إفحام الأعداء والخصوم

بتكذيب ما افتروه على سيدتنا أم كلثوم عليها سلام الملك الحي القيوم

 

 يعتبر هذا السفر القيم من البحوث الهامة التي تناولها المؤلف.. بالدراسة والتحقيق والتمحيص والتدقيق، ودرس رجال السند والرواية على ضوء الجرح والتعديل، والكتاب في الوقت نفسه يعرب عن تقدم مؤلفه في الحديث والرجال، وعن علمه الجم، وفضله الكثار، وغيرته وحرصه على السنة النبوية، وتهذيب الحديث عما يعيبه ويشينه ليبقى طيبا صحيحا مدى الحياة بعيدا عن الأختلاق والدس والتلاعب.

 أجل كان المؤلف حريصا على الحديث النبوي، لأن هناك فئات مبثوثة في الملا كلها لا تأتي مأربهم من زبرج الدنيا إلا بزخرف القول وكذب الحديث، وتعمية الأميين من الناس وسوقهم إلى معاسف السبل ومعاميها، ولولا تهديد المولى سبحانه عباده بقوله: ما يلفظ من قول إلا لدية رقيب عتيد (1) ولولا الإنذار النازل في كتاب الله على كل كذاب أفاك أثيم لما كان يسمع لأحد من هؤلاء الكذابين الدجالين إن يكذب أكثر مما كذب، أو يأتي بأمر لم يأت به، فكل منهم أكذب من خرافة ومجيبة (2).

 ولعل القارئ يستكثره أو يستعظمه ذاهلا عن أن وضع الحديث والكذب على النبي الأعظم وعلى الثقات من الصحابة الأولين والتابعين لهم بأحسان لا ينافي عند كثير من القوم الزهد والورع وأتصاف الرجل بالتقوى، بل هو شعار الصالحين ويتقربون به الى المولى سبحانه، ومن هناك قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث (3)، وعنه: ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه في من ينسب الى الخير والزهد (4)


 

(1) سورة ق: 50 .

(2) الغدقير 5: 209.

(3) تاريخ بغداد 2: 98.

(4) اللئالى المصنوعة 2: 470.

 


 

[42]

ومهما يكن من أمر فقد تناول المؤلف السيد ناصر حسين، رضي الله عنه..

 هذه الفرية والأسطورة بالتمحيص والنقد من شتى الجوانب العلمية والأدبية، وتوجد منه عدة نسخ خطية في خزائن الكتب العامة في العراق والهند وايران.

 ولجلالة الموضوع، ومتانة البحث، ورصانة الدراسة، طلب إلي تفضلا بعض العلماء والأساتذة والعاملين في حقلي التنقيب والتحقيق، تصحيح الكتاب وتطبيق ومقابلة نصوصه مع المراجع التي أعتمد عليه المؤلف كتابه هذا متنا ولفظا.

 ووضع فهارس فنية وعلمية له الى جانب ترجمة الرواة والأعلام لأن الطريقة هذه لاشك تعين القارئ على الوصول الى النتيجة بسهولة..

 وتكرر طلبهم الكريم، وزادت رغبتهم ثقة منهم بحيث لم أتمكن من التخلص..

 رغم المعاذير الأدبية وتراكم مشاغلي الفكرية، وأخيرا بتوفيق من الله العلي القدير. وتسديد منه سبحانه وتعالى.

 أنصرفت الى تحقيق رغباتهم، وتصحيح الكتاب بالنهج المطلوب، والشكل المقصود.

 هذا مع الأعتراف أنني لم أحرز الكمال في أقامة النص، وأن في تحقيقي هذا من العثرات والتقصير والهفوات ما لا تخفى على القارئ، لأن الكمال لله وحده..

 غير أنني بذلت طاقتي وصرفت كفايتي، والذي أعانني في تصحيح الكتاب، وسهل لي المشاق وقرب لي الطريق أن في الكتاب هذا، كسائر مؤلفات السيد..

 حسنة تذكر لمؤلفه الكريم، وذلك أنه على عادة المؤلفين القدماء والباحثين، لا يذكر حديثا ولا نظرية، ولا قوله ولا جمله إلا عراه وأسنده الى صاحبه، فكنت أرجع الى نصوص الكتاب وأقابلها مع بقية المراجع، وإن كان في هذا كثير من الأحايين مهمة صعبة، لعدم وفور المراجع والمصادر العربية في مكتبات طهران.

 ومهما يكن من أمر، ومع وجود العوائق تمكنت في تطبيق الكثير من نصوص الكتاب، ووضعت في الهامش مواطن الاقتباس والمراجع التي وقعت لي، كما رجعت بأبيات الشعر الواردة فيه الى الكتب الأدبية، وهكذا عملي بالآيات القرانية والأحاديث النبوية ففد عدت إلي مضانها في المصحف وكتب الأحاديث، وأنهيته


 

[43]

بفهارس شتى ليزداد قيمة ويقرب منالا.

 ولا أنسى لطف الأخ الوجيه الأستاذ علي نجل الخطيب المبجل الشيخ موسى الدبستاني النجفي صاحب مؤسسة مكتبة - نينوى - في طهران -، إذ كان له الفضل في ظهور الكتاب الى حيز الوجود والمطالعة، بالشكل الذي تراه، فقد بادر الى تلقف الكتاب بأيمان وإخلاص ليدفع به الى المطبعة، فأسدى بذلك الى السنة النبوية برا عاجلا.. وللعقيدة يدا مشكورة..

 فله مني ومن المكتبة العربية، والتراث الأسلامي بالغ الشكر وعظيم الأمتنان.

 هذا وشكري الجزيل وتقديري المتواصل لأدارة مكتبة آية الله العظمى السيد النجفي المرعشي - دام الله ظله الوارف..

 العامة في قيم سيما العلامة السيد محمود المرعشي النجفي والأستاذ حيدر الواعظي الحائري، فقد وفروا لي الكثير من المصادر التي رجعت إليها في تحقيق الكتب، وسمحت لي بالمطالعة والبحث في أي ساعة من غير شرط وقيد.

 وأخيرا وفي الوقت الذي أقدم هذا الجهد..

 أرجو أن أكون قد أصبت من النجح في تحقيق الكتاب ما يرضي الله ورسوله (ص) والله أسأل أن يرزقني الإخلاص والسداد في القول والفكر والعمل.. وأن يتقبل هذا لوجهه خالصا.. وأن يوفقنا لما فيه الخير.. وسبحانه الموفق الى السراط المستقيم..

 أبو علي محمد هادي الأميني عفى الله عنه وعن والديه


 

[45]

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي نصر أوليائه، وقهر أعدائه، وأعز أحبائه، وأخزى خصمائه، وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة عبد موقن طيب بها حياته، وبقائه، وصفا بها إخلاصه، ووفائه، وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد، الذي أعطاه الله مجده، وبهائه حتى فاق رسله، وأنبيائه وعلى آله الطيبين الطاهرين، الذين جعلهم الله أمنائه، ونجبائه، وصيرهم أودائه، وأصفيائه.

 أما بعد..

 فقد سألت أيدك الله الجليل، بلطفه الجميل، أن أبين لك عوار (1) مالهج به غواة المتشبثين بالأعاليل، المحتالين بالاضاليل، في أمر زواج سيدتنا أم كلثوم عليها الآف السلام، من الحي القيوم، وأفصل لك بعض ما عندي من الحقائق المذخورة، في معادن العلوم المبطلة، لدعاوي الأعداء والخصوم، وأنا مجيبك فيما سألت مراعيا للإيجاز والاختصار، معرضا عن الأطناب الممل، ذوي البصائر والأبصار، ومن الله أستمد في هذا الباب مستميحا لكرمه وفضله، إنه هو المنعم الوهاب.

 ولنقدم قبل الكلام على روايات المخالفين وأخبارهم، في هذا الباب، وتهالكهم على الأفتراء، والبهة والكذاب.

 


 

 (1) العواد: العيب. الخرق والشق في الثوب.

 


 

[46]

مقدمة فيها بيان بعض الأدلة الدالة على بطلان دعوى وقوع هذا العقد، حتى يكون الناظر على بصيرة ويقين، وينكشف له جلية الحال في هوان كل خبر ويستبين.

 فنقول: إن من الأدلة الدالة على عدم وقوع هذا العقد قوله تعالى: ولكم في رسول الله اسوة حسنة (1) وبيان ذلك أن رسول الله (ص) رد أبا بكر، وعمر، حين خطب كل واحد منها فاطمة الزهراء (ع)، فالواجب على علي (ع) أن لا يزوج عمر بنته، ويرد من رده رسول الله (ص) اقتفاءا لأثره، واتباعا لسنته.

 أما رد رسول الله (ص) أبا بكر، وعمر، خطبتهما فلا يخفى على المتتبع الخبير، ولكن نذكر همسنا طرف من عبارات كتب القوم، ففي الطبقات لابن سعد البصري (2): وأخبرنا مسلم بن ابراهيم، حدثنا المنذر بن ثعلبة، عن علباء بن أحمر اليشكري، أن أبا بكر خطب فاطمة الى النبي (ص) فقال: يا أبا بكر انتظر بها القضاء، فذكر ذلك أبو بكر، لعمر فقال له عمر: ردك يا أبا بكر، ثم إن أبا بكر قال لعمر: أخطب فاطمة الى النبي (ص) فخطبها.

 فقال له مثل ما


 

 (1) سورة الأعراب: 21 (2) أبو عبد الله محمد بن سعد الزهري كاتب الواقدي وصاحب الطبقات المتوفى 230، كان كثير العلم غزير الحديث والروية. الكنى والالقاب 1: 306. معجم المؤلفين 10: 21 الوافي بالوفيات 3: 88. شذرات الذهب 2: 69.

 


 

[47]

قال لأبي بكر، انتظر بها القضاء فجاء عمر الى أبي بكر فأخبره فقال له: ردك يا عمر ثم إن أهل علي قالوا لعلي إخطب فاطمة الى رسول الله (ص) فقال: بعد أبي بكر وعمر فذكروا له قرابته من رسول الله (ص)، فخطبها فزوجه النبي (ص) فباع علي بعيرا له وبعض متاعه، فبلغ أربعمائة وثمانون، فقال له النبي (ص) اجعل ثلاثين في الطيب، وثلثا في المتاع (1).

 وفي مسند أحمد بن حنبل الشيباني (2) على ما نقل عنه حدثنا عبد الله بن حنبل، قال: حدثنا أبو عمر محمد بن محمود الاصفهاني قال: حدثنا خشرم قال: حدثنا الفضل ابن موسى الشيباني عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أن أبا بكر، وعمر خطبا الى النبي (ص) فاطمة فقال: أنها صغيرة، فخطبها علي فزوجها منه (2).

 وقال ابن الأثير الجزري (4) في أسد الغابة، في ترجمة فاطمة (ع) أخبرنا أبو احمد عبد الوهاب بن علي الصوفي أخبرنا أبو الفضل بن ناصر، أخبرنا الخطيب ابن أبي الصقر الأنباري، أخبرنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب احمد بن يحيى الصوفي، أخبرنا إسماعيل بن ابان، أخبرنا أبو مريم، عن أبي اسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: خطب أبو بكر وعمر يعني فاطمة الى رسول الله (ص) فأبى رسول الله (ص) عليهما، فقال عمر أئت لها يا علي فقلت: مالي من شئ إلا درعي أرهنها، فزوجه رسول الله (ص) فاطمة فلما بلغ ذلك فاطمة بكت، قال، فدخل عليها رسول الله (ص) فقال: مالك تبكين يا فاطمة فوالله لقد انكحتك


 

 (1) الطبقات الكبرى 8: 19.

 (2) أبو عبد الله أحمد بن محمد حنبل الشيباني المرزوي البغدادي المتوفي 241، واربع الأئمة الأربعة السنية.

 معجم المؤلفين 2: 96.

 (3) مسنده احمد 5: 359.

 (4) عز الدين علي بن أبي الكرم محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير المتوفى.

 63. البداية 13: 139. الطبقات الشافعية 5: 127 مرآة الجنان 4: 70 هدية هدية العارفين 1: 706. تذكرة الحفاظ 4: 185.

 


 

[48]

اكثرهم علما وأفضلهم حلما، وأولهم سلما (1) وقال المحب الطبري (2) في الرياض النضرة: عن انس بن مالك رضي الله عنه قال جاء أبو بكر الى النبي (ص) فقعد بين يديه فقال يا رسول الله قد علمت منا صحبتي وقدمي في الأسلام، وأني واني قال وما ذاك قال: تزوجني فاطمة فسكت عنه قال: فرجع أبو بكر الى عمر فقال: هلكت وأهلكت قال: وما ذاك ؟ قال: خطبت فاطمة الى النبي (ص) فأعرض عني، قال، مكانك حتى أتى النبي (ص) فأطلب مثل الذي طلبت فأتى عمر النبي (ص) فقعد بين يديه، فقال: يارسول الله (ص) قد علمت منا صحبتي وقدمي في الأسلام وإني وإني..

 قال: وما ذاك ؟ قال: تزوجني فاطمة، فسكت عنه فرجع الى أبي بكر فقال: إنه ينتظر أمر الله بها، قم بنا الى علي حتى نأمره يطلب مثل الذي طلبنا (3) الى آخر الحديث.

 وقال: بعد سياق الحديث بتمامه، أخرجه حاتم.

 وقال المحب الطبري أيضا في الرياض النضرة: وعن بريدة - 24 - رضي الله عنه قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة، فقال رسول الله (ص) إنها صغيرة، فخطبها علي فزوجها منه، أخرجه أبو حاتم والنسائي (4).

 وقال المحب الطبري أيضا، في الرياض النضرة: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خطب أبو بكر الى النبي (ص) ابنته فاطمة، فقال (ص): يا أبا بكر لم ينزل القضاء بعد، ثم خطبها عمر مع عدة من قريش كلهم يقول لهم مثل قوله، لأبي بكر.

 الى آخر الحديث، وقال بعد سياق الحديث بتمامه: أخرجه أبو


 

 (1) أسد الغابة 5: 520.

 (2) محب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري المكي الشافعي المتوفى 649. الشذرات 5: النجوم الزاهرة 8: 74. تذكرة الحفاظ 4: 255. طبقات الشافعية 5: 8.

 (3) الرياض النضرة 2: 183. ذخائر العقبى: 29. فضائل الخمسة 2: 133.

 (4) الرياض النضرة: 180.

 


 

[49]

الخير القزويني الحاكمي (1).

 وقال المحب الطبري: في ذخائر العقبى، وعن أنس رضى الله عنه قال: جاء أبو بكر رضي الله عنه، ثم عمر رضي الله عنه، يخطبان فاطمة (ع).

 فسكت ولم يرجع اليهما شيئا، فأنطلقا الى علي رضي الله عنه، يأمرانه بذلك، الى آخر الحديث، وقال بعد سياق الحديث بتمامه: أخرجه أبو حاتم (2).

 وقال المحب الطبري أيضا في ذخائر العقبي: عن أنس بن مالك، قال: خطب أبو بكر رضي الله عنه الى النبي (ص) أبنته فاطمة فقال (ص): يا أبا بكر لم ينزل القضاء بعد، ثم خطبها عمر مع عدة من قريش كلهم يقول له مثل قوله لأبي بكر، الى آخر الحديث (3).

 وقال محب الدين الخطيب، في المشكاة: عن بريدة قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة فقال رسول الله (ص): أنها صغيرة ثم خطبها علي فزوجها منه، رواه النسائي (4).

 وقال نور الدين السمهودي (5) في جواهر النقدين، في الذكر الثامن من القسم الثاني، عند ذكر حديث تزويج النبي (ص) عليا بفاطمة (ع): وأورده أبو داود السجستاني، بسنده من طريق قتادة، عن الحسن، عن أنس، قال: أتى أبو بكر رضي الله عنه، النبي (ص) فجلس بين يديه فقال: يارسول الله (ص) قد علمت نصيحتي وقدومي في الأسلام واني واني..

 قال: وما ذاك قال: تزوجني عمر فقال: هلكت وأهلكت قال: وماذاك ؟ قال: خطبت فاطمة الى النبي (ص) فأعرض عني قال: فانتظر حتى آتيه، فأسأل مثل ما


 

 (1) الرياض النضرة 2.

(2) ذخائر العقبى: 29.

(3) ذخائر العقبى: 30 .

(4) كفاية الطالب: 298.

(5) نور الدين علي بن عبد الله بن أحمد الحسيني الشافعي القاهري نزيل المدينة والمتوفى 911. كان محمد المدينة ومؤرخها. الضوء اللامع 5: 245. البدر الطالع 1: 470. هدية العارفين 1: 470 كشف الظنون: 210 194، 614، 758، 1046، 1119، 1151، 1896، 2016، 2017.


 

[50]

سألت، فأتى عمر رضي الله عنه النبي (ص) فقعد بين يديه فقال: يارسول الله (ص) قد علمت مناصحتي وقدمي في الأسلام واني واني، قال: وماذاك ؟ قال: تزوجني فاطمة فسكت عنه، فرجع الى أبي بكر فقال: أنه ينتظر أمر الله بها، قم بنا الى علي حتى نأمره يطلب مثل الذي طلبنا، قال علي (ع): فأتياني وأنا أعالج فسيلا (1) لي، فقالا: إنا جئناك من عند أبن عمك بخطبة، قال علي (ع): فنبهاني لأمر فقمت أجر ردائي حتى أتيت النبي (ص) فقعدت بين يديه فقلت: يارسول الله (ص) قد علمت قدمي في الأسلام ومناصحتي واني واني..

 قال: وماذاك ؟ قلت: تزوجني فاطمة، قال: وما عندك ؟ قلت: فرسي وبزتي (2) قال: أما فرسك فلا بد لك منها، وأما بزتك فبعها، قال فبعتها بأربعمائة وثمانين، قال: فجئت بها حتى وضعتها في حجر رسول الله (ص) فقبض منها قبضة فقال: أي بلال أبغنا بها طيبا وأمرهم أن يجهزوها، فحمل لها سريرا مشرطا بالشرائط، ووسادة من ادم حشوها ليف، وقال لعلى (ع) إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى آتيك، فجاءت مع أم اليمن حتى قعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله (ص) فقال: هاهنا أخى ؟ قالت أم اليمن أخوك وقد زوجته أبنتك ؟ قال: نعم: ودخل رسول الله (ص) البيت فقال لفاطمة: أئتني بماء فقامت الى قعب في البيت فأتت به بماء فأخذه النبي (ص) مج فيه ثم قال: تقدمي فتقدمت فنضح بين ثدييها وعلى رأسها وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، ثم قال لها: أدبري فأدبرت فصب بين كتفيها وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، ثم قال رسول الله (ص) أئتوني بماء، قال علي: فعلمت الذي يريد فقمت فملأت القعب ماء وأتيته به فأخذه ومج فيه، ثم قال لي: تقدم فصب على رأسي وبين ثديي وقال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم، ثم قال: أدبر فأدبرت فصب بين كتفي، وقال: اللهم أني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم ثم قال


 

 (1) الفسيل: النخل الصغير وكل عود يطع من شجرته.

 (2) وفي رواية: ما عندي إلا درعي الحطيمة.

 


 

[51]

لعلي: أدخل بأهلك بسم الله والبركة (1).

 وقال إبن حجر أيضا (2) في الصواعق، في هذا الباب تحت ذكر الآية الثانية عشر، وأخرج أبو داود السجستاني، إن أبا بكر خطبها فأعرض عنه (ص) ثم عمر فأعرض عنه فأتيا عليا فنبهاه الى خطابتها فجاء فخطبها فقال (ص): ما معك ؟ فقال: فرسي وبدني، قال: أما فرسك فلا بد لك منه، وأما بدنك فبعها وأئتني بها فباعها بأربعمائة وثمانين ثم وضعها في حجره فقبض منها قبضة وأمر بلالا أن يشتري بها طيبا ثم أمرهم أن يجهزوها، فعمل لها سرير مشروط ووسادة من أدم حشوها ليف، وملأ البيت كثيبا يعني رملا، وأمر ام اليمن أن تنطلق الى أبنته، وقال لعلي: لا تعجل حتى آتيك، ثم أتاهم (ص) فقال لأم أيمن: ههنا اخي ؟ قالت: اخوك: وتزوجه ابنتك ؟ قال: نعم، فدخل على فاطمة ودعا بها فأتته بقدح فيه ماء فمج فيه ثم نضح على رأسها وبين ثدييها وقال:: اللهم أني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، ثم قال لعلي: أئتني بماء فعلمت ما يريد فملأت القعب فأتيته به فنضح منه علي رأسي وبين كتفي وقال: اللهم أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم، ثم قال: أدخل بأهلك على أسم الله تعالى وبركته (3) وأخرج احمد وابو حاتم نحوه.

 وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي (4) في أشعة اللمعات: وعن بريدة، روايت است از بريدة اسلمي قال، كفت: خطب أبو بكر وعمر فاطمة رضي الله عنهم، خطبة كردند، وخواستكاري نموند أبو بكر وعمر فاطمة را، فقال


 

 (1) الرياض النضرة 2: 181.

 (2) ذخائر العقبي: 29.

 (3) ذخائر العقبي: 30.

 (4) كفاية الطالب: 298


 

[52]

رسول الله (ص): أنها صغيرة، بس إن حضرة عذر آورده وكفت: وي صغير است، فخطبها علي فزوجها منه بس خواستكاري اورا علي نمود يس نكاح كرد أورابه علي رضي الله عنه، رواه النسائي (1).

 وقال علي القارئ (2) في المرقاة: وعن بريدة قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة فقال رسول الله (ص) إنها صغيرة،.

 في رواية، فسكت ولعلها محمولة على مرة أخرى، ثم خطبها علي فزوجها منه (3).

 وقال علي القارئ في المرقاة أيضا: وأخرج أبو الخير القزويني عن أنس بن مالك، قال: خطب أبو بكر النبي (ص) أبنته فاطمة فقال (ص) يا أبا بكر لم ينزل القضاء، ثم خطبها عمر مع عدة من قريش كلهم يقول له مثل قوله لأبي بكر - الخ - (4).

 


 

 (1) أشعة اللمعات 4: 670 ط الهند 1220.

 (2) نور الدين علي بن سلطان محمد الهزوي القاري الحنفي المتوفى 1014 عالم مشارك في انواع من العلوم. خلاصة الأثر 3: 185. البدر الطالع 1: 445. معجم المؤلفين 7: 100.

 (3) مرقاة المفاتيح 5: 574.

 (4) نفس المصدر


 

[53]

 

فصل

ومما يدل على كذب دعوى هذا العقد الموهوم

إن عمر بن الحطاب كان ساقط النسب وسافل الحسب جدا، حتى إن ذكر نسبه المدخول وحسبه المرذول مما تمجه الطباع وتنفر عنه الأسماع، فكيف يتوهم أحد من ذوي الألباب والعقول إن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (ع) يزوجه أبنته الطاهرة، وهي بنت الطاهرة البتول سلام الله عليها وعلى ذريتها الطيبين المطهرين بالفروع والأصول.

 أما بيان نسب عمر ورذالته فسقوطه وذكر حسبه ونزوله عن درجة الشرف وهبوطه غير محتاج إليه لظهوره على كل صغير وكبير، لكن نذكرها هنا اضطرارا بعض ما ذكره المخالفون، وأثبته المؤلفون ليعتبر به المناظر اللبيب أعتبارا.

 فأعلم أولا أنه قد ذكر السهيلي (1) في كتابه الروض الأنف (2): إن جدة عمر الحيداء بنت خالد الفحمية زوجة جده نفيل قد نكحها عمرو بن نفيل فولدت له زيد، وزيد هو هذا والد سعيد الذي هو عند السنية من العشرة المبشرة، وهذا نكاح قال الله تعالى فيه: إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (3) ولقد أستوعب الكلام


 

(1) أبو القاسم عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله بن أحمد السهلي الأندلسي المالقي النحوي المتوفى 581. للمحدث المفسر اللغوي. أنباه الرواة .

(2): 162. بغية الوعاة: 298. مرآة الجنان 2: 422. ومنات الحنات 5: 44. وفيات الأعيان 3: 143 (2) المعارف: 78.

 (3) سورة النساء: 22


 

[54]

في هذا المقام، مصنف كتاب - استقصاء الافحام (1) أحلة دار السلام في المجلد الثالث منه.

 وقال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدنيوري في كتابه المسمى - بالمعارف - تحت ترجمة تسمية من خلف على أمرأة أبيه بعده وهذا لفظه.

 أمرأة من فهم: كانت تحت نفيل بن عبد العزي جد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فتزوجها عمرو بن نفيل بعد أبيه فولدت له زيدا فامه أم الخطاب، وزيد هذا هو أبو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل (2).

 وقال ابن قتيبة الدينوري أيضا: في كتابه - المعارف - تحت ترجمة عمر بن الخطاب، وكان الخطاب بن نفيل من رجال قريش وامه أمرأة من فهم وكانت تحت نفيل فتزوجها عمرو بن نفيل بعد أبيه فولدت له زيدا وامه أم الخطاب وزيد هو أبو سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل احد العشرة المبشرة الذين بشرهم رسول الله (ص) بالجنة فولد الخطاب، زيد ابن الخطاب وعمر بن الخطاب (3).

 وقال ابن قتبة الدينوري، في كتابه - المعارف - ايضا تحت ترجمة سعيد بن زيد: هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن قرط بن رياح بن عبد الله بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وعمر بن الخطاب إبن عم أبيه، وكان نفيل ولد عمرو بن نفيل والخطاب بن نفيل، وأم الخطاب أمرأة من فهم فتزوج عمرو بن نفيل أمرأة أبيه بعد أبيه فولد


 

 (1) أستقصاء الأفحام وإستيفاء الأنتقام في رد منتهى الكلام للسيد مير حامد حسين الكهنوي في عشر مجلدات وقد طبع بعض أجزائه في مطبعة مجمع البحرين في ثلاث مجلدات سنة 1315، واستقصى المؤلف فيه البحث في المسألة المشهورة بتحريف الكتاب، وفي أثبات وجود الحجة المهدي - ع - وشرح فيه أحوال كثير من علماء أهل السنة، وتكلم في كثير من رجاله، وفي بعض الأصول الدينية والفروع العلمية المختلفه فيها أقوال الفريقين وأثبت ما هو الحق منها في جميع ذلك.

 الذريعة 2: 31.

 (2) المعارف: 51.

 (3) المعارف: 77.

 


 

[55]

عمرو زيد بن عمرو وأمه أم الخطاب (1).

 وقال إبن كثير الدمشقي (2) في تاريخه: ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه..

 هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قريط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي، وكان الخطاب والد عمر بن الخطاب عمه وأخاه لأمه، وذلك لأن عمرو بن نفيل كان قد خلف على أمرأة أبيه بعد أبيه، وكان لها من نفيل أخوه الخطاب قاله الزبير بن بكار، ومحمد بن إسحاق (3) أنتهى.

 لقد ذكر علامة علم النسب هشام بن محمد الكلبي (3) في كتاب المثالب، على ما نقل عنه في عداد من الولد من سفاح نقلا عن أبيه قال: كان صهاك أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف فوقع عليها فقتله بن هاشم، ثم وقع عليها عبد العزى بن رياح، فجاءت بنفيل جد عمر بن الخطاب.

 أنتهى.

 وقال أبن أبي الحديد (4) في شرح نهج البلاغة، في شرح قول علي (ع) في وصف الرسول (ص): لم يسهم فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر، في الكلام رمز الى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن، الى أن قال نقلا عن كتاب مفاخرات قريش، قال أبو عثمان: بلغ عمر بن الخطاب أن أناسا من رواة الأشعار وحملة الآثار يعيبون الناس ويسلبونهم في أسلافهم فقام على المنبر وقال: إياكم وذكر


 

(1) المعارف: 107.

(2) عماد الدين السماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري الفقيه الشافعي المتوفي 774. الدرر الكامنة 1: 373. الدارسي 1: 36. البدر الطالع 1: 153. مفتاح السعادة 1: 204. الشذرات 6: 231.

(3) البداية والنهاية 7: 133.

(4) أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب بن بشير الكلبي المتوفى 204 / 206 كان عالما بأخبار العرب وأيامها ومثالها ووقائعها. وفيات الأعيان 6: 82. معجم الأدباء 19: 287. رجال النجاشي: 305. مصفى المقال 493. لسان الميزان 6: 196.

 (5) عز الدين عبد الحميد بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائين المعتزلي المتوفى 355. الأديب المؤرخ الحكيم الشاعر فوات الوفيات 1: 248. البداية 13: 199. السلوك 1: 407. كشف الظنون: 799، 977، 1273 الغذير 4: 187.

 


 

[56]

العيوب والبحث عن الأصول، فلو قلت: لا يخرج اليوم من هذه الأبواب إلا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم أحد، فقام رجل من قريش نكره أن نذكره فقال: إذا كنت أنا وأنت يا أمير المؤمنين نخرج فقال: كذبت بل كان يقال لك ياقين بن قين أقعد.

 قلت: الرجل الذي قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي كان عمر يبغضه ببغضه أباه خالدا، ولأن المهاجر كان علوي الرأي جدا، وكان أخوه عبد الرحمان بخلافه، شهد المهاجر صفين مع علي (ع) وشهدها عبد الرحمان مع معاوية، وكان المهاجر مع علي (ع) في يوم الجمل وفقأت ذلك اليوم عينه ولأن الكلام الذي بلغ عمر بلغه عن المهاجر، وكان الوليد بن المغيرة مع جلالته في قريش وكونه يسمى ريحانة قريش، ويسمى العدل، ويسمى الوحيد حدادا يصنع الدروع وغيرها بيده، ذكر ذلك عنه عبد الله بن قتيبة في كتاب المعارف.

 وروى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب - أمهات الخلفاء - وقال: إنه روى عند جعفر بن محمد عليه السلام بالمدينة فقال: لا تلمه يا أبن أخي أنه أشفق أن يخدج بقضية نفيل بن عبد العزى، وصهاك أمة الزبير بن عبد المطلب، ثم قال: رحم الله عمر فانه لم يعد السنة وتلا: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنو لهم عذاب أليم (1).

 وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (2) في كتاب الشهاب على ما نقل عنه في تسمية من قطع من قريش في الجاهلية في السرق ماهذا لفظه: والخطاب بن نفيل بن عبد العزى إبن رياح بن قرط بن عبد الله بن رياح بن عدي بن كعب أبو عمر بن الخطاب، قطعت يده في سرق قدر وشئ ذكره ومحاه ولاية عمر ورضى الناس عنه أنتهى.

 


 

(1) إبن أبي الحديد 3: 24.

(2) أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى 222 / 223 / 224 المحدث الفقيه الحافظ المقري. له تصانيف معجم الأدباء 19: 254. تاريخ بغداد 12: 403. طبقات القراء 2: 17 الشذرات 2: 54. تذكرة الحفاظ 2: 5.

 


 

[57]

وقال مجد الدين الفيروز آبادي (4) في القاموس: المبرطش، الدلال أو الساعي بين البائع والمشتري وكان عمر رضي الله عنه في الجاهلية مبرطشا (5).

 وقال الزبيدي (6) في تاج العروس في شرح القاموس: المبرطش، أهمله الجوهري والصاغات وصاحب اللسان، وهو الدلال أو الساعي بين البائع والمشتري، وفي الحديث كان عمر رضي الله تعالى عنه في الجاهلية مبرطشا، أي كان يكتزى للناس الإبل والحمير ويأخذ عليه جعلا (7) إنتهى.

 ومما يدل على مهانة نسب عمرو ودنائة أصل أمه ما جرى بين خالد بن الوليد وبين عمر في قصة قتل خالد، مالك بن نويرة، وهذه قصة طريفة تبدي عورات الأصحاب المبجلين بين السنة حيث أن المقام لا يسع ذكرها برمتها فلنقتصر على ذكر بعض ما يتعلق بها.

 قال الطبري (1) في تاريخه عند قصة قتل خالد، مالك بن نويرة وأصحابه، فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر وقال: عدو الله عدا على أمرئ مسلم فقتله ثم نزى على أمرأته وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد معتجرا بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما، فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ثم قال: اربأ، قتلت أمرءا مسلما ثم نزوت على أمرأته، والله لأرجمنك بأحجارك، ولا يكلمه خالد بن الوليد، ولا يظن إلا أن رأى أبي بكر على مثل رأي عمر فيه حتى دخل علي فلما دخل عليه أخبره الخبر وأعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عنه وعن


 

(4) قاضي القضاة أبو طاهر مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الصديقي الشافعي الشيرازي المتوفى 819 / 817. روضات الجنان 8: 101 مفتاح السعادة 1: 103. المؤلفين 12: 118.

(5) القاموس.

 (6) أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد الله الأشبيلي القرطبي المتوفى 379 كان أوحد عمره في علم النحو وحفظ اللغة، وأخبر أهل زمانه بالأعراب والمعاني والنوادر له كتب. بغية الوعاة 34 معجم الأدباء 18: 179. هدية العارفين 2: 51. وفيات الأعين 4: 372.

 (7) تارج العروس 4: 281


 

[58]

ماكان في حربه تلك.

 قال: فخرج خالدا حين رضي عنه أبو بكر وعمر جالس في المسجد فقال: هلم ألي يا أبن أم شملة قال: فعرف عمر أن إبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه ودخل بيته، أنتهى (2).

 فقال أبو المظفر يوسف بن قزا وغلي المعروف بسبط أبن الجوزي (3) في كتابه المسمى - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان -، في قصة قتل خالد، مالك بن نويرة: ولما بلغ عمر بن الخطاب خبر خالد وقتله مالكا وأخذه لأمرأته قال: أي عباد الله قتل عدو الله أمرءا مسلما ثم وثب على أمرأته والله لنرجمنه بالحجارة، فلما قدم خالد المدينة ودخل المسجد وعليه ثياب عليها سدء الحديد، معتجرا بعمامة قد غرز فيها ثلاثة أسهم فيها أثر الدم، فوثب إليه عمر فأخذ السهم من رأسه فحطمها وقال: يا عدو الله عدوت على أمرئ مسلم فقتلته ثم نزوت على أمرأته، والله لنرجمنك بأحجارك وخالد لا يرجع عليه بلا ولا نعم، وهو يظن أن رأي أبي بكر فيه كرأي عمر فدخل خالد على أبي بكر وعمر في المسجد فذكر لأبي بكر عذره ببعض الذي ذكر له فتجاوز عنه، ورأى، أنها الحرب وفيها فرضي عنه فخرج خالد من عنده وعمر في المسجد فقال له خالد: هلم يا أبن حنتمة الي يريد أن يشاتمه، فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فقام فدخل بيته (4) أنتهى.

 ولا يخفى على المتتبع بأخبار الصحابة إن خالدا لم يكتف على ذكر أم عمر وتوهينه مرة واحدة بل ذكر أمه مرارا عديدة، بل كان دأبه الأستخفاف به وأطراح جانبه، وما كان يسميه إلا بأسم أمه وبالا عليسر.

 


 

(1) أبو جعفر محمد بن يزيد الطبري المتوفى 310 المحدث الفقيه المؤرخ علامة وقته ووحيد زمانه طبقات القراء 2: 106 طبقات المفربي: 30. تنقيح المقال 2: 90. الفوائد الرهنوية: 446. وحنات الحباث 7: 292 معجم الأدباء 14: 94. المنتظم 6: 170 .

(2) تاريخ الطبري 3: 243. الغدير 7: 158.

(3) أبو المضفلأ يوسف بن قزا وغلي البغدادي المتوفى 954654 عالم فاضل مؤرخ كامل معجم المؤلفين 13 (4) مرآة الزمان


 

[59]

قال الطبري أيضا في تاريخه: في ذكر فتح العراق، فكتب أبو بكر الى خالد وهو بالحيرة أن يمد أهل الشام بمن معه من أهل القوة ويخرج فيهم، ويستخلف على ضعفة الناس رجلا منهم فلما أتى خالد كتاب أبي بكر بذلك قال: هكذا عمل الاعيسر أبن أم شملة، يعني عمر بن الخطاب، حسدني أن يكون فتح العراق على يدي فسار خالد بأهل القوة من الناس ورد الضعفاء والنساء الى المدينة، مدينة رسول الله (ص) وأمر عليهم عمير بن سعد الأنضاري (1).

 وقال الطبري في تاريخه في حوادث سنة ثلاث عشر من الهجرة في خبر اليرموك: كتب الي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان البناني عن أبيه قال: قال عكرمة بن أبي جميل يوم إذ قاتلت رسول الله (ص) في كل موطن، وأفر منكم اليوم، ثم نادى من يبايع على الموت فبايعه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزود في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جراحا وقتلوا إلا من برأ منهم ضرار بن الأزود، وقال وأتى خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحا، فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء ويقول: كلا زعم أبن الحنتمة لا نستشهد (2).

 وقال سبط أبن الجوزي في مرآة الزمان: لم يزل عمر ساخطا على خالد مدة خلافته أبي بكر لكلام كان يبلغه عنه من الأستخفاف به، واطراح جانبه، وما كان يسميه إلا بأسم أمه وبالاعسير، وكان أكبر ذنوبه - خالد - عنده قتل مالك بن نويرة بعد أسلامه وأخذه لأمرأته، ودخوله المسجد وعلى رأسه السهام فيها دم، وكان يحث أبا بكر على عزله، ويحرضه على قتله بسبب قتله لمالك، وكان أبو بكر يتوقف فلما مات أبو بكر، وولي عمر قال: والله لايلي لي خالد عملا أبدا.

 


 

 (1) تاريخ الطبري 4: 44.

(2) تاريخ الطبري 4: 36


 

[60]

وقال إبن سيرين (1) قال عمر بن الخطاب: والله لأعزلن خالدا عن الشام، ومثنى بن سنان عن العراق حتى علما إن الله ينصر هذا الدين، ولسنا ناصريه.

 قال سيف: فكتب عمر الى أبي عبيدة: سلام عليك أما بعد..

 فإني عزلت خالدا عن جند الشام ووليتك أمرهم فقم به والسلام.

 فوصل الكتاب الى أبي عبيدة فكتم الحال حياء من خالد، وخوفا من اضطراب الأمور ولم يوقفه على الكتاب حتى فتحت دمشق، وكان خالد على عادته في الأمرة، وأبو عبيده يصلي خلفه (2) أنتهى.

 وقال سبط أبن الجوزي أيضا في مرآة الزمان، في وقائع السنة الثالثة عشرة: وكتب عمر الى أبي عبيدة: أما بعد..

 فان أكذب خالد نفسه فهو أبين على من معه، وإن لم يكذب نفسه فأنت الأمير على ما هو عليه، ثم أنزع عمامته عن رأسه وقاسمه ما له نصفين.

 وبلغ خالدا فقال: فعلها الاعيسر، إبن حنتمة لا يزال كذا، ودخل على أخته فاطمة بنت الوليد وكانت عند الحرث بن هشام فقال: ماترين في كذا وكذا فقالت: والله لا يحبك عمر أبدا، وما يريد إلا أن تكذب نفسك، فيعزلك، فقبل رأسها، وأرسل الى أبي عبيدة وقال: لاأكذب نفسي أبدا، فقال: فقاسمني مالى، فقاسمه حتى أخذ بغلا وأعطاه بغلا، فتكلم الناس في عمر وقالوا: هذه والله العداوة.

 ولم يعجب الصحابة ما فعل بخالد، وقد روي إن خالدا أمتنع من ذلك


 

(1) أبو بكر محمد بن سيرين البصري المتوفى 110. تهذيب الأسماء واللغات 1: 83. تاريخ الأسلام 4: 192. الأعلام 7: 25. ومنات الجنات 7: 249.

(2) مرآة الزمان


 

[61]

فقام إليه بلال إبن حمامة المؤذن ليعقله بعمامته فقال له: أيها ما تريد ؟ ونال منه، ثم قال لبلال: إفعل ما تريد، فيقال أنه عقله بعمامته، إنتهى (1).

 ومما يدل على خساسة نسب عمر وسوء حال أمه تعبير عمرو بن العاص عن عمر بقوله ابن حنتمة.

 قال إبن الأثير الجزري، في النهاية، في لغة - بعج -: ومنه حديث عمرو بن العاص في صفة عمر إن أبن حنتمة بعجت له الدنيا معاها، أي كشفت لها كنوزها بالغنى والغنائم، وحنتمة أمه (2).

 وقال أيضا في لغة - حنتم - ومنه حديث إبن العاص، إن إبن حنتمة بعجت له الدنيا معاها، حنتمة أم عمر بن الخطاب وهى بنت هشام بن المغيرة، ابنة عم أبي جهل (3).

 وقال إبن منضور الأفريقي (4) في لسان العرب، في لغة - بعج -: وفي حديث عمرو ووصف عمر رضي الله عنه، فقال: إن أبن حنتمة بعجت له الدنيا معاها، هذا مثل ضربه أراد أنها كشفت له عما كان فيها من الكنوز والأموال والغنى، وحنتمة أمه (5).

 وقال أيضا في لسان العرب: في لغة حنتمة، وفي حديث إبن العاص، إن إبن حنتمة بعجت له الدنيا معاها، حنتمة أم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهي بنت هشام بن المغيرة (6).

 


 

(1) مرآة الزمان.

(2) النهاية 1: 139 .

(3) النهاية 1: 448.

(4) أبو الفضل محرم بن مكرم بن علي الأنصاري الأفريقي المصري المتوفى 711. الدور الكامنة 4: 262. حسن المحاضرة 1: 219. روضاة الجنات 8. 86. مصفى المقال: 425. الأعلام 7: 329 - الشذرات 6: 26.

(5) لسان العرب 2: 214.

(6) لسان العرب 12: 162


 

[62]

وقال محمد مرتضى الزبيدي، في تاج العروس، في لغة - بعج - وفي حديث عمرو وصف عمر رضي الله عنه فقال: ان ابن حنتمة بعجب له الدنيا معاها، هذا مثل ضربه أراد إنها كشفت له عما كان فيها من الكنوز والأموال والغنى، وحنتمة أمه (1).

 وقال أيضا في تاج العروس: في لغة حنتم في ذكر حنتمة وهي أم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ومنه حديث عمرو بن العاص، ان ابن حنتمة بعجت له الدنيا معاها (2) ولقد جرت بين عمر بن الخطاب، وبين عمرو بن العاص منازعة عجيبة ظهرت فيها دنائة حسب عمر وأبيه بنحو عجيب، وها نحن ننقل خبر هذه المنازعة برمته ليظهر منها هبوط درجة أمثال هؤلاء الأصحاب عن الأدب الشرعي والتهذيب الخلقي، وإرتكابهم مالايجوز عقلا ولا شرعا.

 قال شهاب الدين أحمد المعروف بأبن عبد ربه الأندلسي القرطبي المالكي (3) في كتابه العقد الفريد: وكتب عمر بن الخطاب الى عمرو بن العاص، وكان عامله على مصر، من عبد الله بن الخطاب الى عمرو بن العاص: سلام عليك، فانه بلغني أنه فشت لك فاشية من خيل، وإبل، وغنم، وبقر، وعبيد وعهدي بك قبل ذلك أن لا مال لك، فأكتب الي من أين أصل هذا المال ولا تكتمه (4).

 فكتب إليه عمرو بن العاص: لعبدالله عمر أمير المؤمنين: سلام عليك، والله أني لاأعرف الخطاب يحمل


 

(1) تارج العروس 2: 9.

(2) تاج العروس 8: 264.

(3) إبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم القرطبي المالكي المرواني المتوفي 328. معجم الأدباء 4: 211، جذوة المقتبس: 94. نفح الطيب 4: 217. مرآة الجنان 2: 295. أبو الفداء 2: 92.

(4) العقد الفريد (1): 16. صبح الأعشى 6: 386. جمهرة رسائل العرب 1: 201


 

[63]

فوق رأسه حزمة من الحطب، وعلى اذنه مثلها، وما منهما إلا في عزة لا تبلغ من سعيه، والله ماكان العاص بن وائل يرضى أن يلبس الديباج مزورا بالذهب.

 قال له محمد: اسكت، والله عمر خير منك، وأما أبوك وأبوه ففي النار، والله لولا الزمان الذي سبقه فيه لا ألفيت معقل شاة يسرك غزوها، ويسرك بكاؤها، فقال عمرو: هي عندك بأمانة الله فلم يخبر بها عمر (1).

 وهذه المنازعة العجيبة، والمشاجرة الغريبة قد ذكرها إبن أبي الحديد المدائني، في شرح نهج البلاغة أيضا وتلك ألفاظه.

 وكتب عمر الى عمرو بن العاص وهو عامل في مصر: أما بعد: فقد بلغني إنه قد ظهر لك مال من إبل وغنم وخدم وغلمان، ولم يكن لك قبله مال، ولا ذلك من رزقك، فانى لك هذا، ولقد كان لي من السابقين الأولين من هو خير منك، ولكني أستعملتك لغنائك، فإذا كان عملك لك وعلينا فبما نؤثرك على أنفسنا ؟ فاكتب الي من أين مالك، وعجل والسلام (2).

 فكتب إليه عمرو بن العاص: قرأت كتاب أمير المؤمنين ولقد صدق، فأما ما ذكره من مالي فاني قدمت بلدة الأسعار فيها رخيصة، والغزو فيها كثير، فجعلت فضول ما حصل لي من ذلك فيما ذكره أمير المؤمنين، والله يا أمير المؤمنين لو كانت خيانتك لنا حلالا ماخناك أئتمنتنا، فاقصر عنا عناك، فان لنا أحسابا إذا رجعنا إليها اعنتنا عن العمل لك، وأما من كان لك من السابقين الأولين فهلا أستعملتهم، فوالله ما دققت لك بابا -.

 


 

 (1) إبن أبي الحديد (1) 57.

 (2) جمهرة رسائل العرب (1): 204


 

[64]

فكتب إليه عمر: أما بعد: فأني لست من تسطيرك وتشقيقك الكلام في شئ، إنكم معشر الأمراء، أكلتم الأموال، وأخلدتم الى الأعذار، فانما تأكلون النار، وتورثون العار، وقد وجهت اليك محمد بن مسلمة ليشاطرك ما في يديك، والسلام (1).

 فلما قدم إليه محمد أتخذ له طعاما وقدمه إليه فأبى أن يأكل فقال: مالك لا تأكل طعامنا ؟ قال: أنك عملت لي طعاما هو تقدمة للشر، ولو كنت عملت لي طعام الضيف لأكلته فأبعد عني طعامك وأحضر لي مالك، فلما كان الغد وأحضر ماله جعل محمد يأخذ شطرا ويعطي عمرو أشطرا، فلما رأى عمرو ما حاز محمد من المال قال: يا محمد أقول، قال: قل ما تشاء، قال لعن الله يوما كنت فيه واليا لأبن الخطاب، والله لقد رأيته ورأيت أباه وإن على كل واحد منهما عباءة قطوانية مؤتزرا بها ما تبلغ ما بغى ركبته وعلى عنق كل واحد منهما حزمة من حطب، وأن العاص بن وائل لغة مزررات الديباج، فقال محمد: أيها يا عمر، فعمر والله خير منك، وأما أبوك وأبوه ففي النار، ووالله لولا ما دخلت فيه من الأسلام لألغيت معتلف شاة يسرك غزوها ويسوءك بكوها قال: صدقت فإكتم علي قال: أفعل (2).

 ومن الدلائل على كون عمر بن الخطاب ولد الزناء، ومحمولا في الحيض، وكون أم عمر أمة زانية حملت به في بقية أيام حيضها ماقاله عمرو بن العاص في حق نفسه تعريضا لعمر.

 قال الزمخشري (3) في كتابه المسمى - بالفائق - ما لفظه: عمر، وقال لعمر


 

(1) إبن أبي الحديد 3: 104. جهرة رسائل العرب 1: 204.

(2) المصدر السابق.

(3) أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي المعتزلي المتوفى 538 الحافظ المضر المحديث الشاعر. معجم المؤلفين 12: 186. روضات الجنات 8: 118. ماضي النجف وحاضرها 1: 101. جولة في دور الكتب: 73. معجم الأدباء 19: 126


 

[65]

رضي الله عنه: اني والله ما تأبطتني الاماء، ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي، أي لم يحضنني البغايا جمع بغي، فعول بمعنى فاعلة من البغاء - الغبرات - جمع غبر جمع غابر، فهو البقية - المآلي - جمع مئلات، وهي خرقة الحائظ هاهنا، وخرقة النائحة في قوله: وانواحا عليهن المآلي..

 ويقال: ألت المرأة إيلاء، إذ اتخذت مئلات، ويقولون: المتألية، المتآلية نفي عن نفسه الجمع بين سبتين أحداهما أن يكون لغية، والثانية أن يكون محمولا في بقية حيضه.

 وأضاف الغبرات الى المآلي لملابستها لها (1).

 وقال إبن الأثير الجزري في النهاية: في لغة أبط، ما لفظه، ومنه حديث عمرو بن العاص إنه قال لعمر: أني والله ما تأبطتني الاماء، أي لم يحضنني ويتولين تربيتي (2).

 وقال إبن الأثير في النهاية في لغة غبر وهذا لفظه: ومنه حديث عمرو بن العاص، ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي، أراد أنه لم يتول الاماء تربيته، والمآلي فرق الحيض، أي في بقاياها (3) إنتهى.

 وهذه الذي ذكره إبن الأثير في معنى كلام إبن العاص لا يخلو عن تفريط وتضجيع، وتقصير وتقليل، والذي ذكره الزمخشري في بيان معنى كلام إبن العاص هو الصدق الصريح البين الذي لا يلط بالتسويف.

 ولقد أعترف إبن الأثير بالحق الصريح في معنى كلام إبن العاص في كتابه هذا، أعني نهاية في لغة مأل كما قال مال في حديث، عمرو بن العاص، أني والله ما تأبطتني الاماء، ولا حملتني البغايا في غبرات المالي، المآلي جمع مئلات بوزن سعلات، وهي هاهنا فرقة الحائض وهي خرقة النائحة أيضا، يقال: آلت المرأة أيلاء، إذ أتخذت مئلات، وميمها زائدة نفي عن نفسه الجمع بين السبتين أن يكون


 

(1) الفائق: .

(2) النهاية 1: 15.

(3) النهاية 3: 338


 

[66]

لزينة، وأن يكون محولا في بقية حيضة، أنتهى.

 وأعلم إن هذه المكالمة الفضيحة التي جرت بين عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، قد ذكرها إبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة مع مزيد توضيح وتشريح يشتمل على ذكر صهاك وهذه الفاظه: قدم عمرو بن العاص على عمر وكان واليا لمصر فقال له: في كم سرت قال: في عشرين قال عمر: لقد سرت سير عاشق، فقال عمرو: أني والله ما تأبطتني الاماء ولا حملتني في غبرات المآلي فقال عمر: والله ماهذا الجواب عن الكلام الذي سألتك عنه، وأن الدجاجة لتفحص في الرماد، فتضع لغير الفحل، وأنما تنسب البيضة الى طرتها فقام عمرو مربد الوجه.

 قلت: المآلي خرق سود يحملها النوائح ويشرف بها بأيديهن عند اللطم، وأراد خرق الحيض هاهنا، وشبهها بتلك، وأنكر عمر فخره بالامهات وقال: إن الفخر للأب الذي إليه النسب.

 وسألت النقيب أبا جعفر عن هذا الحديث في عمر فقال: أن عمرا فخر على عمر لأن أمه الخطاب زنجية تعرف بباطحلى تسمى صهاك فقلت له: وأم عمرو النابغة أمة من سبايا العرب فقال: أمه عربية من عترة سبت في بعض الغارات، فليس يلحقها من النقص عندهم ما يلحق الاماء الزنجيات، فقلت له: أكان عمرو يقدم على عمر بمثل هذا القول، قال: قد يكون بلغه عنه قول قدح في نفسه فلم يحتمله له، ونفث بما في صدره منه وإن لم يكون جوابا مطابقا للسؤال، وقد كان عمر مع خشونته يحتمل نحو هذا فقد جبهه الزبير مرة وجعل يحكي كلامه يمططه وجبهه سعد بن أبي وقاص أيضا فأغضي عنه.

 ومر يوما في السوق على ناقة له فوثب غلام من بني ضبة فأذا هو خلفه فالتفت إليه فقال: ممن أنت ؟ قال: ضبي قال: جسور والله، فقال الغلام على العدو، فقال عمر وعلى الصديق أيضا ما حاجتك فقضى حاجته، ثم قال: دع الآن لنا


 

[67]

ظهر راحلتنا (1).

 ومن الدلائل الواضحة الباهرة على مهانة نسب عمرو ورذالة أمه الفاجرة العاهرة ما جرى بين عمر وأبن العباس رضوان الله له، في أمر قطاع البحرين، قال علي المتقي (2) في كنز العمال، في فضائل عمر من قسم فعال ما لفظه: أنبأنا أبن عينية، أخبرني عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، أن العباس ابن عبد المطلب، قال لعمر بن الخطاب: إن رسول الله (ص) أقطع لي البحرين فقال له عمر: من شهودك ؟ قال: المغيرة بن شعبة قال: ومن معه ؟ قال: ليس معه أحد قال عمر: فلا أذن فأبى عمر أن يأخذ باليمين مع الشاهد، فقال له العباس: أعضك الله بنظر أمك فقال عمر لأبن عباس: يا عبد الله خذ بيد أبيك فأقمه عنا (3).

 ولقد حكى عمر بنفسه خساسة حسبه ودناءة نفسه بحيث يقضي منه العجب، قال أبو إسحاق إبراهيم بن علي المعروف بالحصيري القيرواني المالكي (4) في زهر الآداب وثمر الآداب: وروى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حج فلما كان يضجنان قال: لا إله إلا الله العلي العظيم، المعطي من شاء، ما شاء، كنت في هذا الوادي في مدرعة صوف أرعى إبل الخطاب وكان قطا يتبعني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت الليلة ليس بيني وبين الله أحد (5).

 


 

 (1) إبن أبي الحديد 3: 102.

 (2) علاء لدين علي بن حسام الدين بن عبد الملك الجونبوري الهندي المتوفى 975. فقيه محدث واعظ مشارك في بعض العلوم له تصانيف. كشف الظنون: 561، 597، 675، 1989. هدية العارضين 1: 746. النور السافر. النور السافر: 314.

 (3) كنز العمال 4: 426 - هامش المسند - (4) المتوفى 413.

 (5) زهر الاداب وثمر الاداب 1: 36


 

[68]

وقال ولي الله (1) في قرة العينين: وروى، الحمد لله ولا إله إلا الله يعطي من شاء ما يشاء، لقد كنت بهذه الوادي يعني ضجنان أرعى إبلا للخطاب وكان فضا غليظا يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت، وقد أصبحت وأمسيت وليس بيني وبين الله أحد أخشاه (2).

 


 

(1) ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي المتوفى 1176 محدث مفسر فقيه أصولي له اثار: هدية العارضين 2: 500. معجم المؤلفين 13: 169.

(2) قرة العينين: 98 ط الهند. 131 حجر.