الإمام علي (كرّم الله وجهه)
والتسامح الديني والسياسي


تأليف
الدكتور زكي بدوي
عميد الكلية الإسلامية ـ لندن


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الطيّبين الطاهرين.

ورث الإمام علي تركة مثقلة بالاضطرابات فقد جاء إلى منصب القيادة في الامة الاسلامية وقد تمزقت أواصرها واضطربت ادارتها، وأصبحت السلطة المركزية ـ أي سلطة الخلافة ـ موضع شك من جماهير الأمة، فقد كان الخليفة عثمان كبير السن فسيطر عليه جماعة من قومه فجعلوا الخلافة تركة لأسرة معينة، ثم كانت هناك الظروف الاجتماعية التي لم يكن له عليها سلطان بنشأة طائفة أثرت ثراءً فاحشاً وابتعدت عن النور النبوي.

ورث الإمام علي هذه التركة فأراد أن يعود بها إلى أصولها في رسالة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) فرأى القوم قد انحرفوا فأراد أن يقودهم إلى الطريق السوي، ولكن الحيوان إذا اصيب في اذنيه بما يشغله ينطلق في طريقه وتعصب قيادته مرة اخرى إلى الطريق السوي وقد كان هذا شأن الأمة.

جاء الإمام علي إلى الخلافة كارهاً مضطراً، وأراد أن يجمع الأمة على سبيل واحد، وسأذكر كلمة تنسب إلى المؤرخين حول الإمام "انّه كان شجاعاً ولم يكن سياسياً"، وهم في ذلك مخطؤون فقارئ التاريخ لو عرف أنّ الإمام علياً عندما تولى الخلافة لم يكن لديه جيش بل كانت المدينة ذاتها تحت سلطان فئات مشاغبة. ولما ثار عليه مَن ثار في العراق وتحصنوا واجتمعوا في العراق وجمعوا جموعهم، خرج الإمام على من المدينة وليس معه أكثر من 800 شخص، لكنه عندما وصل إلى ميدان المعركة كان معه ماينوف على الألوف والألوف، فمن أين جاؤوا لو كان الإمام بارعاً ـ كما يقولون ـ في الحرب دون السياسة؟!

كان الإمام سياسياً عظيماً وقائداً حربياً ماهراً، لكنه واجه قوات وظروفاً عسيرة. أول هذه الظروف والتحديات كانت نكث مَن نكث عهده عليه وخرجوا

 


الصفحة 2


 

عليه وتحدوا اختيار الامة له، وكما هو معلوم فقد كان اختيار أبي بكر بشخصين، وكان اختيار عمر بوصاية من قبل أبي بكر، وكان اختيار عثمان من قبل عبد الرحمن بن عوف، ولكن الإمام علياً اختاره الجمهور كله وانصاعت له الامة عدا أفراد معدودين، ولما نكثوا عهده لم يقل الإمام قد كفروا ولم يهاجمهم هجوماً كما نعرفه اليوم في مهاجمة الناس خصومهم وإنّما حاول ارشاد القوم بالحسنى غير أن أعظم تركة للامام علي في مجال التسامح الديني إنّما وقعت عندما خرج عليه قوم عرفناهم بالتاريخ باسم الخوارج، هؤلاء القوم زعموا أن الإمام قد انحرف عن جادة الصواب وانّه حكّم الناس حيث ينبغي أن يكون الحكم لله فقالوا "الحكم لله" كما وصفهم الإمام علي "كلمة حق اريد بها باطل"... هؤلاء القوم خرجوا زاعمين أنّهم يريدون القتال من أجل الخلافة وزاعمين أن الإمام علياً قد خان الأمة وأنّه لذلك لم يعد صالحاً لقيادة الأمة بل زاد بعضهم فاتهمه في دينه.

تصور انك في هذا العصر أو في أي عصر عندما تواجه بمثل هذه التهم الباطلة وهذا العنف في العبارة وهذا الاسلوب في الكلام فماذا تعمل؟

خرجوا وتحصنوا في مكان وهم جنود أقوياء الشكيمة مدججون بالسلاح، فماذا تفعل وأنت تقود جيشاً وتواجه معركة؟ قال قوم للامام عليك بهم، حاربهم فهم يريدون حرباً وعليك بهم فصفهم بما ينبغي أن يُوصفوا به، فانّهم كفرة مارقون خرجوا على الدين وتبرؤوا من البيعة، فما كان جواب الإمام إلاّ أن قال سأتركهم إلاّ أن يسيؤوا، أو يقطعوا الطريق. ولما سأله سائل: أليسوا كفرة؟ قال: كلاّ بل من الكفر فرّوا. وهذه كلمة هامة، وقارنهم بغيرهم فقال: هؤلاء أرادوا الحق فأخطؤوا الطريق وغيرهم أراد الباطل فأصاب الطريق، أي أنّهم أحسنوا النية وأساؤوا الاسلوب، هم يريدون للخلافة أو الامامة أن تكون سليمة قوية ولكنهم بعملهم بالوسيلة التي اتخذوها أفسدوا غرضهم.

انّ الإمام علياً وضع أساساً للمجتمع الاسلامي، مجتمع يمكن للأفراد أن يختلفوا في الرأي وأن يجادل أحدهم الآخر في رأيه دون أن يرميه بالكفر أو يشهر في وجهه السلاح، هي نقطة هامة نسيها العالم الإسلامي ـ مع الأسف ـ منذ ذلك العصر.


الصفحة 3


 

نحن في عصر لايكاد الواحد منّا ينطق بكلمة لم تكن مكتوبة أو لم يحفظها اخواننا الدارسون في العلوم الاسلامية حتى يتهموه بالكفر، فنحن نُطالب في هذا العصر أن لا نكون أكثر من أدوات تسجيل نحفظ ولا نفكر، نردّد ـ بل نجتر ـ ما قاله العلماء السابقون دون أن نحرّف أو نغيّر عليهم أية كلمة، أي حرف، وهذا الحِجر على العقول نتيجته المحتومة التقهقر العلمي والديني بل والأخلاقي، فالذي لا يفكر ليس انساناً وبالتالي لا يستطيع أن يقضي بين الحق والباطل أو يفرق بين الصواب والخطأ ولا بين الفاضل والشرير، فالأحكام الأخلاقية كالأحكام العقلية لا تنبع إلاّ من مجتمع حر، والإمام علي أراد أن يكون للمجتمع الإسلامي هذه الحرية التي ورثها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي قال: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد " فجعل للمخطئ أجراً، وقد أراد الإمام علي بهذا أن يثبت حكماً أساسياً في المجتمع الاسلامي وفي الفكر الإسلامي.

وبعد أن انهزم حزب الحق، حزب الله، وقام الطغيان في بلادنا حجر على الفكر حجراً تاماً فذبح كلّ مَن خالف العقيدة الحكومية ذبح الشياه، وقد قال أحد ولاة بني أمية ـ وهو خالد القسري ـ لبعض الناس في عيد الأضحى: "اذهبوا وضحوا أما أنا فأضحّي بهذا الرجل، يعني جعد بن درهم" وذلك لانّ له فكراً يخالف فكر الدولة، ومثل هذا لم يكن ليقع لو انّ حزب الله انتصر في هذه المعركة.

هناك جدال كثير في العصر الحاضر حول علاقة الدول الإسلامية بعضها بالبعض الآخر، وأذكر قصة قصيرة انّي حينما دُعيت لأكون عضواً في المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية في أول اجتماع له بعد تكوينه من جديد دُعينا للاجتماع في بغداد، ولما اجتمع القوم في بغداد اشترطتُ لاشتراكي فيه ان لا تُهاجم ايران في المؤتمر على الاطلاق ـ وقد عُقد المؤتمر بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية ـ وأن يكون الحوار حول السلام والإسلام لا أكثر، وانّنا هناك نريد جمع الكلمة لا الخلاف حولها، ووُعدتُ بأنّ هذا سيكون هو المنهج الذي سيسير عليه المؤتمر، ولكن لما وصلتُ إلى هناك وإذا بالخطب كلها حملة على ايران،


الصفحة 4


 

يقولون ان ايران لم تلتزم بقرار الأمم المتحدة ولم تلتزم في معاملة الأسرى بمعاهدة جنيفا ولم تتعاون مع مؤسسة الصليب الأحمر لتوثيق العلاقة بين الأسرى وأهليهم.

ردّد هذا خطيب بعد خطيب وكان كلّهم من الوزراء، فطلبتُ الكلمة وكان من المقرّر أن أكون متحدثاً، ولكنّهم قالوا ان الكلمات ستلغى لكل من جاؤوا من الجامعات وهم الذين اقترحتهم، وقالوا أنهم ليسوا مهمين بل المهم سبعة عشر وزيراً وخمسة وثلاثون رئيساً للمؤسسات الدولية، ولكني أصررت على الكلمة فدُعيت فقلتُ: انّ مايدهشني في هذا النقاش ونحن في مؤتمر اسلامي أن نتكلم عن الأمم المتحدة فمتى اتحدت هذه الأمم إلاّ علينا؟ ثم نتكلم عن مؤسسة الصليب الأحمر ونحن مؤسسة اسلامية، فهل يحق لنا أو يليق أن نتكلّم عن الصليب الأخضر أو الأصفر أو الأحمر؟ ثم نتكلم عن ميثاق جنيفا فهل منكم مَن يدلّني أي بلد عربي أو إسلامي تقع جنيفا هذه فيه؟ لماذا لا نلجأ للشريعة الإسلامية، نلجأ لقرار الإمام علي بن أبي طالب الذي عندما وضعت الحرب أوزارها بينه وبين خصومه كان أول عمل قام به هو اطلاق سراح الأسرى، فلماذا لا نحتكم إلى الإمام علي وهو امامنا وإمام كل المسلمين؟! هذا التسامح الذي لا يجعل الانتقام أو الحقد أساساً للتعامل بين المسلمين وهذه التركة الكبرى التي تركها الإمام علي للمسلمين.

نحن في عصر نعاني فيه من ضيق الفكر وسوء اللغة التي تستعمل بين المتحاورين، فما أحرانا أن نعود لهذا التراث العظيم تراث الإمام علي في التسامح الديني والتسامح في النقاش، فقد كان الإمام علي عظيم قدره وجلالة منصبه سهلاً في الملتقى يجادله مَن يريد الجدال ويناقشه مَن يريد النقاش بل يسيء إليه اناس كالخوارج فلا يرفع السيف في وجوههم بل يخاطبهم بالحسنى. هذه التركة بحاجة إلى أن تعرض على الأمة في هذا العصر.

انهي الكلمة بكلمة قصيرة أشير بها إلى النجف الأشرف، النجف الأشرف عظم قدره بانّه احتوى قبر الإمام فأصبح محجة للناس، ولو لم يكن فيه غير هذا القبر لقصده المسلمون من كل جوانب الأرض ليتبركوا بصاحب هذا القبر، ولكن

 


الصفحة 5


 

ما كان هذا ليكون كافياً مع عظمته وجلالة قدره وإنّما عظمة المدينة جاءت من العلم، فالحوزة العلمية التي شعّ منها النور والتي استقت نورها من صاحب القبر ومن المصدر الأعظم لهذا النور النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، هذه الحوزة هي التي جعلت هذه المدينة ذات أثر عظيم وذات سمعة جليلة في تاريخ الإسلام.

وسأذكر لكم مدينة أخرى هي مدينة حلب، كانت ذات يوم كعبة للشعراء والكتّاب والمفكرين، وفي عصر سيف الدولة شهدت هذه المدينة المتنبي الذي كتب أعظم قصائده فيها وكان فيها أبو فراس الحمداني وقريب منها عاش شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري، ثمّ احتوت المعلم الثاني الفارابي كان هذا العهد عهداً زاهراً في الفكر والأدب في حلب، ولكن أين حلب الآن؟! مات كلّ هذا بموت سيف الدولة وانتهى أمره. ولكن الحوزة العلمية في النجف الأشرف بقيت يشع منا النور، فاستمرت إلى اليوم مركزاً عظيماً للمسلمين جميعاً.

لقد ذُكِرَ الأزهر وأقول بأنّ الأزهر أنشأه الشيعة كما أنشؤوا النجف الأشرف ونحن مدينون كمسلمين سنّة وشيعة لما تركته الشيعة في تاريخ الإسلام من انشاء المؤسسات التعليمية التي يشع منها النور على العالم الإسلامي، ونحن نرجو أن نعود مرة اخرى إلى العمل الجليل الذي كان يقوم به الشيخ محمود شلتوت والسيد القمي فقد كانوا مناراً للإسلام وموحدين للمذاهب المختلفة في العالم الإسلامي، ونحن أحوج ما نكون لمثل هذه الحركة اليوم أكثر من أي وقت آخر، حيث يضربنا العالم في كل مكان وقد عدتُ قريباً من كييف ويعاني المسلمون هناك ـ وهم من التتار ـ من حكوماتهم، لقد هدّم التتار بغداد ثمّ حملوا الإسلام إلى العالم، وقد ذكرتُ لهم أن يتفقوا ولا يلتفتوا إلى دعاة الفرقة ويتأسوا برسالة الإمام علي(عليه السلام) الذي قبل الحوار وسمع بالحوار والحرية الدينية في مجتمعه.

نحن نشكو في مجتمعاتنا من فقدان الحرية، وهذه الحرية أساس من أسس الفكر والأسس العقدية التي دعانا إليها الإمام علي، ونرجو اللّه أن يهدينا للاقتباس من تعاليمه والاقتداء به.