رواسب الحظر السابقة، فأمسى ترك كتابة حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) سنّة إسلامية وكتابته أمراً منكراً مخالفاً لها.

وبقيت المسألة على هذه الصورة طيلة حكم بني اُميّة وبني العباس حتّى عهد المنصور سنة 143 هجرية حيث أمر بكتابة الحديث فشرع علماء الإسلام بتدوينه.

ولقد كان هذا المنع إساءة بالغة إلى الإسلام والمسلمين لا يعلم مداها إلاّ الله سبحانه وتعالى، ذلك أنّ حديثاً تحدّث به النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يكتب إلاّ بعد مضيّ مائة وثلاثون عاماً أو أكثر مات خلالها أكثر من جيل من الصحابة والتابعين، كيف سيكون حاله مع وجود أصحاب الأغراض والأطماع والأهواء والأحقاد والغايات الشريرة من الحاكمين أو اللابسين لباس الإسلام من اليهود والنصارى والزنادقة وغيرهم، لذلك يبدوا لنا جلياً حديث الرسول (صلى الله عليه وآله): «سيكثر عليّ الكذابة، فما جاءكم عنّي مخالفاً للقرآن فاضربوا به عرض الجدار».

ومن شهادات أصحاب الصحاح ممّن دوّن حديث النبيّ بعد الإذن بالتدوين نعلم عظم البلاء الذي وقع على المسلمين من جرّاء المنع.

قال البخاري: لقد وجدت أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله)تربو على 600 ألف حديث لم يصحّ لي منها إلاّ أربعة آلاف حديث.

كذلك قال أبو داود ومسلم وأحمد وغيرهم.

ومعنى ذلك أنّ هناك حديثاً صحيحاً واحداً مقابل مائة وخمسين حديثاً باطلا كذباً وزوراً.

فأيّ إساءة أعظم إلى الدين من إساءة الذين منعوا من تدوين حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) لا لشيء إلاّ ليطمسوا فضائل عليّ (عليه السلام) وأهل بيته الطاهرين الذين أشاد النبيّ (صلى الله عليه وآله) بمناقبهم ومنازلهم في كلّ حين.

ويا ليت أ نّهم اكتفوا بذلك المنع من دون أن يسمحوا للرهبان والأحبار وغيرهم ممّن لبس رداء الإسلام نفاقاً من التحدّث عن التوراة والإنجيل والعهد القديم والجديد ونشر الإسرائيليات في التفسير والحديث والتأريخ فانتشرت بسبب ذلك عقائد اليهود والنصارى والمجوس التي ما أنزل الله بها من سلطان في الإسلام وعند المسلمين عن طريق الحديث الشريف، فركب هؤلاء الحاقدون والمغرضون حتّى الحديث الشريف ووضعوا على لسان صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله) أحاديث هو منها براء.

فانتشرت عند المسلمين عقائد فاسدة وباطلة، كعقيدة الجبر في القضاء والقدر، وعقائد التجسيم والتشبيه لله سبحانه وتعالى، والقول بخلق القرآن، أو القول بقدم القرآن، أو عقيدة رؤية الله سبحانه وتعالى، وتجويز الخطأ والمعاصي على الأنبياء، أو القول بعدم عصمتهم، ممّـا نجده في التوراة والأناجيل المحرّفة بنصّ القرآن.

وقد اعتنق هذه العقائد الفاسدة الباطلة القسم الأعمّ الأغلب من المسلمين ممّن يسمّون بالجمهور من أهل الحديث والسنّة والأشاعرة وغيرهم، حتّى دخلت في اُصولهم، وصاروا يكفّرون من لا يؤمن بها، وهي لم تأتِ إلى الإسلام إلاّ عن طريق الزور والبهتان والكذب على النبيّ (صلى الله عليه وآله).

ذلك لأنّ الحديث الشريف الذي لم يدوّن قرابة قرن ونصف دخله ما دخله من كيد الكَيَدة ومكر المَكَرَة، فلمّـا اُذن بتدوينه بعد هذه الفترة الطويلة صار مصدراً للعقائد الباطلة ومنبعاً للأفكار المخرّبة، فنشأت بسببه المذاهب والفِرَق والطوائف المنحرفة.

من هنا يتجلّى لنا بوضوح حديث الافتراق الذي يرويه العامّة والخاصّة من المسلمين لاستفاضة نقله وتظافر روايته، الذي يقول عن النبيّ (صلى الله عليه وآله):

«افترقت اُمّة أخي موسى إلى إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنّة والباقون في النار. وافترقت اُمّة أخي عيسى إلى اثنتين وسبعين فرقة، فواحدة في الجنّة والباقون في النار. والذي نفس محمد بيده لتفترق اُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنّة والباقون في النار».

وقد يقول قائل:

كيف أنّ الله سبحانه يدخل هذه الأعداد الكثيرة من المسلمين النار؟

ولكنّنا إذا طالعنا القرآن نجده يقول في موضوع القلّة والكثرة، قال تعالى:

(وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبيلِ اللهِ إنْ يَتَّبِعونَ إلاّ الظَنَّ)(21).

وقال عزّ من قائل في قصّة نوح (عليه السلام):

(وَما آمَنَ مَعَهُ إلاّ قَليلٌ)(22)، ثمّ عمّ العذاب الأكثرية.

وفي قصّة إبراهيم (عليه السلام) قال عزّ من قائل:

(فَآمَنَ لَهُ لوطٌ وَقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي)(23).

وفي قصّة لوط قال تعالى:

(فَأخْرَجْنا مَنْ كانَ فيها مِنَ المُؤْمِنينَ فَما وَجَدْنا فيها غَيْرَ بَيْت مِنَ المُسْلِمينَ)(24).

وفي قصّة موسى (عليه السلام) قال تعالى حاكياً عن فرعون:

(إنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَليلونَ) قاصداً المؤمنين.

وفي قصّة عيسى قال تعالى:

(فَلَمَّـا أحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكُفْرَ قالَ مَنْ أنْصاري إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللهِ)(25)، وكانوا اثني عشر نفساً.

وإذا تدبّرنا أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) المقطوع بصدورها عنه (صلى الله عليه وآله) كحديث الثقلين وحديث السفينة وحديث الأمان وغيرها، المروية في كتب العامّة فضلا عن الخاصّة، نجدها تضع النقاط على الحروف وتوضح من هي الفرقة الناجية.

قال (صلى الله عليه وآله) في حديث الثقلين:

«إنّي مخلّف فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّ اللطيف الخبير أنبأني أ نّهما لن يفترقا حتّى يرِدا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما».

والإمعان في هذا الحديث الذي يبلغ من التواتر حدّاً عظيماً يدلّنا على ضلال مَن لم يتمسّك بهما معاً، فمن أخذ دينه اُصولا وفروعاً عن عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله) المعصومين من الزلل قاده ذلك إلى النجاة حتماً وبعكسه يكون الهلاك حتماً، قال تعالى:

(وَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلاّ الضَّلالُ).

وأوّل دليل على انحراف المتمسّك بغير المعصوم موضوع إطاعة السلطان الجائر عند أهل الحديث والسنّة.

فتأمّل معي قول إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في إحدى رسائله: السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البرّ والفاجر ومن ولي الخلافة فأجمع الناس ورضوا به ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين والغزو ماض مع الاُمراء إلى يوم القيامة البرّ والفاجر وليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم ودفع الصدقات إليهم جائز براً كان الأمير أو فاجراً وصلاة الجمعة خلفه جائزة ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنّة.

وكذلك يقول الطحاوي الحنفي في العقيدة الطحاوية: نرى الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر من أهل القبلة ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا وإن جاروا وإن فسقوا ولا ندعوا على أحد منهم ولا ندع يداً في طاعتهم.

وكذلك يقول الإمام الأشعري: ونرى العيد والجمعة والجماعة خلف كلّ إمام برّ وفاجر.

فأين هذه الأقوال التي تأباها الفطرة ويناقضها العقل والوجدان من قول إمامنا وسيّدنا صاحب هذه الذكرى العبقة بأريجها الفوّاح، وليد بيت النبوّة، ووارث خطّ الإمامة، مصباح الهدى، ومنهج الاستقامة، من زيَّن الله سبحانه به الجنان، وحفّه بالروح والريحان، فكان سيّداً لشباب أهل الجنّة، لسيرته المثلى ونهجه الوضّاء، ذاك هو أبو الأحرار الحسين بن علي (عليهما السلام)، فقد قال بأبي هو واُمّي مخاطباً جيش عبيد الله بن زياد الذي اُمر بأن يجعجع به، قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

«أ يّها الناس، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلا لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر».

وقال في مقام آخر مجاوباً مَن كتب إليه من أهل الكوفة بالقدوم إليهم:

«فلعمري ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحقّ والحابس نفسه على ذات الله».

وإذا قارنت بين قول الحسين صلوات الله وسلامه عليه وتلك الأقوال المتقدّمة تجده يناقضها تماماً.

فاُولئك يذهبون إلى طاعة السلطان الجائر ويحسبون أنّ طاعته من طاعة الله، بينما القرآن الكريم يصرّح:

(وَلا تَرْكَنوا إلى الَّذينَ ظَلَموا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دونِ اللهِ أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرونَ).

فأين الخلل في الموضوع؟

فالدين واحد والقرآن واحد والنبيّ واحد.

ولكنّ العترة الطاهرة التي شهد لها الكتاب بالطهارة والعصمة وعدم مفارقة الكتاب إلى يوم القيامة هي ليست إلاّ ترجمان القرآن وكما نعبّر: هم تراجمة وحي الله وعيبة علمه.

أمّا الآخرون الذين لم يأخذوا من هذا المعين الصافي فقد أخذوا من غيره فأوقعهم في التخبّط، وما ذلك إلاّ لأ نّهم اعتمدوا على أحاديث منسوبة للرسول (صلى الله عليه وآله)ولكنّها فعلا مستوحاة من الحكام الجائرين، دبّجها لهم وعّاظ السلاطين لاستتباب أمرهم ودوام سلطانهم، وأعانهم على ذلك أنّ الحديث الشريف غير مدوّن إذ لم يؤذن بتدوينه إلاّ في عهد المنصور، فوقعوا في فخ الضلال وظهرت العقائد المنحرفة وعُطِّل العقل وتركوا القرآن جانباً واعتمدوا على الحديث اعتماداً كلياً حتّى قالوا: «إنّ السنّة تنسخ القرآن وتقضي عليه بينما القرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي عليها»، وقالوا أيضاً: «إنّ القول بعرض الأحاديث على الكتاب قول وضعه الزنادقة»...

وهذا أمرٌ في غاية الغرابة، ولا غرابة في مَن ألغى عقله وعطّله، وجانَب الكتاب والعترة، وسار على هواه وإلى الجحيم مثواه.

هذا ما قدّمتم لأنفسكم وليس الله بظلاّم للعبيد.

(وَقالوا رَبَّنا إنَّا أطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبيلا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ وَالـْعَنْهُمْ لَعْناً كَبيراً).

  

 

الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  سورة الشعراء  : 214 .

(2)  شواهد التنزيل 1  : 420 ، طبعة بيروت الأعلمي .

(3)  سورة الأحزاب  : 33 .

(4)  إنَّما هي للحصر .

(5)  آل عمران  : 59 ـ 61 .

(6)  سورة المائدة  : 55 .

(7)  دلائل الصدق  : 2  : 73 .

(8)  سورة النور  : 36 .

(9)  سورة البقرة  : 132 .

(10)  سورة الرعد  : 7 .

(11)  شواهد التنزيل 2  : 146 .

(12)  كفاية الطالب  : 313 ، طبعة طهران .

(13)  سورة التوبة  : 28 .

(14)  النحل  : 44 .

(15)  كنز العمّـال 10  : 237 .

(16)  المستدرك على الصحيحين 1  : 102 و  104 .

(17)  طبقات ابن سعد 6  : 7 .

(18)  المستدرك على الصحيحين ( 1  : 102 )  : إنّ عمر كان قد شيّع قرضة بن كعب الأنصاري ومن معه إلى ( صرار ) على ثلاثة أميال من المدينة وأظهر لهم أنّ مشايعته لهم إنّما كانت لأجل الوصيّة بهذا الأمر .

(19)  كنز العمّـال 10  : 293 ، الحديث رقم 29479 .

(20)  تقييد العلم ; الخطيب البغدادي  : 52 .

(21)  سورة يونس ، الآية 26 .

(22)  سورة هود  : الآية 40 .

(23)  سورة العنكبوت  : الآية 26 .

(24)  سورة الذاريات  : الآيتان 35 ـ 36 .

(25)  سورة آل عمران  : الآية 52 .