الإمام علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه)
والخصومة السياسية

(موقف لم يسبق ولما يلحق)

تأليف
جمال البنا
باحث ومفكر إسلامي ـ مصر


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 

ويقدم لنا موقف الإمام علي كرم اللّه وجهه صورة فريدة في حرية معاملة الخصوم السياسيين ـ وليس المعارضة فحسب ـ لأن اللّه تعالى ابتلاه بمحن ظهور "الخوارج". وقضية الخوارج معروفة، فقد نشأت في أعقاب حيلة "رفع المصاحف" التي تفتق عنها ذهن عمر بن العاص كوسيلة لتفويت النصر على الإمام علي بن أبي طالب في صفّين، ومكّنته بالفعل من إيقاف القتال بعد أن كان الإمام قاب قوسين من الانتصار، وقد أوضح الإمام لجنده انّ هذه حيلة لا يراد بها وجه اللّه، فلم يستجيبوا له... وقال بعض الذين أصبحوا فيما بعد من الخوارج: "أجب إلى كتاب اللّه، وإلاّ دفعناك برمتك إلى القوم وفعلنا بك كما فعلنا بابن عفان، إنه غلبنا على أن يعمل بكتاب اللّه فقتلناه، واللّه لتفعلنّها أو لنفعلنّها بك". قال الإمام علي(عليه السلام): "فاحفظوا عنّي نهيي إيّاكم، واحفظوا مقالتكم لي، أما أنا فإن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم". فتمسكوا برأيهم وألحوا عليه في إيقاف قائد المنتصر "الأشتر" واضطر الإمام علي كارهاً إلى ذلك، ومرة اُخرى فرضوا أبا موسى الأشعري حكماً...

وتوقف القتال ورجع الإمام علي بن أبي طالب إلى الكوفة، ولكن فريقاً من جنده ممن كانوا دعاة التحكيم تبيّنوا الخطأ في ذلك، فلم يعودوا إلى الكوفة، وإنما انحازوا إلى ناحية تدعى "حروراء" فنزلوا بها وكانوا زهاء اثني عشر ألفاً وقالوا: "البيعة للّه عزّ وجلّ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأمر شورى بعد الفتح".

وأرسل إليهم الإمام علي بن أبي طالب ابن عباس، فناظرهم فقالوا له: "كنّا بالأمس نقاتل عمرو بن العاص، فإن كان عدلا فلم قاتلناه، وإن لم يكن عدلاً فكيف يسوغ تحكيمه؟ أنتم حكمتم الرجال في أمر معاوية بن أبي سفيان

 


الصفحة 2


 

وأصحابه، واللّه تعالى أمضى حكمه في أن يقتلوا أو يرجموا، وجعلتم بينكم الموادعة وقد قطعها اللّه بين المسلمين وأهل الحرب بعد أن نزلت (براءة) فذهب إليهم الإمام علي وقال: "من زعيمكم؟" فقالوا: ابن الكواء. فقال: "فما هذا الخروج؟" قالوا: لحكومتك يوم صفين. فقال: "أتعلمون أنه لم يكن من رأيي، وإنما كان رأيكم، مع اني اشترطت على الحكمين أن يحكما بالقرآن فإن فعلا فالا ضير، وإلاّ نحن براء من حكمهم" قالوا: أفتحكيم الرجال في الدماء عدل؟ قال: "إنما حكمنا القرآن إلاّ أنه لا ينطق، وإنما يتكلم به الرجال".. واقتنع لفيف منهم وعادوا مع الإمام علي ودخلوا الكوفة.

ولما اعتزم الإمام على أن يبعث أباموسى للتحكيم، جاءه اثنان من الخوارج فقالا: تُب عن خطيئتك، وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم... فقال: " قد كتبنا بيننا وبينهم كتاباً وعاهدناهم " فقال أحدهم: ذلك ذنب ينبغي التوبة عنه. فقال عليّ: " ليس بذنب، ولكنه عجز في الرأي وقد نهيتكم " فقال الثاني: لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنّك أطلب بذلك رحمة اللّه ورضوانه... فقال له: "تباً لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الريح..." فقال: وددت أن قد كان ذلك.. فقال له الإمام علي: "إنك لو كنت محقاً كان في الموت تعزية عن الدنيا.. ولكن الشيطان قد استهواكم.." فخرجا يتناديان: "لا حكم إلاّ للّه". فقال الإمام علي: "كلمة حق أُريد بها باطل، إنّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا فيها اسمه، ولا الفيء ما دمتم معنا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا وننتظر فيكم أمر اللّه...".

وعندما غدر عمرو بن العاص بصاحبه أبي موسى وفشلت قضية التحكيم، قرّر الإمام علي أن يستأنف القتال، فكتب إلى الخوارج بالنهروان فاستحثهم على السير إلى العدو وقال: "نحن على الأمر الأوّل الذي كنا عليه" فكتبوا إليه: إنك غضبت لنفسك، ولم تغضب لربك، فإن شهدت على نفسك بالكفر وتبت نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلاّ فقد نابذناك على سواء واللّه لا يحب الخائنين. فيئس منهم، وقرّر أن يتركهم إعمالا لما وضعه من المواقف الثلاث التي أشرنا إليها آنفاً... وكان منها "أن لا نقاتلكم حتى تبدؤونا" وأمر بالرحيل إلى الشام.


الصفحة 3


 

وبينما هو كذلك بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فساداً وسفكوا الدماء ولقوا عبد اللّه بن خباب وهو من أبناء الصحابة قريباً من النهروان فعرفهم بنفسه فسألوه عن أبي بكر وعمر، فأثنى خيراً، ثمّ سألوه عن عثمان في أوّل خلافته وآخرها.. فقال كان محقاً في أوّل خلافته وآخرها.. فسألوه عن علي قبل التحكيم وبعده... فقال: "هو أعلم باللّه وأشد توقياً على دينه" فقالوا: "إنك توالي الرجال على أسمائها" ثمّ ذبحوه وبقروا بطن امرأته وكانت حاملا، ثمّ قتلوا ثلاث نسوة من قبيلة طي.

فغضب الإمام علي وبعث إليهم رسولا لينظر فيما بلغه فقتلوه.. فقال أصحاب عليّ كيف ندع هؤلاء ونأمن غائلتهم في أموالنا وعيالنا ونذهب للشام؟.. فبعث علي إليهم يقول: "ادفعوا الينا قتلة اخواننا منكم فنكف عنكم حتى نلقى أهل الغرب (يعني أهل الشام) لعلّ اللّه يردكم في خير.." فقالوا: كلّنا قتلهم، وكلّنا مستحل دماءهم ودماءكم!.

وأرسل إليهم الإمام علي بن أبي طالب قيس بن سعد بن عبادة وأبا أيوب الأنصاري... فوعظاهم.. ثمّ جاء الإمام علي وقال: " نحن على الأمر الأوّل " فقالوا: إنا كفرنا بالتحكيم.. وقد تبنا، فإن تبت أنت فنحن معك.. وإن أبيت نابذناك. فقال: "كيف أحكم على نفسي بالكفر بعد إيماني وهجرتي" فانصرف عنهم.. ولم يعد مفر من القتال.

ولكن حتى هذه اللحظة، فإن الإمام علياً رفع لواء أبي أيوب وأمره أن يعلن ان مَن انصرف إلى المدائن أو الكوفة أو انحاز إليه فهو آمن. فاعتزل بعضهم، بل انصرف معظمهم ولم يبق إلاّ ألف.. فقال عليّ: "كفّوا عنهم" ولم يبدأ قتالا حتى أقبل الخوارج صائحين "لا حكم إلاّ للّه، الرواح إلى الجنة".

وتقول بعض الروايات انهم هلكوا بأجمعهم "كأنما قيل لهم موتوا فماتوا..." بينما تذكر روايات اُخرى (ابن كثير في البداية والنهاية) انه كان هناك أربعمائة من الجرحى سلمهم علي إلى قبائلهم ليداووهم.. وبعد المعركة جعل الناس يقولون لعلي بن أبي طالب: "الحمد للّه يا أمير المؤمنين الذي قطع دابرهم" فقال عليّ: "كلا واللّه انهم لفي أصلاب الرجال.. وارحام النساء.. فإذا خرجوا فقل

 


الصفحة 4


 

ما يلقون أحداً إلاّ ألبوا أن يظهروا عليه..." وكان عبد اللّه بن وهب الراسبي ـ أحد قادتهم ـ قد قحلت مواقع السجود منه من شدّة اجتهاده وكثرة السجود، وكان يقال له ذو البينات... وكان من بغضه علياً يسمّيه الجاحد.. وعندما سئل علي بن أبي طالب عن أهل النهروان أمشركون هم؟ قال: "من الشرك فرّوا" قيل: أمنافقون؟ قال: "إن المنافقين لا يذكرون اللّه إلاّ قليلا.." قيل: فما هم يا أمير المؤمنين؟ قال: "اخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا".

ومع أن الخوارج كانوا يجبهون علياً برأيهم فيه، وانه قد كفر بعد إيمانه.. ويتهدّدونه بالقتل ابتغاء مرضاة اللّه! فإنه لم يرَ فيهم سوى ضالّين، مخدوعين، استحوذ عليهم الشيطان... وقال فيهم وفي معاوية كلمته المأثورة: "ليس مَن طلب الحق فأخطأه، كمَن طلب الباطل فأدركه".

فإذا أردنا أن نحلل موقف الفريقين، بعضهمامن بعض، أي موقف الإمام علي بن أبي طالب من الخوارج.. وموقف الخوارج من الإمام علي، لوجدنا:

1 ـ انشق الخوارج على الإمام علي في حميّا المعركة (معركة صفين) وبعد أن أصبح قاب قوسين من الانتصار، فاضاعوا هذا الانتصار، ومكنوا معاوية وعمرو بن العاص مما أرادا.

2 ـ تمسكوا بأن يكون الحكم الممثل لعلي بن أبي طالب أبا موسى الأشعري ـ رغم غفلته ـ وانه في حماسته لتأييد علي كان فاتراً.

3 ـ انحازوا إلى حروراء، بقضهم وقضيضهم، ورفضوا النظام القائم واختاروا أمراء لهم، ورفضوا أمر علي بن أبي طالب بالسير معه إلى الشام.

4 ـ قتلوا عبد اللّه بن خباب بن الأرت، وبقروا بطن زوجته وثلاث نسوة أخريات.

5 ـ قتلوا رسول علي بن أبي طالب الذي أرسله إليهم ليعلم حقيقة مقتل عبد اللّه بن خباب.

6 ـ رفضوا تسليم قتلة عبد اللّه بن خباب وصاحوا "كلّنا قتله، وكلّنا نستحل دمه ودمك"! في مقابل هذه المواقف، نجد أن الإمام علي بن أبي طالب حدّد موقفه منذ البداية: "أن لا نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا فيها اسمه، وأن لا نمنعكم

 


الصفحة 5


 

الفيء ما دمتم معنا، وأن لا نبدأكم بقتال" وكان هذا بعد أن انحازوا إلى حروراء وكوّنوا جيشهم واختاروا امراءهم.

7 ـ لم يبدأهم بقتال حتى عندما قتلوا عبد اللّه بن خباب، ورسوله وعاثوا في الأرض فساداً.

8 ـ حتى عندما مارسوا هذه الجنايات، فلم يبدأهم علي بقتال، ولكن أرسل يطلب القتلة، فردوا "كلّنا قتله وكلّنا نستحل دمه ودمك"!.

9 ـ أرسل علي بن أبي طالب قيس بن سعد مرة وأبا أيوب مرة اُخرى ليحملاهم على أن ينفضوا.. ونجحا في استنقاذ الكثير.

10 ـ قبل أن تبدأ المعركة بالفعل أعطى أبا أيوب لواء ونادى مَن انحاز إليه أو ذهب إلى الكوفة، أو ترك المعسكر فهو آمن... وبذلك لم يبق إلاّ عدد قليل.

11 ـ حتى عندئذ، فقد أمر جنوده أن لا يبدؤوا بقتال حتى هجم الخوارج فردوهم وقتل معظم الخوارج، أما الجرحى فقد سلمهم إلى قبائلهم لمداواتهم.

إنه لمن النادر في أي عصر، بما في ذلك العصر الحديث، أن نجد مثل هذه الطريقة في التعامل مع فريق متمرد على الدولة.. ففي كل خطوة اتخذها الخوارج كان الرد الطبيعي عليهم مقاتلتهم دون هوادة... ولكن علي بن أبي طالب تقبل ثلاثة أوضاع لا يتصور أن يتقبلها أي حاكم من مثل الخوارج:

أ ـ أن لا يمنعهم المساجد، وهي وقتئذ ساحة لقاء الجماهير بعضهم ببعض.

ب ـ أن لا يمنعهم الفيء ما دامت أيديهم معه...

ج ـ أن لا يبدأهم بقتال حتى يكونوا هم البادئين..

ولو اقتصر الخوارج على التجمع والتكتل متمسكين بسلاحهم ومنتخبين امراءهم، لما بدأهم الإمام علي بقتال... لأن القتال إنما كان بعد أن بدؤوا القتل، ورفضوا تسليم القتلة، أما لو لم يفعلوا هذا، فإن سياسة الإمام علي بن أبي طالب كانت تسمح بوجودهم وتتسع لنشاط سلمي يمكن أن يقوموا به.

وهو أمر لا يمكن أن يتصور في مجتمع اشتراكي، لأن النظم الاشتراكية تضيق بأية معارضة من أي نوع وترفضها، ولا أي مجتمع ديمقراطي لأن المبدأ الديمقراطي يحتم على الأقلية الإنصياع لارادة الأغلبية، ويعد تمسكها برأيها

 


الصفحة 6


 

خرقاً لقواعد "اللعبة" الديمقراطية، ناهيك عن أن تكون هذه الأقلية مسلحة ومكتلة نفسها بقيادتها الخاصة. ومن أجل هذا فإن هذه السياسة تمثل سابقة فذة في التعامل مع المعارضة السياسية لا يمكن أن يتصور قيامها اليوم في أكثر المجتمعات الحديثة ديمقراطية.

ومن المحتمل أن يكون الإمام على كرم اللّه وجهه استلهم موقفه هذا من موقف الرسول عليه الصلاة والسلام تجاه منافقي المدينة ورئيسهم عبداللّه بن اُبي الذي كاد للمسلمين وسعى لتفرقة شملهم، وإشاعة الشائعات وانخذل عن المسلمين في اُحد وتبوك، وطالب عمر الرسول بقتله، ولكن الرسول رفض وقال: "بل نحسن صحبته". كما يحتمل أن يكون الإمام علي قد استفتى قلبه الذي يمثل الإيمان أصدق تمثيل فهداه إلى هذا الموقف الذي يتفق مع موقف الرسول، فوافق هديه هديه.

ولكن عبد اللّه بن اُبي لم يقتل أحداً من المسلمين حتّى يحقّ عليه القصاص، الأمر الذي فعله الخوارج، والذي اضطرّ معه الإمام علي إلى محاربتهم. ويلحظ هنا أن الإمام علي عندما اضطرّ الى محاربة الخوارج، كما اضطرّ إلى محاربة المنشقّين عليه في "الجمل" و"صفين" أمر بعدم الاجهاز على جريح وعدم ملاحقة فار أو هارب وصلّى عليهم وحرّم أن تكون أموالهم غنيمة.. فأكمل بذلك ما يجب أن يكون عليه الموقف الإسلامي ازاء المنشقين عليه والمحاربين له.