الدين المنزّل والتأويل الإلهامي
الإسلام والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)


تأليف
البروفيسور سيد محمّد أمير امام
باحث ومؤرخ إسلامي ـ لندن


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف


 

إنّنا نعيش في الكون ذي الأسرار والغموض وعلى رغم شعورنا وادراكنا بواسطة العلوم الطبيعية، هذا العلوم لا تخبرنا بالتأكيد عن الأسرار والغوامض وكما قال إيليا أبو ماضي، شاعر المهجر الأكبر:

 

جئتُ لا أعلم من أين ولكنّي أتيتُ

كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟ لستُ أدري

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود...

أتمنّى أنني أدري ولكن لستُ أدري(1)

 

وهذه الكلمات تذكرني بما قاله مولانا وسيدنا علي بن أبي طالب عليهما السلام: "من ترك قول (لا أدري) أصيبت مقاتله"(2).

وقال الشيخ محمّد عبده في شرحه لهذه الكلمات: "أي مواضع قتله، لأنّ مَن قال ما لا يعلم عُرف بالجهل، ومَن عرفه الناس بالجهل مقتوه فحرم خيره كلّه فهلك". فأسأل نفسي "ما سرّ وجودي وسرّ وجود الكون؟" أي ما هو السر الحقيقي وجوهره الذي اسمّيه "سرّ أسرار الوجود" وإنّي اردّ آراء بعض علماء الطبيعات والحياة الذين يقولون ان الوجود ـ أي وجود الكون ووجود البشرية ـ لا معنى له ولا غاية، لأن هذه الآراء تبطل البحث مطلقاً في كل الأنحاء العلمية والمناهج الفكرية ولا سيّما في معاني الأخلاق ومقاصد المجتمع البشري.

ومن آمن باللّه وبالغيب يعترف أنه لا يدري ما هو الغيب ولكن مع هذا كلّه يؤمن أن للكون مكوّناً وللخلق خالقاً، وكما ورد في حديث الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم): "ما عرفناه حق معرفته" وهكذا ينجي نفسه من الاستكبار والمزاعم الباطلة،

____________

1- إيليا أبو ماضي: شعر ودراسة / زهير ميرزا، دار اليقظة العربية ـ سورية، ص: 385.

2- الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، دار المعرفة ـ بيروت، لبنان، ج4 / ص: 19.


الصفحة 2


 

وإيمانه بهذه الآيتين الكريمتين وثيق، إذ قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآيات لأُولِي الأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ)(1).

وكما نعرف فإن جميع الرسل والأنبياء أرسلهم اللّه بالتنزيل من عنده إلى المجتمع البشري من آدم ونوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى المسيح ومحمّد المصطفى (صلوات اللّه عليهم أجمعين) ليبلغوا إلى البشرية رسالته في تقديس الوجود والحياة بمناسبة نسبة المخلوق إلى الخالق، لأننا نعرف أن حدوث العالم والكون مستحيل بدون المحدِث، والمحدَث يحتاج إلى المحدِث لحدوثه ولهذه النسبة بين الموجد والجود والموجود تلزم حرمة المخلوق والحياة. ونعرف أيضاً أن الأشياء والأنفس كلّ منها عاجز عن إيجاد نفسه لأجل القانون العقلي أن لا شيء لا يوجد شيئاً، ولا يوجد شيء من لا شيء، وأيضاً قانون تحفّظ المادة والقوة الطبيعية يبعد أو على الأقل يستبعد إيجاد الشيء أو النفس بنفسه، فاعتبار الخلق من دون الخالق لا يخلو من أحد أمرين، أما حدث الخلق بنفسه، وذلك كما جادلنا باطل، وإما أن يبقى ويدوم الخلق بلا أمد من الأزل إلى الأبد، وأزليّة الخلق وأبديته تستلزم اللاّنهائية في اعتبار الاُمور والأشياء وهذا فكر لا يُتصور ولا يُتوهم فيناسب هذا لذات الخالق أي لذات اللّه سبحانه وتعالى فقط الذي ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(2).

وعلى هذا القياس المعقول والأساس المنصوص قال مولانا وسيدنا علي بن أبي طالبعليهما السلام أنّ "التوحيد أن لا تتوهمه"(3)، وبعده قال(عليه السلام): "والعدل أن لا تتّهمه"(4)، وهذان ـ أي التوحيد والعدل ـ من أركان ديننا ومن أصوله الأساسية ويتصلان بسلسلة بلا انقطاع إلى الرسالة المسيحية والشريعة الموسوية وبعدها إلى سفر أيوب النبي الذي كان يعاصر (كما رواه المسعودي في "المروج") النبي

____________

1- سورة آل عمران، الآيتان: 190 ـ 191.

2- سورة الشورى، الآية: 11.

3- نهج البلاغة، ج4 / ص: 108، دار المعرفة، لبنان.

4- المصدر السابق.


الصفحة 3


 

يوسف(1). وسفر أيوب يبحث في مسائل التوحيد والعدل وبالآلام والمصائب التي تصيب الإنسان ويسأل "هل هذه الآلام والمصائب من جانب اللّه، وهل يجوز هذا العمل في العدل الإلهي؟!" فبهذه المسائل وبالأجوبة التي تحلها وبرسالة التوحيد والعدل تتصل السلسلة الروحانية والدين المنزّل من إبراهيم خليل اللّه وموسى كليم اللّه إلى عيسى المسيح روح اللّه ومحمّد المصطفى حبيب اللّه بلا انقطاع ولا عدول عن الصراح المستقيم.

وبين سفر أيوب وأفكاره في التوحيد والعدل وبين أقوال الإمام علي(عليه السلام)وخطبه وكلماته ووصاياه وهداياه ورسائله ومكتوباته وعهوده، صراط مستقيم دون انقطاع وعدول عن الدين المنزّل، تمّ تكميل الدين المنزّل برسالة محمّد بن عبد اللّه المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) وبإلهام الإمام على بن أبي طالب(عليه السلام).

وأشار إلى هذه الحقيقة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه في حديث رواه إمام الحنابلة أحمد بن حنبل عن أبي سعيد الخدري وأيضاً رواه الخوارزمي بإسناده عن أبي ذكر الغفاري عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، أن علياً(عليه السلام) يقاتل على تأويل القرآن بعد الرسول كما قاتل الرسول نفسه على تنزيل القرآن(2).

كما قلتُ، انّ التوحيد والعدل هما معاً أصل أصول الدين وركن أركانه وأيضاً التوحيد والعدل ليسا صفتين مختلفتين ولا متنوعتين بل مثل صفات اللّه الأخرى، العدل متحد بالتوحيد في وحدة اللّه لأن الوحدة لا تسمح ولا تجوز التعدّد، لا فهماً ولا وهماً; إنّ وحدة اللّه منشأ ومصدر لجميع صفات اللّه وهي كلّها تنبعث من الوحدة الإلهية، أي من التوحيد، ليس فيه أي مجال أو منال لتدخل التعدّد لا فهماً ولا وهماً، وحتى في صفة التوحيد نفسها أيضاً أي مفهوم أو موهوم من معاني التعدد ممنوع. وفي هذا الموضوع يجدر أن نتذكر قول مولانا وسيدنا علي بن أبي طالبعليهما السلام: "الحمد للّه الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليّته، وباشتباههم على أن لا شبه له... الأحد لا بتأويل عدد... "(3).

____________

1- المسعودي: مروج الذهب، ج1 / ص 60، دار الأندلس ـ بيروت، لبنان. ط 6، 1984م.

2- آية اللّه السيد محمّد هادي الميلاني: قادتنا كيف نعرفهم، ج2 / الباب 16 (علي(عليه السلام) والقتال على تأويل القرآن)، ص: 77 ـ 78 / ط 1، مؤسسة الوفاء ـ بيروت، لبنان.

3- نهج البلاغة، ج2 / ص 39 ـ 40.


الصفحة 4


 

وقال (عليه السلام) أيضاً: "الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد... واحد لا بعدد ودائم لا بأمد..."(1).

فكما قال (عليه السلام) الخلق دالّ على وجود الخالق وحدوث الخلق دال على أزليّة الخالق، وتنزّه الخالق عن مجانسة مخلوقاته يدل على أن ليس كمثله شيء أو نفس لأنه هو خالق الكل والاشتباه بين المخلوقات ينزّه الخالق عن المخلوق، حتى صفة توحيد الخالق لا تشبه العدد.

أما صفة العدل الإلهي وصفة التخليق فهما توأمان لأن من يخلق الخلق ويرزق الخلق ويرأف بهم لا يمكن أن يظلم كما قال سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ )(2). وفي القرآن المجيد برهان مبين على صفة رأفة اللّه لأن في ابتداء كل سورة إلاّ سورة براءة، تذكير لنا أن اللّه رحمن رحيم. فبالجملة كل من صفات اللّه تعالى تنبعث هكذا من صفة التوحيد وصفة العدل، التوحيد منبع التخليق والتخليق ينشئ الرأفة والتخليق والرأفة يقتضيان العدل، ولكن كل هذه الصفات تقتضي من البشرية الأعمال التي تناسبها حتى تستحق الرأفة من الخالق العادل الرؤوف كما نقرأ في كتاب اللّه ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ )(3).

والصفات الأخرى التي تتعلّق بالتوحيد والتخليق والعدل، كالحكمة والعلم والحلم، منبعثة أيضاً الأخرى من الاُولى ولكن كلّ هذه الصفات الإلهية ليست كالصفات البشرية لأنها منبعثة من صفة التوحيد، والتوحيد كما نعرف من قول مولانا وسيدنا الإمام علي المرتضى ابن أبي طالب(عليه السلام)، ما لا نستطيع أن نتوهمه، قال (عليه السلام): "التوحيد أن لا تتوهمه والعدل أن لا تتهمه".

ونعرف أيضاً أن تأويل الإمام في هذه المسائل الدينية مبني على التنزيل من عند اللّه إلى رسوله محمّد المصطفى ابن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ونعلم أيضاً أن الإمام علياً

____________

1- نهج البلاغة، ج2، ص: 115.

2- سورة آل عمران، الآية: 182.

3- سورة آل عمران، الآية: 30.


الصفحة 5


 

المرتضى(عليه السلام) تعلّم علوم الدين من القرآن المجيد ومن تعاليم الرسول الأكرم الأعظم محمّد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالأنوار الإلهية والأضواء النبوية تطلع من كلام مولانا وسيدنا الإمام على المرتضى صلوات اللّه وسلامه عليه. وعلى الأسس والأصول الدينية والتنزيلية، مثلنا نقرأ في الآية الكريمة ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )، يرتكز التأويل الإلهامي الذي نجده في الأفكار العلوية في الخطبة الاُولى في نهج البلاغة: " أوّل الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه... فمَن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ومَن قرنه فقد ثنّاه ومَن ثنّاه فقد جزّأه ومَن جزّأه فقد جهله ومَن جهله فقد أشار إليه ومَن أشار إليه فقد حدّه ومَن حدّه فقد عدّه..."(1).

إنّ معرفة الخالق صعبة جداً على المخلوق لأنه شتّان بين شأن الوجود الواجب وشأن الوجود الممكن! وشتّان بين المطلق والمقيد! وشتان بين الأزلي الأبدي الدائم الباقي القديم والحادث الفاني الهالك الزائل الزماني! وأشار إلى تعسّر هذا الأمر، أي معرفتنا بالخالق، أي خالقنا وخالق الكون والوجود وخالق مطلق، رسولنا الأكرم الأعظم محمّد المصطفى ابن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قال فيدعو اللّه: "ما عرفناك حق معرفتك". وتلميذه وأخوه ووصيّه وصهره الإمام علي المرتضى ابن أبي طالب (عليه السلام) يقول: " إنّ أوّل الدين معرفته "، لا ليُسر هذا الأمر بل لأوّليته على رغم عسره! وفي قول آخر يقول الإمام (عليه السلام) إن الاخلاص أي التنزيه يقتضي نفي الصفات عنه، أي نفي الصفات كما نتصور ونتفهم الصفات لأنّ جميع صفات اللّه سبحانه تعالى، مثل صفة التوحيد، تتنزّه وتترفع عن التوهم البشري، كما قال الإمام علي(عليه السلام): "التوحيد أن لا تتوهمه" وأيضاً قال الإمام (عليه السلام): "إنّ اللّه أحد لا بتأويل عدد" أي لا بمعنى العدد لأننا نستطيع بهذا الوصف تثنيته وتجزئته، ونعوذ باللّه أن نرد إلى هذا الانتهاء من الجهل وظلمة الكفر!

وكما اتضح في شرح نهج البلاغة للشيخ محمّد عبده، جزاه اللّه أحسن الجزاء، "جهله أي جهل أنه منزّه عن مشابهة الماديّات مقدّس عن مضارعة المركبات. وهذا الجهل يستلزم القول بالتشخيص الجسماني ويستلزم صفة

____________

1- شرح ابن أبي الحديد، نهج البلاغة، ج1 / ص: 23، دار الهدى ـ بيروت، لبنان.


الصفحة 6


 

الاشارة إلى تعالى اللّه عن ذلك"(1).

وكما نعرف فإن الآية الكريمة لا تجوّز تحدد اللّه في أي مكان أو زمان ولا تعديده حتى بعدد الأحد بتأويل عدد لأن اللّه موجود في كل مكان وفي كل زمان ولا بتخصيص أي مكان أو زمان تبارك وتعالى سبحانه كما قال: ( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ )(2).

فمَن هو موجود في كل مكان وفي كل زمان لا يمكن الاشارة إليه ولا تحديده الزماني أو المكاني ولا تعديده حتى بعدد الأحد بتأويل العدد، وهذا هو المعنى الروحاني الذي ينطوي عليه قول الإمام علي المرتضى: "التوحيد أن لا تتوهمه". وهذا الإيمان بالتوحيد مع التنزيه والتجليل يردّ كل نوع من أنواع المعتقدات التجسيمية مع خرافاتها، ويصوننا من ظلمات الجاهلية. لأننا إن نتوهم إلهنا على أشكالنا وهيئاتنا وإن نقسه على أنفسنا يسقط قدره وتنحط منزلته عندنا ومعه نستكبر أنفسنا فنصير كإبليس إذ ( أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ )(3).

وكما هو واضح ولا حاجة لبيانه ولا لتوضيحه أنّ الاستكبار من أشدّ وأسوء أنواع الشرك لأن الاستكبار يجعل نفس المستكبر في موضوع المعبود والمستكبر يعبد نفسه بدلا من خالقه وربّه وهذا هو وضع الشيء في غير محلّه وهذا هو تعريف الظلم ولعن اللّه الظالمين في القرآن المجيد وأنذرهم بالعذاب الأليم ( وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) وإنما ( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) وإنّ العدل من الأوصاف الإلهية، أي الوصف الثاني (بعد الوصف الأوّل أي التوحيد).

وعلى أساس نص ( وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) قال الإمام علي(عليه السلام): " والعدل (الإلهي) أن لا تتهمه " لأننا نظلم أنفسنا بسب استكبارنا والاستكبار من أشد وأسوء أنواع الظلم لأنّ ابليس هو الذي أسس أساس الظلم باستكباره، كما قال سيدنا ومولانا الإمام علي (عليه السلام): "فعدو اللّه... سلف المستكبرين، الذي وضع أساس العصبية..."(4).

____________

1- الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، دار المعرفة ـ بيروت، لبنان، ج1 / ص: 15.

2- سورة البقرة، الآية: 115.

3- سورة البقرة، الآية: 34.

4- الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج2 / ص: 138، خطبة له(عليه السلام) تُسمى القاصعة.


الصفحة 7


 

والعدل نقيض الظلم وأيضاً من العدل تنبعث أوصاف الخالق والرازق، والحكيم والحليم، والرحمن والرحيم، والعليم وهكذا إلى آخرها فجميع هذه الأوصاف تؤكد لنا أن العدل الإلهي هو مصدر هذه الأوصاف بانتهاء جلاله وكماله فلا يتّهم عدله لما تقدم أيدينا! فلعنة الله على الذين لا يؤمنون بتوحيد الله ولا يعتقدون بعدل الله ويظلمون عباد الله وخلقه بسبب استكبارهم وأنانيّتهم وآخر الأمر ينحل المجتمع البشري وتتحلّل الحضارة والثقافة وفي انتهاء الأمر تفقد الآداب والعلوم والإنسانية وتتحول سيرة الإنسان إلى جبلّة الحيوان ( بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً )(1).

إنّ الإيمان بالتوحيد والعدل، كما اتضحت معانيهما في تأويل الإمام علي المرتضى(عليه السلام) للتنزيل القرآني على الرسول الأكرم محمد المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، قد أخمدا الشرّين في المجتمع أي العصبية، وغايتها الطبيعية أي الملك، في عهد الرسالة الإسلامية كما يقول ابن خلدون في " المقدمة "(2). لكن اشتعل هذان الشرّان من جديد بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وابن خلدون يستصوب ويوافق ويقبلهما معاً ـ أي العصبية والملك ـ على رغم اعترافه بأنّ الله ورسوله ذمّا العصبية والملك وردّاهما. أما رضا ابن خلدون بوجودهما وقبوله لهما فمبنيّ على شدّة اشتغاله وتولّعه بنظريته الاجتماعية الحيوانية التي أسّست أساسها على هذين ـ أي العصبية والملك ـ ففي نظريته إنّ العصبية العائلية القبائلية لازمة للعائلة والقبيلة، وللبطون أيضاً تتركب بها القبيلة كما يتركب البطن من العيايل، فكما واضح وبيّن أنّ كل هذه التراكيب والمركبات الاجتماعية تحصل عن روابط الحسب والنسب والنسل، وابن خلدون نفسه يعترف أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذمّ العصبية وردّها ومنعنا عن التفاخر على أساس الحسب والنسب والنسل(3): "إنّ الله أذهب عنكم عُبّيَّة (أي الكبر والفخر والنخوة) الجاهلية وفخرها بالآباء، أنتم بنو آدم وآدم من تراب" وقال تعالى ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ ). وجدناه أيضاً قد ذمّ الملك وأهله ونعى

____________

1- سورة الفرقان، الآية 44.

2- ابن خلدون: المقدمة، الصفحات: 244 ـ 246، 358 ـ 386.

3- ابن خلدون: المقدمة، ج1 / الفصل 28، انقلاب الخلافة إلى الملك، ص: 358.


الصفحة 8


 

على أهله أحوالهم من الاستمتاع... والاسراف... والتنكب عن صراط الله...

وعلى هذا الأساس والقياس قال الإمام علي(عليه السلام) في خطبته القاصعة: "فأطفؤوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية وأحقاد الجاهلية، فإنّما تلك الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته... واعتمدوا وضع التذلّل على رؤوسكم، وإلقاء التعزّز تحت أقدامكم، وخلع التكبّر من أعناقكم..."(1).

مع ذلك وعلى رغم جميع هذه الأوامر والنواهي تمرّدت قريش وأبت وتكبّرت عن اطاعة هذا الهدى والرشاد لأنّ العصبية والملك كانا لهم مصادر ثروتهم المالية ومراكز سلطتهم السياسية والاجتماعية وهذان ـ أي العصبية والملك ـ كانا عندهم أهم خطورة من أصنامهم وأوثانهم الثلاثة مائة وخمسة وستين، لهذا السبب وعلى رأس قريش كان رؤساؤهم مثل أبي جهل (عمرو بن هشام) وأبي سفيان (صخر بن حرب بن أمية) وكلّهم كانوا ألد أعداء الإسلام ومن أشد المناوئين لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن أعند المخالفين لدعوة التوحيد والعدل، أما الذين أسلموا من قريش فقد تقبّلوا الأوامر والنواهي الإسلامية وأطاعوا الرسول الأكرم في نهيه للعصبية والملك حتّى وفاته، أما بعد وفاته فرجعوا إلى أصلهم الماضي فاشتعلت العصبية في المجتمع العربي من جديد.

أخذت العصبية تشتعل بعد وفاة الرسول سريعاً في الاجتماع في سقيفة بني ساعدة إذ احتجّ أبو بكر وجادل الأنصار على أساس حديث رواه بنفسه حين الاجتماع في السقيفة، وهذا الحديث أنّ "الأئمة من قريش"! ولكن الحديث على مايظهر، يخالف ماأمر به ونهى عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في العصبية والملك كما مضى في الرواية السابقة في البحث على "المقدمة" عن ابن خلدون.

وعلى أساس الحديث انّ "الأئمة من قريش" أقام أبو بكر حجّته لاستحقاق قريش الامارة على غيرهم وكما نعلم فإنّ هذا ينافي العدل والانصاف في المجتمع الانساني ويناقض حقوق البشرية. طه حسين يبحث عن هذا الموضوع في كتابه(2) فيقول: "منذ ذلك الوقت نشأت في الإسلام أرستقراطية" وهذا مالا يجوز

____________

1- الشيخ محمد عبده: شرح نهج البلاغة، ج2 / ص: 141.

2- طه حسين: الفتنة الكبرى، عثمان، ص: 35 ـ 38.


الصفحة 9


 

في أي زمان أو مكان في المجتمع الإنساني ولا في الإسلام أيضاً لأنّه ينافي المساواة الاجتماعية. وبعده يقول طه حسين: "... ينبغي أن نستأني في تحقيق هذه الارستقراطية كما فهمها أبو بكر وأصحابه من المهاجرين وكما فهمتها قريش بعد ذلك... وأكبر الظن أنّهم (أي أبو بكر وأصحابه) إنّما فكروا في المهاجرين الذين سبقوا إلى الإسلام...". وبعده يقول طه حسين: "ولكن قريشاً فهمت قول أبي بكر على غير ما أراده هو وعلى غير مافهمه أصحابه في ذلك الوقت، فاستيقنت أن الامامة حق لها... ولو قد صحّ فهمها وتأويلها... لكان بنو هاشم أحقّ المسلمين بالإمامة...". وبعده يستنتج طه حسين من هذا البحث: "ومهما يكن من شيء فقد نشأت هذه الارستقراطية (أي ارستقراطية الطلقاء من بني امية) القرشية فجأة وعلى غير حساب من الناس، وكانت ارستقراطية قد غُلط بها، أراد أبو بكر أن تكون الإمامة في المهاجرين... فحوّلت قريش ذلك فيما بعد إلى منافعها وعصبيّتها، وخرجت بذلك عن أصل خطير من اصول الإسلام وهو المساواة... ولم تكد قريش تخطو هذه الخطوة حتّى اتبعتها خطوة أخرى كان لها أبعد الاثر في حياة المسلمين، وهي تفضيل العرب على غيرهم... انّ استئثار قريش بالخلافة جرّ على المسلمين كثيراً من الفتن...".

وتبيّن في السطور السابقة كيف اُحيِيَت العصبية من جديد وكيف اشتعلت نيرانها بعد خمودها، وتبيّن أيضاً ماكان من العلاقة القريبة والرابطة القوية بين العصبية والملك وكيف كانتا بمنزلة "صنمي قريش" وماكان انهدامهما إلاّ بوسيلة قوّتين روحانيّتين وهما قوة الإيمان بالتوحيد وقوّة الإيمان بالعدل.

فبعد ايحاء صنم العصبية نشاهد في التاريخ ـ أي تاريخ العرب والمسلمين ـ كيف صار احياء صنم الملك وهكذا حصل احياء "صنمي قريش" من جديد، ونستطيع أن نشاهد كيف بدأ هذا الاحياء في الرواية التالية: "ولما لقي معاوية عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند قدومه إلى الشام في اُبّهة الملك وزيّه من العديد والعدّة استنكر ذلك وقال: أكسروية يامعاوية؟ فقال: ياأمير المؤمنين إنّا في ثغر تجاه العدو بنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة; فسكت ولم يخطئه لما

 


الصفحة 10


 

احتجّ عليه بمقصد من مقاصد الحق والدين... "(1).

وكما هو واضح فهذا الاعتذار من جانب معاوية بن أبي سفيان إلى عمر بن الخطاب كان خالياً عن الصدق ومعرّى من الحق والاخلاص كما ينكشف من الرواية التالية في شرح فتح العراق واستخلاص الملك من الفرس: "... وحين ورد الخبر إلى العجم بوصول سعد (ابن أبي وقاص) بالجيش، ندبوا رستم في ثلاثين ألف مقاتل، وكان جيش العرب من سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف ثم اجتمع إليهم بعد ذلك ناس فالتقوا، فكان العجم يضحكون من نبل العرب، ويشبّهونها بالمغازل".

"وهاهنا موضع حكاية تناسب ذلك لا بأس بايرادها، حدّثني فلك الدين محمّد بن أيدمر قال: كنت في عسكر الدويدار الصغير لما خرج إلى لقاء التتر بالجانب الغربي من مدينة السلام، في الواقعة العظمى سنة ست وخمسين وستمائة. قال: فالتقينا بنهر بشير من أعمال دجيل، فكان الفارس منّا يخرج إلى المبارزة وتحته فرس عربي وعليه سلاح تام، كأنه وفرسه الجبل العظيم، ثمّ يخرج إليه من المغول فارس تحته فرس كأنّه حمار، وفي يده رمح والرمح كأنّه المغزل وليس عليه كسوة ولا سلاح، فيضحك منه كلّ من رآه، ثم ماتمّ النهار حتّى كانت لهم الكرة، فكسرونا كسرة عظيمة... "(2).

ثم يرجع الرواية إلى فتح العراق واستخلاص الملك من الفرس: "ثم ترددت الرسل بين رستم وسعد، فكان البدوي يأتي إلى باب رستم وهو جالس على سرير الذهب، وقد طرحت له الوسائد المنسوجة بالذهب، وفرش له الفرش المنسوج بالذهب، وقد لبس العجم التيجان واظهروا زينتهم، وأقاموا الفيلة في حواشي المجلس، فيجيء البدوي وفي يده رمحه وهو متقلد سيفه متنكب قوسه فيربط فرسه قريباً من سرير رستم، فيصيح العجم عليه ويهمّون بمنعه فيمنعهم رستم، ثم يستدنيه فيمشي إليه متكئاً على رمحه، يطأ به ذلك الفرش وتلك

____________

1- ابن خلدون: المقدمة، ج1 / الفصل 28، انقلاب الخلافة إلى الملك، الباب3، ص: 360.

2- محمّد بن علي بن طباطبا (المعروف بابن الطقطقي): كتاب الفخري، ص: 57 ـ 58، المطبعة الرحمانية ـ مصر 1354 هـ / 2937م.


الصفحة 11


 

الوسائد فيخرقها بزُجّ رمحه وهم ينظرون إليه فإذا وصل إلى رستم راجعه الحديث فكان رستم لا يزال يسمع منهم حكم وأجوبة تروعه وتهوله"(1).

فمن هذه الرواية يتضح لنا أنّ اعتذار معاوية بن أبي سفيان كان خدعة قد خدع بها الخليفة عمر بن الخطاب، ولكنّي لا أعتقد أنّ عمر بن الخطاب خُدع بل أنّه سكت لمصالحه السياسية وهو كان رجلاً فطناً وكان أعرف بمصالحه السياسية من معاوية بن أبي سفيان، كما أنّه كان يعرف بأنّ الامويين كانت لديهم الثروة والأموال وكانت سياستهم مبنيّة على أموالهم، وكانوا يشترون تأييد الناس لسياستهم بأموالهم وبثروتهم. وكما قال عظيم المعرة، أي أبو العلاء المعرّي:

 

الدهر كالدهر والأيام واحدة

والناس كالناس والدنيا لمن غلبا

 

وفي محل آخر قال أبو العلاء:

 

أرائيك، فليغفر لي الله زلّتي

بذاك، ودين العالمين رياء

 

والتاريخ يشهد أن أهل الثروة وأهل المال يخشون المحرومين ويخافون شدّة بطشهم لحرمانهم كما يتضح من الرواية السابقة، فللوقاية من بطش المحرومين وللدفاع عنهم، اشترى معاوية ضمائر هؤلاء الذين كانوا يحتاجون الأموال من عنده وماكان يعطيهم ماطلبوا وسألوا منه في سبيل الله، بل كان عطاؤه لتأييدهم لملكه، فهذا الملك كان الصنم الثاني من صنمي قريش حيث كانت العصبية صنمهم الأوّل! وابن خلدون يحاول بأقصى جهده، حلّ هذه المسائل التي تنشأ من "انقلاب الخلافة إلى الملك": "فقد تبيّن لك كيف انقلبت الخلافة إلى الملك، وأن الأمر كان في أوّله خلافة، ووازع كل أحد فيها من نفسه وهو الدين، وكانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى هلاكهم وحدهم دون الكافة... وهكذا كانت أحوالهم في اصلاح دينهم بفساد دنياهم ونحن:

 

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا

فلا دينُنا يبقى ولا ما نرقّع

 

فقد رأيت كيف صار الأمر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحرّي الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق، ولم يظهر التغيّر إلاّ في الوازع الذي كان

____________

1- المصدر السابق.


 


الصفحة 12


 

ديناً ثم انقلب عصبية وسيفاً..."(1).

إنّ اعتراف ابن خلدون ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذمّ العصبية والملك وردّهما ومن حيث أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان ينطق عن الهوى بل كان ينطق بما يوحى إليه من عند الله عزّ وجلّ، هذا الرّد والتذميم كان من جانب الله سبحانه تعالى ولكن على رغم هذه الحقيقة فإنّ ابن خلدون لا يترك نظريّته الاجتماعية الحيوانية التي تستند إلى الغلبة في السياسة فحسب بدون أيّ انتماء إلى أصول الأخلاق أو الشريعة أو أي قانون إلاّ أنانية المستبد وعصبية رهطه كما قال هو في الفصل السابع عشر، الباب الثاني، في البحث " أنّ الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك "(2)، وحيث هو (ابن خلدون) يقول: "فلابدّ أن يكون (الوازع أو الحاكم) متغلّباً عليهم (على القوم أو الأمة) بتلك العصبية... وهذا التغلّب هو الملك... و... الملك فهو التغلّب والحكم بالقهر... و... التغلّب والقهر... مطلوب للنفس. ولا يتمّ اقتدارها عليه إلاّ بالعصبية التي يكون مطبوعاً عليها. فالتغلّب الملكي غاية للعصبية كما رأيت"(3).

وماهو بيّن ولا حاجة لبيانه أنّ ابن خلدون استند إلى الحوادث والوقائع التأريخية في المجتمع العربي في نظريّته الاجتماعية الحيوانية، ولا حرج ولا بأس فيه ولكن الحرج والبأس في تأييده بنظريّته للمتسبدين وللّذين يبتغون الإنفراد بالمجد(4)، لأنّ الانفراد بالمجد يدفعهم طبعاً إلى الاستكبار مثل ابليس، أي إلى عمل الشيطان وإلى الظلم والجور.

تأييد ابن خلدون لنظريّته مبنيّ على أهمية العصبية والملك، على رغم اعترافه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذمّهما وردّهما، وهو ما يجرّه إلى حدّ التناقض، وتضل به الأكثرية من السواد الأعظم لالتباس آرائه ولابهام أفكاره. فمثلاً في بحثه عن التغيّر في الوازع من الدين والضمير البشري إلى العصبية والسيف (أي سيف الملك والتغلّب والسلطة) نرى أنه على رغم اعترافه بهذا التغيّر الأساسي، فهو

____________

1- ابن خلدون: المقدمة، ج1 / ف 28، انقلاب الخلافة إلى الملك، باب 3 / ص: 368 ـ 369.

2- المصدر السابق، ص: 244.

3- ابن خلدون: المقدمة، ج1 / ف 27، الباب الثاني، في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل، ص: 244 ـ 245.

4- المصدر السابق، ص: 244 ـ 245.

 


الصفحة 13


 

يصرّ على أنّ معاني الخلافة والدين بقيت بين الناس! فما هي معاني الدين؟ وماهي معاني العصبية؟ وماهي معاني السيف (أي سيف الملك)؟ وماهي معاني الضمير؟ ألا تختلف معاني هذه الكلمات (الدين والضمير، الملك، العصبية والسيف) المختلفة، كلّ الاختلاف، الواحدة عن الأخرى؟ وماهو معنى الشعر الذي تمثّل به ابن خلدون في عبارته السالفة الذكر إذ يقول:

 

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا

فلا دينُنا يبقى ولا مانرقّع

 

فهذه التناقضات تجرّ ابن خلدون إلى تناقضات أخر، فنراه يستصوب عصبية الأمويين ويؤيد تأييد قريش للأمويين في سعيهم وجهودهم الباطلة للتغلّب والسلطة والملك، على رغم اعترفه أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذمّ العصبية والملك، وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان مأموراً بهذا من جانب الله لأنّه ماكان ينطق عن الهوى بل بوحي يُوحى. فإنّ قيّد ابن خلدون قلمه وحصره على تذكر الشعر الذي يشير إلى الخسران في الدنيا وفي الآخرة، لما ازدادت التناقضات والاضطرابات في أفكاره وعباراته التي تلي الشعر المذكور! لأنّه إذا انقلبت الخلافة إلى الملك وتغيّر الوازع عن الدين والضمير إلى العصبية والملك وسيفهما ـ أي الاستبداد والجور ـ كيف يبقى "التحري بالدين والجري على منهاج الحق"؟! فهذا الانقلاب ـ أي انقلاب الخلافة إلى الملك ـ يذكرنا بالآية القرآنية ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ )(1).

وإنّ هذه الآية التي تلاها أبو بكر لعمر بن الخطاب لمّا كان يهدّد بعضاً من الناس ويمنعهم عن ذكر وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه (أي عمر) كان يصرّ على أنّ الرسول لا يُتوفى، فكيف نّسيت هذه الآية لما اشتعلت العصبية (أي العصبية القرشية) في السقيفة وقبل دفن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، والهاشميون مشغولون بدفنه فلم يحضروا في اجتماع السقيفة؟! إلى هذه الوقائع أشار مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام) كما يلي "واعجباه! أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة؟!" ورُوي له شعر في هذا المعنى:

____________

1- سورة آل عمران، الآية: 144.

 


الصفحة 14



"فإنّ كنتَ بالشورى ملكت أمورهم

فكيف بهذا والمشيرون غيّب

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب"

 

(ويشرح الشيخ محمّد عبده في الذيل): "غُيّب: جمع غائب، يريد بالمشيرين أصحاب الرأي في الأمر وهم عليّ وأصحابه من بني هاشم (وفي الشعر الثاني) يريد احتجاج أبي بكر على الأنصار بأنّ المهاجرين شجرة النبيّ"(1). ونعرف أن أبا بكر قال في السقيفة " الأئمة من قريش " وما ذكر اسم المهاجرين وجرّ هذا السهو إلى سوء الاستفادة من قريش مكة لا المهاجرين من قريش! وكان هذا السهو خطيراً عنيفاً جداً للمجتمع العربي، كما يقول طه حسين في تأليفه "الفتنة الكبرى: عثمان" فليراجع.

فعرفنا كيف نشأت واشتعلت العصبية من جديد بعد خمودها، وأيضاً كيف تلاها الملك نشوءاً واشتعالاً بحدّته وشدّته، فما كان لأي عامل في المجتمع، سواء كان روحانياً أم مادياً، أن يقاوم هذين الصنمين، صنمي قريش (العصبية والملك) إلاّ بالتوحيد الذي انهدم بتأثيره الصنم الأول (أي العصبية للعشيرة وللقبيلة)، والعدل الذي انهدم بتأثيره الصنم الثاني (أي الاستبداد بالملك) ولولا التوحيد والعدل وتأثيرهما في المجتمع لاستولى صنما قريش ـ أي العصبية لقبيلة قريش وملكهم ـ على الناس بدون أي احتجاج أو مقاومة من أي شخص أو جماعة ونتيجة ذلك نسيان المساواة الإسلامية والعدالة الاجتماعية، ولصار المجتمع ونظامه استبدادياً إلى أبد الدهر.

كان استشهاد الإمام علي وأبنائه الحسن والحسين (عليهم السلام) في سبيل الله وللدفاع عن تقديس التوحيد والعدل ولابقاء ذكرهما في ضمائر الناس وفي المجتمع الانساني فكان هذا الصراع بين صنمي قريش ـ العصبية والملك ـ على جانب وعلى الجانب الآخر التوحيد والعدل، أساسيّ للإسلام، ولعب صنما قريش دوراً عنيفاً وشنيعاً فيه كما يشير ذلك أبو العلاء المعري في "اللزوميات" في "نكر الأيام":

 

أرى الأيّام تفعل كلّ نكر

فما أنا في العجائب مستزيد

 

____________

1- الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج4 / ص: 43 ـ 44.

 


الصفحة 15


 

أليس قريشكم قتلت حسيناً

وصار على خلافتكم يزيد؟!(1)

 

وأيضاً يرثي أبو العلاء المعري علياً ونجله، وههنا رثاؤه مع كلمات جورج جرداق في التمهيد: " فالمآسي الكبار حلقات متصلة من سلسلة واحدة صاغها كفر العتاة بالخير وجحود الطغاة لقيم الحياة التي لا تعدلها قيمة، قال عظيم المعرّة:

 

وعلى الدهر من دماء الشهيدين

عـلـيّ ونـجـلـه شـاهـدانِ

فـهما في أواخر اللّيل فجرانِ

وفـي أولـيـاتـه شـفـقـانِ

ثـبتا فـي قميصه ليجيء الـ

ـحشر مستعدياً إلى الرحمانِ(2)

 

كما هو واضح، تاهت أفكار ابن خلدون المضطربة بين اعتقاده بالقرآن المجيد ونظريته المربوطة بصنمي قريش (العصبية والملك) أي بين أصول الإسلام وعُبِّيَّة الجاهلية، فمرة هو يعترف بعلوّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) وتارةً هو يدافع عن سياسة معاوية بن أبي سفيان ويعتذر لزلاّته في حصول الملك بالعصبية والجور، وتأييد ابن خلدون لعصبية الأمويين يجرّه إلى تفضيل عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير بناءً على اعتقاده بعدالة عبد الملك بن مروان رغم استبداده(3).

أما في مسألة قيام الإمام الحسين بن عليعليهما السلام، فحتى ابن خلدون نفسه يعترف بفضيلة الإمام سبط الرسول وابن فاطمة الزهراء(عليها السلام)، ويرد افتاء القاضي أبي بكر بن العربي المالكي في كتابه "العواصم والقواصم" (أو كما في المنجد في الأعلام: العواصم من القواصم) لأنّه إذا أفتى كان يخبط خبط عشواء، فابن خلدون ردّ عليه كما يلي: "قد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سماه العواصم والقواصم مامعناه أنّ الحسين قُتل بشرع جدّه، وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومَن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء؟!!"(4).

____________

1- أبو العلاء المعرّي: لزوم مالا يلزم، ج1 / ص: 337.

2- جورج سجعان جرداق: الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ج5، علي والقومية العربية، ص: 222 ـ 223. دار مكتبة الحياة 1970م.

3- ابن خلدون: المقدمة، ص: 385.

4- ابن خلدون: المقدمة، الباب الثالث / ف 30، في ولاية العهد، مقتل الحسين، ص: 384.

 


الصفحة 16


 

ولكن ابن خلدون نفسه، ولو أنّه لا يخبط خبط عشواء كالقاضي أبي بكر المالكي، فإنّه لم يزل يتيه مفتوناً في اعتقاده بنظريّته مربوطاً بالعصبية والملك، على رغم اظهار تدينه! فليس عنده ولا عندنا أي أمل أو رجاء إلاّ بالاعتقاد في أصل أصول الدين وهو التوحيد وصفة منبعثة من التوحيد أي العدل كما علّمناهما سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) "التوحيد أن لا نتوهمه والعدل أن لا نتهمه ". إنّ التوحيد كما تعلّمناه من تعاليم الإمام علي المرتضى(عليه السلام) أرفع من التوهم ومنزّه عن التجسيم، فلا نستطيع أن نقيس الخالق على أنفسنا، والعدل بريء عن التهم وتنحل به البهم لأنّ الخالق سوّى أنفسنا وألهمنا الفرق والامتياز بين الفجور والتقوى، أي ماهو الشر وماهو الخير فإنّنا مسؤولون عن ماتقدمه أيدينا كما نقرأ في القرآن المجيد: ( وَنَفْس وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها )(1).

إنّ التوحيد والعدل (أي العدل الإلهي) اسمان من أسماء الصفة ولكن الحقيقة التي هي سرّ الوجود أو جوهره، هذه الحقيقة واحدة لا بمعنى العدد أو تأويله بل بمعان فوق النطق والمنطق البشري وفيما وراءه، ومع هذا نحن نضطر أن نتكلم ونحكي ونبحث بهذا الموضوع في الإلهيات لتطمئن قلوبنا، ولا بأس فيه لأنّ الأنبياء والرسل سألوا الله ذلك لاطمئنان قلوبهم: ( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي )(2).

وكما قدّمت في هذا البحث، كل الصفات تنبعث من وجود الواجب المطلق أي خالق الكل، فالصفة الأولى هي صفة التوحيد وصفة العدل وجميع الصفات الإلهية الأخر تنبعث من التوحيد. وكل واحد من هذه الصفات لاتتوهّم ولا تتّهم، كما تعلمنا من كلمات مولانا وسيدنا الإمام علي المرتضى(عليه السلام) في التوحيد والعدل لأنهما ليستا كالصفات البشرية.

كما قدّمت، نحن نحتاج إلى الايمان بالتوحيد والعدل لفلاحنا ونجاتنا في الدارين، في الدنيا والآخرة ويلزم علينا أن يكون إيماننا مطابقاً لما تعلّمناه من

____________

1- سورة الشمس، الآيات: 7 ـ 10.

2- سورة البقرة، الآية: 260.

 


الصفحة 17


 

تعليمات الإمام علي المرتضى(عليه السلام) وكما هو نفسه تعلّم من القرآن المجيد وعن الرسول الأكرم محمّد المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) فلنقرأ من معارفه في التوحيد:

"ما وحّده مَن كيّفه ولا حقيقته أصاب مَن مثّله ولا إيّاه عنى مَن شبّهه ولا صمده مَن أشار إليه وتوهّمه..."(1).

وأيضاً يلزمنا تذكر ماقدمت من قبل من أفكار مولانا وسيدنا الإمام علي(عليه السلام)في التوحيد والتنزيه، ولابدّ من الاجمال والاختصار بتقديمنا أمثلة من كلام الإمام علي (عليه السلام) هنا في هذه المقالة، وأرجو أنّ القارئين سيقرؤون خطب الامام (عليه السلام)لتأكيد ما أبحثه هنا من أفكاره (عليه السلام) في التوحيد والعدل. وكما اتضح من هذا البحث فإنّ التأويل العلوي يوضح التنزيل الإلهي على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو حقه وكما قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ان علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القـرآن كما قاتل الرسول على تنزيله(2). ولأنّ التوحيد والعدل أصل الأصول في إيماننا وديننا وأهم أركان الإيمان والدين، كان التوحيد والعدل من جانب وأركان صنمي قريش ـ العصبية والملك ـ من جانب آخر من أهم أسباب الاختلاف والصراع الصارم بين الطرفين، فهذا هو السبب الأصلي للقتال بين الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)ومخالفيه من زعماء قريش على التنزيل وكان امتداد هذا القتال، القتال بين وصيّه الإمام علي (عليه السلام)ومناوئيه المتعصبّين لعصبية قريش وملكهم. وكانت مخالفة قريش ومناوأتهم للإسلام لمصالحهم الذاتية الاستئثارية ولحفظ ثروتهم وأموالهم وسلطتهم السياسية والاجتماعية، وههنا ماقاله مولانا وسيدنا الإمام علي المرتضى(عليه السلام)بالايجاز في وصف الأوضاع السياسية والاجتماعية العصرية في زمانه وأعمال الأشخاص وتعاملهم فيها: "إنّ الوفاء توأم الصدق ولا أعلم جنّة أوقى منه، ولا يغدر مَن علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. مالهم قاتلهم الله، قد يرى الحُوّل القُلّب وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها،

____________

1- الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، من خطبة له(عليه السلام) في التوحيد، ج2 / ص: 119.

2- آية الله السيد محمّد هادي الميلاني: قادتنا كيف نعرفهم، ج2، الباب 16 / ص: 77 ـ 78.

 


الصفحة 18


 

وينتهز فرصتها مَن لا حريجة له في الدين"(1).

لقد تغيّر الزمان ومعه تغيّرت الدنيا! نُسي الإيمان بالأقدار الروحانية والقيم الأخلاقية. عطّل الاعتقاد بالتوحيد والعدل وانقلب المجتمع العربي إلى ماضيه الجاهلي واعتقاده بصنمي قريش ـ العصبية والملك ـ وكان في وسط هذا الانقلاب على الأعقاب الرهط الذي كان يقود الجماعة التي كانت لها العصبية لقريش وبالأخص للأمويّين الذين كانوا يمثلون العصبية الكبرى ـ ويشير إلى غلبة العصبية الكبرى ابن خلدون في المقدمة ويبحثها مع الملك المستبد(2) ـ وهذه العصبية الكبرى كانت تقود المجتمع العربي إلى الإنقلاب على الأعقاب وإلى الرجعة القهقرية حتّى الانتهاء بالجاهلية التي تمت بخلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان! فبهذا الانقلاب القهقري استبدل أهل العصبية حكمة رسالة التوحيد والعدل باستبداد العصبية والملك فخالفوا تأويل التنزيل واتبعوا أمانيّهم الأنانية الباطلة وعاندوا المساواة الإسلامية بتأييدهم لملكهم وسلطتهم ولانفرادهم بالمجد، وليس مجدهم بمجد حقيقي بل كان هو تفاخرهم وتكبّرهم فقط، فهكذا انقلبوا على أعقابهم إلى الجاهلية الأولى!.

كان معاوية جسوراً في تظاهره بالتديّن لأنه تأكّد أن زعماء قريش كانوا محتاجين إليه لعصبيّته وعصبية عشيرته من الأمويين وأيضاً لثروته وثروة عشيرته وكان لا يبالي بأي مانع أو رادع أو وازع وكان لا يهتم بأي تذميم أو تحريم أو ترديد في تعقيبه لهدفه، فهدفه تحصيل السلطة والتسلط والملك والتملّك والغلبة والتغلّب على جميع الناس والأقاليم. وكان يتهكم ويستهزئ بأي تذميم أو ترديد أو تحريم للعصبية والملك من جانب الله ورسوله الأكرم. والإمام علي(عليه السلام) وصيّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قال مايلي في معاوية وسياسته: "والله مامعاوية بأدهى منّي ولكنّه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنتُ من أدهى الناس; ولكن كلّ غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة، والله ماستغفل

____________

1- الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج1 / ص: 92.

2- ابن خلدون: المقدمة، الصفحات: 244 ـ 245، 254، 294، 324، 326.

 


الصفحة 19


 

بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة"(1).

فنعرف أن الغدر والرياء (أو النفاق) توأمان، الواحد يلزم الآخر! فيكفي من جانب الحق والدين والأخلاق الحسنة والإنسانية جواباً حاسماً لاستهزاء أهل الباطل كمعاوية ورهطه وتهكمهم: ( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ * اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ )(2).

فهذا هو الجواب من أهل الحق للمنافقين من أمثال معاوية بن أبي سفيان، ونعرف أن المبادلة والمساومة للمنافع الشخصية والاستفادات السيئة كانت مستمرة من وراء استار النفاق والرياء، كما أشار إليه الإمام علي(عليه السلام): "عجباً لابن النابغة (عمرو بن العاص) يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة وأني امرؤ تلعابة أعافس وأمارس. لقد قال باطلاً ونطق آثماً، أما وشرّ القول الكذب إنّه ليقول فيكذب ويعد فيخلف ويَسأل فيلحف ويُسأل فيبخل ويخون العهد ويقطع الإلّ فإذا كان عند الحرب فأيّ زاجر وآمر هو، مالم تأخذ السيوف مآخذها.... أما والله إنّي ليمنعني من اللّعب ذكر الموت وإنّه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة، إنّه لم يبايع معاوية حتّى شرط له أن يؤتيه أتيّة ويرضخ له على ترك الدين رضيخة"(3).

لا يصلح العيش والمعاش الانساني إلاّ في جوّ متمدّن متصف بالثقافة مرتّب بالشرائع أو منظّم بالقوانين. أمّا الشرائع أو القوانين فلا تنفع من دون عامل آخر أي الضمير أو الوجدان والتهكم والاستهزاء إن غلبا على المرء وضميره (أو وجدانه) فقد المرء الإيمان والاعتقاد بالأصول الأخلاقية واستعداده للتمييز بين مايجوز ومالا يجوز، أي بين الخير والشر والحسن والقبيح، فبعد هذا الفقدان يعمل المرء حسب أغراضه الشخصية وحسب أنانيّته، وبين أنانيّة البشر والعصبيات العائلية والقبائلية والقومية وغيرها اتصال ورابطة فلهذا يميل المرء إليها ـ أي إلى العصبيات ـ وكما قال ابن خلدون، الملك هدف طبيعي للعصبية

____________

1- الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج2 / ص: 180 ـ 181.

2- سورة البقرة، الآيتان: 14 ـ 15.

3- الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج1 / 147 ـ 148.

 


الصفحة 20


 

البشرية. وعليه فإنّ الخصلة الوحيدة التي تحول بين الخير والشر والحسن والقبيح هي الإيمان بالله ورسله وأنبيائه والعمل بأوامرهم والاجتناب عن نواهيهم ونعلم أن الله ورسوله أمرانا بالمؤاخاة البشرية والمساواة الإجتماعية لأنّنا من نسل آدم وحوّاء فلا يجوز لنا التفاخر النسلي أو الطبقاتي كما نقرأ في القرآن المجيد وكتب الأحاديث وأيضاً كما نقرأ في ديوان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام):

 

الناس من جهة الأمثال أكـفاء

أبـوهـم آدم والأمّ حوّاء

وإن يكن لهم من أصلهم شرف

يفاخرون به فالطين والماء

 

العصبيات العائلية والقبائلية والنسلية والقومية تنشىء التفاوتات الاجتماعية والمالية مع المنافسات بين الأفراد وتنتهي إلى المعارك بينهم فتزداد بينهم الخصومة وهذا هو سبب تذميم العصبية وتحريمها من جانب الله الخالق الودود الرؤوف ومن جانب رسوله الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأيضاً سبب تذميم الملك بدون العدل، وهكذا انهدم صنما قريش بالإيمان بالتوحيد والعدل الإلهي..

هذه هي حكمة الله في اصلاح المخلوق وينزل الله رحمته علينا بعد ابتلائنا قال سبحانه تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )(1)، ( كُلُّ نَفْس ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ )(2). وهذه سنّة الله التي لا نجد فيها أيّ تبدل أو تغيّر مدى الدهر وطول الزمن: ( سُنَّةَ اللّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً )(3).

ونجد في كلام مولانا وسيدنا الإمام علي(عليه السلام) التأويل للتنزيل في خطبه وكلامه بالتفصيل، ولكن لقيد الإجمال أنا أقدم هنا بعض حكمه من الخطبة المعروفة بالقاصعة، كما قال الشيخ محمّد عبده في شرحه " لأنّ الإمام (عليه السلام) حقّر فيها حال المستكبرين، ولأنّ سامعها لو كان متكبراً ذهب تأثيرها بكبره كما يذهب

____________

1- سورة البقرة، الآيات: 155 ـ 157.

2- سورة الأنبياء، الآية: 35.

3- سورة الفتح، الآية: 23.


 


الصفحة 21


 

الماء بالعطش" وتتضمن هذه الخطبة ذم الاستكبار والعصبية والحمية والتعصب والجهل والجاهلية، وأما الكلمات التي تأوّل معاني الآيات السابقة فههنا:

"... ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ويتعبّدهم بأنواع المَجاهد ويبتليهم بضروب المكاره إخراجاً للتكبّر من قلوبهم واستكاناً للتذلّل في نفوسهم وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً إلى فضله وأسباباً ذُلُلاً لعفوه..."(1).

الأسفار التنزيلية من عند الله إلى الرسل والأنبياء من آدم ونوح وإبراهيم وأيوب إلى موسى وعيس ومحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، تشهد على حكمة الخالق في تخليق الخلق والمخلوق وتكوين الكون والكائنات، وتتابعت الأديان الإلهية والرسالات الإلهامية لهدايتنا إلى الحق وارشادنا إلى العدل ولقيامنا ضد العصبية والاستبداد واخلاصنا في الإيمان بالتوحيد والعدل الإلهي، ولأنّ الله أقرب الينا من حبل الوريد، لذا نوره مضمر في ضمائرنا(2).

وكما قدمنا من قبل، هو الذي خلقنا وسوّى أنفسنا(3)، وألهمنا التمييز بين الخير والشر فكلّ واحد منّا مشغول في الحياة الدنيا ونسأل ونحاسب يوم الحساب عما قدّمت أيدينا ( وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ )(4). وبينما السماوات والأرض والجبال أشفقن وأبين أن يحملن الأمانة حملها الإنسان نتيجة لظلمه وجهله(5)، وكما قال سبحانه تعالى ( لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ )(6).

فالظالمون هم المحرومون من فضله ورضاه سبحانه تعالى والمؤمنون لهم أجر عند الله كما قال سبحانه وتعالى ( إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ )(7).

وتكرّر في القرآن المجيد اللعن على الظالمين والمستبدين وبالسوية أو

____________

1- الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج2 / ص: 148.

2- سورة ق، الآية: 16 / سورة النور، الآية: 35.

3- سورة الشمس، الآيات: 7 ـ 10.

4- سورة آل عمران، الآية: 182.

5- سورة الأحزاب، الآية: 72.

6- سورة البقرة، الآية: 124.

7- سورة الشعراء، الآية: 227.

 


الصفحة 22


 

أكثر يذكر رحمة الله ورأفته وكرمه وعفوه وغفرانه، لكي يقتدي المؤمنون بالسماحة لخصومهم الذين ظلموهم، ونجد هذا التذكّر في جميع الرسالات التنزيلية مدى القرون والزمان فيشاهد هذا التسلسل الروحاني على الحكمة الربّانية في التخليق والتكوين للعالم والخلق والكون ولكل شيء ونفس فيه، وفي هذه الحكمة الربّانية توجد المعاني والرموز التي تشير إلى غاية وجودنا وغرض حدوثنا: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآيات لأُولِي الأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ)(1).

فلا أمل لنا لمعرفة المعاني في وجود العالم وفي وجودنا أو لمعرفة غاية الوجود وغرضه إلاّ بالإيمان بتوحيد اللّه وبعدله سبحانه وتعالى ومن دون الإيمان بالتوحيد والعدل لا أمل لنا في الأمن والسلم والعدل بين الناس أو في سلامة الحياة البشرية. إن ننصرف عن الرسالة التنزيلية، تنسحب عنا البركة والسلام، والسلامة اُنزلت علينا برحمة اللّه ونفقد المعرفة والعرفان التأويلي المضمر في الإيمان بتوحيد اللّه وعدله سبحانه وتعالى.

كما يشهد لنا التاريخ الديني والانساني أننا في قيامنا ومقاومتنا وكفاحنا ومكافحتنا ضد صنمي قريش ـ العصبية والملك ـ لا قوّة لنا إلاّ بالإيمان بتوحيد اللّه وبعدله. وكما قال مولانا وسيّدنا الإمام علي(عليه السلام) التوحيد أن نتوهمه والعدل أن لا نتهمه، فربّنا وخالقنا هو الذي لا يوصف ولا ينطق به وكما أن الإمام(عليه السلام) تأوّل التنزيل في خطبه وأقواله أنّ سبحانه وتعالى لا مثيل له وأنه أحد لا بتأويل عدد وأنه لا يوصف لأنه ما وحده من كيّفه وأنّ كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، فبالاجمال نؤمن باللّه الخالق الواحد الوحيد الأحد ونعترف أنا ما عرفناه حقّ معرفته (كما ورد في الحديث) وتحيّرنا بأسباب وجود الكون ووجودنا ودهشتنا بعلل حدود الحوادث تجذبنا إلى الإيمان بوجود الخالق، هو خالق الكل وموجد الوجود ومحدث الحدوث وهو الواجب الوجود! وهذا الإيمان وهذا الاعتقاد منبعهما التنزيل والتأويل تعلّمناهما عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام علي (عليه السلام)

____________

1- سورة آل عمران، الآيتان: 190 ـ 191.

 


الصفحة 23


 

نُجّينا بهما من ظلمات الخرافات التجسيمية والصنمية والوثنية.

العدل كما نعتقد صفة تتلو وتتابع، عقلياً ومعنوياً، صفة التوحيد، وصفة العدل ليست إضافية بل صفة العدل تنبعث من صفة التوحيد وهكذا الصفات الأخر منبعثة أيضاً وليست اضافية ولا منال لنا ولا مجال في غوامض أسرار كنه ذاته سبحانه وتعالى لأنّ الرسل والأنبياء أنفسهم اعترفوا بعجزهم في هذه المسألة أما صفات الله المشتقة من الأسماء الحسنى فبامكاننا البحث فيها. نعرف من تأويل مولانا وسيدنا الإمام علي (عليه السلام) أنّ صفة التوحيد ليست بمعنى العدد لأن " من أشار إليه فقد حدّه ومَن حدّه فقد عدّه ومَن عدّه فقد جزّأه " وهذا ليس بتعريف الخالق الأحد الصمد، فعلى هذا الأساس هو سبحانه وتعالى ليس بمركب من الصفات بل صفاته منبعثة من ذات الواحد الوحيد الأحد الخالق العادل الحكيم الرحمن الرحيم وانبعاث الصفات الحسنى من ذات الله سبحانه تعالى لازم، يقتضيه العقل والمنطق لأنّ الله هو الخالق المطلق ويلزم التخليق الحكمة والعدل والرأفة والكرم والرحمة وغيرها من الصفات، وإنّ انبعاث جميع صفات الله المذكورة في الأسماء الحسنى من منبع واحد أي ذات الله سبحانه وتعالى الواحد والوحيد والأحد ووحدته يعني أنّها لا تُعدّ وعدله أنّها لا تفقد. انبعثت صفة عدله تعالى من وحدة ذاته المنزهة المقدسة وكما قضى التوحيد على العصبية (الصنم الأول من صنمي قريش)، قضى العدل على الاستبداد في الملك (الصنم الثاني من صنمي قريش). والإيمان بالتوحيد يقتضي الإيمان بجميع صفات الله سبحانه وتعالى لأنّ البقية من صفاته عزّ وجل تنبعث من توحيده وكما يدل توحيده على وحدة ذاته فعدله يدل على عصمة ذاته وسموّ صفاته، جلّ جلاله وتجلّى كماله.

الإيمان بالتوحيد وبالبقية من الصفات الإلهية المنبعثة من الصفة الأولى يحرّر عقولنا وأفكارنا من المعتقدات الخرافية وأيضاً من خبط عشواء الملاحدة ومن خلوّ عقولهم عن معاني الحياة والوجود وغاياتهما وبعد تحرير عقولنا، يلهمنا الإيمان بالتوحيد بحكمة الخالق وبمعنوية الحياة والوجود وبغاياتها وبأنّ خلق المخلوق وتكوين الكون ماكان باطلاً، فندعوه سبحانه وتعالى ونكرّر

 


الصفحة 24


 

كلمات الآية القرآنية ( ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ )(1).

إنّي أيضاً أحسّ في باطن نفسي وأشعر في أعماق ضميري ووجداني أنّ في أسرار الوجود سرّاً أدق من التخيّل وأرق من التوهم، أنواره لا تُرى وأضواؤه منشورة في جميع الجهات تضيء الكون والوجود والضمائر والوجدان، وتوجَد الأمثال الأفضل والأعلى لهذا التنوير الروحاني الوجداني في سير الرسل والأنبياء والأولياء والأوصياء الذين اقتبسنا من كلام بعضهم أنواراً وقدّمنا إليكم عنهم أفكاراً. والتسلسل والمماثلة في كلامهم وأفكارهم يدل على توحيد الرسالة التي اُرسلت لهم لإرشاد الناس إلى الحق والصدق والعدل والسلم في حياتنا في الدنيا ولصلاح آخرتنا ولفلاحنا في الدارين. توحيد هذه الرسالة يمتد من آدم ونوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى(عليهم السلام) ومحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعدهم تدوم الرسالة بنيابة الإمامة وبالاجتهاد بالنص لأنّ المنبع الروحاني واحد. إنّي تأكدتُ من هذه الحقيقة بما قرأتُ في تأليف آية الله العظمى السيد محمّد هادي الحسيني الميلاني(2)، حيث يذكر آية الله الميلاني الروايات المسندة أنّ علياً(عليه السلام) يشبه آدم ونوحاً وإبراهيم خليل الله ويوسف وموسى كليم الله وداود وسليمان وأيّوب ويحيى بن زكريا وعيسى بن مريم المسيح روح الله ورسول الله محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) حبيب الله. وفي الصفحة 387 ورد في هذا التأليف أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: انّه (أي علي) أشبه الخلق بعيسى. وأعجبتني هذه الرواية لأنّي تذكرتُ المشابهة بين عيسى بن مريم المسيح(عليه السلام) والإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في مسألة اخرى قرأتها في كتاب "الارشاد" للشيخ المفيد وأيضاً يذكرها عباس محمود العقاد في تأليفه "عبقرية الإمام". ولو أنهما أي الشيخ المفيد وعباس محمود العقاد لا يذكران المشابهة ولكنني أتذكر رواية في الإنجيل، وهذه الرواية وأيضاً مارُوي في كتاب "الارشاد" وفي "عبقرية الإمام" يدلّ على ما قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) "إن علياً أشبه الخلق بعيسى" ومن هذا الشبه بين المسيح والإمام عليهما السلام هو مسألة القضاء وكنموذج لذلك

____________

1- سورة آل عمران، الآية: 191.

2- آية الله السيد محمّد هادي الميلاني: قادتنا كيف نعرفهم، ج1 / الباب التاسع، "علي(عليه السلام)وشبهه بالأنبياء"، ص: 323 ـ 402.

 


الصفحة 25


 

نذكر بعض الأمثلة:

ترجمة "حادث في الهيكل": "... فذهب عيسى إلى جبل الزيتون، صباحاً بالفجر حضر هو لمرّة اخرى في الهيكل فاجتمع حوله جميع الناس، هو كان جالساً ومشغولا في تعليمهم إذ جاء الفقهاء وفرّيسيّون (الظاهريون المراؤون) بمرأة أخذوها وهي تزني... وقالوا له مولانا اُخذت هذه المرأة بيّناً في حالة الزنا وشرع موسى في الشيعة أن امرأة كهذه لابد أن ترجم فما تقول في هذه المسألة؟ وتأملوا أن يتهموه (بعدم إنفاذ الشريعة) فلمّا أصرّوا إيجابه لسؤالهم جلس مستقيماً وقال: هو الذي من برئ من الخطأ منكم يرمي إليها أولا الحجر... فإذ سمعوا ما قال ذهبوا واحداً بعد واحد حتى كان عيسى قائماً واحيداً فريداً والامرأة أيضاً كانت قائمة، فقال عيسى للمرأة: "أين هم؟ هل ما حكم عليك أحد؟" فأجابته مولاي لا أحد (حكم عليّ)، فقال عيسى لها: وأنا أيضاً ما أحكم عليكِ اذهبي ولا تذنبي بعد"(1).

وبعد الرواية السابقة في سيرة عيسى بن مريم المسيح نقرأ ما رواه الشيخ المفيد في كتاب "الارشاد" (صفحة 109 ـ 110): "ورُوي أنّ مجنونة على عهد عمر فجر بها رجل فقامت البيّنة عليها بذلك فأمر عمر بجلدها الحد، فمرّ بها أمير المؤمنين (عليه السلام) لتجلد، فقال ما بال مجنونة آل فلان تعتل، فقيل له أن رجلا فجر بها وهرب وقامت البيّنة عليها فأمر عمر بجلدها، فقال لهم ردّوها إليه وقولوا له أما علمت أن هذه مجنونة آل فلان وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، إنها مغلوبة على عقلها ونفسها، فردّت إلى عمر وقيل له ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال عمر فرج اللّه عنه لقد كدتُ أن أهلك في جلدها، فدُرئ عنها الحد".

"ورُوي أن امرأة شهد عليها الشهود أنهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطؤها ليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها وكانت ذات بعل فقالت: اللهم انك تعلم أني بريئة، فغضب عمر وقال وتجرح الشهود أيضاً، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام)ردّوها واسألوها فلعلّ لها عذراً فردّت وسئلت عن حالها؟ فقالت كان لأهلي إبل

____________

1- الكتاب المقدس، انجيل كما رواه القديس يوحنّا، 7: 53 ـ 58: 11، ص: 143.

 


الصفحة 26


 

فخرجت في إبل أهلي وحملتُ معي ماء ولم يكن في إبل أهلي لبن وخرج خليطنا فكان في ابله لبن فنفد مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى امكنّه من نفسي فأبيتُ فلمّا كادت نفسي تخرج أمكنته من نفسي كرهاً، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): اللّه أكبر، ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَلا عاد فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) فلما سمع ذلك عمر خلّى سبيلها"(1). وذكر هذه الروايات عباس محمود العقاد أيضاً في تأليفه "عبقرية الإمام" (ط 2، دار المعارف بمصر) ص: 155 ـ 156، في فصل " حكومته ".

وجدير بالذكر هنا ما قال عيسى بن مريم المسيح (عليه السلام) في النصف الأوّل من خطبته على الجبل: " لا تفرضوا أني جئتُ لأبطل الشريعة و (أخبار) الأنبياء ماجئتُ لأبطل بل لأكمّل، اخبركم ما دامت السماوات والأرض تدوم الشريعة ولا حرفاً ولا نقطة تزال أو تحذف من الشريعة حتى يحدث ما هو سيحدث أو حصل كل ما هو تقيم له الشريعة"(2).

وهكذا نجد في القرآن أيضاً ( لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللّهِ )(3)، لا مرّة بل مرات أما الروايات التي تقدم ذكرها فتدل على حاجة الاجتهاد بالنصوص على أساس التذكر والتفكر والتعقل كما نقرأ في القرآن ( لِقَوْم يَذَّكَّرُونَ ) و ( لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ )و ( لِقَوْم يَعْقِلُونَ)، وبالاجتهاد كان التأويل للتنزيل. فرأينا كيف اجتهد عيسى بن مريم المسيح روح اللّه في شريعة موسى كليم اللّه واجتهد الإمام على بن أبي طالب (عليه السلام) في شريعة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، كل ذلك ضمن حدود الشريعة وهذه المماثلة بين عيسى المسيح والإمام المرتضى عليهما السلام، ألهمت وجدان بعض من المؤرخين وبالأخص وجدان المؤرخين وأهل العلم والفضل والأدب في المجتمع المثقف في لبنان، حتى صدرت من أفكارهم وأقلامهم الخلاقة المبدعة تأليفات تفسر سيرة سيدنا ومولانا الإمام علي(عليه السلام) وشخصيته المكرمة، وأنا استفدت منها جداً، ولو أني ولدتُ في عائلة كانت من ناحية الاعتقاد اثني عشرية

____________

1- الإمام الفقيه المحقّق محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد، المتوفى 413هـ: الارشاد، ص: 110، مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ لبنان.

2- الخطبة على الجبل، إنجيل كما رواه القديس متّى، 5: 17 ـ 19.

3- سورة يونس، الآية: 64.

 


الصفحة 27


 

جعفرية وهؤلاء المؤلفون من ناحية الاعتقاد هم من المسيحيين لكني لا أجد أي فرق بيني وبينهم في حبنا للإمام المكرم (عليه السلام) وهذا الاتفاق يدل على التوحيد والاتحاد في الدين المنزل والتنزيل من عند اللّه عزّ وجلّ وعلى الحكمة الإلهية في التخليق وفي تنظيمه للقصد المعنوي والغرض الأخلاقي ولهذا يجب علينا أن نذكر ما هو في الآية القرآنية من سورة آل عمران ( ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ ) فالقصد في التخليق والغرض فيه معنوي وأخلاقي وهذا هو ما يحتويه الدين المنزّل والتنزيل. والتأويل عن المسيح الأعظم وأيضاً التأويل عن الإمام المكرم يفسران لنا كيف نعرف المعاني الروحانية والإنسانية في التنزيلات المنزلة.

ويجدر بي أن أذكر بعض التأليفات عن المؤلفين من لبنان: مثلا عن جورج جرداق "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية" وفي المقدمة عن ميخائيل نعيمة وكلاهما ـ أي التأليف والمقدمة ـ يفصحان عن عظمة الإمام علي(عليه السلام)، وهذا التأليف في خمسة مجلدات، وفي المجلد الخامس "علي والقومية العربية" يذكر الاستاذ جورج جرداق "حب علي للناس وحب الناس لعلي" وبعد أن يتحدث عن ثلاثة من نوابغ العرب لهم في الإمام الجليل آراء جليلة وفي أقوالهم حرارة وحب... "قديم هو شاعر المعرّة وحكيمها وعظيمها أبو العلاء، ومعاصران هما جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة"(1).

لقد ذكرتُ فيما سبق أشعار أبي العلاء نقلا واقتباساً عن جورج جرداق ولا حاجة لتكراره وأرجو أن تقرؤوا ما كتب الأستاذ جرداق بالتفصيل في حبّ أبي العلاء للإمام المكرّم علي(عليه السلام)، بعد بحثه عن أبي العلاء هو يبحث عن جبران خليل جبران وحبّه للإمام علي، وههنا شمة من الروائح الطيبة:

"... أما العظماء الثلاثة في قلب جبران، فالمسيح ومحمّد وعلي!... أما علي بن أبي طالب.. ينظر جبران إلى علي نظرته إلى الكائن الذي اتصل بأسمى ما في الوجود من معاني الوجود، وتاق إلى الكمال الروحي فأدركه واتحد به فإذا هو

____________

1- جورج سجعان جرداق: الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ص: 219 و222.

 


الصفحة 28


 

يلازم ما أسماه (الروح الكلية".."(1) ثمّ بعده يقول الأستاذ جرداق: "... فإنّ الإمام علياً في نظر جبران نبي في غير قومه وفي غير وطنه وزمانه، حكيم في طليعة حكماء العصور..."(2) "وطالما كان جبران يردّد اسم علي بن أبي طالب في مجالسه الخاصة والعامة وحين يخلو إلى نفسه.. وينبيك عن ذلك أقرب الناس إليه، وأعني به ميخائيل نعيمة الذي يقول في رسالة إلى مؤلف هذا الكتاب، في جملة ما يقول: وأذكر أن جبران يجلّ الإمام كثيراً ويكاد يضعه في مرتبة واحدة مع النبي"(3).

وأخيراً يبحث الأستاذ جرداق عن أفكار ميخائيل نعيمة في عظمة الإمام علي المرتضى (عليه السلام) وههنا اقتباس منها، فيذكر الاستاذ جرداق: "بعث ميخائيل نعيمة إلى المؤلف حين أخبره بأنه عازم على وضع كتاب عن الإمام، برسالة شيقة جاء فيها: عزيزي الأستاذ جرداق، نعمّا ما أقدمت عليه في وضع كتاب عن الإمام علي، حالفك التوفيق. تسألني رأيي في الإمام كرم اللّه وجهه، ورأيي أنه ـ من بعد النبي ـ سيد العرب على الاطلاق بلاغة وحكمة وتفهّماً للدين وتحمّساً للحق، تسامياً عن الدنايا... إنّ علياً لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كل زمان ومكان"(4). ويختم الأستاذ جرداق هذا الفصل في كتابه، المجلد الخامس (حبّ واجلال: المعرّي وجبران ونعيمة يتحدثون عن الإمام): "وهكذا تشدّ العصور بعضها إلى بعض لتجمع على حبّ الإمام واجلاله، وأنه لعظيم هذا الحب، وعظيم هذا الجلال، يلتقي فيها عبقريّ المعرة وفنّان لبنان وأديب العرب على هامة ألف عام واختلاف وجوه الأرض"(5).

فبعدما قرأتُ هذه الآراء عن المسيحيين أنا أسأل وجداني ما هو الفرق بين آرائهم وآرائي بالنسبة إلى سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالبعليهما السلام؟! ولا أجد أي فرق! وسبب عدم الفرق هو المماثلة بين عيسى بن مريم المسيح وعلي بن أبي

____________

1- المصدر السابق، ص: 225.

2- المصدر السابق، ص: 227.

3- المصدر السابق، الصفحة نفسها.

4- المصدر السابق، ص: 229.

5- المصدر السابق، الصفحة نفسها.

 


الصفحة 29


 

طالب عليهما السلام كما يتجلّى من قول رسولنا الأكرم ونبيّنا الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنه أشبه الخلق بعيسى"(1).

كما يجب علينا أن نتذكر اعجاب سليمان كتاني بشخصية الإمام علي (عليه السلام)وبسيرته العليا وتأليفه كتاب " الإمام علي، نبراس ومتراس " ويجب علينا أيضاً ذكر "عيد الغدير" لبولس سلامة "ملحمة شعرية تتناول أهم نواحي التاريخ الإسلامي وخاصة الهاشمّيين العلويين".

حبّ هؤلاء المؤرخين والأدباء والمؤلفين للإمام عليّ المرتضى (عليه السلام)لم يكن لشبهه بعيسى المسيح (عليه السلام) في سيرته وأخلاقه وأفكاره، كما أشار إليه رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه " أشبه الخلق بعيسى " فحسب وإنّما كما بسبب الأوصاف الحميدة والأخلاق الحسنة والأفكار الجليلة التي تنبعث من شخصيّتيهما وهذه المشابهة تدلّ على التوحيد والوحدة بين الرسالات الإلهية والتسلسل في الدين المنزّل والتأويل الإلهامي والاجتهاد في حدود النص كما تبيّن مما مر.

إنّ انهدام الصنم الأوّل من صنمي قريش كان هدف التوحيد ولم يكن الصنم الأوّل إلاّ العصبية العشائرية والقبائلية لأنها تؤدي إلى الاعتقاد في آلهة متعددة، إله لكل عشيرة أو لكل قبيلة، بينما الموحّدون كلهم يعتقدون بإله واحد، الخالق المطلق وخالق الكل فالموحّدون يقدّسون اللّه الواحد الأحد، وانهدام الصنم الثاني من صنمي قريش، أي الملك، كان هدف العدل لأن الملك يؤدي إلى الأنانية والاستبداد ثمّ ينتهي بالظلم والجور وإنّ الملك فقط للّه العادل الرحمن الرحيم والرؤوف بالمخلوق والعزيز الغفور.

إن علياً حمل رسالة الإسلام لتثبيت التوحيد ومحاربة الظلم والعصبية وإقامة العدالة الإنسانية الاجتماعية، وكان المثل الأروع، فاسمعه يقول: "... ولو شئتُ لاهتديتُ الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى، أو أكون كما قال القائل:

____________

1- محمّد هادي الميلاني: قادتنا كيف نعرفهم، ج1 / ص: 387.

 


الصفحة 30


 

وحسبك داء أن تبيت ببطنة

وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ

 

أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون اسوة لهم في جشوبة العيش..."(1).

وفي كتابه (عليه السلام) إلى بعض عماله، يختم الإمام (عليه السلام) أوامره بهذه الكلمات: "... واخفض للرعية جناحك وألن لهم جانبك وآس بينهم في اللحظة والنظرة والاشارة والتحية حتى لا يطمع العظماء في حيفك ولا ييأس الضعفاء من عدلك والسلام"(2).

وفي عهد له كتبه للأشتر النخعي لما ولاّه على مصر وأعمالها: "... واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم... فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق..."(3).

وفي كتابه (عليه السلام) إلى عماله على الخراج يأمرهم أن يخدموا الناس لأنهم خزّان الرعية ووكلاء الأمة: "... فأنصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم فإنكم خزّان الرعية ووكلاء الأمة وسفراء الأئمة ولا تحسموا أحداً عن حاجته ولا تحبسوه عن طلبته ولا تبيعنّ للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون علينا ولا عبداً ولا تضربنّ أحداً سوطاً لمكان درهم ولا تمسنّ مال أحد من الناس مصلٍّ ولا معاهد..."(4).

ومن وصيّة له (عليه السلام) للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنة اللّه عليه: " اُوصيكم بتقوى اللّه... وقولا بالحق واعملا للأجر وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَن بلغه كتابي بتقوى اللّه ونظم أموركم وصلاح ذات بينكم فإنّي سمعت جدّكما (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، اللّه اللّه في الأيتام... اللّه اللّه في جيرانكم... يابني عبد المطلب لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون قتل أمير المؤمنين ألا لا تقتلنّ بي إلاّ قاتلي، انظروا إذا أنا متُ من ضربته هذه فاضربوه

____________

1- الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج3 / ص: 71 ـ 72.

2- المصدر السابق، ص: 84.

3- المصدر السابق، ص: 76.

4- المصدر السابق، ص: 80 ـ 81.

 


الصفحة 31


 

ضربة بضربة ولا يمثّل بالرجل فإنّي سمعتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور "... "(1).

وفي وصيّة له للحسن بن علي عليهما السلام كتبها له بحاضرين منصرفاً من صفين: "... يابنيّ اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك فاحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما تحب أن لا تُظلم، وأحسن كما تحب أن يُحسن إليك..."(2).

نلاحظ أن المسيح عيسى بن مريم صلوات اللّه وسلامه عليهما أمرنا بنفس السيرة(3) وأن رسولنا الأعظم المكرم الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قال أيضاً في الحديث المرفوع "لا يكمل إيمان عبد حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ويكره لأخيه ما يكره لنفسه"(4) وكذلك نلاحظ في كلام مولانا وسيدنا الإمام علي بن أبي طالبعليهما السلام بين تعاليمه الأخلاقية والروحانية التأكيد على الصفح والتسامح والمقاومة ضد الظالم والمستبد والقيام مع المظلوم والمعونة له، وهذه أسوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وسنّته وتكرّرت هذه الأسوة والسنّة والتعاليم في كلام الأئمة من آل محمّد(عليهم السلام)وفي أدعيتهم وأيضاً في سِيَرِهم السامية. وكل هذه المحاسن الأخلاقية والروحانية مرتبطة ومتعلّقة بالإيمان بالتوحيد والعدل كما نقرأ ونعرف معانيهما ومفاهيمهما في القرآن المجيد.

أية حيلة أو محاولة تكون للإنفصال بين الدين المنزّل والتأويل الإلهامي تشوّه معتقدات مَن يسعى هذا السعي وتحرّف إيمانه ولا يقع أي تغيّر في الدين وتأويله الإلهامي إلى أبد الدهر كما نقرأ في القرآن المجيد:

( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ

____________

1- المصدر السابق: ص 76 ـ 78.

2- المصدر السابق، ص: 45.

3- الخطبة على الجبل، الانجيل كما رواه القديس متى، ص: 10 الكلمة والسطر 7: 12

The Sermon on the mount, The Gospel accoring to St.Mathew, The new testment of the bible, 7:12 page: 10 (Pengum books, Oxford University press, Cambridge University press).

4- ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج4 / ص: 31، دار الهدى ـ بيروت، لبنان.

 


الصفحة 32


 

الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )(1).

كما يشهد تاريخنا أنّ الدين المنزّل يقضي التأويل الإلهامي حتى لا نضل عن الصراط المستقيم.

والصلاة والسلام على رسولنا الكريم وعلى وصيّه المكرم وعلى آله الطاهرين المعصومين.

____________

1- سورة براءة / التوبة، الآيتان: 32 ـ 33.