دور علي عليه السلام وتلاميذه في الفتوحات

فتح فارس والروم كان وعداً نبوياً

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الشيخ علي الكوراني   

 

كان النبي صلى الله عليه وآله يدعو الناس في مكة الى الإسلام ويخبرهم بأن الله تعالى وعده أن يورِّث أمته ملك كسرى وقيصر ! فكل من قرأ سيرته صلى الله عليه وآله يجد أن فتح فارس والروم كانا وعداً نبوياً من أول إعلان الدعوة ، وكان المشركون يسخرون من ذلك! واستمر هذا الوعد عنصراً ثابتاً في مراحل دعوته صلى الله عليه وآله ، فكان برنامجاً إلزامياً للسلطة الجديدة بعد وفاته صلى الله عليه وآله ، أيّاً كانت تلك السلطة .

ففي سنن البيهقي:7/283: (فوالذي نفس محمد بيده ليفتحن عليكم فارس والروم).

وفي الكافي:8/216: (عن أبي عبد الله عليه السلام : لما حفر رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق مروا بكدية فتناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) المعول من يد أمير المؤمنين (عليه السلام) أو من يد سلمان رضي الله عنه فضرب بها ضربة فتفرقت بثلاث فرق ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لقد فتح علي في ضربتي هذه كنوز كسرى وقيصر ، فقال أحدهما لصاحبه : يعدنا بكنوز كسرى وقيصر وما يقدر أحدنا أن يخرج يتخلى) . ونحوه في سيرة ابن هشام:2/365

وعندما جاءته رسالة تهديد من كسرى أخبره الله تعالى بأنه سيقتله في اليوم الفلاني:

في سيرة ابن هشام:1/45: (كتب كسرى إلى باذان : إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه بني فسر إليه فاستتبه ، فإن تاب وإلا فابعث إليَّ برأسه ، فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه رسول صلى الله عليه وسلم: إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا من شهر كذا ، فلما أتى باذان الكتاب توقف لينظر ، وقال: إن كان نبيا فسيكون ما قال ، فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن هشام: قتل على يدي ابنه شيرويه).

و هذا يدل ، على أن الإتجاه الى الفتوحات خطة نبوية وعقيدة معروفة عند المسلمين ، وأنه كان من الواجب على أي سلطة تأتي بعد النبي صلى الله عليه وآله أن تتبنى هذ (الستراتيجية) وتسير فيها .

 

 

دور علي عليه السلام وشيعته في الفتوحات

 

في رأيي أن السلطة بعد النبي صلى الله عليه وآله خافت من حرب مسيلمة والأسود العنسي التي يسمونها حروب الردة ، كما خافت من التوجه الى فتح بلاد فارس والشام ، وأن الذي دفعها الى الفتوحات هو علي عليه السلام والذين قادوا أهم الفتوحات هم تلاميذه الفرسان ، الذين لم تعطهم السلطة مناصب قيادية ، لكنهم كانوا القادة الميدانيين الذين خاضوا غمار المعارك وحققوا الإنتصارات الواسعة ، كانوا من شيعة علي عليه السلام وهم :

حذيفة بن اليمان ، وسلمان الفارسي ، وعمار بن ياسر ، وأبي ذر الغفاري ، وخالد بن سعيد بن العاص الأموي وأخواه أبان وعمرو ، وهاشم بن أبي وقاص الأموي المعروف بالمرقال وأولاده خاصة عبدالله وعتبة . وبريدة الأسلمي ، وعبادة بن الصامت ، وأبي أيوب الأنصاري ، وعثمان بن حنيف وإخوته، وعبد الرحمن بن سهل الأنصاري، ومالك بن الحارث الأشتر وإخوته ، وعدد من القادة النخعيين معه ، وصعصعة بن صوحان العبدي وإخوته ، والأحنف بن قيس ، وحجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وأبي الهيثم بن التيهان ، وجعدة بن هبيرة ابن أخت أمير المؤمنين عليه السلام ، والنعمان بن مقرن ، وبديل بن ورقاء الخزاعي ، وجرير بن عبدالله البجلي ، ومحمد بن أبي حذيفة الأنصاري ، وأبي رافع وأولاده ، والمقداد بن عمرو ، وواثلة بن الأسقع الكناني ، والبراء بن عازب ، وأبي أيوب الأنصاري ، وبلال بن رباح مؤذن النبي صلى الله عليه وآله ، وعبدالله بن خليفة البجلي ، وعدي بن حاتم الطائي ، وأبو عبيد بن مسعود الثقفي ، وأبي الدرداء .. ويليهم: جارية بن قدامة السعدي ، وأبي الأسود الدؤلي ، ومحمد بن أبي بكر ، والمهاجر بن خالد بن الوليد.. وغيرهم من القادة الميدانيين !

ولكل واحد من هؤلاء الأبطال أدوار مهمة ، عتَّم عليها إعلام الخلافة ورواتها، وأبرزوا بدلها أصحاب الأدوار الشكلية أو الثانوية أو المسروقة !

إني أدعو الباحثين خاصة في تاريخ الفتوحات الإسلامية ، لأن يكشفوا هذه الحقيقة الضخمة التي غطت عليها حكومات الخلافة القرشية ، ورواتها الذين كتبوا التاريخ بحبر الحكام .

 

 

علي عليه السلام يشكو ظلامته وتعمد نسيان دوره في الفتوحات

 

تعامل علي وأهل البيت عليهم السلام مع الموجة القرشية ضدهم بعد النبي صلى الله عليه وآله بنبل رسالي ، ونفذوا ما أمرهم به حبيبهم النبي صلى الله عليه وآله ، وسجلوا صبراً لا نظير له ، فكظموا غيظهم وصبَّروا أنصارهم ، وارتفعوا على جراحهم ، فعملوا مخلصين في تسيير سفينة الإسلام وفتوحاته !

قال عليٌّ عليه السلام في كتابه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها: (أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمداً صلى الله عليه وآله وآله نذيراً للعالمين ، ومهيمناً على المرسلين ، فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فوالله ماكان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله عن أهل بيته ولا أنهم مُنَحُّوهُ عني من بعده ، (يقصد عليه السلام أن هذا كان أمراً غيرمعقول لايتصور) فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله ! فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أوهدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أوكما يتقشع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث ، حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتَنَهْنَهْ).( نهج البلاغة:3/118).

وقام أمير المؤمنين عليه السلام بمهته العظيمة في التخطيط والتوجيه وغرس الثقة والقوة في نفوس القادة والجنود ، حتى امتدت الدولة الإسلامية فشملت إيران وبلاد الشام ومصر وغيرها .

ولكن التاريخ الإسلامي نسب تلك الفتوحات الى أبي بكر وعمر وعثمان وخلفاء بني أمية وتعمد أن يغطي على دور علي عليه السلام ، لذلك نراه يشكو ظلامته ويسجلها للتاريخ :

قال شرح النهج:20/298: (قال له قائل: يا أمير المؤمنين أرأيت لوكان رسول الله صلى الله عليه وآله ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم ، وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه أمرها؟ قال: لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلت ، ولولا أن قريشاً جعلت إسمه ذريعة إلى الرياسة، وسلماً إلى العز والأمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً، ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكرًا ، ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا ، ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف.

وما عسى أن يكون الولد لوكان ! إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقربني بما تعلمونه من القُرْب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لوكان له ولد هل كان يفعل ما فعلت! وكذاك لم يكن يَقْرُب ما قَرُبْتُ ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة .

اللهم إنك تعلم أني لم أرد الأمرة ، ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والأداء

لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك ). انتهى

 

 

ثلاثة عناصر تشكل دور علي عليه السلام في الفتوحات

 

العنصر الأول: في دور علي عليه السلام في الفتوحات أن تلاميذه تصدوا لقيادة معاركها ، حتى لو تعطهم السلطة دوراً القيادة العليا . كما نرى في خالد بن سعيد بن العاص وأبي ذر وحذيفة بن اليمان وهاشم المرقال والأشتر وحجر بن عدي وغيرهم . وكل واحد منهم يحتاج الى دراسة خاصة .

أما العنصر الثاني: فهو أن عمر بن الخطاب بعد هزيمة المسلمين في معركة الجسر مع القوات الإيرانية ، أعطى علياً عليه السلام الدور الأساسي في إدارة الفتوحات !

ذلك أن الفرس طمعوا في استرجاع المناطق التي فتحوها ، وهي البصرة والكوفة والمدائن وجلولاء وخانقين وقسم من الأهواز ، فاستجمعوا قواهم وجمعوا مائة وخمسين ألف مقاتل في نهاوند ، وقرروا أن يجتاحوا هذه المناطق ثم يزحفوا الى المدينة المنورة ، لاستئصال أصل دين العرب بزعمهم !

فهذه المرحلة كانت سبباً في أن الخليفة عمر أطلق يد علي عليه السلام في إدارة الفتوحات ، فقد روت المصادر أن عمر خاف خوفاً شديداً ، فاستشار كبار الصحابة ، وعمل برأي علي عليه السلام وأطلق يده في إدارة الفتح وإرسال القادة الذين يختارهم ، فاختار النعمان بن مقرن ، فإن قتل فحذيفة ، فإن قتل فجرير بن عبدالله البجلي ، وكانت معركة نهاوند الفاصلة التي قصمت قوة فارس!

قال ابن الأعثم في الفتوح:2/290: (ذكر كتاب عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبدالله عمر أمير المؤمنين من عمار بن ياسر ، سلام عليك . أما بعد فإن ذا السطوات والنقمات المنتقم من أعدائه ، المنعم على أوليائه ، هو الناصر لأهل طاعته على أهل الإنكار والجحود من أهل عداوته ، ومما حدث يا أمير المؤمنين أن أهل الري وسمنان وساوه وهمذان ونهاوند وأصفهان وقم وقاشان وراوند واسفندهان وفارس وكرمان وضواحي أذربيجان قد اجتمعوا بأرض نهاوند، في خمسين ومائة ألف من فارس وراجل من الكفار ، وقد كانوا أمَّروا عليهم أربعة من ملوك الأعاجم ، منهم ذو الحاجب خرزاد بن هرمز ، وسنفاد بن حشروا ، وخهانيل بن فيروز ن وشروميان بن اسفنديار ، وأنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا وتحالفوا وتكاتبوا وتواصوا وتواثقوا ، على أنهم يخرجوننا من أرضنا ، ويأتونكم من بعدنا ، وهم جمع عتيد وبأس شديد ، ودواب فَرِهٌ وسلاح شاك ، ويد الله فوق أيديهم . فإني أخبرك يا أمير المؤمنين أنهم قد قتلوا كل من كان منا في مدنهم ، وقد تقاربوا مما كنا فتحناه من أرضهم ، وقد عزموا أن يقصدوا المدائن ، ويصيروا منها إلى الكوفة ، وقد والله هالنا ذلك وما أتانا من أمرهم وخبرهم ، وكتبت هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين ليكون هو الذي يرشدنا وعلى الأمور يدلنا ، والله الموفق الصانع بحول وقوته ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، فرأي أمير المؤمنين أسعده الله فيما كتبته . والسلام .

قال: فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقرأه وفهم ما فيه وقعت عليه الرعدة والنفضة ، حتى سمع المسلمون أطيط أضراسه ! ثم قام عن موضعه حتى دخل المسجد وجعل ينادي: أين المهاجرون والأنصار ! ألا فاجتمعوا رحمكم الله ، وأعينوني أعانكم الله ! ). انتهى .

وفي تاريخ الطبري:3/209: (وكتب إليه أيضاً عبد الله وغيره بأنه قد تجمع منهم خمسون ومائة ألف مقاتل ، فإن جاؤونا قبل أن نبادرهم الشدة ، ازدادوا جرأة وقوة... ثم نقل الطبري مشورة عمر للصحابة وقوله: (أفمن الرأي أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه ، حتى أنزل منزلا واسطاً بين هذين المصرين فأستنفرهم ، ثم أكون لهم رداء حتى يفتح الله عليهم ويقضى ما أحب ، فإن فتح الله عليهم أن أضربهم عليهم في بلادهم وليتنازعوا ملكهم...؟

فقام طلحة ابن عبيد الله وكان من خطباء أصحاب رسول الله(ص)فتشهد ثم قال: أما بعد يا أمير المؤمنين فقد أحكمتك الأمور وعجمتك البلايا واحتنكتك التجارب ، وأنت وشأنك وأنت ورأيك ، لا ننبو في يديك ولا نكل عليك . إليك هذا الأمر فمرنا نطع وادعنا نجب ، واحملنا نركب ، وأوفدنا نفد ، وقدنا ننقد ، فإنك ولي هذا الأمر ، وقد بلوت وجربت واختبرت ، فلم ينكشف شئ من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار . ثم جلس .

فعاد عمر فقال: إن هذا يوم له ما بعده من الأيام فتكلموا . فقام عثمان بن عفان فتشهد وقال: أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشأم فيسيروا من شأمهم ، وتكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ، ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى المصرين الكوفة والبصرة ، فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين ، فإنك إذا سرت بمن معك وعندك ، قل في نفسك ما قد تكاثر من عدد القوم ، وكنت أعز عزاً وأكثر... ثم جلس .

فعاد عمر فقال: إن هذا يوم له ما بعده من الأيام فتكلموا . فقام علي بن أبي طالب فقال: أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أشخصت أهل الشأم من شأمهم سارت الروم إلى ذراريهم ، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم ، وإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات ! أقْرِرْ هؤلاء في أمصارهم ، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق: فلتقم فرقة لهم في حرمهم وذراريهم ، ولتقم فرقة في أهل عهدهم لئلا ينتقضوا عليهم ، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مدداً لهم . إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً قالوا هذا أمير العرب وأصل العرب ، فكان ذلك أشد لكلبهم وألبتهم على نفسك . وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكره . وأما ما ذكرت من عددهم ، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكنا كنا نقاتل بالنصر . فقال عمر: أجل والله لئن شخصت من البلدة لتنتقضن عليَّ الأرض من أطرافها وأكنافها ، ولئن نظرت إلى الأعاجم لا يفارقن العرصة ، وليمدنهم من لم يمدهم وليقولن هذا أصل العرب ، فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب ). انتهى .

وفي نهج البلاغة:2/29: (وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، وهو دين الله الذي أظهره ، وجنده الذي أعده وأمده ، حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع . ونحن على موعود من الله ، والله منجز وعده وناصر جنده .

ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه ، فإن انقطع النظام تفرق وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً . والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً ، فهم كثيرون بالإسلام وعزيزون بالإجتماع ، فكن قطباً ، واستدر الرحى بالعرب ، وأصلهم دونك نار الحرب ، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك !

إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا أصل العرب ، فإذا قطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك . فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين ، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكره . وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة ).

ووصف ابن الأعثم في الفتوح:2/291، مشاورة عمر للصحابة فقال: (أيها الناس: هذا يوم غم وحزن فاستمعوا ما ورد عليَّ من العراق ، فقالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن الفرس أمم مختلفة أسماؤها وملوكها وأهواؤها وقد نفخهم الشيطان نفخة فتحزبوا علينا ، وقتلوا من في أرضهم من رجالنا ، وهذا كتاب عمار بن ياسر من الكوفة يخبرني بأنهم قد اجتمعوا بأرض نهاوند ، في خمسين ومائة ألف ، وقد سربوا عسكرهم إلى حلوان وخانقين وجلولاء ، وليست لهم همة إلا المدائن والكوفة ، ولئن وصلوا إلى ذلك فإنها بلية على الإسلام وثلمة لا تسد أبداً ، وهذا يوم له ما بعده من الأيام ، فالله الله يا معشر المسلمين ! أشيروا عليَّ رحمكم الله ، فإني قد رأيت رأياً ، غير أني أحب أن لا أقدم عليه إلا بمشورة منكم ، لأنكم شركائي في المحبوب والمكروه .

ذكر ما أشار به المسلمون على عمر رضي الله عنه:

وكان أول من وثب على عمر بن الخطاب وتكلم: طلحة بن عبيد الله فقال: ياأمير المؤمنين ، إنك بحمد الله رجل قد حنكته الدهور وأحكمته الأمور وراضته التجارب في جميع المقانب ، فلم ينكشف لك رأي إلا عن رضى ، وأنت مبارك الأمر ميمون النقيبة ، فنفذنا ننفذ ، واحملنا نركب ، وادعنا نجب .

قال: ثم وثب الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تبارك وتعالى قد جعلك عزاً للدين.... وبعد فأنت بالمشورة أبصر من كل من في المسجد ، فاعمل برأيك فرأيك أفضل ، ومرنا بأمرك فها نحن بين يديك .

فقال عمر: أريد غير هذين الرأيين ، قال: فوثب عبد الرحمن بن عوف الزهري فقال: يا أمير المؤمنين ، إن كل متكلم يتكلم برأيه ، ورأيك أفضل من رأينا ، لما قد فضلك الله عز وجل علينا ، وأجرى على يديك من موعود ربنا ، فاعمل برأيك واعتمد على خالقك ، وتوكل على رازقك وسر إلى أعداء الله بنفسك ، ونحن معك ، فإن الله عز وجل ناصرك بعزه وسلطانه كما عودك من فضله وإحسانه .

فقال عمر: أريد غير هذا الرأي ، فتكلم عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: ياأمير المؤمنين إنك قد علمت وعلمنا أنا كنا بأجمعنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله منها بنبيه محمد(ص)، وقد اختارك لنا خليفة نبينا محمد ، وقد رضيك الأخيار وخافك الكفار ، ونفر عنك الأشرار ، وأنا أشير عليك أن تسير أنت بنفسك إلى هؤلاء الفجار بجميع من معك من المهاجرين والأنصار ، فتحصد شوكتهم وتستأصل جرثومتهم . فقال عمر رضي الله عنه: وكيف أسير أنا بنفسي إلى عدوي وليس بالمدينة خيل ولا رجل ، فإنما هم متفرقون في جميع الأمصار ؟

فقال عثمان: صدقت يا أمير المؤمنين ، ولكني أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيقبلوا عليك من شامهم ، وإلى أهل اليمن فيقبلوا إليك من يمنهم ، ثم تسير بأهل الحرمين مكة والمدينة إلى أهل المصرين البصرة والكوفة ، فتكون في جمع كثير وجيش كبير ، فتلقى عدوك بالحد والحديد والخيل والجنود .

قال فقال عمر: هذا أيضاً رأي ليس يأخذ بالقلب ، أريد غير هذا الرأي .

قال: فسكت الناس ، والتفت عمر رضي الله عنه إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن ! لم لا تشير بشئ كما أشار غيرك ؟

ذكر مشورة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه:

قال: فقال علي: يا أمير المؤمنين ، إنك قد علمت أن الله تبارك وتعالى بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وليس معه ثان ولا له في الأرض من ناصر ولا له من عدوه مانع ، ثم لطف تبارك وتعالى بحوله وقوته وطوله ، فجعل له أعواناً أعز بهم دينه ، وشد أزره وشيد بهم أمره ، وقصم بهم كل جبار عنيد وشيطان مريد ، وأرى موازريه وناصريه من الفتوح والظهور على الاعداء ما دام به سرورهم وقرت به أعينهم ، وقد تكفل الله تبارك وتعالى لاهل هذا الدين بالنصر والظفر والاعزاز . والذي نصرهم مع نبيهم وهم قليلون ، هو الذي ينصرهم اليوم إذ هم كثيرون....

وبعد فقد رأيت قوماً أشاروا عليك بمشورة بعد مشورة فلم تقبل ذلك منهم ، ولم يأخذ بقلبك شئ مما أشاروا به عليك ، لأن كل مشير إنما يشير بما يدركه عقله ، وأعملك يا أمير المؤمنين أنك إن كتبت إلى الشام أن يقبلوا إليك من شامهم لم تأمن من أن يأتي هرقل في جميع النصرانية فيغير على بلادهم ، ويهدم مساجدهم ، ويقتل رجالهم ، ويأخذ أموالهم ، ويسبي نساءهم وذريتهم !

وإن كتبت إلى أهل اليمن أن يقبلوا من يمنهم ، أغارت الحبشة أيضاً على ديارهم ونسائهم وأموالهم وأولادهم ! وإن سرت بنفسك مع أهل مكة والمدينة إلى أهل البصرة والكوفة ، ثم قصدت بهم قصد عدوك ، انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأطرافها ، حتى إنك تريد بأن يكون من خلفته وراءك أهم إليك مما تريد أن تقصده ، ولا يكون للمسلمين كانفة تكنفهم ، ولا كهف يلجؤون إليه ، وليس بعدك مرجع ولا موئل ، إذ كنت أنت الغاية والمفزع والملجأ . فأقم بالمدينة ولا تبرحها ، فإنه أهيب لك في عدوك ، وأرعب لقلوبهم ، فإنك متى غزوت الأعاجم بنفسك يقول بعضهم لبعض: إن ملك العرب قد غزانا بنفسه ، لقلة أتباعه وأنصاره ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وعلى المسلمين ، فأقم بمكانك الذي أنت فيه ، وابعث من يكفيك هذا الأمر . والسلام .

قال: فقال عمر رضي الله عنه: يا أبا الحسن ! فما الحيلة في ذلك وقد اجتمعت الأعاجم عن بكرة أبيها بنهاوند في خمسين ومائة ألف ، يريدون استئصال المسلمين؟

فقال له علي بن أبي طالب: الحيلة أن تبعث إليهم رجلاً مجرباً قد عرفته بالبأس والشدة ، فإنك أبصر بجندك وأعرف برجالك ، واستعن بالله وتوكل عليه واستنصره للمسلمين ، فإن استنصاره لهم خير من فئة عظيمة تمدهم بها ، فإن أظفر الله المسلمين فذلك الذي تحب وتريد ، وإن يكن الأخرى وأعوذ بالله من ذلك ، تكون ردءا للمسلمين وكهفاً يلجؤون إليه وفئة ينحازون إليها .

قال فقال له عمر: نعم ما قلت يا أبا الحسن ! ولكني أحببت أن يكون أهل البصرة وأهل الكوفة هم الذين يتولون حرب هؤلاء الأعاجم ، فإنهم قد ذاقوا حربهم وجربوهم ومارسوهم في غير موطن. قال فقال له علي رضي الله عنه:

إن أحببت ذلك فاكتب إلى أهل البصرة أن يفترقوا على ثلاث فرق: فرقة تقيم في ديارهم فيكونوا حرساً لهم يدفعون عن حريمهم . والفرقة الثانية يقيمون في المساجد يعمرونها بالأذان والصلاة لكيلا تعطل الصلاة ، ويأخذون الجزية من أهل العهد لكيلا ينتقضوا عليك . والفرقة الثالثة يسيرون إلى إخوانهم من أهل الكوفة . ويصنع أهل الكوفة أيضاً كصنع أهل البصرة ، ثم يجتمعون ويسيرون إلى عدوهم ، فإن الله عز وجل ناصرهم عليهم ومظفرهم بهم ، فثق بالله ولا تيأس من روح الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ .

قال: فلما سمع عمر مقالة علي كرم الله وجهه ومشورته ، أقبل على الناس وقال: ويحكم ! عجزتم كلكم عن آخركم أن تقولوا كما قال أبو الحسن ! والله لقد كان رأيه رأيي الذي رأيته في نفسي ، ثم أقبل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن ! فأشر عليَّ الآن برجل ترتضيه ويرتضيه المسلمون أجعله أميراً ، وأستكفيه من هؤلاء الفرس .

فقال علي رضي الله عنه: قد أصبته ، قال عمر: ومن هو ؟ قال: النعمان بن مقرن المزني ، فقال عمر وجميع المسلمين: أصبت يا أبا الحسن ! وما لها من سواه . قال: ثم نزل عمر رضي الله عنه عن المنبر ودعا بالسائب بن الأقرع بن عوف الثقفي فقال: يا سائب ! إني أريد أن أوجهك إلى العراق فإن نشطت لذلك فتهيأ ، فقال له السائب: ما أنشطني لذلك...). انتهى .

أما العنصر الثالث: فهو دور أمير المؤمنين عليه السلام في استكمال الفتوحات في خلافته بالرغم من ثلاثة حروب داخلية فتحوها عليه ! وقد سجل التاريخ منها فتح قسم من إيران كان مستعصياً ، وفتح قسم من الهند :

أمير المؤمنين عليه السلام يرتب وضع البصرة ويواصل فتح إيران والهند

في تاريخ اليعقوبي:2/183: (ولما فرغ من حرب أصحاب الجمل ، وجه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي إلى خراسان) .

وفي شرح نهج البلاغة:18/308: (هبيرة بن أبي وهب ، كان من الفرسان المذكورين ، وابنه جعدة بن هبيرة ، وهو ابن أخت علي بن أبي طالب ، أمه أم هاني بنت أبي طالب ، وابنه عبد الله بن جعدة بن هبيرة ، هو الذي فتح القهندر وكثيراً من خراسان ، فقال فيه الشاعر:

لولا ابن جعدةَ لم تُفتح قهندركم ولا خراسانُ حتى ينفخ الصور . انتهى.

أقول: في معجم البلدان:4/419 ، وصحاح الجوهري:1/433: قهندز بالزاي .

وقال الطبري في تاريخه:4/46: (فانتهى إلى أبر شهر وقد كفروا وامتنعوا فقدم على علي فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو ، وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان فبعث بهما إلى علي فعرض عليهما الإسلام وأن يزوجهما ، قالتا زوجنا ابنيك فأبى ، فقال له بعض الدهاقين إدفعهما إليَّ فإنه كرامة تكرمني بها ، فدفعهما إليه فكانتا عنده يفرش لهما الديباج ويطعمهما في آنية الذهب ، ثم رجعتا إلى خراسان ). انتهى .

وقال ابن خياط في تاريخه ص143، في حوادث سنة36: (وفيها ندب الحارث بن مرة العبدي(من البحرين)الناس إلى غزو الهند ، فجاوز مكران إلى بلاد قندابيل ووغل في جبال الفيقان ...) .

وفي فتوح البلدان للبلاذري:3/531: (فلما كان آخر سنة ثمان وثلاثين وأول سنة تسع وثلاثين في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، توجه إلى ذلك الثغر الحارث بن مرة العبدي متطوعاً بإذن علي ، فظفر وأصاب مغنماً وسبياً ، وقسم في يوم واحد ألف رأس ). انتهى .

نماذج من أدوار تلاميذ علي عليه السلام في الفتوحات !

سلمان في فتح الأهواز وإسلام الهرمزان ، وفتح المدائن ، وبقية إيران ،

حجر بن عدي في القادسية والمدائن وجلولاء ، وأرمينية ، وبيروت .

عمار بن ياسر في فتح العراق وفارس .

هاشم المرقال في جلولاء وخانقين وغيرها .

خالد بن سعيد بن العاص وإخوته في فتح الشام

الأشتر في القادسية واليرموك .

أبو ذر في فتح الشام وقبرص ومصر .

حذيفة في القادسية وفتوح العراق وفارس وأرمينية .

محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة في معركة ذات الصواري مع الروم .

رأيت رواية ألفتتني ، لأنها تدل على أن أبا ذر رحمه الله كان موجوداً في فتح الشام ، فتتبعت خيوطها ، ففتحت عليَّ باباً وكشفت لي حقائق عن الفتوحات الإسلامية ، تخالف روايات الحكومات الرسمية ما هو مشهور غير أن

قال القاضي النعمان في شرح الأخبار:2/156: (غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس وهو أمير على الشام ، فغنموا وقسموا الغنائم ، فوقعت جارية في سهم رجل من المسلمين وكانت جميلة ، فذكرت ليزيد فانتزعها من الرجل ! وكان أبو ذر يومئذ بالشام ، فأتاه الرجل فشكا إليه واستعان به على يزيد ليرد الجارية إليه ، فانطلق إليه معه وسأله ذلك فتلكأ عليه ! فقال له أبو ذر: أما والله لئن فعلت ذلك ، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية ، ثم قام ! فلحقه يزيد فقال له: أذكرك الله عز وجل أنا ذلك الرجل؟! قال: لا . فرد عليه الجارية). انتهى .

وفي سير أعلام النبلاء:1/329 ، وتاريخ دمشق:65/250: (فوقعت جارية نفيسة في سهم رجل فاغتصبها يزيد) . انتهى . وقد روت هذا الحديث أكثر مصادرهم ، وغطى أكثرها على آل أبي سفيان ، فلم يذكروا أن مناسبة الحديث غصب ابن أبي سفيان للجارية ، وقد رأيت في آخر الفصل السابق تصحيح الألباني للحديث ، دون أن يذكر مناسبته ! كما أنهم لم يذكروا شيئاً عن سلوك أخيه معاوية ، لكنه كان في جوه ! وممن غطى على بني أمية وحاول تكذيب الرواية بخاري ، فقال في تاريخه:1/45: (كان أبو ذر بالشام وعليها يزيد بن أبي سفيان فغزا الناس فغنموا...وهنا بتر بخاري القصة ، وقال: (والمعروف أن أبا ذر كان بالشام زمن عثمان وعليها معاوية ومات يزيد في زمن عمر ، ولا يعرف لأبي ذر قدوم الشام زمن عمر). انتهى. وإن أحسنا الظن ، فالبخاري غير مطلع ، وإلا فهو متعصب لبني أمية !

وقد روى ابن كثير في النهاية:8/254، قصة هذه الجارية ، ثم قال: (وكذا رواه البخاري في التاريخ وأبو يعلى عن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب ، ثم قال البخاري: والحديث معلول ولانعرف أن أبا ذر قدم الشام زمن عمر بن الخطاب).

أقول: لكن بخاري لم يروها كاملة ، ولا قال كما نقل عنه ابن كثير !

يدل الحديث المتقدم على أن أبا ذر رضوان الله عليه شارك في فتح الشام ، وكان له نفوذ على قادة جيش الفتح ! وهو ما تحرص مصادر دولة الخلافة على إخفائه ، حتى لاتُنسب الفتوحات الى شيعة علي عليه السلام ، وحتى لايظهر انحراف خلفائها وأمرائها ، وإدانة الصحابة الأجلاء لهم !

إني أدعو الباحثين خاصة في تاريخ الفتوحات الإسلامية ، لأن يفتحوا الباب على هذه الحقيقة الضخمة التي غطت عليها حكومات الخلافة القرشية ، والتي يشكو علي عليه السلام من ظلامتها !

 

 

دور أبي ذر رحمه الله في الفتوحات

 

ودور أبي ذر رحمه الله في الفتوحات واحدٌ مما طمسه تاريخ الخلافة الرسمي! فقد صوروا أبا ذر رحمه الله كأنه بدوي ساذج متزمت سئ الخلق ، وكأنه صغير الجثة ضعيف البنية عن الجهاد ! بينما نطقت ثنايا مصادرهم بالحقائق ، وأنه كان رجلاً جسيماً طويلاً ، وقائداً شجاعاً ذكياً ! (وكان أبو ذر طويلاً عظيماً رضي الله عنه وكان زاهداً متقللاً من الدنيا...وكان قوالاً بالحق).(تهذيب الأسماء للنووي:2/513).

(وكان أبو ذر طويلاً عظيماً) . (أسد الغابة:5/188 ، ومستدرك الحاكم:3/51) .

(رجلاً طويلاً آدم أبيض الرأس واللحية). (الطبقات:4/230) .

(فجلس... فرجف به السرير ، وكان عظيماً طويلاً) (سير أعلام النبلاء للذهبي:2/69).

وكان له فرس أصيل يقال له: الأجدل . (أنساب الخيل لابن الكلبي ص 6، وأسماء خيل العرب وفرسانها لابن الأعرابي ص 2). ومضافاً الى الرواية المتقدمة في استنكاره على الأمير الأموي لغصبه الجارية التي تدل على أنه كان في فتح الشام(سير أعلام النبلاء:1/329 ، وتاريخ دمشق:65/250) ،

فقد قالت رواية الواقدي في فتوح الشام:2/254: (ثم حمل من بعده العباس بن مرداس ، ثم من بعده أبو ذر الغفاري ، ثم تبارد المسلمون بالحملة ، فلما رأى الروم ذلك ايقظوا أنفسهم في عددهم وعديدهم وتظاهروا البيض والدرع ، ولم يزل القتال بينهم حتى توسطت الشمس في قبة الفلك).

وقال الواقدي أيضاً:2/583: (ثم استدعى من بعده أبا ذر الغفاري ، وأمَّره على خمسمائة فارس ، وسلمه الراية فتوجه وهو يقول:

سأمضي للعداة بلا اكتئاب وقلبي للِّقا والحرب صابي

وإن صال الجميع بيوم حرب لكان الكلُّ عندي كالكلاب

أذلهمُ بأبيض جوهريٍّ طليقِ الحدِّ فيهم غيرُ آبي) .انتهى .

بل تدل عدة روايات كما يأتي على أن أبا ذر رحمه الله سكن الشام من أول حكم عمر ، للمشاركة في الفتوحات ، وعاد منها في زمن عثمان ، ثم نفاه اليها عثمان لمدة سنة ، ثم أعاده ونفاه الى الربذة فبقي فيها سنتين أو أكثر حتى توفي غريباً سنة32 هجرية . وهذا يعني أنه قضى نحو عشرين سنة في الشام .

أما دور أبي ذر في فتح مصر فقد روت أكثر مصادر الحديث أنه كان يمرِّغ فرسه ويروِّضه ، فسألوه عن حبه له فقال: (ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده ، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده ، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب ، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجاباً). رواه أحمد:5/162، و170، والنسائي:6/223، وفي الكبرى:3/36 ، والبيهقي في سننه:6/330 ، وعلل أحمد بن حنبل:3/404 ، وعلل الدارقطني:6/266 ، وسنن سعيد بن منصور:2/204، والعظمة لأبي الشيخ:5/1780، وحلية الأولياء:8 /387 ، والفردوس بمأثور الخطاب:4/53 ، وتفسير ابن كثير:2/334 ، والفروسية لابن قيم الجوزية ص130، وكنز العمال:6/321 ...الخ. روته هذه المصادر وغيرها ولم تذكر مناسبته مع أنه حديث نبوي ! إلا ثلاثة منها كشفت ربما عن غير قصد دور أبي ذر في فتح مصر !

قال السيوطي في الدر المنثور:3/197: (وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن معاوية بن خديج ، أنه لما افتتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرِّغون فيها خيولهم ، فمر معاوية(يقصد ابن حديج التميمي)بأبي ذر رضي الله عنه وهو يمرغ فرساً له فسلم عليه ووقف ، ثم قال: يا أبا ذر ما هذا الفرس؟ قال فرس لي ، لا أراه الا مستجاباً ! قال: وهل تدعو الخيل وتجاب ؟ قال: نعم ، ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده ، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده ، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب ، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجاباً). (وحياة الحيوان للدميري ص930). وفي نهاية الإرب: ص2036: (لما نزل المسلمون مصر كانت لهم مراغة للخيل ، فمر حديج بن صومي بأبي ذر رضي الله عنه وهو يمرغ فرسه الأجدل ، فقال...)

وأما دوره في فتح قبرص ، فقال البلاذري في فتوح البلدان:1/182: (لما غُزيَت قبرس الغزوة الأولى ، ركبت أم حرام بنت ملحان مع زوجها عبادة بن الصامت ، فلما انتهوا إلى قبرس خرجت من المركب وقدمت إليها دابة لتركبها فعثرت بها فقتلتها ، فقبرها بقبرس يدعى قبر المرأة الصالحة .

قالوا: وغزا مع معاوية أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، وأبو الدرداء ، وأبو ذر الغفاري ، وعبادة بن الصامت ، وفضالة بن عبيد الأنصاري ، وعمير بن سعد بن عبيد الأنصاري ، وواثلة بن الأسقع الكناني ، وعبد الله بن بشر المازني ، وشداد بن أوس بن ثابت ، وهو ابن أخي حسان بن ثابت ، والمقداد ، وكعب الحبر بن ماتع ، وجبير بن نفير الحضرمي). انتهى .

أقول: حشروا إسم كعب الأحبار معهم ، لإعطائه لقب المسلم المجاهد ! وكذلك حشروا إسم معاوية بعبارة مبهمة فيها تدليس(وغزا مع معاوية) ، مع أن تاريخ كعب ومعاوية لم يسجل أنهما حملا سلاحاً وحاربا يوماً ، أو غزيا حتى لمرة واحدة ! ولذا قال في الإستيعاب:4/1931: (ويقال إن معاوية غزا تلك الغزاة بنفسه ، ومعه أيضاً امرأته فاختة بنت قرظة ). انتهى .

ويشير النص التالي الى أن معاوية كان ينتظر الجيش في الساحل بطرسوس!

ففي مسند الشاميين للطبراني:2/73 ، عن جبير بن نفير قال: (أخرج معاوية غنائم قبرس إلى الطرسوس من ساحل حمص ، ثم جعلها هناك في كنيسة يقال لها كنيسة معاوية ، ثم قام في الناس فقال: إني قاسم غنائمكم على ثلاثة أسهم: سهم لكم ، وسهم للسفن ، وسهم للقبط ، فإنه لم يكن لكم قوة على غزو البحر إلا بالسفن والقبط . فقام أبو ذر فقال: بايعت رسول الله على أن لا تأخذني في الله لومة لائم: أتقسم يا معاوية للسفن سهماً وإنما هي فيؤنا ، وتقسم للقبط سهماً وإنما هم أجراؤنا ، فقسمها معاوية على قول أبي ذر) . (ونحوه في:2/120 ، وتاريخ دمشق:66/193 ، وحلية الأولياء:5/134) .

أما البخاري فروى الحديث بدون ذكر أبي ذر ، ولا أبي أيوب ، ولا غيرهما من الصحابة ! لأن غرضه فقط أن يمدح معاوية بأنه أول من ركب البحر للغزو ، ويروي حديثاً يحتمل أن يكون مدحاً لمعاوية !

قال بخاري في:3/203: (أم حرام بنت ملحان قالت نام النبي(ص)يوماً قريباً مني ثم استيقظ يتبسم ، فقلت ما أضحكك ؟ قال أناس من أمتي عرضوا على يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرة ! قالت: فادع الله أن يجعلني منهم ، فدعا لها ، ثم نام الثانية ففعل مثلها ، فقالت مثل قولها فأجابها مثلها ، فقالت ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت من الأولين ! فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازياً أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية ، فلما انصرفوا من غزوهم قافلين فنزلوا الشام ، فقربت إليها دابة لتركبها ، فصرعتها فماتت) . انتهى. وقد صحح ابن حجر وغيره خطأ البخاري في روايته ولم يذكروا معاوية ! قال في تهذيب التهذيب:12/411: (والصحيح العكس ، فقد قال غير واحد وثبت غير واحد أنها خرجت مع زوجها عبادة في بعض غزوات البحر ، وماتت في غزاتها وَقَصَتْها بغلتها عندما نقلوا ، وذلك أول ما ركب المسلمون في البحر في زمن معاوية في خلافة عثمان . زاد أبو نعيم الأصبهاني وقبرت بقبرس . قلت: والإسماعيلي في مستخرجه عن الحسن بن سفيان عن هشام بن عمار قال: رأيت قبرها ووقفت عليها بقبرس). (ونحوه في صحيح ابن حبان:10/468 ، وطبقات ابن سعد:8/435 ، ورجال صحيح البخاري للكلاباذي:2/851 ، وتاريخ دمشق:70/217، وغيرها . وفي تهذيب التهذيب:12/82: ركبتْ البحر عام قبرس ، مع ثلاثة عشر رجلاً من الصحابة ، منهم أبو ذر ).

أقول: يصعب تصديق حديث بنت ملحان وأمثاله ، الذي يذكر أن النبي صلى الله عليه وآله كان يزورها كأنها والدته أو خالته ، وينام في بيتها ويرى رؤية تتعلق بها !

وأنها كانت تفلي رأسه كابنها أو أخيها ، وكأن رأس النبي صلى الله عليه وآله فيه قمل كرؤوس رجالهم !