أسس بناء الدولة المتحضرة في فكر الإمام علي عليه السلام


نصير علي موسى شكر

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم

((إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون))

صدق الله العلي العظيم

المائدة: آية 55

 
المقدمة

أمام نماذج التكفير والذبح، والقتل على الهوية، وجهاد النكاح و... يتطلع الفرد المسلم إلى دولة كريمة؛ لأجل أن يحيا فيها بكرامة وطمأنينة، ويحق لنا ولكلّ مسلم وحتّى لغير المسلمين أن يتساءلوا:
تُرى هل قدّم لنا الإسلام معالم دولة عصرية؟
وهل أشار إلى ضوابط بنائها؟
أم ترك الناس يتخبّطون، لا يهتدون إلى طريق، ولا يهتدون لمخرجٍ من أمرهم؟!
نعم، منذ أكثر من 1400 عام، قامت الشريعة الخاتمة بوضع أُسس وقواعد الدولة العادلة والمتحضرة، وذلك على يد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ومن بعده تلميذه ووصيّه وأخيه وابن عمّه الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
وقد لاحت معالم تلك الدولة التي بناها الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وبدأت تتضح معالمها يوماً بعد آخر، فنحن حين نطالع السيرة النبوية تلوح أمام أعيننا وتتبلور معالم دولة فاضلة طالما سعى لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخليفته الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام)، دولةٌ قائمة على احترام حقوق الإنسان، دولةٌ يأمن فيها الضعيف والقوي، ويتساوى فيها الغني والفقير، ويهنأ في ظلّها المسلم وغير المسلم.
وهكذا فقد أرسى الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قواعد وأُسس تلك الدولة من خلال كلماته وتوجيهاته وأفعاله، بحيث أصبحت تلك الأعمال والأقوال والأفعال منهاجاً يسير عليه المسلمون في إدارة شؤونهم السياسية والاقتصادية والعسكرية والمالية.
فكان هو (صلّى الله عليه وآله) المؤسّس، ليأتي من بعده (المكمّل) لما بدأ به الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، فكان الإمام علي (عليه السلام) هو الذي أخذ على عاتقه بناء الدولة الإسلامية العادلة التي أرادها الله سبحانه لعباده، وإن أُزيح (عليه السلام) عن السلطة لدواعٍ شتّى، لكن الإمام (عليه السلام) لم يحتج في يومٍ من الأيام إلى سلطة أو حكم، بل كانت السلطة دائماً في حاجة إليه (عليه السلام)، وكم من مرّة يقول قائلهم: «لولا علي لهلك عمر» وما تستبطن هذه الكلمة من أعلمية وأسبقية وأفضلية وأرجحية في شتى نواحي الحياة: الدينية والسياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها.
فلقد رأينا الإمام يشير عليهم في الجانب العسكري فيأخذون برأيه، وشاهدنا الإمام يشير عليهم في الجانب القضائي.. ويشير عليهم في الجانب الاقتصادي والاجتماعي و... فيأخذون برأيه.
إنّه رجل الدولة الأول بلا منازع، وهو بحق: قد زيّن الخلافة ولم تزيّنه أبداً..
وبما انّ الدولة ـــ أي دولة ـــ لا تقوم إلا بعناصر ومقومات أساسية، فلقد اخترنا مناقشة أربعة مقومات أساسية ورئيسية في مسألة قيام الدولة وحياتها؛ لذا سنستعرض باختصار سيرة الإمام (عليه السلام) وما قام به (عليه السلام) من خطوات لأجل إقامة دولة متحضّرة قبل أكثر من 1400 عام، وقد قسّمنا بحثنا هذا إلى أربعة مباحث، هي كالآتي:
المبحث الأول: الأساس القضائي، حيث سنعرض فيه الخطوات التي قام بها الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) لإصلاح هذه المؤسسة الهامة، لما لها من أثر في إرساء السلم الاجتماعي.
المبحث الثاني: الأساس المالي: وسنبحث فيه عن تنيظم الإمام (عليه السلام) للشؤون المالية.
المبحث الثالث: الأساس العسكري: وسنبحث فيه عن تنظيم الإمام (عليه السلام) لشؤون العسكر وأرزاقهم وعنايته (عليه السلام) بهم.
المبحث الرابع: الأساس الاجتماعي: وسنناقش فيه اهتمام الإمام بتنظيم هذا الجانب ومساواته للناس على أساس إسلامهم وإنسانيتهم.
إنّ هذه الدراسة التي نقدمها إنما هي صفحة من صفحات ذلك النظام الرائع الذي يملأ النفوس ثقة واطمئناناً بعدله وأصالته وسلامة أهدافه، فقد تكلّل ذلك النظام بالخير والعدل على الإنسانية في سبيل تحقيق آمالها وأحلامها، تلك السياسة العادلة التي عملت على إحياء سنن الإسلام وإماتة الباطل.
***


تمهيد

لابدّ من تعريف مفردات عنوان البحث، وهي كلّ من: الأسس، الدولة، المتحضرة، والفكر؛ وذلك لمشاركتها في إعطاء صورة واضحة عن العنوان موضوع البحث.
 
1 ــــ الأسس:
(أس) (الهمزة، والسين، يدلّ على: الأصل والشيء الوطيد الثابت)(1).
(أسس : الأُسُّ والأَسَس والأَساس : كل مُبْتَدَإِ شيءٍ .
والأُسُّ والأَساس : أَصل البناء ، والأَسَسُ مقصور منه ، وجمع الأُسِّ إِساس مثل عُسّ وعِساس ، وجمع الأَساس أُسس مثل قَذال وقُذُل ، وجمع الأَسَس آساس مثل: سبب وأَسباب.
والأَسيس : أَصل كل شيء)(2).
والظاهر ان المعنى اللغوي والاصطلاحي هو نفسه عند مستعمليه، حيث أنه ليس ثمّة اصطلاح للمستعملين سوى ذلك، فالمهندس المعماري وغيره من مستعملي هذه المادة اللغوية، لم يتناولوا معنىً آخر يتجاوز حدود ما تقدّم ذكره. وهي بالتالي تعني ـــــــــ أي كلمة الأساس ـــــــــ المرتكز والقاعدة.
 
2 ـــــ الدولة:
لغةً: دال يديل، تبدّل وتغيّر.
قال الشاعر:

وما إن طبّنا جبن ولكن         منايانا ودولـــــــــــــــــــــة آخــــــــــــــــــــــــرينا(3)

وكأنّه قال: ونوبة آخرينا.
وجاء استعمل مصطلح (دُولة) بضمّ الدال في القرآن الكريم بمعنى الانتقال من شخص إلى آخر، قال تعالى: )مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلله وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ((4).
وقال الشنقيطي (ت1293هـ): معنى الدُّولة والدَّولة بضمّ الدال في الأولى، وفتحها في الثانية: يدور عند المفسرين على معنيين:
الدَّولة بالفتح: الظفر في الحرب وغيره، وهي المصدر، وبالضمّ اسم الشيء الذي يتداول من الأموال(5).
اصطلاحاً:
جاء تعريف الدولة بأنها: «جماعة من الناس منظّمة سياسياً تبسط سيطرتها على إقليم محدد يتمتع بالسيادة»(6).
 
3 ـــ المتحضرة:
قال ابن منظور: «الحَضَرُ : خلافُ البَدْوِ. والحاضِرُ: خلاف البادي. وفي الحديث: (لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ)؛ الحاضر: المقيم في المُدُنِ والقُرَى، والبادي: المقيم بالبادية»(7).
وعُرّفت الحضارة بأنها: «التمدُّن، عكس البداوة، وهي مرحلة سابقة من مراحل التَّطوّر الإنسانيّ»(8).
4 ـ الفكر:
معنى الفكر: التحقيق والبحث في موضوع من المواضيع للحصول على نتيجة معينة. فكما أنّ المراد من الفكر الرياضي مثلاً، هو الفكر الذي يعطي النتيجة لنظرية رياضية معينة، أو يحل مسألة رياضية. فكذلك الفكر في مثل هذه الموضوعات يهدف للوصول إلى توضيح نتيجة معينة وهي: (أسس الدولة المتحضرة في فكر الإمام علي عليه السلام).
قال الغزالي (ت505هـ) في تعريفه للفكر: انّ معنى الفكر هو إحضار معرفتين في النفس ليستثمر منهما معرفة ثالثة. ومثاله أنّ من مال إلى العاجلة، وآثر الحياة الدنيا، وأراد أن يعرف أن الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة، فله طريقان:
أحدهما: أن يسمع من غيره أن الآخرة أولى بالإيثار فيقلّده ويصدّقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر، فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتماداً على مجرد قوله. وهذا يسمّى تقليداً ولا يسمّى معرفة.
والطريق الثاني: أن يعرف أنّ الأبقى أولى بالإيثار، ثم يعرف أنّ الآخرة أبقى، فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة، وه أنّ الآخرة أولى بالإيثار. ولا يمكن تحقق المعرفة بأنّ الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين. فإحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصل به إلى المعرفة الثالثة يسمّى تفكّراً، واعتباراً، وتذكّراً، ونظراً، وتأمّلاً، وتدبّراً(9).

 ***


 
المبحث الأول

الأساس القضائي

«وأيم الله لأنصفنّ المظلوم من ظالمه، ولأقودنّ الظالم بخزامته..».

الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)

 
إنّ لمفردة العدالة ومفهومها موقعاً متميّزاً في حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) وشخصيته، وبالرغم من اجتماع العديد من الخصال فيه (عليه السلام)، إلاّ أنّ من أبرزهاـــ وهي التي لازمته على الدوام ـــ هي العدالة التي تنطوي على مفاهيم متعددة، وتتشعّب إلى شعب شتّى، اجتمعت كلها في وجود أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو مظهر العدل الإلهي.
لقد اقتضى العدل ـــ الذي هو من أصول الدين ـــ أن يختار الله سبحانه شخصاً كأمير المؤمنين (عليه السلام) لإمامة الأمة وقيادتها؛ وهذا ما فعله الباري جلّت قدرته؛ فوجود أمير المؤمنين وشخصيته وتربيته وعظمته وبالتالي تنصيبه للخلافة كلّها كانت مظاهر للعدل الإلهي، ولقد تجسّدت العدالة بمعناها الإنساني بأكمل صورها في كيانه (عليه السلام).
سنتناول في هذا المبحث: التمهيد، ومن ثَمَّ عدة مطالب مهمة، هي: أهمية وخطورة هذا المنصب، وصفات القاضي العامة والخاصة، وفصل الجهاز القضائي عن الأجهزة الأُخرى، ونتطرق أخيراً إلى صفات ومؤهلات القاضي في عهد الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الاشتر.
 
·       أهمية وخطورة منصب القضاء:
لا يخفى على أحد ما لهذه المؤسسة من أهمية بالغة تمسّ حياة الناس وتؤثّر أيّما تأثير على إشاعة العدل وإنصاف المظلوم، دونما تفريق بين الناس على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو...، وهي فوارق ما أنزل الله بها من سلطان؛ إذ الأصل هو الإسلام والتقوى لا غير.
من هنا كانت العناية الإلهية بهذا المنصب عناية كبيرة وواضحة، ونلاحظ ذلك في عدة آيات شريفة تحدّثت عن أهمية وخطورة القضاء، منها:
ـــ )يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ( (10).
ـــ )وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( (11).
ـــ )وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ( (12).
وفي السنّة الشريفة، ورد عن الرسول الاعظم (صلّى الله عليه وآله) قوله: «إنّ أهون الخلق على الله ، من ولي أمر المسلمين فلم يعدل لهم»(13).
وقال (صلّى الله عليه وآله) : «جور ساعة في حكم، أشد وأعظم عند الله من معاصي تسعين سنة»(14).
وقال (صلّى الله عليه وآله) : «اتقوا الظلم، فإنه ظلمات يوم القيامة»(15).
وقال (صلّى الله عليه وآله): «من خاف القصاص، كف عن ظلم الناس»(16).
وقال أميرالمؤمنين (عليه السلام) : لشريح القاضي: «يا شريح ، لقد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي ، أو وصي نبي ، أو شقي»(17).
ممّا تقدّم نلحظ ـــ وبكل وضوح ـــ العناية الإلهية واهتمام النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين بهذه المؤسسة والحرص على أنّ من يتولّاها يجب أن يتحلّى بعدّة مؤهلات وشروط، وهذا ما سنتعرض له.
 
·       صفات ومؤهلات القاضي العامة والخاصّة:
لعظمة وأهمية منصب القضاء نذكر هنا رواية للإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه»(18).
وهناك شروطً عامّة وخاصة يجب أن يتمتع بها القاضي(19):
أمّا الشروط العامة للقاضي فهي:
1 ـــ الإسلام. 2 ـــ العقل. 3 ـــ البلوغ.
وأما شروط القاضي الخاصة فهي:
1 ـــ الذكورة.    2 ـــ العدالة.   3 ـــ الاجتهاد.        4 ـــ الضبط.
5 ـــ طهارة المولد.     6 ـــ الحرية.
ولا تتوافر هذه الشروط والمؤهلات في كلّ شخص، بل يصعب تحصيلها إلا لمن عقد العزم على تحصيلها وأفرغ جهده للوصول إليها، وهي إن دلّت على شيء فإنّما تدل على خطورة هذا المنصب؛ ولأن الشارع الإسلامي قد سدّ الباب أمام كلّ من هبّ ودبّ للوصول إلى هذا المنصب؛ وذلك لأنّ فساد القاضي يعني فساد المجتمع وجرّ الويلات على أبناء الأُمّة.
وكم لاحظنا من قضاة فسقة لا يحكمون بما أنزل الله سبحانه، بل صاروا عبدة للمال والهوى، وقادهم طمعهم إلى الإساءة إلى هذا المنصب الخطير، ونلحظ في التاريخ الإسلامي أمثلة لهذا النوع الفاسد من القضاة، فبدلاً من أن يقيموا شرع الله سبحانه في أرضه، أصبحوا أداةً للشيطان يتلاعب بهم كيف يشاء!!
وتعدّ الحالة النفسية للقاضي أمراً في غاية الأهمية ولها تأثيراتها في قيادة الجلسة القضائية، فكلما كان القاضي يحظى بأجواء نفسية هادئة ومستقرة كان ذلك أفضل لتحقيق الهدف المنشود في إحقاق الحق وإبطال الباطل. ومن وصايا الإمام علي (عليه السلام) في هذا الجانب ما وجّه به شريح القاضي بقوله: «يا شريح لا تسارّ أحداً في مجلس وإذا غضبت فقم ولا تقضِ وأنت غضبان»(20).
وأوصاه أيضاً: «إيّاك أن تجلس في مجلس القضاء حتّى تطعم شيئاً...»(21).
 
·       فصل الجهاز القضائي عن الأجهزة الأُخرى:
قبل أكثر من 1400عام نادى الإسلام بضرورة فصل القضاء عن غيره من السلطات.
ولقد سعى الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) إلى إرساء هذا الركن الهام، حيث فصل الجهاز القضائي عن السلطة الحاكمة، وقام (عليه السلام) بتأمين الحصانة الكاملة للقاضي بحيث لا يتأثر بشيء ولا تؤثّر عليه أي جهة كانت.
وهذا ـــ بالضرورة ـــ يعطي للقضاء صفة النزاهة والموضوعية في الأحكام الصادرة من ذلك الجهاز، ويكون موضع اطمئنان لسائر الناس، حيث يؤمّن للمجتمع حقوقه المدنية كاملة.
قبل أن يصل الإمام علي (عليه السلام) إلى الخلافة، لم يكن القضاء مستقلاً عن السلطة، فنلاحظ القاضي يراعي في قضاءه رغبة السلطة القائمة.
حينما وصل الإمام (عليه السلام) إلى السلطة، قام (عليه السلام) بفصل هذه المؤسسة وأعطاها كلّ الاستقلالية عن السلطة التنفيذية، كي يكسب القضاة حصانة ويؤمنهم من عقاب السلطة.
وهذا ما نلاحظه جلياً في عهده التاريخي لعامله على مصر مالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه) حيث يقول (عليه السلام):
«وأعطه ـــ القاضي ـــ من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من حاجتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك وانظر في ذلك بليغاً»(22).
وبهذا يكون الإمام أول المؤسسين للدولة المدنية الحديثة التي تكون فيها الحريات مكفولة للجميع، وهم متساوون أمام القانون نظراً لعدالة القضاء.
فالفكر البشري وبعد كل هذه السنوات (1400 سنة) وبعد كل هذا الكم الهائل من الخبرات المتراكمة، توصّل إلى ضرورة فصل السلطات، وهذا المبدأ كما ذكرنا آنفاً عمل به الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) في دولته المباركة أيام خلافته.
إذن، الإمام علي (عليه السلام) دعا إلى حماية الإنسان من الجهاز التنفيذي والتشريعي من خلال ما قدّمه (عليه السلام) للإنسان من ضمانة قضائية يلجأ لها أفراد المجتمع إذا ما تعرّضوا لأي نوع من أنواع الظلم، سواءً ظلم الرعية بعضهم لبعض، أو ظلم السلطتين التنفيذية أو التشريعية، وهكذا يكون الإمام (عليه السلام) «التاريخ والحقيقة يشهدان أنه الضمير العملاق الشهيد أبو الشهداء علي بن أبي طالب صوت العدالة الإنسانية وشخصية الشرق الخالدة»(23).
وأبرز مصداق لفصل القضاء عن باقي السلطات، نرى الإمام علياً (عليه السلام) وهو رئيس السلطة التنفيذية وقائد الدولة الإسلامية، نراه يقف أمام القضاء وبكل تواضع، بوصفه متهماً من قبل بعض الرعية!!
وللقارئ الكريم أن يتصوّر كم أشاع ذلك الوقوف المبارك من أمن وأمان بين الرعية وهم يرون إمامهم وقائد دولتهم يقف موقف المتهم المدافع عن نفسه أمام المؤسسة القضائية!
فأميرالمؤمنين (عليه السلام) قرن النظرية بالتطبيق، ووصل الأقوال بالأفعال، وهذا هو سبب خلوده وعظمته (عليه السلام)، وإلا فما قيمة النظرية من دون تطبيق في الواقع؟!
والقرآن الكريم ينادي )يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ((24).
هذا مع العلم انّ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قد قال: «علي أقضاكم»(25)، ومع هذا وقف الإمام (عليه السلام) كأي فرد من أفراد المجتمع.
من هنا اكتسب القضاء في زمن الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) قداسةً واحتراماً ومصداقية؛ لأنّ الناس وثقوا بهذه المؤسسة بعدما رأوا أنّ رئيس هذه الدولة يقف أمامها ويمتثل أوامرها ويقبل بما تصدره من أحكام.
 
·       صفات القاضي في عهد الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر:
نشير هنا إلى الموضع الذي ذكر فيه الإمام صفات القاضي وما ينبغي أن يكون عليه، وذلك في عهده العظيم إلى واليه على مصر مالك الأشتر النخعي رضوان الله عليه، وقد ذكر الإمام أربعة عشر صفة من صفات القاضي، وأوصى واليه مالك الأشتر بالنظر البليغ في تلك الصفات، يقول الإمام (عليه السلام):
«ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تُشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه. أوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج، وأقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشّف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، أولئك قليل.
ثم أكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيل علّته، وتقلّ معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك.
فانظر في ذلك نظراً بليغاً، فإنّ هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار، يُعمل فيه بالهوى، وتُطلب بت الدنيا»(26).
في الفقرات السابقة ذكر الإمام (عليه السلام) أهمّ الصفات الواجب توافرها في القاضي، ووصفه (عليه السلام) بأنه «أفضل رعيتك في نفسك» وممن «لا يتمادى في الزلة» وأن لا يكون صاحب طمع، وأن يقف عند الشبهات ويتحقق حتّى تنجلي له مشتبهات الأُمور، وان لا يتبرّم ولا يضجر، بل يصبر حتّى تنكشف له الأمور، وحينما تتضح يكون شديداً صارماً في تنفيذ شرع الله سبحانه، وأن يكون ممن لا يفرح بإطراء الناس ومدحهم له، ولا تستميله الإغراءات.
ويوصي الإمام (عليه السلام) واليه مالك الأشتر بأن يتعاهد القاضي دائماً وينظر في قضائه، كما يؤكد الإمام على أنّ راتب القاضي يجب أن يكون مجزياً كي لا يطمع ولا يخدع وكي لا يحتاج الناس.
هذه الصفات التي ذكرها الإمام (عليه السلام) هي بمثابة دستور عمل لأيّ مؤسسة قضائية تريد النهوض بواقعها القضائي.
لقد تبين في المطالب السابقة الأثر الريادي للإمام علي (عليه السلام) ووضعه الأسس والضوابط التي تسير عليها هذه المؤسسة .

***

 
 
المبحث الثاني

الأساس المالي

 
منذ اليوم الأول الذي انتُخب فيه الإمام علي (عليه السلام) خليفة للمسلمين سعى الإمام(عليه السلام) إلى إرساء دعائم النظام المالي على أُسس وقواعد تختلف عمّا كان معمول بها قبل توليه (عليه السلام) الخلافة.
وقد شدد الامام في عهد ولايته على محاسبة المفسدين الذين نهبوا أموال المسلمين بغير حق. فأصدر أوامره بجمع الأموال المسروقة والمختلسة من بيت المال وإعادتها الى خزينة الدولة. فقد تميزت سياسة أمير المؤمنين بالعدالة والصرامة وعدم المداهنة مع أي طرف مهما علا شأنه أو قرب نسبه. فقد كان جل أهتمامه بشريحة الفقراء والمساكين وأهل الحاجة, مما جعل منهجه في السياسة الاقتصادية يعتمد مبدأ توزيع الاموال بصورة عادلة وسريعة على مستحقيها.
وقد اهتمّ الإمام (عليه السلام) بالجانب الزراعي من خلال إعمار الاراضي لاستيعاب العاطلين عن العمل وزيادة الانتاجية الغذائية لسد حاجة المجتمع. وهذا ما أكّد أمير المؤمنين لمالك الأشتر على ضرورة إصلاح الأرض قبل أخذ الخراج منها حيث قال له: «وَلْيكُن نَظَرُكَ في عمارةِ الأرْضِ أبْلَغَ من نظرِكَ في اسْتِجْلابِ الخراجِ، لأنَّ ذلكَ لا يُدْركُ الا بالعمارةِ؛ ومن طَلَبَ الخراجَ بغيرِ عمارةٍ أخْرَبَ البلاد، وأهْلَكَ العباد»(27).
وينقل لنا التاريخ انّ الإمام (عليه السلام) كان يغرس النخل ويحفر الآبار وهي إلى اليوم ماثلة أمامنا حيث المنطقة المعروفة باسمه (عليه السلام) (أبيار علي)، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على اهتمام الإمام (عليه السلام) بالجانب الزراعي الذي يوفّر على الأمّة الإسلامية مدخولاتها، وفي الحديث الشريف: «من وجد ماءً وتراباً ثم افتقر فأبعده الله»(28).
لقد عيّن الإمام (عليه السلام) عامر بن النباح أميناً لبيت المال في الكوفة وكان مؤذن لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وقد جاء ابن النباح يوماً الى أمير المؤمنين وقال: أمتلأ بيت المال من الصفراء والبيضاء فقال الامام (صلوات الله عليه): الله أكبر، ثم أمر بتوزيع الاموال على أتباع عاصمة الدولة الاسلامية في الكوفة وهو يقول (يا صَفراءُ! وَيا بيضاءُ! غُرِّي غَيْري) ولم يبق دينار في بيت المال وصلى كعادته ركعتين لله بعد أن يفرغ بيت المال.
وسياسة الامام علي (عليه السلام) العادلة في توزيع المال سبّبت له أزمات سياسية واجتماعية مع البعيدين والقريبين منه، فقد خلقت مصاعب مع جيشه وتنكر له الاعيان من البلاد وقاطعته قبائل قريش الاقطاعية التي أستأثرت بالمال والهبات في العهد الذي سبق ولايته.
والسياسة العادلة في توزيع المال دفع الامام علي ثمناً باهضاً في تخاذل جيشه وتوجهه صوب معاوية, مما دعا ابن عباس الى توجيه النصح الى الامام وعرض عليه حالة جيشه فقال: يا أمير المؤمنين، فضّل العرب على العجم، وفضّل قريشاً على سائر العرب. فنظر له الامام بطرف عينه وقال له (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور، لا والله ما أفعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم، والله لو كان مالهم لي لواسيت بينهم، فكيف وإنما هو أموالهم)(29).
سياسة الامام العادلة والمشرقة التي انتهجها أدّت إلى الإطاحة بحكومته الرشيدة وإجماع القوى الباغية والمنحرفة ضده. فقد نفر الناس من سياسة المساواة والعدل على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى أكد بكتابه الكريم بقوله تعالى: )يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُم مِن ذَكَرٍ وَانثى وَجَعَلْناكم شُعوباً وَقَبائلَ لِتعارَفوا إنَّ أكْرمَكُم عندَ اللهِ أتقاكُم(.
إن النظام الاقتصادي الذي أعتمده الامام علي ابن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام) يهدف الى إقامة مجتمع عادل ومتوازن لاتقف فيه الاقطاعية أو الرأسمالية موقف التسلط والتسيد على رقاب الناس ولا يوجد فيه فقير ومحروم وبائس. فقد كان الامام شديد وعادل مع أقرب المقربين فقد كان حازم مع أولاده ومع أخوته, وحادثة أخيه عقيل هي دليل قاطع على عدالته, عندما طلب عقيل مساعدة أكبر مما يستحق من بيت المال, مما دعا الامام ان يحمي له جمرة ويكوي بها يده. جاعلاً من ذلك الموقف عبرةً ودرساً للعدالة والمساواة بين الرعية. 
لذا سنتناول في هذا المبحث عدة مطالب.
المطلب الأول: المساواة في العطاء. المطلب الثاني: المصاعب والمشاكل والآلام التي تحمّلها الإمام (عليه السلام) بسبب نظامه المالي العادل.
 
·       مساواة الإمام (عليه السلام) في العطاء:
إن سياسة التمييز في العطاء التي اتبعها عمر قد جرّت الكثير من الويلات على المسلمين، وقد أسّست هذه السياسة لنشوء الطبقية وأدّت إلى حرمان المسلمين حقّهم في فيئهم.
وقد لاحظنا موقف أبي ذر (رضوان الله عليه) واعتراضه على السياسة العثمانية في العطاء، الأمر الذي أدّى بهذا الصحابي الجليل الى أن يتعرض للنفي، بعد أن خافوه على دنياهم، حيث صرّح أميرالمؤمنين (عليه السلام) عند وداعه لأبي ذر (رضوان الله عليه) بقوله:
«يا أبا ذر انك انما غضبت لله عز وجل فارج من غضبت له ان القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فأرحلوك عن الفناء وامتحنوك بالبلاء ووالله لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقاً ثم اتقى الله عز وجل جعل له منها مخرجاً فلا يؤنسك الا الحق ولا يوحشك الا الباطل»(30).
حيث نلحظ قول الإمام (عليه السلام): «خافوك على دنياهم» أي ان القوم استأثروا بأموال الناس وأخذوا يتداولونها بالباطل مما اضطر أبو ذر (رضوان الله عليه) أن يصرّح ويعلن بطلان هذه الأحكام وهذا التمييز وهذا التصرف غير المشروع في أموال المسلمين، كلمة الحق هذه التي تحمّل من أجلها النفي والطرد من المدينة المنورة، بعد أن كان الصحابة المقرّبين عند رسول الله (صلى الله عليه وآله).
إذن، الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) ورث كمّاً هائلاً من الانحرافات في هذا الجانب، انحرافات في تفضيل الأبيض على الأسود، والشريف على المشروف، والعربي على الأعجمي، وكلّها أُمور رفضها الإسلام وحاربها. لذا جُوبه الإمام (عليه السلام) بمعارضة شديدة، وأخذوا يؤلبون الناس عليه وهذا ما نراه واضحاً وجلياً في موقف عائشة وطلحة والزبير.
ونلاحظ من جملة المعترضين على سياسة التسوية في العطاء عقيل أخو الإمام (عليه السلام)، «عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لما ولي عليّ (عليه السلام) صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما إني والله ما أرزؤكم من فيئكم هذا درهماً ما قام عذق بيثرب. فلتصدقكم أنفسكم. أفتروني مانعاً نفسي ومعطيكم. قال: فقام إليه عقيل كرّم الله وجهه فقال: فتجعلني وأسود في هذه المدينة سواء. فقال: اجلس، ما كان ههنا أحد يتكلم غيرك. وما فضلك عليه إلَّا بسابقة أو تقوى»(31).
وجاء في خطبة الإمام (عليه السلام) بعد بيعته:
«خطب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن آدم لم يلد عبداً ولا أمةً، وإن الناس كلهم أحرار، ولكن الله خول بعضكم بعضاً، فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمنّ به على الله عز وجل. ألا وقد حضر شيء ونحن مسوون فيه بين الأسود والأحمر.
فقال مروان ، لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما. قال فأعطى كل واحد (من المسلمين) ثلاثة دنانير، وأعطى رجلا من الأنصار ثلاثة دنانير، وجاء بعد غلام أسود، فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الأنصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام أعتقته بالأمس تجعلني وإياه سواءا؟ فقال (عليه السلام): إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً(32).
 
·       المصاعب والمشاكل والآلام التي تحمّلها الإمام في سبيل التسوية في العطاء:
كان أول المعترضين على سياسة التسوية (طلحة والزبير)، فقد استاءا كثيراً من هذه السياسة، وأخذ يعدّان العدة لنقض البيعة والتحضير للحرب!
حيث تكلّما مع الإمام (عليه السلام) وحاولا أن يفضّلهما في العطاء، وتذرّعوا بأنهم من أصحاب السابقة في الإسلام، فكان ردّ الإمام قاطعاً وحازماً، وقد يئسا من الحصول على منصب أو مال أكثر من استحقاقهما.
وقد صرّحا بأنّ عمر كان يفضّلهما في العطاء، ولكن هذا التفضيل لم يكن ليجد مكانه في حكومة العدل، حكومة الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام):
« روينا عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) انه أمر عمار بن ياسر وعبيد الله بن أبي رافع، وأبا الهيثم بن التيهان أن يقسموا فيئاً بين المسلمين، وقال لهم: اعدلوا فيه ولا تفضلوا أحدا على أحد، فحسبوا فوجدوا الذي يصيب كلّ رجل من المسلمين ثلاثة دنانير، فأعطوا الناس فأقبل إليهم طلحة والزبير، ومع كل واحد منهما ابنه، فدفعوا إلى كل واحد منهم ثلاثة دنانير فقال طلحة والزبير: ليس هكذا يعطينا عمر، فهذا منكم أو عن أمر صاحبكم؟ قالوا: بل هكذا أمرنا أمير المؤمنين (عليه السلام) فمضيا إليه فوجداه في بعض أمواله قائماً في الشمس على أجير له يعمل بين يديه، فقالا له : ترى أن ترتفع معنا إلى الظل؟ قال: نعم. فقالا له: إنا أتينا إلى عمالك على قسمة هذا الفيء فأعطوا كل واحد منا مثل ما أعطوا سائر الناس. قال: وما تريدان؟ قالا: ليس كذلك كان يعطينا عمر. قال: فما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطيكما؟ فسكتا، فقال: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقسم بالسوية بين المسلمين من غير زيادة ؟
قالا: نعم.
قال:
أفسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولى بالاتباع أم سنة عمر؟
قالا : بل سنة رسول الله.
ولكن يا أمير المؤمنين لنا سابقة وعناء وقرابة، فإن رأيت أن لا تسوينا بالناس فافعل.
قال: سابقتكما أسبق أم سابقتي؟ قالا: سابقتك.
قال: فقرابتكما أقرب أم قرابتي؟ قالا: قرابتك.
قال: فعناؤكما أعظم أم عنائي؟ قالا: بل أنت يا أمير المؤمنين أعظم عناءاً.
قال: فوالله ما أنا وأجيري هذا ـــ وأومأ بيده إلى الأجير الذي بين يديه - في هذا المال إلا بمنزلة واحدة !!!
قالا: جئنا لهذا وغيره .
قال: وما غير؟ قالا : أردنا العمرة فأذن لنا.
قال : انطلقا فما العمرة تريدان، ولقد أنبئت بأمركما ورأيت مضاجعكما!!!
فمضيا. وهو يتلو وهما يسمعان: )فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً(» (33) (الفتح : 48).
وبالفعل، توجّها بحجّة أنّهما يريدان العمرة، ولكن الإمام (عليه السلام) كان عارفاً بسوء النية لديهما، بل خرجا من المدينة متذمرين من الوضع الجديد الذي لم يألفاه، خرجا وهما يريدان إعداد العدّة للحرب!
وكان خروج هذين الرجلين (طلحة والزبير) بداية لمآسٍ كثيرةٍ، حيث أخذا يجتمعان بعائشة ومروان، وبدأوا يخططون للانقلاب على النظام الجديد الذي ساوى بينهم وبين العبيد. وكان تخطيطهم بأن يرفعوا قميص عثمان للمطالبة بدمه!
شعاراً رفعوه في الظاهر، لكن الواقع كان هو فقدانهم للمصالح والمناصب والأموال التي كانوا يأخذونها بغير حق، وقد نقضوا البيعة التي في أعناقهم حيث أعلنوا «ليس لعلي في أعناقنا بيعة وإنما بايعناه مكرهين!!!»(34).

***


 


 
المبحث الثالث

الأساس العسكري


حينما بويع الامام علي (عليه السلام) خليفة للمسلمين بدأ أعداء الإسلام يعدّون العدة لمواجهة دولة الإمام ومحاربتها. فقد أخذ أعداء الإمام في داخل دولته وخارجها يؤلّبون الناس عليه ويحرضونهم على قتال دولته العادلة، متخذين من قميص عثمان شعاراً كاذباً وحجّة آثمة لشن الحرب على دولة الإمام العادلة.
ومن البديهي انّ عماد كل دولة هو جيشها الذي تذود به عن أرضها وشعبها ومقدساتها، ولم يكن ذلك ليخفى على جندي الإسلام الأول وقائد جيش الرسول (صلّى الله عليه وآله) الإمام علي (عليه السلام)؛ لذا شرع الإمام بتنظيم جيشه والاعتماد على خيرة الأصحاب المشهود لهم بالورع والتقوى، أمثال: مالك الاشتر، وعمار بن ياسر، أبي بن كعب، أويس القرني، وغيرهم من أشراف الأصحاب وساداتهم، وأسند إليهم مهام قيادة الجيش.
وكان لنقل الإمام عاصمة الخلافة من المدينة إلى الكوفة الأثر الكبير في التصدي لجرائم معاوية، حيث انّ هذا الأخير رفض الامتثال لأوامر الخليفة الشرعي وشقّ عصى المسلمين، فكان لابدّ للإمام من مواجهة هذا الباغي الخارج عن القانون، لذا قام الإمام بنقل عاصمة الخلافة إلى الكوفة بسبب قربها المكاني من الشام ونظراً لموقعها الاستراتيجي.
سنحاول هنا بيان بعض الجوانب التي تخصّ الفكر العسكري عند الإمام علي (عليه السلام) وكذلك ما يتعلق بأخلاقيات الحرب عند الإمام علي (عليه السلام)، وسنشير إلى بعض الأمور الهامة في الحرب التي أوصى بها الإمام (عليه السلام) لكسب الحرب.
 
·       أخلاق الحرب عند الإمام علي (عليه السلام):
شهد عصرنا الحاضر والعصور السابقة حروباً مدمِّرة، أُزهقت بسببها آلاف الأنفس، ودمَّرت مدناً ودولاً بالكامل.
(وكانت دوافع أغلب تلك الحروب تسلُّطية استعمارية بحتة ، يضاف إليها سلب ثروات الشعوب، ووضع اليد على المناطق الحسَّاسة والإستراتيجية. وقد مارس أرباب القوة والقهرـــ للوصول إلى أهدافهم ـــ أبشع الجرائم وأخسّ الأساليب، كقصف المدنيين ، وسبي النساء والأطفال ، وتعذيب الأسرى وحتى قتلهم في بعض الأحيان ، والأمثلة على ذلك عديدة وكثيرة في عصرنا الحاضر.
ولم يكن الحكَّام المسلمون قديماً وحديثاً أحسن حالاً من غيرهم ، إذ إنَّهم مارسوا الأساليب المذكورة نفسها ، واقترفوا الجرائم الفظيعة مع خصومهم ، وعاشوراء التاريخ وما جرى فيها ماثل للعيان ، والعهود التي توالت على رقاب المسلمين ، كالعهد الأُموي والعباسي ، وعهد بني مروان والحجاج ، أمثلة أخرى حيَّة على تراجع الفضيلة، وانتهاك حقوق الإنسان.
ولكن الإنسانية عِبَر تاريخها وفي الوقت نفسه ، لم تخلُ من وجود حكَّام شرفاء أبرار ـــ وإن كانوا قلَّة ـــ عاشوا الفضيلة والشرف في كل لحظة من لحظات حياتهم، وكتبوا بأحرف من نور أروع المُثل في حروبهم التي قلَّما كانت حروباً هجومية ، من هؤلاء أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) الذي عاش حياة مظلومة ، قضاها في درء العدوان ودفع الفتن ، ومع ذلك اتبع سياسة رصينة ثابتة ، فلم يغدر ولم يفجر، بل كان يبتغي من محاربة خصومه وأعدائه إنقاذ المغرَّر بهم من الضلالة، وتثبيت قواعد دولته وإعادة الأمور والحق إلى النصاب الطبيعي)(35).
وسنستعرض هنا بعض هذه الأخلاقيات التي اتسمت بها حروب الإمام علي(عليه السلام) وأوصى بها جميع القادة العسكريين، بل وأفراد جيشه أيضاً:
 
 
1 ـــ هداية الناس هو الهدف الأسمى:
قال (عليه السلام) : ( فَوَاللَّهِ ، مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ ، فَتَهْتَدِيَ بِي وتَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي ، وذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِهَا وَ إِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا )(36). يشير الإمام في هذا النص المبارك إلى أنّ هدفه الأسمى الذي يسعى إليه هو إنقاذ الإنسان وهدايته لا قتله، فكثير من الجيوش التي تساق إلى المعارك هي جيوش ضالة لا تعرف الحقيقة، وربّما لو عرفت الحق لاتّبعته.
 
2 ـــ مكان القائد في جيشه:
قال (عليه السلام) في جملة ما أوصى به معقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام: (فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً ، ولا تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ ، ولا تَبَاعَدْ عَنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ ، حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي ولا يَحْمِلَنَّكُمُ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَ الإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ)(37).
ففي هذا النص الشريف يعيّن الإمام (عليه السلام) مكان وقوف القائد في المعركة، بحيث لا يقترب من العدو كثيراً اقتراب من يريد بدء الحرب، ولا يبتعد ابتعاد من يخاف العدو ويهابه.
 
3 ـــ عدم البدء بالقتال:
وقال (عليه السلام) مخاطباً جنده قبل لقاء العدو في صِفِّين : ( لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَءوكُمْ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ وتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَءوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ)(38).
يذكر المؤرخون أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما خرج لمحاربة معاوية في صِفِّين، وكان جند معاوية قد غلبوا جند الإمام إلى شريعة الفرات ؛ بغية منع الماء عنهم حتى يموتوا عطشاً ، رفض الإمام أن يعامل العدو بالمثل بعدما أزاحه عن الفرات، مع قدرته على ذلك.
وهكذا كان الإمام في كل معاركه على أعلى درجة من النبل والكمال الإنساني؛ لأنَّه كان واثقاً من نفسه أنَّه على الحق ويقاتل من أجله، ولذلك كان يتقدَّم نحو خصمه بقَدم ثابتة وبرباطة جأش، لا يأبه معها للجيوش التي تريد النيل منه، والتي لا تجد حرجاً في منع الماء عنه وعن جنده، وتتَّبع سياسة الغدر والخداع، وتستفيد من الممارسات الدنيئة كملاحقة الأسرى والمدنيين والمدبرين من المعركة وإيذاء الجرحى.
وكانت الجيوش تلجأ إلى مثل تلك الأمور عند الإحساس بالهزيمة ، أو بقصد إدخال الرعب والقلق النفسي في قلوب المقاتلين للسيطرة على أرض المعركة عند بدئها.
 
4 ـــ عدم قتل المدبر، والإجهاز على الجريح:
قال (عليه السلام) : ( فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ ـــ بِإِذْنِ اللَّهِ ـــ فَلا تَقْتُلُوا مُدْبِراً ، ولا تُصِيبُوا مُعْوِراً ، ولا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ )(39).
ولم تقف جرائم الأعداء عند الاعتداء على المجرومين والأسرى فحسب، بل تعدّت جرائمهم حتى شملت النساء والأطفال والشيوخ، مع أنّ النساء والأطفال والشيوخ لا حول لهم ولا قوة، ومن الدناءة بمكان الاعتداء على الضعيف، وليس هذا من خُلق المقاتل والفارس بغض النظر عن دينه ومعتقده، فكيف بمن كان يدّعي الإسلام!! كيف يجيز لنفسه ترويع وقتل النساء والأطفال.. وجرائم عاشوراء ضد النساء والأطفال تطفح بها كتب التاريخ والسير.
  
5 ـــ عدم التعرّض للنساء:
أشار الإمام (عليه السلام) إلى هذا الأمر في الوصية الرابعة عشر ، حيث قال : ( ولا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذًى وإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ ؛ فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى والأَنْفُسِ والْعُقُولِ ، إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ وإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفَهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ ، فَيُعَيَّرُ بِهَا وعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ )(40).
يحذّر الإمام (عليه السلام) ــ في هذا النص المبارك ــ جنده وأتباعه من المساس بالنساء تحت أي حجة وذريعة كانت، حيث يوصي جنده ويذكّرهم بأنهنّ (ضعيفات)، ويذكّرهم (عليه السلام) أيضاً بأنّ عدم التعرض للنساء كان من أخلاق الجاهلية، فكيف اليوم والناس مسلمون! حيث كان ذلك يعدّ سبّة ومنقصة وعاراً لمن يعتدي على المرأة في الجاهلية، بل يبقى ذلك العار يلاحقه أبناءه وأحفاده.
 
وصايا مهمة من الإمام (عليه السلام) لكسب الحرب:
ـ انتخاب المقاتلين:
لانتخاب المقاتل والقائد أثر عظيم في إدارة شؤون الحرب، فالمقاتل الشجاع المقدام له تأثير على من حوله من الجند، وبالتالي التأثير على سير المعركة، ولبيان ذلك نذكر هنا قول الشهيد عمار بن ياسر وعقيدته القتالية في معركة صفين حيث يقول: (والله لو هزمنا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وإنهم على الباطل)(41)، فهذه العقيدة الراسخة والإيمان الثابت والبصيرة الثاقبة ترفع من المعنوية القتالية لدى الجند وتحفزّهم، بعكس المقاتل المتخاذل الذي يقدّم رجلاً ويؤخر أخرى.
(لا أحد يزعم أن المجتمع يعد أفراداً بنفس المستوى من الشجاعة أو المروءة أو السجايا الجميلة الأخرى، وعندما يتعلق الأمر بالحرب، فإن الجندي الحائز على الشروط التي تجمل توفير القيم والأخلاق والشمائل الحسنة فيه هو بالتأكيد عنصر فاعل في المعركة وعامل حسم ضروري في توجيه المعركة نحو هزيمة العدو ولذا حرص الإمام علي (عليه السلام) على انتخاب الصالحين وخصوصاً إذا تعلق الأمر بالقادة والأمراء.
وكانت توصياته تؤكد على هذا الجانب المهم، ولعل نموذج مالك الأشتر، وعمار بن ياسر، وغيرهم تعكس مدى اهتمام الإمام علي (عليه السلام) بانتخاب القادة وتربيتهم وإعدادهم ليكونوا قدوات حسنة في ساحات الوغى)(42).
ففي عهده (عليه السلام) لمالك الأشتر يقول: (فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، ولا ينبو على الأقوياء، وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف، ثم الصق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة)(43).
 
المشاركة الميدانية مع الجيش:
إمامنا أميرالمؤمنين وفي كل حروبه وغزواته كان مع جيشه، يشاركهم في كل شيء، ويتفقد عسكره، ويدلي بوصاياها في كبير الأمور وصغيرها، وهو معهم يتفقدهم ويواسيهم، بل كان أكثرهم عناءً، وهمّاً، وتضحيةً، وقد وصفه صعصعة بن صوحان بالتالي: (كان فينا كأحدنا)(44)، وقد كان هكذا في كل أموره صلوات الله عليه.
(إن ثمرة هذا التواجد الميداني إلهاب حماس المجاهدين، والتوفر على وضع المعركة والتعرف بدقة على تفاصيلها وما يجب أنه يتخذ من قرارات هامة مصيرية فيها. هذا وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأمر الصادر من القائد الميداني ربما لا يحتاج إلى وقت طويل كي يصل إلى المجاهدين. وهذه المركزية هي في الحقيقة من أهم العوامل الاستراتيجية في كسب المعركة، حيث تقطع الطريق على الفوضى والبلبلة نتيجة تأخر القرار، وتجعل الطاعة والانضباط هما السائدين في كل مراحل المعركة)(45).
 
الأسرار العسكرية:
قال (عليه السلام): (لا احتجز دونكم سراً إلا في حرب)(46)، يبين الإمام صلوات الله عليه في هذه الجملة المختصرة (عليه السلام) أنّه لا يحجب شيئاً عن جنده ومقاتليه، إلا ما كان من الأسرار العسكرية، والتي من شأنها تغيير سير المعركة فيما لو عُرف أمرها. وكتمان مثل هذه الأسرار العسكرية فيه مصالح كبيرة وكثيرة، أولها الحفاظ على حياة الجند، وثانيها ضمان كسب المعركة، وثالثها عدم وصول الخطط والاستراتيجيات الهامة إلى العدو، حيث لا يستبعد أن يكون بعض المندسين من هم في جيش الإمام (عليه السلام).
 
 وصايا ثابتة:
من جملة ما أمر به الإمام (عليه السلام) جيشه هو:
ــ حملة الراية:
يوصي الإمام بأن يكون حملة الرايات في الحرب من الشجعان الأكفّاء، المعروفون ببسالتهم ونجدتهم، لأنّ الراية رمز الجيش وعنوانه، وهي من الأزل وإلى اليوم تمثل عزّ الدولة وشرفها، لذا يوصي الإمام (عليه السلام) بأن يتولّاها الكماة الذين يحيطونها ويحمونها بأنفسهم، يقول (عليه السلام) :
«وَرَايَتَكُمْ فَلاَ تُمِيلُوهَا وَلا تُخَلُّوهَا، وَلا تَجْعَلُوهَا إلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ، وَالمَانِعِينَ الذِّمَارَ مِنْكُمْ، فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْـحَقَائِقِ هُمُ الَّذِينَ يَحُفُّونَ بِرَايَاتِهمْ، وَيَكْتَنِفُونَهَا حِفَافَيْهَا، وَوَرَاءَهَا، وَأَمَامَهَا، لا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا، وَلا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا»(47).
 
ــ المقاتل المتدرّع:
«فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ، وَأَخِّرُوا الْـحَاسِر» فالمقاتل المتدّرع أثبت في القتال، وأكثر هيبة في عيون العدو. وكذلك لعدم إعطاء العدو فرصة لإيقاع الخسائر في صفوف المسلمين، حيث انّه من المسلّم انّ المقاتل المتدرّع يقي نفسه عند النزال بعكس المقاتل الحاسر(48).
 
ــ التناصر والتعاون:
يحث الإمام (عليه السلام) على أن ينصر القوي الضعيف ويؤازره، ويذّكر المقاتل الشجاع بأن ذلك فضلٌ من الله سبحانه قد أنعم به عليه، فلا يدع نصرة أخيه الضعيف لكي يظهر نفسه ويتعالى على غيره، فالقصد والغاية التي جاؤوا لأجلها هي الجهاد ونشر دين الله، وليس التباهي والغرور، يقول (عليه السلام) : «وَأَيُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَأْشٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَرَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً، فَلْيَذْبُب عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ» (49).
  
الاستعداد للمعركة:
هناك أمور هامة تسبق المعركة، ويجب على القائد الحذق مراعاتها، حيث انّها من جملة الأمور التي تؤدّي إلى كسب المعركة إذا ما رُوعيت بالشكل الصحيح، أو على الأقل إن لم يُكتب النصر، فلا أقلّ من تقليل الخسائر في صفوف الجيش.
وهنا سنذكر بعضها باختصار شديد، من جملة تلك الأمور:
 
أولاً: الاستطلاع.
ومعناه كسب المعرفة التامة بحال العدو، وعسكره، وعدده، وعدّته، ونوع أسلحته، وقيادته، وكل المعلومات العسكرية الهامة، وبالتالي يكون القائد على دراية تامّة بعدوّه، وهذا ما يُعتمد إلى اليوم في الحروب والمعارك، حيث يجري الاستطلاع وجمع المعلومات الكاملة قبل الدخول في أيّة حرب. ولقد استخدم الإمام (عليه السلام) أربعة طرق في ذلك من خلال:
ــ الأفراد القريبين من العدو.
ــ أمراء الولايات والمدن.
ــ نشر العيون.
 
ثانياً: اختيار الموقع العسكري:
«فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم، فليكن معسكركم في قبل الأشراف، أو سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار... واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال، ومناكب الهضاب»(50).
نلحظ في هذا النص الشريف من كلام الإمام (عليه السلام) النظر الثاقب له (عليه السلام) وكيف يولي الموقع العسكري أهمية بالغة، بل ويعيّن (عليه السلام) وبدقّة مختلف الحالات، فإن كان الموقع جبلياً، أو قرب الأنهار، أو في الهضبات، حيث نلاحظ عبارات (الأشراف)، (سفاح)، (صياصي الجبال)، (مناكب الهضاب).
 
ثالثاً: الحيطة والحذر:
(واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فأنزلوا جميعاً، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً، وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفّة، ولا تذوقوا النوم إلا غراراً)(51).
كم من جيش أُخذ على حين غرّة، وكم من سرايا تم الفتك بها لغفلتها؛ لذا نجد الإمام (عليه السلام) يوصي جيشه بأن يكون (العيون) و(الطلائع) في المقدّمة، لاستطلاع الأمور واستكشاف الطريق. ويحذّرهم الإمام (عليه السلام) من التفرّق حين الحل والترحال. وإذا جنّ عليهم الليل يوصيهم (عليه السلام) بأن يجعلوا رماحهم (كفّة)، أي بمثابة السور الحامي للجيش، ومع هذا كلّه يجب أن يكون نومهم في الليل (غراراً)، أي قليلاً جداً، لكي لا يُؤخذوا على حين غرّة.

***


 
المبحث الرابع

الأساس الاجتماعي

 
يشكّل (فن التعامل مع الناس) اليوم واحداً من أسس نجاح الأشخاص والقادة المتصدين للعمل الاجتماعي، وكلما اكتسب الشخص مهارات التعامل مع الناس، وأجاد استعمالها حقق لنفسه ومجتمعه النجاح والتقدم.
«إن تتبع أسس هذا الفن عند أمير المؤمنين(عليه السلام) يقدم لنا قواعد رصينة وآمنة، يمكن السير في هداها باطمئنان، لأنها تحقق لنا الغايتين الدنيوية والأخروية لقد أحاطت الظروف العصيبة بأمير المؤمنين (عليه السلام) وألمت به المشكلات، وتحلق حوله كثير من الناس بعضهم الموالين والأنصار والأتباع، وكثير منهم ليسوا كذلك، وكان لزاما على إمام الأمة، وقائدها بعد نبيها أن يتعامل معهم بمنتهى الحكمة، ويقودهم بخلق السماء. يمكن القول باطمئنان إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حقق تعاملا ناجحا مع الناس سواء كانوا أتباعا وموالين أو أعداء ومبغضين»(52).
سنتناول في هذا المبحث بعض الجوانب الاجتماعية في شخصية الإمام أميرالمؤمنين صلوات الله عليه، وكيف أنّ تكل المواقف والسيرة كانت جزءاً لا يتجزأ من واقعه صلوات الله عليه، دونما تكلّف أو اصطناع. من تلك الجوان ب الاجتماعية:
 
أولا : حُسن الإصغاء:
حسن الإصغاء والاستماع للآخر من الآداب الاجتماعية الإسلامية الرفيعة، وهو فرع من شجرة الأخلاق، وقد حث القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة على هذه الخصلة، وهكذا جسّد إمامنا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه هذه الخصلة في كل أفعاله، ومع مختلف طبقات المجتمع، كبيرهم وصغيرهم، عالمهم وجاهلهم، بل كان يفسح المجال بالكلام حتّى لأعدائه وخصومه ومن لا يتفقون معه في الرأي، ويستمع لهم صلوات الله عليه.
جاء في مسند الإمام علي (عليه السلام) للسيد القبانجي هذا الخبر: «قَالَ دَخَلْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَأَحَبَّ الْخَلْوَةَ وَأَوْمَى إِلَيَّ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالتَّنَحِّي، فَتَنَحَّيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَجَعَلَ عُثْمَانُ يُعَاتِبُ عَلِيّاً عَلَيْهِ‏ السَّلَامُ وَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُطْرِقٌ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ، فَقَالَ مَا لَكَ لَا تَقُولُ؟ فَقَالَ إِنْ قُلْتُ لَمْ أَقُلْ إِلَّا مَا تَكْرَهُ، وَ لَيْسَ لَكَ عِنْدِي إِلَّا مَا تُحِبُّ»(53).
نلاحظ في هذا الخبر أن عثمان يعاتب إمامنا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه، والإمام ــ بأبي هو وأمي ــ ساكت مطرق، يستمع له، حتى انّ طول سكوت الإمام (عليه السلام) وشدّة انصاته واستماعه لعثمان جعلت من عثمان يقول للإمام: ما لك لا تقول؟
فالإمام (عليه السلام) مع اختلافه الشديد مع عثمان وعدم قبوله (عليه السلام) بالمنهج الذي سار عليه، وبكثير من الأعمال التي قام بها، مع ذلك جلس مستمعاً منصتاً لمن لا يتفق معه في الرأي, وأبدى له النصح، وعرض عليه المشورة الصادقة الخالصة، ولكن.
فمن يحسن الاستماع، ويترك التعجّل، ويفسح المجال أمام الطرف المقابل ليتمّ كلامه، وبالتالي يكون موقفه ورأيه أفضل وأوفق، هذا بالإضافة إلى أن الطرف المقابل يشعر بالارتياح لأنه أدلى بكل ما يريد، والطرف الآخر يستمع له.
 
ثانياً: ترك الأنانية وحب الذات (حب الخير للآخرين):
يقول الإمام (عليه السلام) : «يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا وَلا تَظْلِمْ كَمَا لا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِك»(54).
في هذا النصّ الشريف يوصي الإمام ابنه الإمام الحسن (عليه السلام) بأن يجعل من نفسه ميزاناً، فينظر أي الأشياء يحبّها لنفسه ويرتضيها لذاته، وأيّ الأشياء يكرهها ولا يحب أن يتّصف بها، فيجعل من ذلك ميزاناً، فالأشياء التي يحبّها لنفسه يجب أن يحبها للآخرين، والتي يكرهها لنفسه يجب يكرهها لإخوانه ومجتمعه، وهذا هو قمّة نكران الذات والتعالي على (الأنا)، يقدّمه لنا الإمام بأجلى صورة وهو يوصي ابنه الإمام الحسن (عليه السلام) صلوات الله عليه، ومن ثَمَّ فنحن مأمورون بأن نتخذ من هذه الوصية وهذا الخلق مناراً نهتدي به في حياتنا وسلوكنا.
 
ثالثاً : المحبة والألفة بين أبناء المجتمع:
قال (صلّى الله عليه وآله): «الكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ»(55)، وقال أميرالمؤمنين صلوات الله عليه «احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك»(56).
بهذه الوصايا النورانية يصبح المجتمع مجتمعاً معافىً سليماً، خالياً من: الحسد، والغيبة، الغرور، التكبر... لأنّ الإنسان إذا كان طيب الخُلُق لين العريكة، هشّ بشّ، أثّر على من حوله من أبناء مجتمعه، وأصبح لهم عوناً على بلوائهم، أما القَطِب الغَضِب فلا يزيد نفسه ومجتمعه إلا إيذاءً وتعباً.
وهنا قاعدة جميلة ولطيفة يقدّمها الإمام (عليه السلام) لنا لتجنب الشرور، بأنّه إذا كنّا نريد أن نقتلع الشر من صدور الغير، فأول خطوة هو أن نقتلع الشرّ الذي نحمله في نفوسنا تجاه الغير، ونقتلع ما نضمره من حقد أو غضب تجاه الناس، لأنّ ذلك سينعكس على تصرّفاتنا ولقاءاتنا بهم، ويسري إليهم دونما عناء، فيبادلونا الإحساس دونما شكّ.
وهي بعد هذا وذاك من أعظم القواعد في إرساء السلم والتعايش المجتمعي وبث روح الاخوة والألفة والمحبة بين الناس.
 
رابعاً: ترك ذكر معايب الناس:
قاعدة أخلاقية مجتمعية يقدّمها لنا الأمام (عليه السلام) ، والحقّ أنّ هذه القاعدة ــ مع الأسف ــ أبعد ما تكون عنّا وعن حياتنا العملية، فترى أكثر الناس لا يعملون بها، وبعيدون كل البعد عنها، وهي قاعدة (ستر معايب الناس) وعدم فضح أسرارهم، حتّى وإن كانت ذنوباً، لأننا مأمورون بالستر والعفاف، ويحذّرنا الإمام (عليه السلام) ويذكّرنا بالمقت الإلهي وبالعاقبة الوخيمة فيما لو سار الإنسان في هذا الطريق، فليس بعيد أبداً أن يفضح الله سبحانه من يذكر الناس بسوء ويتتبع عوراتهم، يقول (عليه السلام):
«َإِنَّمَا يَنْبَغِي لأهْلِ الْعِصْمَةِ وَالْـمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلاَمَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَالْـمَعْصِيَةِ، وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ وَالْـحَاجِزَ لَـهُمْ عَنْهُمْ، فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ وَعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ! أَمَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَترِ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ ما هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ! وَكَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ»(57)!
إن مراجعة سيرة أميرالمؤمنين (عليه السلام) وخصوصاً كتاب (نهج البلاغة) يكشف لنا عن كمٍّ هائل من الوصايا الأخلاقية ذات البعد الاجتماعي، التي لو أنزلناها إلى الواقع العملي لأصبحت مجتمعاتنا مجتمعات فاضلة كاملة، ولعشنا بسعادة ورخاء، ولكن ترك أغلب الناس هذه الوصايا النورانية وأصبح أكثر الناس يركضون وراء الماديات، وأهملوا هذه القواعد، التي هي بحق قواعد لبناء الشخصية والمجتمع الإنساني، ولسعادة الإنسان في الدارين.
 
تعارف وتوادد، أم صراع وقتال ودماء ؟!!
قال تعالى: )يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُم مِن ذَكَرٍ وَانثى وَجَعَلْناكم شُعوباً وَقَبائلَ لِتعارَفوا إنَّ أكْرمَكُم عندَ اللهِ أتقاكُم(.
خلق الله سبحانه وتعالى العباد، وأمرهم بطاعته، وجعل التفاضل والتمايز بينهم على أساس التقوى، ضارباً بذلك كل الاعتبارات الأُخرى، من قومية، وعِرْق، ومال، وجنس، ولون، و...، فالتقوى وحدها هي المعيار في هذا المضمار.
فإذا كان الله سبحانه قد جعلنا (شعوباً وقبائل)، فمن المؤكد أن يكون هناك اختلاف في الرؤى والأفكار، اختلاف في المشارب والأذواق، اختلاف في التفكير والتنظير، وهذا كلّه مقبول ومرضي مادام في إطار التنوّع والتعدّد، وهذا التنوّع وهذا التعدّد جميل، فالبشر يكمّل بعضهم بعضاً.
لكنّ الغريب في انّ الانحراف الخطير الذي انزلقت له الأمة الإسلامية، وذهبت في مزالقه أيّما ذهاب، وانحدرت فيه إلى الحضيض هو (التكفير)، القديم الحديث..
فليس (التكفير) وليد اليوم، بل نستطيع القول أنّه نشأ قبل مئات السنين، ويمكننا أن نشير إلى حوادث وقعت، تشبه حوادث اليوم من حيث القتل والتنكيل واستباحة الدماء. وإليك بعض الشواهد التاريخية على التكفير والقتل وما نسميه اليوم (داعش):
المثال الأول: نأخذ مثلاً على ذلك الجريمة النكراء للخوارج بصاحب أميرالمؤمنين (عبدالله بن الخباب بن الأرت) حيث قتلوه هو وزوجته لا لذنب، سوى أنّه من أصحاب أميرالمؤمنين !!
المثال الثاني: قاموا بقتل عبدالله بن أبي بكر، ولم يكتفوا بقتله، بل وضعوا جسده في جوف حمار ثم أحرقوه(58) !!!
وما قتل هذين الصحابيين إلّا لأجل الاختلاف في الفكر !!
وهكذا نجد أمثال هذه الجرائم الموبقة كثيرة في كتب التاريخ، ولا حصر لها، حيث ابتدأت بعد رحلة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، واستمرت ولازالت حتّى يومنا هذا، فالفكر هو نفس الفكر، والقلوب نفس القلوب، وإن تبدّلت الأسماء من خوارج، أو تكفيرية أو وهابية أو داعشية أو..
هؤلاء استرخصوا الدم، وهتكوا حرمة الإسلام والمسلمين، وأهلكوا الحرث والنسل، ضاربين بالقرآن وآياته المحكمات عرض الجدار ) وَجَعَلْناكم شُعوباً وَقَبائلَ لِتعارَفوا ( لا لتتقاتلوا، أو تتناحروا، أو...
فالتعدّد والتنوّع نعمة إن أحسن الإنسان استثمارها، وهو بعد يثري الفكر والعقل، ويمدّ الحياة بألوان ويبعدها عن صبغة اللون الواحد. إنّها إرادة الله سبحانه، وبديع خلقته بأن خلقنا على هذه الشاكلة، وأمرنا بالتعارف والتوادد والتواصل، ليسير إليه سبحانه ركب الإنسانية، مطيتهم في ذلك التقوى، وزادهم الإحسان.
 
·     الرجل النصراني المكفوف (قانون الضمان الاجتماعي عند أميرالمؤمنين(عليه السلام)):
من روائع ما سجّله لنا التاريخ عن سيرة أميرالمؤمنين (عليه السلام)، هو قصّة مروره بالشيخ النصراني الذي جلس في الطريق يستعطي الناس، فقد ورد انه (عليه السلام) أنّه مرّ بشيخ كبير مكفوف البصر يسأل الناس الصدقة فقال أمير المؤمنين(عليه السلام):
ما هذا؟
قالوا: نصراني.
فقال (عليه السلام): استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه؟ أنفقوا عليه من بيت المال(59).
سبحان الله، لو لاحظنا تعبير الإمام (عليه السلام) (ما هذا)، لدّلنا هذا التعبير على شدّة امتعاظ الإمام وغضبه من تلك الصورة التي رأى بها ذلك الشيخ النصراني.
وما كان من الإمام (عليه السلام) إلا أن أمر بأن يخصّصوا له مرتّباً ثابتاً من بيت مال المسلمين، لكي يصون كرامة ذلك الشيخ النصراني.
لم ينظر (عليه السلام) ــ هنا ــ إلى دين ذلك الرجل، أو معتقده، أو مذهبه، أو... بل نظر إلى إنسانيته، فهو إنسان يعيش في دولة الإسلام، يحق له أن تصان كرامته وتحفظ حرمته وهو في آخر أيامه.
  وهنا نسأل التاريخ قائلين: أيمكنك ولو استجمعت كلّ قواك أن تأتينا بموقف نبيل مشرق كهذا ؟
هل يمكنك أن تأتينا بحاكم دولة مخالفوه تحت منبره، وهو يضمن معيشتهم طالما سَلِم المسلمون من شرّهم..
هل يمكنك أن تأتينا بحاكم دولة يواسي فقراء دولته بأن يلبس مثلما يلبسون، ويأكل مثلما يأكلون!!
 
·       مع الأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان):
أمّا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان فقال قبل ثلاث سنوات: «قول علي ابن أبي طالب: يا مالك إن الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق..، هذه العبارة يجب أن تعلَّق على كلّ المنظمات، وهي عبارة يجب أن تنشدها البشرية»(60).
وبعد أشهرٍ اقترح (عنان) أن تكون هناك مداولة قانونية حول كتاب الإمام علي إلى مالك الأشتر. اللجنة القانونية في الأمم المتحدة، بعد مدارسات طويلة، طرحت هل هذا يرشح للتصويت ؟ وقد مرّت عليه مراحل ثم رُشِّح للتصويت، وصوتت عليه الدول بأنه أحد مصادر التشريع الدولي.
 
·       على ضوء تقرير الأمم المتحدة للعام 2002م، الإمام علي رائد العدالة الإنسانية والاجتماعية(61):
ليس غريباً أن تقوم الأمم المتحدة بتكريم شخصية كشخصية أميرالمؤمنين صلوات الله عليه، فلقد اطلعوا هؤلاء وبتجرّد على سيرته العطرة، ووصلوا إلى هذه النتيجة، واتخذوه رمزاً، للعدالة الإنسانية والاجتماعية، وقد أصدرت الأمم المتحدة تقريراً باللغة الانجليزية وستين صفحة، أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخاص بحقوق الإنسان وتحسين البيئة والمعيشة والتعليم، حيث تم فيه اتخاذ الإمام عليّ (ع) من قِبَل المجتمع الدولي شخصيةً متميزة، ومثلاً أعلى في إشاعة العدالة، والرأي الآخر، واحترام حقوق الناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين، وتطوير المعرفة والعلوم، وتأسيس الدولة على أسس التسامح والخير والتعددية، وعدم خنق الحريات العامة.
وقد تضمن التقرير مقتطفات من وصايا أمير المؤمنين عليه السلام الموجودة في نهج البلاغة، التي يوصي بها عماله، وقادة جنده، حيث يذكر التقرير أنَّ هذه الوصايا الرائعة تعد مفخرة لنشر العدالة، وتطوير المعرفة، واحترام حقوق الإنسان .
وشدد التقرير الدولي على أن تأخذ الدول العربية بهذه الوصايا في برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، لأنها (لا تزال بعيدة عن عالم الديمقراطية، ومنع تمثيل السكان، وعدم مشاركة المرأة في شؤون الحياة، وبعيدة عن التطور وأساليب المعرفة).
والملاحظ أنَّ التقرير المذكور قد وزع على جميع دول الأمم المتحدة، حيث اشتمل على منهجية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في السياسة والحكم، وإدارة البلاد، والمشورة بين الحاكم والمحكوم، ومحاربة الفساد الإداري والمالي، وتحقيق مصالح الناس، وعدم الاعتداء على حقوقهم المشروعة .
وتضمن التقرير الدولي أيضاً شروط الإمام عليّ (ع) للحاكم الصالح، التي وردت في نهج البلاغة، وفيها يقول (ع): (إنَّ من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، فمعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس).
واقتبس التقرير الدولي مقاطع من وصايا أمير المؤمنين عليه السلام لعامله على مصر مالك الأشتر، التي يؤكد فيها على استصلاح الأراضي والتنمية ويقول: (وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأنَّ ذلك لايدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً).
وورد في التقرير الدولي أيضاً أساليب الإمام عليّ عليه السلام في محاربة الجهل والأمية، وتطوير المعرفة، ومجالسة العلماء، حيث يقول لأحد عماله: (وأكثر من مدارسة العلماء، ومنافسة الحكماء في تثبيت ماصلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك).
ومن شروط الحاكم العادل أخذ التقرير الدولي قول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام الذي قال فيه: (ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ؛ وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم في الحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم؛ ممن لا يزدهيه إطراء، و لا يستميله إغراء، وأولئك قليلون، ثم أكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظراً بليغاً).
  
وأخيراً نقول:
أين نحن اليوم من ثقافة التعايش مع هذا الرصيد الهائل ؟
أين من يدّعي الإسلام اليوم من هذه الأخلاق والسجايا الحميدة..!
ونحن نرى الهمج الرعاع الذين يهلكون الحرث والنسل باسم الإسلام والشريعة.. أعني (داعش) المجرمة..
اين نحن اليوم من الوسطية والاعتدال فيمن نختلف معه؟
انّها دعوة للرجوع إلى منهل الإسلام العذب ومشربه الروي، تلك العين الصافية التي لم ولن يخالطها الكدر.. نبعُ عليٍّ صلوات الله عليه وسيرته العطرة.
تلك السيرة التي يمكننا أن نحملها للعالم أجمع، ونباهي بها العالم أجمع، ونصدح بأعلى أصواتنا.. بأنّ هذه السيرة هي سيرة إسلامنا العزيز، ذلك الدين القيّم الذي أراده الله سبحانه أن يكون خاتمة الأديان والشرائع.

 

الخاتمة

بات واضحاً من خلال ما مر في البحث ان الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام سعى إلى وضع أسس ودعائم الدولة المتحضرة التي تقوم على احترام حقوق الإنسان واحترام إنسانية الإنسان، وقد سعى الإمام عليه السلام سعياً حثيثاً في سبيل تحقيق ذلك، الأمر الذي كلّفه حياته الشريفة، إذ عاداه مجتمعه الذي تعود على نظام الطبقية.
ويحق لنا كمسلمين الفخر والاعتزاز ونحن ننظر إلى باني الدولة العصرية قد نادى بالشعارات التي ينادون بها اليوم، ودعا لها وعمل على تحقيقها، فيما يسمونه اليوم: حرية، ديمقراطية، فهم الآخر، الحوار مع الآخر..
وقد تبين بوضوح انّ الإمام عليه السلام، قد سبق العصور والأزمنة بفكرة الثاقب ورؤاه العظيمة، إلاّ ان المجتمع آنذاك لم يكن متفهماً وواعياً بما فيه الكفاية لما كان يريده الإمام عليه السلام، وبالنتيجة لم يستفد ذلك المجتمع من تلك الوصايا النورانية التي تعد بحق لبنات بناء الدولة المتحضرة.
وتعدّ العدالة المحور الأكثر بروزا في منهج حكمه عليه السلام، وقد بلغ من اقتران اسم الامام أميرالمؤمنين عليه السلام بالعدالة، وامتزاجه بها، قدراً كبيراً، إذ صار اسم علي عنواناً للعدالة، وصارت مفردة العدالة توحي باسم (علي) صلوات الله عليه.
واليوم، لا تزال الفرصة سانحة، وبإمكان عالم اليوم المليء بالحروب والدمار والأزمات، أن يعود إلى ذلك النهج النير، نهج الإمام علي عليه السلام، فهو يكفينا لإقامة الدولة الصالحة والعصرية المتحضرة، وكذا العودة إلى كتابه إلى واليه على مصر، الشهيد مالك الأشتر رضوان الله عليه، لننهل من ذلك المعين العذب، وهو يوصي عامله على مصر بأدقّ الأمور، وفي شتى ميادين إدارة الدولة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.. وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

***

 

 

 

::: هوامش البحث :::

(1) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس: 1/14.
(2) لسان العرب، ابن منظور: 6/6.
(3) جمهرة الأمثال، أبو هلال العسكري: 1/91.
(4) سورة الحشر: الآية 7.
(5) أضواء البيان، الشنقيطي: 8 / 32.
(6) قاموس الدولة والاقتصاد، هادي العلوي، ص11.
(7) لسان العرب، ابن منظور: ج4، ص197، مادة (حضر).
(8) موقع المعاني على شبكة الانترنت العالمية، مادة (حضر).
(9) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي: 15 / 62.
(10) سورة ص، الآية 26.
(11) سورة الحجرات، 9.
(12) سورة النساء، 58.
(13) بحار الأنوار، المجلسي: 72/352.
(14) جامع السعادات، ملا محمد مهدي النراقي: 2/169.
(15) المصدر نفسه.
(16) المصدر نفسه.
(17) وسائل الشيعة، الحر العاملي، باب أنّ المرأة لا تولى القضاء:  18 / 6، ح1.
(18) وسائل الشيعة، الحر العاملي: 27/13.
(19) شرائع الإسلام، المحقق الحلي: 4/860.
(20) من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 3/435.
(21) المصدر نفسه.
(22) عهد الإمام علي إلى واليه على مصر، ص22.
(23) علي وحقوق الإنسان، جورج جرداق: 1/60
(24) سورة الصف: 2.
(25) الكافي، كتاب القضاء والاحكام، 7/429.
(26) عهد الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب إلى واليه على مصر مالك الأشتر، ص22.
(27) عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى واليه مالك الأشتر، ص23.
(28) هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، الحر العاملي: 6/15.
(29) جواهر الكلام، الشيخ الجواهري: 21/217.
(30) جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي: 16/474.
(31) ما وراء الفقه، السيد محمد الصدر: 2/395.
(32) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، الشيخ المحمودي: 1/198.
(33) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، الشيخ المحمودي: 1/230.
(34) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، الشيخ المحمودي: 1/232.
(35) أخلاقيات الحرب عند الإمام علي (عليه السلام)، فايز شكر، مقال منشور في موقع مكتبة الروضة الحيدرية (شبكة الانترنت):
http://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/13/book_13/01.htm.
(36) نهج البلاغة ، الخطبة : 55 .
(37) نهج البلاغة ، من وصية له (عليه السلام): 13 .
(38) نهج البلاغة ، من وصية له (عليه السلام): 14 .
(39) نهج البلاغة ، من وصية له (عليه السلام): 14 .
(40) نهج البلاغة ، من وصية له (عليه السلام): 14 .
(41) شرح النهج: 10/ 104.
(42) الإستراتيجية العسكرية في معارك، شهاب الدين الحسيني، بحث منشور على موقع مكتبة الروضة الحيدرية:
http://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/13/book_12/01.htm
(43) نهج البلاغة، ص432-433.
(44) نفس المصدر: 1/ 25.
(45) الإستراتيجية العسكرية في معارك، شهاب الدين الحسيني، بحث منشور على موقع مكتبة الروضة الحيدرية:
http://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/13/book_12/01.htm
(46) نهج البلاغة، ص424.
(47) نهج البلاغة، شرح محمد عبده: 2/3.
(48) م.ن : 2/3.
(49) م.ن : 2/3.
(50) نهج البلاغة، ص371.
(51) نهج البلاغة، ص371.
(52) الإمام علي (ع) وفن التعامل مع الناس (مقال)، أ.م.د. رزاق عبد الأمير الطيَّار، مقال منشور في مجلة الولاية العدد 75.
(53) مسند الإمام علي (عليه السلام)، السيد حسن القبانجي: 7/358.
(54) م.ن : 3/45.
(55) جواهر الكلام، الشيخ حسن الجواهري: 14/112.
(56) نج البلاغة، شرح محمد عبده: 4 / 43.
(57) نهج البلاغة، شرح محمد عبده: 2/23.
(58) الطبقات الكبرى ، ابن سعد: 3/ 83.
(59) الوافي، الفيض الكاشاني: 10/446.
(60) الشبكة العالمية، موقع كتابات، ستار الجودة:
http://www.kitabat.com/ar/print/28049.html
(61) الإمام علي (ع) رائد العدالة الاجتماعية والسياسية، قاسم خضير عباس: ص11 - 13.
 

 

مصادر البحث

 

1.   خير ما نبتدئ به كتاب الله العزيز القرآن الكريم.

2.   الإمام علي 7 رائد العدالة الاجتماعية والسياسية، قاسم خضير عباس، الناشر: دار الأضواء، بيروت، 2004م.

3.   أضواء البيان، الشنقيطي، دار الفكر، بيروت، 1415هـ.

4.   بحار الأنوار، المجلسي، تحقيق السيد ابراهيم الميانجي، محمد باقر البهبودي، الطبعة الثالثة المصححة، 1983م، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

5.   جامع السعادات، ملا محمد مهدي النراقي، تحقيق وتعليق : السيد محمد كلانتر / تقديم: الشيخ محمد رضا المظفر، الطبعة: الرابعة، مطبعة النعمان، النجف الأشرف.

6.   جواهر الكلام، الشيخ الجواهري، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوجاني، الطبعة الثالثة، دار الكتب الإسلامية، طهران.

7.   جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي، منشورات مدينة العلم - آية الله العظمى الخوئي، 1410هـــ - قم – ايران.

8.   شرائع الإسلام، المحقق الحلي، تحقيق: السيد صادق الشيرازي، الناشر: انتشارات استقلال، 1409هـــ، طهران.

9.   قاموس الدولة والاقتصاد، هادي العلوي، دار الكنوز الأدبية، ط الأولى 1997، بيروت.

10.  علي وحقوق الإنسان، جورج جرداق، الناشر: العتبة العلوية المقدسة، النجف الأشرف، ط1، 2012م.

11.  عهد الإمام علي بن أبي طالب 7 إلى واليه مالك الأشتر، إعداد المستشار فليح سوادي، الناشر: العتبة العلوية المقدسة، الطبعة الأولى 2010.

12.  الطبقات الكبرى، ابن سعد، دار صادر، بيروت.

13.  روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، محمد تقي المجلسي، الناشر: بنياد فرهنك اسلامى.

14.  الكافي، الشيخ الكليني، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط3، الناشر : دار الكتب الإسلامية – طهران.

15.  لسان العرب، ابن منظور، الناشر: أدب الحوزة، سنة الطبع محرم 1405هـــ.

16.  موقع المعاني على شبكة الانترنت العالمية، مادة (حضر).

17.  ميزان الحكمة، محمد الريشهري، الطبعة الأولى، دار الحديث، 1416هـــ، قم المقدسة.

18.  مسند الإمام علي 7، السيد حسن القبانجي، تحقيق الشيخ طاهر السلامي، منشورات مؤسسة الأعلمي، 2000، بيروت.

19.  مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر الرازي، ط الأولى 1994م، دار الكتب العلمية، بيروت.

20.  معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا (ابن فارس)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، سنة الطبع: 1404، المطبعة : مكتبة الإعلام الإسلامي، الناشر : مكتبة الإعلام الإسلامي.

21.  ما وراء الفقه، السيد محمد الصدر، ط3، المحبين للطباعة والنشر، 2007، قم.

22.  من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المقدسة.

23.  نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، الشيخ المحمودي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت – لبنان.

24.  نهج البلاغة، خطب الإمام علي 7، شرح الشيخ محمد عبده، الطبعة الأولى، دار الذخائر، 1412هـــ، قم المقدسة.

25.  هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، الحر العاملي، الناشر: مجمع البحوث الإسلامية، الطبعة الأولى 1412، مشهد المقدسة.

26.  الوافي، الفيض الكاشاني، تحقيق: ضياء الدين الحسيني، الناشر: مكتبة الإمام أميرالمؤمنين 7 العامة ـــ اصفهان.

27.  وسائل الشيعة، الحر العاملي، مؤسسة آل البيت 7 لإحياء التراث، الطبعة الثانية، 1414هـــ، المطبعة: مهر، قم.

 

المجلات والدوريات:

مجلة الولاية، الصادرة عن العتبة العلوية المقدسة.

 

شبكة الانترنت:

1.   موقع كتابات، ستار الجودة:         http://www.kitabat.com

2. موقع مكتبة الروضة الحيدرية:       http://www.haydarya.com

3. موقع المعاني على شبكة الانترنت العالمية، مادة حضر):

 http://www.almaany.com

 

***