فصل 7

وحيث عرفتَ أنّ الأحاديث المتقدّمة لم تثبت متناً ولا إسناداً، بل قد دلّ الكتاب العزيز على بطلانها وفسادها، فاعلم أنّه لا يجوز التعويل عليها أيضاً في معرفة سبب نزول قوله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاةَ وأنتم سُكارى حتّى تعلموا ما تقولون) - الآية، إذ قد صحّ أنّ سبب نزولها أمرٌ آخر غير ما جاء في تلك الأحاديث.

فقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حُميدٍ وأبوداود والترمذيّ - وصحّحه - والنسائيّ وأبويعلى وابن جريرٍ وابن المنذر وابن أبي حاتمٍ والنحّاس في "الناسخ والمنسوخ" وأبوالشيخ وابن مردويه والحاكم - وصحّحه - والبيهقيّ والضياء المقدسيّ في "المختارة"(1) عن عمر أنّه قال: اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنّها تُذْهِبُ المال والعقل، فنزلت: (يسألونك عن الخمر والميسر) التي في سورة البقرة، فدُعي عمر فقُرأت عليه، فقال: اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في سورة النساء (يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى) فكان منادي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إذا أقام الصلاةنادى أنْ لا يقربَنَّ الصلاةَ سكران، فدُعي عمر فقرِأتْ عليه، فقال: اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في المائدة،فدُعي عمرفقُرأت عليه،فلمّابلغ (فهل أنتم منتهون) قال عمر: انتهينا انتهينا.

وقد عدّوا ذلك من موافقات عمر للقرآن(2) فهذا الحديث الصحيح - عند القوم - قد أفصح عن سبب نزول الآية، ألا وهو سؤال عمر أن يبيّن اللَّه لهم في الخمر بياناً شافياً، ودَفَع ما اختلقه بعض مَن لا خلاق له من أنّ سبب نزول الآية كان شرب عليٍّ عليه السلام للخمر مع نفرٍ من الصحابة، وتخليطه في قراءة سورة الكافرون في الصلاة، فتنبّه هداك اللَّه وسدّدك.

 

فصل 8

وممّا يكشف لك عن الإفك الواضح، والبهتان الفاضح، الذي تضمّنته تلك الأحاديث المزوّرة؛ ما ورد في السُّنّة المطهّرة في ذمّ الخمر وشاربها، فإنّه يقضي قضاءً بتّاً بتنزّه أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه الصلاة والسلام عن تناولها.

فعن أبي هريرة أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، رواه الشيخان وأبوداود والترمذيّ والنسائيّ، وفي روايةٍ: فإذا فعل ذلك فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه، فإن تاب تاب اللَّه عليه(3) وعن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: من زنى أو شرب الخمر نزع اللَّه منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه، رواه الحاكم(4) .

وعنه أيضاً قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: من شرب الخمر خرج نور الإيمان من جوفه، رواه الطبرانيّ(5) .

وعن ابن عبّاس رضى الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وآله - في حديثٍ - قال: من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخِر فلا يشرب الخمر، رواه الطبرانيّ في "الكبير"(6).

فكيف يجتمع هذا مع إيمان أميرالمؤمنين وسيّدالوصيّين عليه السلام الذي شهد له به ربّه سبحانه وتعالى، كما أخرج الطبرانيّ وابن أبي حاتمٍ عن ابن عبّاسٍ قال: ما أنزل اللَّه (يا أيّها الذين آمنوا) إلاّ وعليٌّ أميرها وشريفها، ولقد عاتب اللَّه أصحابَ محمّدٍصلى الله عليه وآله في غير مكانٍ وما ذكر علياً إلاّ بخيرٍ(7)، وقال عزّ من قائلٍ: (إنّما وليّكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا) وقد ذكر أكثر المفسّرين أنّ المراد بها عليّ عليه السلام حين تصدّق بخاتمه.

وهو أوّل من أسلم وآمن باللَّه واليوم الآخر، كما قال ابن عبّاسٍ وأنس وزيد بن أرقم وسلمان وجماعة، ونقل بعضهم الإجماع عليه(8) ، فإذا كان عليه الصلاة والسلام بهذه المكانة الرفيعة من الإيمان الكامل واليقين التامّ، فكيف يُعقل إقدامه على شُرب الخمر وانسلاخ روح الإيمان ونوره منه - حين شربها - ووجوب التوبة عليه بعد ذلك، وهو المعصوم بعصمة اللَّه تعالى إيّاه - كما مرّ بيانه فيما مضى -؟!!

لا يُقال: إنّ هذه الأحاديث - وما يأتي ممّا شاكلها، الواردة في هذا الباب - ناظرةٌ إلى ما بعد تحريم الخمر في هذه الشريعة الغرّاء.

لأنّا نقول: إنّ صحّة هذه الدعوى وتسليمها يتوقّف على إثبات صدور هذه الأحاديث بعد التحريم، وأنّى للمدّعي بذلك، إذ لا علم في البَيْن بتاريخ صدورها، فيؤخذ بعمومها.

على أنّه سيأتي - إن شاء اللَّه تعالى - بيان أنّ الخمر ما زالت محرّمةً من أوّل الأمر في جميع الشرائع السماويّة والنواميس الإلهيّة السابقة على دين الإسلام، وأنّها لم تُبَحْ يوماً قطّ.

وعن ابن عبّاسٍ رضى الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول: أتاني جبرئيل، فقال: يا محمّد، إنّ اللَّه لعن الخمر وعاصرها ومعتصِرها وشاربها والمحمولةَ إليه وبائعَها ومُبتاعَها وساقيَها ومُسْقاها، رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ، وابن حبّان في "صحيحه" والحاكم وقال: صحيح الإسناد(9) .

وعن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: لعن اللَّه الخمرَ وشاربها وساقيَها ومبتاعها وبائعَها وعاصِرَها وحامِلَها والمحمولةَ إليه، رواه أبوداود - واللفظ له - وابن ماجة، وروى نحوه ابن ماجة والترمذيّ عن أنسٍ(10).

وأنت تعلم أنّ هذا اللعنَ ليس مستحدثاً في هذه الشريعة المطهّرة فحسب، بل هو إخبارٌ عمّا في اللوح المحفوظ من لعن شارب الخمر مطلقاً.

فهل يستجيز مسلمٌ أن يكون عليٌّ أمير المؤمنين عليه السلام مستوجباً للعنة اللَّه ورسوله، مطروداً من رحمة ربّه تبارك وتعالى؛ لشُربه الخمر - وهو مَن قد عرفت -؟ اللّهمّ لا.

وعن قيس بن سعد بن عُبادة الأنصاريّ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وآله يقول: مَن شرب الخمرَ أتى عطشانَ يوم القيامة، ألا فكلُّ مسكرٍ حرام، وكلُّ خمرٍ حرام - الحديث، رواه أحمد وأبويعلى(11)، وهذا وعيدٌ عامٌّ لكلّ شارب خمرٍ، وعليّ عليه السلام من العترة التي قد أخبر الصادق المصدَّق صلى الله عليه وآله - في حديث الثقلين المتّفق على صحّته بين الفريقين - أنّها لا تفترق عن كتاب اللَّه تعالى حتّى يردا عليه الحوض، فهل يظمأ - يا عباد اللَّه - من يَرِدُ على الحوض؟ أم هل يصدى من كان ساقياً على حوض الكوثر في المحشر؟(12) (فما لكم كيف تحكمون).

وعن ابن عمر أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال: من شرب الخمر أسقاه اللَّه من حميم جهنّم، رواه البزّار(13)، وهذا أيضاً وعيدٌ عامٌّ لكلّ شارب خمرٍ، لكنّ علياًعليه السلام قد وقع اتّفاق أهل القبلة من المسلمين على كونه من أهل الجنّة، وأخبر بذلك النبيّ صلى الله عليه وآله، فكيف يجتمع الأمران؟ مضافاً إلى مخالفته لدليل العصمة على ما قرّرناه آنفاً.

وعن أبي أُمامة الباهليّ - في حديثٍ - عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال: أقسم ربّي بعزّته لا يشرب عبدٌ من عبيدي جُرعةً من خمرٍ إلاّ سقيته مكانها من حميم جهنّم معذَّباً أو مغفوراً له، رواه أحمد(14).

وعن جابر بن عبداللَّه رضى الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: ثلاثة لا يقبل اللَّه لهم صلاةً ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتّى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها حتّى يرضى، والسكران حتّى يصحو، رواه الطبرانيّ في "الأوسط" وابن خُزَيْمَة وابن حبّان في صحيحهما والبيهقيّ(15) .

وعن جابرٍ أيضاً - في حديثٍ - أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال: إنّ اللَّه عَهِد عهداً لِمَن يشرب المسكر أن يسقيَه من طينة الخبال، قيل: يا رسول اللَّه، وما طينة الخبال؟ قال: عَرَق أهل النار، أو عصارة أهل النّار، رواه مسلم والنسائيّ(16).

وليس يخفى عليك أنّ عهدَ اللَّه تعالى وقضاءَه كائنٌ في الأزل، وليس حادثاً، وما في هذه الأحاديث من الوعيد عامٌّ لجميع من يشرب الخمر من بني آدم، وهذا من أقوى الأدلّة على أنّ الخمر ما زالت محرّمةً في علم اللَّه سبحانه - كما سيأتي بسطه إن شاء اللَّه تعالى -.

وقد ثبت أيضاً في أحاديثَ أنّ شارب الخمر لا تُقبل له صلاةٌ أربعين صباحاً(17)، وفي بعضها: لم تُقبل منه صلاةٌ سبعاً(18)، وفي بعضها: لم يَرضَ اللَّه عنه أربعين ليلة(19)، فكيف يجرأ ذو دينٍ وإيمانٍ من المسلمين أن يرى أنّ عليّاً أميرالمؤمنين شرب الخمر فلم تُقبل له صلاةٌ - مدّةً من الزمان - لا محالة، بمقتضى ما ورد في هذه الأحاديث - وهي حقٌّ بلا مِرْيَةٍ - وأنّ اللَّه لم يَرْضَ عنه، وهو ممّن رضي اللَّه تعالى عنه بلا ريب؟!!

فثبت بهذه الأحاديث وماضاهاها أنّ هذه القصّة مكذوبة على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام و(قُضي بالحقّ وخَسِرَ هنالك المُبطلون).

 

فصل 9

واعلم - رحمك اللَّه - أنّ الخمر ما زالت محرّمةً في جميع الأديان والشرائع الحقّة، وهذا هو الثابت المقطوع به عند أئمّة العترة الطاهرة سلام اللَّه عليهم أجمعين - أحدِ الثقلين اللذَيْن لا يضلّ من تمسّك بهما، ولا يهتدي إلى اللَّه مَن ضلّ عن أحدهما، خُزّان العلم وأمناء وحي اللَّه تعالى - وعليه انعقد إجماع أهل الحقّ قاطبةً (فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال فأنّى تُصرفون) وهذا ممّا يُبطل القول بأنّ الخمر كانت مباحةً في شريعة الإسلام ثمّ نُسخ ذلك واستقرّ التحريم.

فعن أبي جعفرٍ محمّد بن عليٍّ الباقرعليه السلام قال: ما زالت الخمر في علم اللَّه وعند اللَّه حرام، وأنّه لا يبعث اللَّه نبيّاً ولا يُرسِل رسولاً إلاّ ويجعل في شريعته تحريمَ الخمر، وما حرّم اللَّه حراماً فأحلّه من بَعْدُ إلاّ للمضطرّ، ولا أحلّ اللَّه حلالاً قطّ ثمّ حرّمه(20) .

وروى زرارة بن أعْيَن عن أبي جعفرٍ وأبي عبداللَّه عليهما السلام قالا: ما بعث اللَّه عزّوجلّ نبيّاً قطّ إلاّ وفي علم اللَّه تبارك وتعالى أنّه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم تزل الخمر حراماً - الحديث(21).

وعن الريّان بن الصلت قال: سمعتُ الرضاعليه السلام يقول: ما بعث اللَّه نبيّاً قطّ إلاّ بتحريم الخمر - الحديث(22) .

وعن محمّد بن مسلمٍ قال: سُئل أبوعبداللَّه عليه السلام عن الخمر، فقال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: إنّ أوّل ما نهاني عنه ربّي عزّوجلّ عن عبادة الأوثان وشرب الخمر وملاحاة الرجال - الحديث(23).

وقال الشيخ العلاّمة المحّقّق جمال الدين أبوعبداللَّه المقداد بن عبداللَّه السيوريّ الحلّي رحمه اللَّه تعالى في "كنز العرفان"(24): اعلم أنّ مذهب الإماميّة أنّ الخمر محرّمة في جميع الشرائع، وما أُبيحت في شريعةٍ قطّ، وكذا كلّ مسكرٍ، وأوردوا أخباراً عن أئمّتهم عليهم السلام.

قال: وما ذكره المفسّرون والفقهاء من كونها كانت قبلُ حلالاً باطلٌ بإجماعنا، والنقل الصحيح عن أئمّتنا عليهم السلام، وقوله صلى الله عليه وآله: كلّ مسكرٍ حرام، وأنّه صلى الله عليه وآله لعن الخمر وعاصرَها ومعتصِرَها وبائعَها ومشتريها وساقيَها وآكلَ ثمنها وحاملَها والمحمولةَ إليه وشاربَها، وقال صلى الله عليه وآله: شارب الخمر كعابد الوثن، وغير ذلك من الأخبار "اه".

وقال أيضاً في "التنقيح الرائع"(25): اتّفق علماؤنا على أنّ الخمر وكلَّ مسكرٍ حرام في سائر الشرائع، وأنّه لم يُبَحْ في ملّةٍ قطّ، ولِما مرّ من وجوب تقرير الأحكام الخمسة في كلّ شريعةٍ "اه".

هذا، ولكنّ جمهور مخالفينا على أنّ الخمر كانت مباحةً في هذه الشريعة ثمّ حُرّمت، نعم حكى النوويّ في "شرح صحيح مسلم"(26) عن بعضهم أنّه قال: إنّ السُّكر لم يزل مُحرّماً، لكن تعقّبه النوويّ فقال: إنّه باطل لا يُعرف أصلاً "اه".

وقال الخطيب الشربينيّ الشافعيّ في "مُغني المحتاج"(27): قيل كان المباح الشُّرْبُ إلى ما لا ينتهي إلى السُّكْر المزيل للعقل، فإنّه حرام في كلّ ملّةٍ، حكاه ابن القشيريّ في "تفسيره" عن القفّال الشاشيّ "اه".

قلت: هذا باطل مردود، فإنّ شرب الخمر لم يزل محرّماً في جميع الشرائع - كما عرفت -.

ثمّ إنّ النوويّ غفل عمّا قال، فنقل احتجاج الجمهور على تحريم جميع الأنبذة المسكرة - ساكتاً عليه -: بأنّ اللَّه تعالى نبّه على أنّ علّة تحريم الخمر كونها تصدّ عن ذِكر اللَّه وعن الصلاة(28) وهو يقتضي أن يكون التحريم قد وقع بمكّة - على أقلّ الأحوال - لأنّ الصلاة فُرضت بها في أوّل الإسلام، وإلاّ فكون الخمر تصدّ عن ذِكْر اللَّه تعالى يقتضي تحريمها في الأزل، لأنّ ما يصدّ عن ذِكر اللَّه يلزم العبد اجتنابه، وهذا مطَّرد في جميع الشرائع والأديان، وفي كلّ عصرٍ وزمان، فافهم ترشد.

وذكر الخطيب الشربينيّ في "شرح المنهاج"(29) اختلافَ أصحابه الشافعيّة في أنّ شربَ المسلمين للخمر في أوّل الإسلام؛ هل كان استصحاباً منهم بحكم الجاهليّة أو بشرعٍ في إباحتها، قال: فرجّح الماورديّ الأوّل، والنوويّ الثاني.

وأنت خبيرٌ بأنّ ما رجّحه النوويّ لا دليلَ عليه من جهة الشرع، لأنّ إباحة الخمر - عنده - في أوّل الإسلام؛ إما أن تكون ثابتةً باستصحاب الشريعة السابقة، ولا سبيل إلى إثباته مطلقاً.

وإمّا أن تكون ثابتةً بنصٍّ من الشارع، ولا نصّ بالاتّفاق.

وإمّا أن تكون ثابتةً بالتقرير والسكوت وعدم الإنكار، وقد يُستدلّ له بما مرّ من حديث أبي هريرة - عند أحمد(30).

- قال: حُرّمت الخمر ثلاث مرّاتٍ، قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله المدينة - وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر - فسألوا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وآله عن ذلك فأنزل اللَّه تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر) فقال النّاس: لم تحرّم علينا، إنّما قال: (فيهما إثمٌ كبيرٌ) فكانوا يشربون - الحديث، وقد مضى في أوائل هذا الجزء، وبيّنّا هناك ضعفَ إسناده.

على أنّ تحريم الخمر - عند أكثرهم - كان بعد أُحُدٍ(31)، وذكر ابن اسحاق أنّه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد وقعة أُحدٍ وذلك سنة أربعٍ على الراجح(32)، وجزم الدمياطيّ في "سيرته" بأنّ تحريم الخمر كان سنة الحُدَيْبيّة، والحُديبيّة كانت سنة ستٍّ(33)، وقيل بعد غزوة الأحزاب بأيّامٍ(34)، وكانت سنة خمسٍ، وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر(35) سنة سبعٍ من الهجرة النبويّة المباركة، فمن أين شهد التحريم؟

نعم استظهر الحافظ ابن حجرٍ في "شرح البخاريّ"(36) أنّ تحريم الخمر كان عام الفتح سنة ثمانٍ، لكنّه خلاف المشهور عندهم.

وليس ذلك ببدعٍ من أبي هريرة، فلقد حدّث أيضاً بوقائع لم يشهدها، موهماً حضوره فيها، فروى عنه الشيخان(37) أنّه قال: قام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حين أنزل اللَّه عليه: (وأنذر عشيرتك الأقربين) فقال: يا معشر قريشٍ، لا أُغني عنكم من اللَّه شيئاً - الحديث.

قال الإمام ابن شرف الدين العامليّ رحمه اللَّه تعالى(38): هذه الآية إنمّا نزلت في مبدأ البعثة قبلَ ظهور الإسلام بمكّة حيث كان أبوهريرة في اليمن، وإنّما كان قدومه إلى الحجاز وإسلامه بعد عشرين سنةٍ تقريباً "اه".

وأخرج مسلم في "صحيحه"(39) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لعمّه: قل (لا إله إلاّ اللَّه)، أشهد لك بها يومَ القيامة، قال: لولا أن تعيّرني قريش بذلك، يقولون: إنّما حمله على ذلك الجزع؛ لأقررتُ بها عينك، فأنزل اللَّه تعالى: (إنّك لا تهدي مَن أحببتَ ولكنّ اللَّه يهدي من يشاء).

هذا، مع أنّ أباطالبٍ رضى الله عنه قضى في مكّة سنة عشرٍ للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بل قضى سنة تسعٍ، وقيل سنة ثمانٍ قبل قدوم أبي هريرة إلى الحجاز بعشر سنين في أقلّ ما يُفرض، فأين كان أبوهريرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وعمّه رضى الله عنه وهما يتبادلان الكلام الذي أرسله عنهما كأنّه رآهما بعَيْنَيْه وسمع كلامهما بأُذُنَيْه؟ نعوذ باللَّه ممّن لم يكن لدينه ولا لعقله على لسانه رقيب(40) فإذا ثبت ذلك فلا مجالَ - هنا - للقول بأنّ ما رواه الصحابيّ - ممّا فيه سبب النزول - له حكم المرفوع، لأنّك قد عرفت أنّ أباهريرة لم يشهد سببَ نزول تحريم الخمر - على ما بيّناه - فتنبّه.

وقد يُستدلّ أيضاً بما أخرجه أبوداود الطيالسيّ في "مسنده"(41) عن محمّد بن أبي حميدٍ، عن أبي توبة المصريّ، قال: سمعتُ ابنَ عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آياتٍ، فأوّل شي ءٍ نزل: (يسألونك عن الخمر والميسر) - الآية، فقيل: حُرّمت الخمر، فقيل: يا رسول اللَّه ننتفع بها - كما قال اللَّه عزّوجلّ - فسكتَ عنهم، ثمّ نزلت هذه الآية: (لا تقربوا الصلاةَ وأنتم سُكارى) فقيل: حُرّمت، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنّا لا نشربها قُرْبَ الصلاة، فسكتَ عنهم، ثمّ نزلت: (يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخمر والميسر) - الآية، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: حُرّمت الخمر.

وفي إسناده: محمّد بن أبي حُميدٍ، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال ابن معينٍ: ضعيف، ليس حديثه بشي ءٍ، وقال الجوزجانيّ: واهي الحديث ضعيف، وقال ابن معينٍ والبخاريّ والساجيّ: منكر الحديث، وقال النسائيّ: ليس بثقةٍ، وقال أبوزرعة: ضعيف الحديث، وقال أبوحاتمٍ: منكر الحديث، ضعيف الحديث، يروي عن الثقات المناكير، وقال أبوداود والدارقطنيّ: ضعيف، وقال ابن حبّان: لا يُحتجّ به(42) على أنّ الخطيب البغداديّ قد روى في "تاريخه"(43) عن عائشة قالت: لمّا نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر، فنهى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عن ذلك.

فإن قيل: إنّكم قد رويتم أيضاً نحوَ هذين الحديثين(44) قلنا: هو حديث مُرسل مُضمَر، فلا يقاوم الأحاديث المتقدّمة الدالّة - صريحاً - على كون الخمر لم تزل محظورةً في جميع الشرائع والأديان، واللَّه المستعان.

ثمّ إنّ في ذَيْنِكَ الحديثين أنّ قوماً من الصحابة كانوا يشربون الخمرَ غيرَ مُكترثين بمانزل من النهي عنها، وهذا يدلّ على رقّة دينهم وإيمانهم، وقلّة مبالاتهم باقتراف أمّ الكبائر، وعدم انتهائهم عمّا نهى اللَّه تعالى عنه حتّى نزلت في تحريمها ثلاثُ آياتٍ، لكنّه لا يُظنّ التزامُ الخصم به، بل ينأى بالصحابة عنه.

وأمّا التشبّث بسكوت النبيّ صلى الله عليه وآله، وعدم إنكاره على الشاربين؛ فتشبّثٌ بما هو أوهن من بيت العنكبوت، إذ من المعلوم بالضرورة أنّه عليه وآله الصلاة والسلام لا يقُرّ على منكرٍ قبيحٍ كشُرب الخمر، فتبيّن بذلك ما في الحديثين، واللَّه تعالى أعلم.

على أنّه يمكن دعوى أنّ تحريم الخمر كان معلوماً عند المسلمين بمكّة - زادها اللَّه شرفاً - فعَمَل بعض أهل المدينة على خلافه لا ينهض دليلاً على إباحة الخمر يومئذٍ.

وذلك أنّ قوله تعالى: (قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبَغْيَ بغير الحقّ) - الآية؛ ممّا نزل بمكّة قبل الهجرة، فقيل: إنّ الإثم - هنا - هو الخمر - عند الأكثرين - كما نُقل عن ابن عبّاسٍ رضى الله عنه والحسن البصريّ والشريف المرتضى رحمه اللَّه تعالى، وذكره أهل اللغة كالأصمعيّ وغيره، وأنشدوا له قول الشاعر:

نهانا رسولُ اللَّه أن نقربَ الزنا***وأن نشربَ الإثم الذي يوجب الوِزْرا

وقول الآخر:

شربتُ الإثمَ حتّى ضلَّ عقلي***كذاكَ الإثمُ يفعلُ بالعقولِ(45)

ويؤيّده ما رواه الكلينيّ(46) بإسناده عن أبي الحسن موسى بن جعفرٍعليهما السلام، فإنّ فيه الاستشهاد بهذه الآية على تحريم الخمر في الكتاب العزيز.

وبهذا ظهر أيضاً ما في القول بأن التحريم نزل ثلاثاً بالمدينة، وتبيّن سَبْق علم عليّ عليه السلام بتحريم الخمر، فكيف يُقْدم على شربها بالمدينة؟!

هذا، وقد قال المحقّقون: يمكن الاستدلال على تحريم الخمر - جزماً - بآيتي البقرة والنساء، فإنّ اللَّه تبارك وتعالى أخبر بأنّ في الخمر والميسر إثماً كبيراً، والإثم هو الكبيرة بدليل قوله: (وَمَن يكسب خطيئةً أو إثماً).

ولأنّه تعالى بيّن منافاة السُّكْر للصلاة بقوله عزّ من قائلٍ: (لا تقربوا الصلاةَ وأنتم سُكارى) والصلاة واجبة، ووجوب أحد المتنافيَيْن يستلزم تحريم الآخر، لأنّ الأمر بالشي ء يستلزم النهيَ عن ضدّه - كما قُرّر في الأصول(47)- فإن قال قائل: فَعلامَ تحمل الآيات التي نزلت في تحريم الخمر؟

قلنا: نحملها على الإرشاد إلى حكم العقل السليم بقبح شرب الخمر، ومزيد التأكيد في التحريم، وزجر من يتعاطى ذلك، دون التأسيس، لأنّها لم تكن مباحةً في شريعةٍ مّا قطُّ - كما سلف بيانه -.

وهذا نظير ما جاء من الآيات في النهي الأكيد عن الربا والزنا وغيرهما من الموبقات المحرَّمة في جميع الشرائع الإلهيّة وما ورد فيها من الوعيد الشديد.

على أنّه جاز أن يكون المراد بالسُّكْر في قوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى) سكر النعاس وغلبة النوم، كما روي عن أبي جعفرٍ الباقرعليه السلام والضحّاك، وهو إحدى الروايتين عن ابن عبّاسٍ رضى الله عنه(48)
وكيف ما كان، فحرمة الخمر ممّا تطابقت عليها الشرائع الحقّة القويمة، والعقول السليمة، والفِطَر المستقيمة، وإذا كان الأمر في الواقع كذلك، وأمنعتَ فيما ذكرناه لك إمعان المنقِّب الباحث، تحقّقت كذبَ ما عُزي إلى أشرف الخلق بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من تناوله أمَّ الخبائث، فاللَّه المستعان على ما يصفون.

 

فصل 10

والعقل السليم أيضاً قاضٍ بقبح تناول الخمر وتعاطيها؛ لمفاسدها ومضارّها، فلذلك لم يزل عُقلاء بني آدم - من حيث هم عقلاء - يجتنبونها أشدّ اجتنابٍ، فلا يقربونها ولا يحومون حولها.

ولنذكر هنا طرفاً من قبائحها، ونُبَذاً من فعلها الشنيع بشاربها؛ وفضائحها، ممّا ورد في الكتاب العزيز والسُّنة المطهّرة وكلام أهل العلم، ليزداد الذين اهتَدَوا هدىً.

قال اللَّه تعالى: (إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تُفلحون، إنّما يريد الشيطان أن يُوقعَ بينكم العداوة والبغضاءَ في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذِكْر اللَّه وعن الصلاة فهل أنتم منتهون).

قال بعض العلماء(49): في الآيتين دلائل سبعة على تحريم الخمر:

أحدهما: قوله: (رجسٌ) والرجس هو النجس، وكلّ نجسٍ حرام.

والثاني: قوله: (من عمل الشيطان) وما هو من عمله حرام.

والثالث: قوله: (فاجتنبوه) وما أمر اللَّه باجتنابه فهو حرام.

والرابع: قوله: (لعلّكم تُفلحون) وما علّق رجاء الفلاح باجتنابه فالإتيان به حرام.

والخامس: قوله: (إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاءَ في الخمر والميسر) وما هو سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين فهو حرام.

والسادس: قوله: (ويصدّكم عن ذِكْر اللَّه وعن الصلاة) وما يصدّ به الشيطان المسلمين عن ذكر اللَّه وعن الصلاة فهو حرام.

والسابع: قوله: (فهل أنتم منتهون) معناه انتهوا، وما أمر اللَّه عبادَه بالانتهاء عنه فالإتيان به حرام "اه".

وعن ابن عبّاسٍ رضى الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: اجتنبوا الخمر فإنّها مفتاح كلِّ شرٍّ، رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد(50).

وعن حذيفة قال: سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول: الخمر جِماعُ الإثم(51) .

وأخرج الطبرانيّ في "الكبير" عن ابن عبّاسٍ وابن عمر عنه صلى الله عليه وآله قال: الخمر أمّ الفواحش وأكبر الكبائر(52) .

وقال صلى الله عليه وآله: إنّ الخمر رأس كلّ إثمٍ(53)

وعن أبي عبداللَّه الصادق عليه السلام قال: الشرب مفتاح كلّ شرٍّ (54) .

وعن أبي جعفرٍ الباقر أو أبي عبداللَّه الصادق عليهما السلام قال: إنّ اللَّه جعل للمعصية بيتاً، ثم جعل للبيت باباً، ثم جعل للباب غَلَقاً، ثمّ جعل للغَلَق مفتاحاً، فمفتاح المعصية الخمر(55) .

وعن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: إنّ اللَّه جعل للشرّ أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب(56).

وعن المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: لِمَ حرّم اللَّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟ فقال: إنّ اللَّه سبحانه وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم سواه رغبةً منه فيما حرّم عليهم ولا زهداً فيما أحلّ لهم، ولكنّه خلق الخلق وَعَلِمَ ما تقوم به أبدانهم وما يُصلحهم، فأحلّه لهم وأباحه تفضّلاً منه عليهم به تبارك وتعالى لمصلحتهم، وعَلِمَ ما يضرّهم فنهاهم عنه وحرّمه عليهم، ثمّ أباحه للمضطرّ وأحلّه له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلاّ به، فأمره أن ينال منه بقدر البُلْغة لا غير ذلك.

ثمّ قال عليه السلام: وأمّا الخمر، فإنّه حرّمها لفعلها وفسادها، لأنّ مُدْمِن الخمر تورثه الارتعاش، وتذهب بنوره، وتهدم مروءَته، وتحمله على أن يجترأ على ارتكاب المحارم وسفك الدماء وركوب الزنا، ولا يُؤْمَن إذا سكر أن يثب على حرمه ولا يعقل ذلك، ولا يزداد شاربها إلاّ كلَّ شرّ(57).

وسأل زنديقٌ أباعبداللَّه عليه السلام: لِمَ حرّم اللَّه الخمر، ولا لذّة أفضل منها؟ فقال عليه السلام: حرّمها لأنّها أمّ الخبائث، ورأس كلّ شرٍّ، يأتي على شاربها ساعة يسلب لُبّه فلا يعرف ربّه، ولا يترك معصيةً إلاّ ركبها، ولا يترك حرمةً إلاّ انتهكها، ولا رحماً ماسّةً إلاّ قطعها، ولا فاحشةً إلاّ أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان، إن أَمَرَهُ أن يسجد للأوثان سجد وينقاد حيثما قاده(58) .

وعن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضاعليه السلام قال: حرّم اللَّه الخمر لِما فيها من الفساد، ومن تغييرها عقولَ شاربيها، وحملها إيّاهم على إنكار اللَّه عزّوجلّ، والفِرْية عليه وعلى رُسُله، وسائر ما يكون منهم من الفساد والقتل والقذف والزنا وقلّة الاحتجاز عن شي ءٍ من المحارم(59).

وقال المُناويّ في "فيض القدير"(60): ومن قبائحها وفضائحها - يعني الخمر - أنّها تُذْهِبُ الغيرة، وتورث الخِزْي والفضيحة والندامة، وتُلْحِقُ شاربَها بأحقر نوعِ الإنسان - وهم المجانين - وتسلبه أحسن الأسماء والصفات، وتسهّل قتلَ النفس، ومؤاخاة الشياطين، وهتك الأستار وإظهار الأسرار، وتدلّ على العورات، وتهوّن ارتكاب القبائح والجرائم، وكم أهاجت من حربٍ، وأفقرت من غنيٍّ، وأذلّت من عزيزٍ، ووضعت من شريفٍ، وسلبت من نعمةٍ، وجلبت من نقمةٍ، وفرّقت بين رجلٍ وزوجه، فذهبت بقلبه وراحت بلُبّه، وكم أورثت من حَسْرَةٍ وأجْرت من عَبْرَةٍ، وأوقعت في بليّةٍ وعجّلت من مَنِيّةٍ، وكم وكم.

قال: ولو لم يكن من فواحشها إلاّ أنّها لا تجتمع هي وخمر الجنّة في جوفٍ واحدٍ لكفى "اه".

وقال أبوالثناء شهاب الدين الآلوسيّ البغداديّ في "روح المعانيّ"(61): من مفاسد الخمر إزالة العقل الذي هو أشرف صفات الإنسان، وإذا كانت عدوّةً للأشرف لزم أن تكون أخسّ الأمور، لأنّ العقل إنّما سمّي عقلاً لأنّه يعقل - أي يمنع صاحبه عن القبائح التي يميل إليها بطبعه - فإذا شرب زال ذلك العقل المانع عن القبائح، وتمكّن إلْفُها - وهو الطبع - فارتكبها وأكثر منها، وربّما كان ضحكةً للصبيان حتّى يرتدّ إليه عقله.

قال: ومنها - أي ومن مفاسد الخمر - صدُّها عن ذِكْر اللَّه تعالى وعن الصلاة، وإيقاعها العداوة والبغضاء غالباً، وربّما يقع القتل بين الشاربين في مجلس الشراب.

ومنها: أنّ الإنسان إذا أَلِفَها اشتدّ مَيْلُه إليها، وكاد يستحيل مفارقته لها وتركه إيّاها، وربّما أورثت فيه أمراضاً كانت سبباً لهلاكه، وقد ذكر الأطبّاء لها مضارَّ بدنيّةً كثيرة، كما لا يخفى على من راجع كتب الطبّ.

وبالجملة: لو لم يكن فيها سوى إزالة العقل والخروج عن حدّ الاستقامة؛ لكفى، فإنّه إذا اختلّ العقل حصلت الخبائث بأسرها، ولذلك قال صلى الله عليه وآله: اجتنبوا الخمر فإنّها أمُّ الخبائث "انتهى".

وأنت - يا رعاك اللَّه - إذا تدبّرت ما ذُكر هنا من آفات الخمر التي لا تُحصى وفضائحها التي لا تُستقصى علمتَ أنّ العقل قاطعٌ بقبحها بالضرورة، وأنّ الفساد لازم لذاتها، فضلاً عمّا لها من أحوالٍ طبيعيّةٍ فظيعةٍ، وآثارٍ وضعيّةٍ مُنكَرةٍ شنيعةٍ.

وتلك الأمور لازمة لذات الخمر وماهيّتها منذ كانت، فلا يُعقل أن تكون قد عرضت لها بعد تحريمها، بل هي باقية معها قبل التحريم وبعده، كما أنّ منافعها - التي فُسِّر بها قوله تعالى: (ومنافعُ للنّاس) - من اللذّة والفرح وهضم الطعام وتصفية اللون وتقوية الباه وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وإعانة الضعيف؛ باقية قبل التحريم وبعده، وسَلْبها بعد التحريم ممّا لا يُعقل ولا يدلّ عليه دليل(62).

وبعبارةٍ أُخرى: إنّ مفاسد أمّ الخبائث لا تقبل التقييد، بل هي آبِيَةٌ عنه، لقطع العقل الضروريّ وجزمه بقبح شُرب الخمر وتعاطيها لِما فيها من المفاسد والمضارّ، وقد تقرّر في محلّه أنّ الأحكام العقليّة لا يتأتّى فيها التخصيص.

فمن هنا انكشف فساد دعوى أنّ الخمر كانت مباحةً في شرعنا ثمّ حُرّمت، إذ لا يَدَ للشارع - من حيث هو شارع - في وضع تلك الآثار ورفعها، كما أنّ الأمر في سائر الطبائع كذلك.

مضافاً إلى أنّه ليس في إباحة شُرْب الخمر حِكْمة تُعقل، فاشدد على هذا بيَدَيْك، وعضّ عليه بناجِذَيْك.

ثمّ - بعد هذا - كيف يسوغ لذي دينٍ وعقلٍ من المسلمين أن يتعبّد بهذه البواطيل ويعوّل على هاتيك الأباطيل التي رواها قومٌ عَمُون إمّا عن جهلٍ أو عنادٍ، ويزعم أنّ عليّاً أميرالمؤمنين عليه الصلاة والسلام - وهو هو - قد شرب الخمر وسَكَر، وقرأ في الصلاة فخلّط وهَجَر، نعوذ باللَّه من الهذيان، وبه نستجير من تسويل الشيطان.

 

فصل 11

ولقد حرّم قومٌ في الجاهليّة الخمرَ على أنفسهم، لعلمهم بعاقبتها، وعليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام أفضل من هؤلاء جميعاً وأشرف على الإطلاق - كما تقرّر في محلّه بالأدلّة العقليّة والنقليّة - فيعتيّن القول بتنزّهه واجتنابه عن تناولها.

فقد حرّمها العبّاس بن مِرْداسٍ السُّلَميّ، فإنّه قيل له: ألا تأخذ من الشراب، فإنّه يزيد في قوّتك وجرأتك؟ فقال: لا أصبح سيّدَ قومي وأُمسي سفيهها، لا واللَّه لا يدخل جوفي شي ءٌ يحول بيني وبين عقلي أبداً(63) .

وممّن حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة قيس بن عاصم بن سنان المِنْقريّ، وكان سبب ذلك أنّه غمز عُكْنَةَ ابنته وهو سكران، وسبّ أبويها، ورأى القمرَ فتكلّم بشيءٍ، وأعطى الخمّار كثيراً من ماله، فلمّا أفاق أُخْبِرَ بذلك فحرّمها على نفسه، وقال فيها أشعاراً منها قوله:

رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها***خصالٌ تُفسد الرجلَ الحليما

فلا - واللَّه - أشربها صحيحاً***ولا أشفي بها أبداً سقيما

ولا أُعطي بها ثمناً حياتي***ولا أدعو لها أبداً نديما

فإنّ الخمرَ تفضح شاربَها***وتجنيهم بها الأمرَ العظيما(64)

وممّن حرّمها أيضاً النابغة الجعديّ، فقد ذكر الحافظ ابن حجرٍ في "الإصابة"(65): أنّ أباعُبيدة معمر بن المثنّى قال: كان النابغة ممّن فكّر في الجاهليّة، وأنكر الخمر والسكر، وهجر الأزلام، واجتنب الأوثان، وذكر دين إبراهيم عليه السلام "اه".

وكان عثمان بن مظعونٍ الجُمَحِيّ أيضاً ممّن حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة، قال ابن عبدالبرّ "في الاستيعاب"(66): ذكر ابن المبارك عن عمر بن سعيد بن أبي حسينٍ، عن عبدالرحمن بن سليطٍ، قال: كان عثمانُ بن مظعونٍ أحدَ من حرّم الخمر في الجاهليّة وقال: لا أشرب شراباً يُذهب عقلي، ويضحك بي مَن هو أدنى منّي، ويحملني على أن أنكح كريمتي.

وذكر ابن عبدالبرّ في "الاستيعاب" وابن الأثير في "أُسد الغابة"(67) أنّ عثمان بن عفّان كان قد حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة.

وقد حرّمها أيضاً: عبدالمطّلب بن هاشمٍ، وعبداللَّه بن جُدْعان، وشيبة بن ربيعة، وورقة بن نَوْفَل، والوليد بن المُغِيرة، وعامر بن الظَّرِب العَدْوانيّ، ويقال: هو أوّل من حرّمها في الجاهليّة على نفسه، ويقال: بل عفيف بن معد يكرب العبديّ(68).

فإذا كان هؤلاء وغيرهم قد حرّموا الخمر على أنفسهم - وهم في جاهليّةٍ جهلاء - لعلمهم بمفاسدها وعوائدها وقبائحها وفضائحها، فَلَإنْ يحرّمها ابن أبي طالبٍ على نفسه أولى وأحرى، كيف لا وهم - بلا شكٍّ - دونه عليه السلام في تحكيم العقل ونقاء الفطرة وسلامتها، وعلوّ الشرف والكمال، والانقياد لأوامر اللَّه تعالى، والانزجار عن مناهيه، واتّباع شِرْعته ومنهاجه.

بل هو أفضل الخلق على الإطلاق بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله، إذ قد ثبت بالإجماع أنّ محمّداًصلى الله عليه وآله أفضل النبيّين وأشرف المرسلين، وثبت أيضاً بآية المباهلة وغيرها أنّه عليه السلام بمنزلة النبيّ صلى الله عليه وآله إلاّ في النبوّة، فلزم أن يكون هو أيضاً أفضل من سائر النبيّين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، فضلاً عن سائر الخلق.

فهل يحسن ممّن كان في قلبه مثقال حبّةٍ من خَرْدَلٍ من إيمانٍ أن ينسب لأبي ترابٍ فِرْيَة تناول المسكر من الشراب؟ اللّهمّ لا.

 

تنبيه :

ذكر ابن عبدالبرّ في "الاستيعاب"(69) أنّ عبدالرحمن بن عوفٍ كان ممّن حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة، ولعلّ ذلك لعدم اعتداده بما رواه أصحاب السنن الثلاثة وغيرهم - كما مرّ - لكنْ قال ابن الأثير: فيه نظرٌ(70)، ووجهه لا يخفى.

وقد عَدُّوا أبابكرٍ عبداللَّه بن أبي قحافة أيضاً فيمن حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة والإسلام، فروى ابن عبدالبرّ في "الاستيعاب"(71).

عن سفيان بن حسينٍ، عن الزهريّ قال: سألني عبدالملك بن مروان فقال: أرأيتَ هذه الأبياتِ التي تُروى عن أبي بكرٍ؟ فقلت له: إنّه لم يقُلْها، حدّثني عروة عن عائشة: أنّ أبابكرٍ لم يقل بيتَ شعرٍ في الإسلام حتّى مات، وأنّه كان قد حرّم الخمر في الجاهليّة هو وعثمان "اه".

قلت: هذا لم يثبت، فإنّ سفيان قد تكلّموا في روايته عن الزهريّ، قال ابن معينٍ: حديث سفيان بن حسينٍ عن الزهريّ ليس بذاك، إنمّا سمع منه في الموسم، وقال أحمد: ليس بذاك في حديثه عن الزهريّ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ إلاّ في الزهريّ، وقال ابن عَديٍّ: هو في غير الزهريّ صالح، وفي الزهريّ يروي أشياء خالف الناس، وقال ابن حبّان في "الثقات": روايته عن الزهريّ فيها تخاليط، يجب أن يُجتنب، وهو ثقة في غير الزهريّ، وقال في "الضعفاء": يروي عن الزهريّ المقلوبات(72) .

وأخرج أبو نعيم في "الحلية"(73) قال: حدّثنا أبوبكرٍ الآجريّ وأبوإسحاق بن حمزة قالا: حدّثنا عبداللَّه بن أبي داود، حدّثنا عبّاد بن زيادٍ الساجيّ، حدّثنا ابن أبي عَديٍّ، حدّثنا شعبة، عن محمّد بن عبدالرحمن بن(74) أبي الرجال، عن عَمْرةَ، عن عائشة قالت: حرّم أبوبكر الخمْرة على نفسه فلم يشربها في جاهليّةٍ ولا إسلامٍ، وذلك أنّه مرّ برجلٍ سكران يضع يده في العَذرة ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صرف عنها، فقال أبوبكرٍ: إنّ هذا لا يدري ما يصنع وهو يجد ريحها فحماها(75) .

قال أبونعيمٍ: غريبٌ من حديث شعبة، لم نكتبه إلاّ من حديث عبّاد بن أبي عديٍّ(76).

وفي إسناده: عبّاد بن زياد بن موسى الأسديّ الساجيّ: قال أبوداود: كان يُتّهم بالقَدَر، وقال موسى بن هارون تركتُ حديثه، وقال ابن عديٍّ: له أحاديث مناكير في الفضائل(77) .

وفيه أيضاً: رواية شعبة عن محمّد بن عبدالرحمن، وهو وَهَمٌ، لأنّ شعبة لم يَرْوِ عن أبي الرجال شيئاً - كما قال الخطيب - (78) هذا، وقد تقدّم في رواية ابن المنذر عن عكرمة أنّ أبابكرٍ وعمر كانا ممّن شرب الخمر قبل تحريمها.

وأخرج الفاكهيّ في "كتاب مكّة" عن يحيى بن جعفرٍ، عن علي بن عاصمٍ، عن عوف بن أبي جميلة، عن أبي القموص قال: شرب أبوبكرٍ الخمر في الجاهليّة(79) فأنشأ يقول: - وذكر أبياتاً - فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقام يجرّ إزاره حتّى دخل فتلقّاه عمر - وكان مع أبي بكرٍ - فلمّا نظر إلى وجهه مُحْمَرّاً قال: نعوذ باللَّه من غضب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله، واللَّه لا يلج لنا رأساً أبداً، فكان أوّل من حرّمها على نفسه(80) وقد اعتمد نفطويه على هذه الرواية فقال: شرب أبوبكرٍ الخمر قبل أن تحرّم، ورثى قتلى بدرٍ من المشركين(81).

لكنّ الحافظ ابن حجرٍ رامَ تنزيه أبي بكرٍ عن ذلك فقال: أبوبكرٍ هذا يقاله له: ابن شغوب، فظنّ بعضهم أنّه أبوبكرٍ الصدّيق، وليس كذلك، ثم لم يلبث أن اعترف بأنّه هو فقال: لكنّ قرينه ذِكْر عمر تدلّ على عدم الغلط في وصف الصدّيق(82) .

والحقّ يُنطِقُ منصفاً وعنيد

 

الخاتمة :

وإذ بيّنّا لك بطلانَ هذا الحديث من جهة الصناعة، فاعلم أنّ الحاكم النيسابوريّ قد أشار - وكفى به حَكَماً عَدْلاً - إلى بطلان هذه القصّة في "المستدرك على الصحيحين"(83) فقال: أخبرنا محمّد بن عليّ بن دحيمٍ الشيبانيّ، حدّثنا أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، حدّثنا أبونعيمٍ وقبيصة قالا: حدّثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبدالرحمن، عن عليّ عليه السلام قال: دعانا رجلٌ من الأنصار قبلَ تحريم الخمر، فحضرت صلاة المغرب فتقدّم رجلٌ فقرأ (قُل يا أيّها الكافرون) فالتبس عليه فنزلت: (لا تقربوا الصلاةَ وأنتم سُكارى حتّى تعلموا ما تقولون) - الآية، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، وأقرّه الذهبيّ على تصحيحه.

ثمّ قال الحاكم: وفي هذا الحديث فائدة كبيرة، وهي أنّ الخوارج تنسب هذا السُّكْر وهذه القراءة إلى أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام دون غيره، وقد برّأه اللَّه منها، فإنّه راوي هذا الحديث "اه".

قلت: والذي يهوّن الخطب ويسهّل الأمر أنّ شانئي أميرالمؤمنين عليه السلام ومبغضيه - قبّحهم اللَّه وأخزاهم - قد وضعوا في ذمّه ما هو أعظم من هذه الأكذوبة وأشنع، ورَمَوه بما هو أنكى من هذه الفِرية وأفظع - وإن كانت هي أيضاً عظيمة -.

فقد روى عبدالرزّاق عن مَعْمَرٍ قال: كان عند الزُّهريّ حديثان عن عروة عن عائشة في عليّ عليه السلام، فسألته عنهما، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما؟ اللَّه أعلم بهما، إنّي لأتّهمهما في بني هاشمٍ(84) .

فروى الزهريّ أنّ عروة بن الزبير حدّثه، قال: حدّثتني عائشة قالت: كنتُ عند رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إذ أقبل العبّاس وعليٌّ، فقال: يا عائشة، إنّ هذين يموتان على غير ملّتي، أو قال: ديني.

وروى الزهريّ أيضاً عن عروة أن عائشة حدّثته، قالت: كنتُ عند النبيّ صلى الله عليه وآله إذ أقبل العبّاس وعليٌّ فقال: يا عائشة، إن سَرَّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرتُ فإذا العباس وعليّ بن أبي طالبٍ(85) .

وحكى الحافظ ابن حجرٍ بترجمة حَريز بن عثمان الرحبيّ الحمصيّ من "تهذيب التهذيب"(86)
عن إسماعيل بن عيّاشٍ قال: سمعتُ حَريز بن عثمان يقول: هذا الذي يرويه النّاس عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال لعليٍّ: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى" حقّ، ولكن أخطأ السامع، قلت: فما هو؟ فقال: إنّما هو: "أنتَ منّي بمنزلة قارون من موسى" قلت: عمّن ترويه؟ قال: سمعت الوليدَ بن عبدالملك يقوله على المنبر.

وحكى الأزديّ في "الضعفاء"(87): أنّ حَريز بن عثمان روى أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لمّا أراد أن يركب بغلته جاء عليّ بن أبي طالبٍ فحلّ حِزام البَغْلة ليقع النبيّ صلى الله عليه وآله.

قال الأزديّ: من كانت هذه حاله لا يُروى عنه.

وقال ابن عَدِيٍّ في "الكامل"(88): قال يحيى بن صالحٍ الوحاظيّ: أملى عليَّ حريز بن عثمان عن عبدالرحمن بن ميسرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله حديثاً في تنقيص عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام لا يصلح ذِكْره، حديث مُعْتَلٌّ مُنْكَر جدّاً، لا يروي مثله مَن يتّقي اللَّه، قال الوحاظيّ: فلمّا حدّثني بذلك قمتُ عنه وتركته "اه".

ثمّ اعجب من قومٍ يصفون هذا الكذّاب الأشِرَ الزَّنيمَ الخبيثَ - الذي كان يلعن عليّاًعليه السلام بالغداة سبعين مرّةً وبالعشيّ مثلَها - بالثقة وصحّة الحديث، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون.

وبالجملة، فالنواصب والخوارج لم يأْلوا جُهداً في الحطّ على أميرالمؤمنين وسيّدالوصيّين والوقيعة فيه والنّيْل منه، وحديث تناوله الخمر من هذا القبيل، كما لا يخفى على من أنارَ اللَّه قلبَه وأوْضَح له السبيل، فحسبنا اللَّه ونعم الوكيل.

وللَّه دَرُّ من قال:

عليٌّ على الإسلام والدّين قد نشا***ولا عَبَدَ الأوثانَ قطُّ ولا انْتَشا

وقد عَبَدَ الرحمنَ طفلاً ويافِعَاً***وذلك فضلُ اللَّهِ يُؤْتيهِ مَن يَشا(89)

وكان الفراغ من هذا الجزء عصرَ يوم الأربعاء ثامن عشر شهر ذي الحجّة الحرام سنة إحدى وعشرين وأربعمائةٍ وألفٍ من الهجرة النبويّة المباركة، بدار العلم ومَعْقِل الإيمان، بلدة "قم" الطيّبة صانها اللَّه عن طوارق الحدثان وحفّها بالرخاء والأمان؛ على يد الفقير إلى اللَّه تعالى خادم الحديث الشريف والسُّنّة المطهّرة الحسن بن صادق بن هاشمٍ الحسينيّ آل المجدِّد الشيرازيّ، ختم اللَّه له بالخيرْ، ودفع عنه كلَّ بُؤْسٍ وضَيْر، حامداً مصلّياً مسلِّماً.

***

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الدرّ المنثور: 252/1، وصحّحه عليّ بن المدينيّ أيضاً - أنظر: فتح الباري: 129/8.

2 ـ تاريخ الخلفاء: 123 - 122، الصواعق المحرقة: 99.

3 ـ الترغيب والترهيب: 249/3.

4 ـ الترغيب والترهيب: 252/3.

5 ـ الترغيب والترهيب: 261/3.

6 ـ الترغيب والترهيب: 1/ 145- 3/ 253.

7 ـ تاريخ الخلفاء: 171.

8 ـ تاريخ الخلفاء: 166.

9 ـ الترغيب والترهيب: 250/5.

10 ـ الترغيب والترهيب: 3/ 249-250.

11 ـ الترغيب والترهيب: 260/3.

12 ـ فضائل الخمسة من الصحاح الستّة: 3/ 126-127.

13 ـ الترغيب والترهيب: 262/3.

14 ـ الترغيب والترهيب: 262/3.

15 ـ الترغيب والترهيب: 261/3.

16 ـ الترغيب والترهيب: 261/3.

17 ـ الترغيب والترهيب: 3/ 258-262-264-265.

18 ـ الترغيب والترهيب: 265/3.

19 ـ الترغيب والترهيب: 266/3.

20 ـ الأصول الستّة عشر - أصل زيد النرسيّ: 58 - مستدرك الوسائل: 43/17.

21 ـ الكافي: 395/6.

22 ـ الكافي: 148/1 - عيون أخبار الرضاعليه السلام: 15/2 - التوحيد: 333 - تفسير القمّي: 194/1.

23 ـ أمالي الصدوق: 339 كتاب الأوائل للسيوطيّ.

24 ـ كنز العرفان في فقه القرآن: 307/2.

25 ـ التنقيح الرائع لمختصر مختصر الشرائع: 368/4.

26 ـ شرح صحيح مسلم: 213/8.

27 ـ مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: 186/4.

28 ـ شرح صحيح مسلم: 219/8. "اه".

29 ـ مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: 186/4.

30 ـ مسند أحمد: 351/2.

31 ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 87/3 -مغني المحتاج: 186/4.

32 ـ فتح الباري: 34/10 - نيل الأوطار: 193/8.

33 ـ فتح الباري: 34/10.

34 ـ روح المعاني: 112/2.

35 ـ أُسْد الغابة في معرفة الصحابة: 320/6.

36 ـ فتح الباري: 128/8-34/10، وانظر: الغدير في الكتاب والسنّة والأدب: 102/7.

37 ـ صحيح البخاري: كتاب الوصايا - باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب، صحيح مسلم.

38 ـ أبوهريرة: 148.

39 ـ صحيح مسلم بشرح النوويّ: 1/ 275-276، كتاب الإيمان: باب الدليل على صحّة إسلام من حضره الموت... إلخ.

40 ـ أبوهريرة: 145.

41 ـ مسند أبي داود الطيالسيّ: 264 - نيل الأوطار: 8/ 191-292.

42 ـ تهذيب التهذيب: 87/5.

43 ـ تاريخ بغداد: 358/8 - الدرّ المنثور: 252/1.

44 ـ الكافي: 6/ 406-406.

45 ـ تلخيص الحبير: 72/4 - مغني المحتاج: 186/4 - روح المعاني: 112/8.

46 ـ الكافي: 406/6.

47 ـ كنز العرفان: 305/2.

48 ـ روح المعانيّ: 38/5 - جامع البيان: 62/5.

49 ـ مرقاة المفاتيح: 115/4 - فتح الباري: 34/10 - إرشاد الساري: 311/8.

50 ـ الترغيب والترهيب: 3/ 257-258.

51 ـ الترغيب والترهيب: 257/3.

52 ـ الجامع الصغير: 252 ح4141 و4142.

53 ـ الكافي: 6/ 402-403.

54 ـ الكافي: 403/6 - علل الشرائع: 476 - وسائل الشيعة: 315/25.

55 ـ الكافي: 403 - وسائل الشيعة: 314/25.

56 ـ الكافي: 403/6.

57 ـ الكافي: 243/6 - علل الشرائع: 476.

58 ـ الاحتجاج: 347 - 346.

59 ـ علل الشرائع: 476 - 475.

60 ـ فيض القدير - شرح الجامع الصغير: 3/ 507-508.

61 ـ روح المعاني: 114/2 - الزواجر عن اقتراف الكبائر: 2/ 247-248.

62 ـ روح المعاني: 114/2.

63 ـ الاستيعاب: 103/3 - أُسد الغابة: 169/3 - الإصابة في تمييز الصحابة: 272/2 - روح المعاني: 111/2.

64 ـ الاستيعاب: 333/3 - أُسد الغابة: 433/4 - الإصابة: 253/3.

65 ـ الإصابة في تمييز الصحابة: 538/3.

66 ـ الاستيعاب: 86/3 - أُسد الغابة: 599/3.

67 ـ الاستيعاب: 103/3، 257/2، أُسد الغابة: 169/3.

68 ـ الاستيعاب:103/3 - أُسد الغابة: 169/3.

69 ـ الاستيعاب: 103/3.

70 ـ أُسد الغابة: 169/3.

71 ـ الاستيعاب: 257/2.

72 ـ تهذيب التهذيب: 2/ 350-351.

73 ـ حلية الأولياء: 160/7.

74 ـ كذا في الحلية، والصواب: أنّ أباالرجال لقب لمحمّد بن عبدالرحمن بن حارثة بن النعمان - كما في تهذيب التهذيب: 190/5 - فتكون كلمة "ابن" زائدة.

75 ـ كذا في الحلية، وفي 'تقريب البُغية': 296/2 - فحرّمها.

76 ـ كذا في الحلية، والصواب: عبّاد عن ابن أبي عديٍّ، فإنّ عبّاداً - هذا - هو ابن زياد بن موسى الأسديّ الساجيّ، وابن أبي عديٍّ هو محمّد بن إبراهيم بن أبي عديّ، فتنبّه.

77 ـ تهذيب التهذيب: 65/3.

78 ـ تهذيب التهذيب: 190/5.

79 ـ هذا لا يوافق ما بَعْدَه، فتأمّل.

80 ـ الإصابة: 22/4 - جامع البيان: 211/2 - نوادر الأصول: 66.

81 ـ الإصابة: 22/4. "اه".

82 ـ فتح الباري: 41/10. "اه".

83 ـ المستدرك على الصحيحين: 307/2 - كتاب التفسير.

84 ـ شرح نهج البلاغة: 64/4.

85 ـ شرح نهج البلاغة: 4/ 63-64.

86 ـ تهذيب التهذيب: 466/1.

87 ـ تهذيب التهذيب: 467/1.

88 ـ الكامل في ضعفاء الرجال: 453/2 - تهذيب التهذيب: 467/1.

89 ـ الصراط المستقيم لمستحقّي التقديم: 188/1.