علي بن أبي طالب (عليه السلام)
إمام الدين والدولة


تأليف
الشيخ محسن علي المعلم
مؤرخ وباحث في الشؤون الإسلامية ـ السعودية


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 

توطئة:

أ ـ تتفاوت الذوات، وتختلف القابليات، والناس معادن. والموهوبون على ندرة في البشر، ومن يرتفع عن مقياس العباقرة الموهوبين أعز وأندر.

ب ـ والكمال المطلق لواهبه، ويتقاسم الأفذاذ من مائدة الكمال كل قدر وعائه، وملء إنائه، فالقلوب أوعية وخيرها أوعاها. وقد رشح الدهر بعينات نادرة اختصت بصنف من الملكات يكاد منجمها وقفاً على تلكم الأفذاذ.

جـ ـ أما من تتعانق فيه غر الكمالات، وتتزاخر فيه درر الملكات، ويتزاحم إلى الانتساب إليه أكمل ما يتفاوت فيه النبلاء، وأجمل ما يتسابق إليه العقلاء ـ ومن العيار الثقيل الفريد ـ فهو ما لا يجود به عمر الدهر على فسحه مداه إلاّ لماماً.

 

وَعَليٌّ نُسخَةٌ في كِتابِ الوجودِ فَرِيدَة

ولاستجلاء ذاته في كمالاته، وكمالاته في ذاته، حتى ندنو من كوّه النور فيهدينا إلى منجم ما فوق العبقريات لابد من التملي في باقات من جنبات حياته وجنائن أفكاره المخصبة الوديان، والواسعة الآفاق، تهطل سماؤها مطراً، وتنبت أرضها ثمراً.


الصفحة 2


 

الفصل الأوّل
عبق السيرة


1 ـ إطلالة الإشراق:

ونبدأ بالحديث عن علي في ولادته في عالم الأرض لا في عالم السماء والملأ الأعلى ـ حيث حديث النور ـ وإن امتزج حديثهما واتحد عالمهما فلا يكادان إلاّ متصلين.

وإشراقة (عليّ) حملت أوسمتها معها، وآذنت بالشأن الفريد لمولود الكعبة الوحيد، ورمزت إلى الإعداد الإلهي لشخصية فذة ـ ومن يومها الأول ـ تناط بها مهمات عظام تلتقي وجلال الحديث المميز.

قال شهاب الدين محمود الآلوسي ـ صاحب تفسير الكبير ـ في "سرح الخريدة الغيبية في شرح القصيدة العينية" لعبد الباقي العمري ص: 15 عند قول الناظم:

 

أَنْتَ العَلِيُّ الّذي فَوقَ العُلَى رُفِعَا

بِبَطنِ مَكَّةَ وَسْطَ البَيتِ إذْ وُضِعَا

 

"وكون الأمير ـ كرّم الله وجهه ـ وُلد في البيت مشهور في الدنيا وذكره في كتب الفريقين السنة والشيعة... ولم يشتهر وضع غيره ـ كرّم الله وجهه ـ كما اشتهر وضعه بل لم تتفق الكلمة إلاّ عليه، وما أحرى بإمام الأمة أن يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين، وسبحان مَن يضع الأشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين"(1).

وقال الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء: "وفي ولادته رمز آخر لعلّه أدق وأعمق، وهو أن حقيقة التوجه إلى الكعبة هو التوجه إلى ذلك النور المتولد فيها، ولو أن القصد محصور على محض التوجه إلى تلك البنية وتلك الأحجار لكان نوعاً من عبادة الأصنام ـ معاذ الله ـ ولكن التناسب يقضي بأن البدن وهو تراب يتوجه إلى الكعبة التي هي تراب، والروح التي هي جوهر مجرد تتوجه إلى النور المجرد، وكل جنس لاحق بجنسه، والتراب للتراب..."(2).

وقال أيضاً: "ولكن لم يبحث أحد من العلماء الراسخين عن سر هذا الرمز الإلهي والإيمان الربوبي، ولعلّه إشارة إلى ما بينه وبين الكعبة من المناسبة، فكما أن الصلاة لا تقبل ولا تصح إلاّ بالتوجّه إليه(3) فكذلك الأعمال كلّها لا تقبل إلاّ

____________

1- الشيخ عبد الحسين الأميني: الغدير، ج6 / ص: 38، ط4، مطبعة الحيدري، طهران ـ ايران. وقد أغرق الشيخ المؤلف نزعاً في إيراد المصادر والأشعار ولم يبق في القوس منزعاً رضي الله عنه وأرضاه.

2- الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء: جنة المأوى، ص: 45، تحقيق السيد محمّد علي القاضي الطباطبائي، ط2، 1397هـ، مطبعة شفق ـ ايران ـ تبريز.

3- هكذا جاء بالتذكير، ولعلّ الصحيح (إليها). [ وكذا في قوله وهو كعبة الظواهر، العاكف... ولعل الصحيح (وهي) وكون الجمع لذريته والمفرد له بعيد عن السياق. اللجنة ].


الصفحة 3


 

بالتوجه إليه، والاعتماد على الأخذ من ذريته والتقرب إلى اللّه بولايتهم وولايته، فهم كعبة الأرواح، وهو كعبة الأشباح، وهم كعبة الأسرار والمعاني، وهو كعبة الظواهر والمباني، وهم كعبة المعارف واللطائف، وهو كعبة العاكف والطائف، والغاية أن تولده ـ سلام الله عليه ـ في الكعبة إشارة إلى أنه سرّ شرف الكعبة وروح معناها، وجوهر حقيقتها.

ولعل الحق ـ جلّ شأنه ـ إنما شرّفها في عالم الأزل لسابق علمه الأزلي بأنها ستكون مهبط ذلك النور الأقدم، ومحط ذلك التجلّي الأعظم، وموضع بزوغ ذلك القبس الإلهي، والعلم الغير المتناهي، ويشير إلى هذا ما هو المشهور من حديث مفاخر كربلاء والكعبة الذي صدع وسطع منه النداء الربوبي للكعبة: قرّي ياكعبة وتطامني، فلولا كربلاء ومَن حلّ فيها لما خلقتك ولا شرّفتك.

وإلاّ فليست الكعبة والمشاعر ولا البيت ولا الحجر ولا المروة ولا الصفا لولا طلوع الأنوار منها، وسطوع هاتيك الأقمار الربوبية عنها إلاّ كسائر الأماكن والبقاع، وحقاً مايقول القائل من أعمامنا:

 

هُمْ كَعبَةُ البَيتِ ومَنْ هُمُ هُمُ

هُمْ عَرفاتٌ والصَّفا وزَمْزَمُ

ما الرُّكْنُ مالكَعبَةُ ما المَشاعِرُ

هُمْ باطِنُ الأَمرِ وهذا الظاهِرُ(1)

 

أجل تلكم بداية تنم عن غاية، وتلكم مقدمة تكمن فيها نتيجة، ولله في خلقه شؤون. وبعد فقد جاء في الزيارة الجامعة الكبرى: (خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين، حتّى منّ علينا بكم فجعلكم في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها أسمه)(2)، وقد كان بيته الحرام أوّل بيت جعله مولداً لعليّ وهو البيت الأرفع الذي ذكره فيه اسمه.

2 ـ التربية الإلهية:

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "أنا أديبُ الله وعليُّ أديبي"(3).

____________

1- الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء: جنة المأوى، ص: 305، تحقيق السيد محمّد علي القاضي الطباطبائي، والقائل كما ذكره محقق الكتاب هو الشيخ عباس بن الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء.

2- وهي مروية عن الإمام علي بن محمّد الهادي(عليه السلام) وهي أعلى وأغنى الزيارات مبنى ومعنى.

3- العلامة الطباطبائي: سنن النبي، ص: 81، المطبعة الإسلامية، ايران ـ طهران 1354هـ.


الصفحة 4


 

ولنقرأ علياً يؤرخ حياته الاُولى لنعطف أنموذجاً آخر من الامتياز على نظير له سابق: "ولقد علمتم موضعي من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد صغير يضمّني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويمسّني جسده ويشمني عرفه وكان يمضغ الطعام فيلقمنيه وما وجد لي كذبة في قول ولا خلطة في فعل. وقد قرن اللّه به (صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طرق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره.

ولقد كنتُ أتّبعه اتّباع الفصيل أثر امّه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل عليه الوحي فقلت يارسول اللّه ماهذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد آيس من عبادته، إنك تسمع ماأسمع وترى ما أرى، إلاّ إنك لست بنبي ولكنك لوزير، وإنك لعلى خير"(1). "ولئن قرن اللّه بنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أعظم ملائكته منذ أن كان فطيماً يسلك به طريق المكارم فلقد قرن اللّه بعليّ أعظم أنبيائه وخاتمه رسله وسيّد خلقه وبريته محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان كما قال (عليه السلام) يقفوا أثره ويقتدي به ويلازمه"(2).

3 ـ الإنذار الأوّل وخلافة عليّ ووصايته:

قال اللّه العظيم: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )، وقال الرسول الكريم: "فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي ووصيّي فيكم؟ فقال علي الفتى: أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه، فأخذ محمّد النبي برقبة علي الوصي وقال إن هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا. فتضاحك القوم قائلين لأبي طالب: لقد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع"(3).

____________

1- نهج البلاغة، الخطبة القاصعة، فضل الوحي، ص: 300 ـ تحقيق الدكتور صبحي الصالح، ط 1، بيروت 1980 م.

2- علم الغيب عند الأئمة، ص: 134، بيروت 1411هـ.

3- والحديث قد حفلت به مجاميع النقل، لاحظ بعض مصادره في كتاب "مرجع الخلاف إلى الخلافة" للمؤلف، ص: 51.


الصفحة 5


 

وفي أبعاد هذا الحديث زماناً ومكاناً وجمعاً وغرضاً وملابسات جمة، دلائل وشواهد على ركيزة في الدين قويمة استأثرت بالأولوية من بين بنود الدين وتشريعاته فإذا بها تسبق كل تشريع وإن جلّ وعظم.

ولَعَمْر الحق إنها لجديرة بالدراسة المستوعبة والنظرة الفاحصة الدقيقة فلها من الجلال والخطر مايستوقف الفكر ويلح بالتأمل وتجديد التأمل، وخطة البحث تأبى السبح الطويل(1). وأكتفي بهذه الإشارة والإثارة.

إنّ استنطاق النصوص يقضي بأن قول النبي الحكيم والمبلغ المعصوم: "فاسمعوا له وأطيعوا" ولا سيّما مع مراعاة سوابق هذا القول ولواحقه يدل دلالة جلية على أن نجم الخلافة سيلمع لو آذنت آنذاك شمس النبوة بالغروب.

4 ـ الجود بالنفس أسمى غاية الجود:

وسجّل تاريخ عليّ الحافل بالأمجاد مواقف لم يعهد التاريخ لها مثيلا، فقد ضرب أروع أمثلة التضحية والفداء لمن اتحدث روحه بروحه ونفسه بنفسه، حتى آثره على ذاته فلم يكن عند تفاقم الشدائد وغلواء المحن نظير لابن أبي طالب في مؤازرة النبي ونصرته.

أ ـ فقد روى التاريخ بأن أبا طالب (عليه السلام) كان أيام حصار بني هاشم في الشعب يقيم النبي الأكرم من مضجعه وينيم فلذة كبده علياً منامه فقال علي (عليه السلام): يا أبتاه انّي مقتول ذات ليلة، فقال أبو طالب:

 

اصبرن يا بنيّ فالصبر أحجى

كل حيّ مصيره لشعوب

قـد بـلوناك والبلاء شـديد

لفداء الحبيب وابن الحبيب

لفداء الأعز ذي الحسب الثا

قب والباعِ والفناء الرحيب

 

فقال علي (عليه السلام):

 

أتأمرني بالصبر في نصر أحمد

فواللّه ما قلتُ الذي قلت جازعا

____________

1- وقد تناولت بنحو من التفصيل لجملة من ملابسات هذا الحديث المثير ضمن أحاديث حول الإمام علي (عليه السلام) وعسى التوفيق يحالفها فتجتمع في كتاب.


الصفحة 6


 

ولكنّني أحببتُ أن تـرى نصرتي

وتـعـلم أني لـم أزل لك طائعا

وسعيي لوجه اللّه في نصر أحمد

نبيّ الهدى المحمود طفلا ويافعا(1)

 

ب ـ وبموت أبي طالب (عليه السلام) ناصر الإسلام يشتد خنق المشركين على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيأمره ربه تبارك وتعالى أن يهاجر إلى المدينة، وقد تعاقد الحاقدون على الفتك بالنبي فلابد من خطة تضمن سلامة الحبيب المصطفى وتفوت عليهم غرضهم وتحول بينهم وبين ما يريدون، فمن يا ترى الكفءُ الكريم الذي يؤثر بقاء الرسالة والرسول على نفسه؟! أجل إنه ابن أبي طالب.

"دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب فقال له: يا علي إنّ الروح هبط عليّ بهذه الآية ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) آنفاً يخبرني أن قريشاً اجتمعت على المكر بي وقتلي وإنه أوحى إليّ عن ربّي عزّ وجلّ أن أهجر دار قومي وأن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي، إنه أمرني أن آمرك بالمبيت على ضجاعي لتخفي بمبيتك عليه أثري، فما أنت قائل وصانع؟ فقال علي(عليه السلام): أو تسلمن بمبيتي هناك يا نبي اللّه؟ قال: نعم، فتبسم علي (عليه السلام) ضاحكاً وأهوى إلى الأرض ساجداً لما أنبأه به رسول اللّه في سلامته"(2).

وقد قال الإمام عليّ (عليه السلام) في ذلك:

 

وقيتُ بنفسي خير مَن وطئ الحصى

ومَن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

محمّد لمّا خاف أن يمكروا به

فوقّاه ربّي ذو الجلال من المكر

 

____________

1- الشيخ المجلسي: بحار الأنوار ج35 / ص: 93، الطبعة الثانية، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1408 هـ.

2- بحار الأنوار، ج19 / ص: 60.


الصفحة 7



وبتُّ أراعيهم متى ينشرونني

وقد وطنت نفسي على القتل والأسر

وبات رسول اللّه في الغار آمناً

هناك في حفظ الإله وفي ستر(1)

5 ـ رد الأمانات:

"وكان علي ـ كرم اللّه وجهه ـ بعد أن توجه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قام صارخاً بالأبطح ينادي: من كان له قبل محمّد رسول اللّه أمانة فليأت ترد إليه أمانته"(2).

ويذكر أرباب السير قضاءً طريفاً في إبطال دعوى عمير بن وائل الثقفي على علي(عليه السلام) 80 مثقالا ذهبياً وديعة بإيحاء من حنظلة بن أبي سفيان وأبيه وما لابس تلك الدعوى(3).

6 ـ حمل الفواطم والهجرة إلى المدينة:

"خرج (عليه السلام) بالفواطم وخرج معه أيمن بن أم أيمن مولاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وجماعة من ضعفاء المؤمنين"(4).

7 ـ ودخل النبي وعلي المدينة معاً:

"فأراده أبو بكر على دخول المدينة وألاصه في ذلك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): فما أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمي وأخي وابنتي"(5).

"فلما أمسى رسول اللّه فارقه أبو بكر ودخل المدينة ونزل على بعض الأنصار وبقي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقباء نازلا على بيت كلثوم بن الهدم"(6).

وينتقل الإسلام بدعوته في مكّة إلى تأسيس دولته في المدينة وتسطع لعلي شمس أمجاده كما أشرقت من قبل، وتكشف أيام الإسلام ما لعلي من موقع مميز

____________

1- ابن الصباغ: الفصول المهمة، ص: 501، ط 1، 1408هـ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.

2- بحار الأنوار، ج19 / ص: 63. الفصول المهمة، ص: 74.

3- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ص: 23، للشيخ محمّد تقي التستري، المطبعة الحيدرية ـ النجف.

4- الفصول المهمة لابن الصباغ، ص: 50.

5- بحار الأنوار 19 / ص: 64. الفصول المهمة، ص: 50.

6- أبو علي الطبرسي: إعلام الورى بأعلام الهدى، ص: 76، 1399 هـ، دار المعرفة بيروت.


الصفحة 8


أبانت شيئاً من صفحاته أيامه الاُولى لتلتقي حلقات الأمجاد في بطلها الفذ ليواكب مسيرة الدين في نشوئه وارتقائه، وليتولى إدارتها يوم تناط به شؤون الإمامة، بعد أن برهنت جلائل أعماله على تبوئه ذلك المقام وارتقائه ذلك المرتقى.

واللافت حقاً تنوع تلكم المؤهلات وهاتيك الملكات والكمالات التي يستجليها الباحث في الصور الآتية وأنماطها:

الاُولى: المباهلة

وقد قصّ القرآن في قصصه الحق نبأ ذلك بقوله تعالى: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ )(1).

وإن قراءة مقرونه بالتدبر والإنصاف ناطرة إلى أسباب النزول وسائر ما لابس ذلك توقف الباحث الحر على الشأن الأرفع الذي خصّ به سادات البيت النبوي، وعلى المحل الذي خصّ به من بينهم عليّ.

فقد جاء وفد (نصارى نجران) وفيهم زعماؤهم وعظماؤهم ومنهم (السيد) و (العاقب) و (الأسقف) ولهم ما لهم من فخامة الموكب وجمال الهيئة فلم ير المسلمون وفداً مثل وفدهم، جاؤوا لمحاجة نبي الإسلام، في دينه الجديد وقوله في نبيّ الله عيسى المسيح، وينتهي حسم المحاجة بالاحتكام إلى الله ليحق الحق بكلماته، فإذا بالنبيّ يقابلهم بهذا الموكب فيخرج(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليهم مرط من شعر أسود وقد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول: "إذا أنا دعوتُ فأمّنوا" فما أن برزوا وجلال الله يغشى الأبصار لم يتمالك أسقف نجران أن قال: يامعشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً لأزاله، فلا تباهلوهم فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

ومن أجل التعامل والتفاعل مع القضية بما تستحق أعرض بإيجاز لبعض نقاطها:

أ ـ "أجمع أهل القبلة حتّى الخوارج منهم على أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يدع

____________

1- آل عمران: 61.


الصفحة 9


 

للمباهلة من النساء سوى بضعته الزهراء ومن الأبناء سوى سبطيه وريحانتيه من الدنيا ومن الأنفس إلاّ أخاه الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، فهؤلاء أصحاب الآية بحكم الضرورة التي لا يمكن جحودها، لم يشاركهم فيها أحد من العالمين كما هو بديهي لكل مَن ألمّ بتأريخ المسلمين، وبهم خاصة نزلت لا بسواهم"(1).

ب ـ "فالكلام يدل على تحقق كاذبين بوصف الجمع في أحد طرفي المحاجة والمباهلة على أي حال: إما في جانب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وإما في جانب النصارى، وهذا يعطي أن يكون الحاضرون للمباهلة شركاء في الدعوة فإنّ الكذب لا يكون إلاّ في دعوة، فلمن حضر مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو علي وفاطمة والحسنان(عليهم السلام) شركة في الدعوى والدعوة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا من أفضل المناقب التي خصّ الله به أهل بيت نبيّه(عليهم السلام) كما خصّهم باسم الأنفس والنساء والأبناء لرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) من بين رجال الأمة ونسائهم وأبنائهم"(2). هذا وقد نفى أن معنى ذلك أنهم شركاء في النبوة فليلاحظ.

جـ ـ سأل المفتي الآلوسي ـ صاحب التفسير ـ الشيخ حسن الشيخ جعفر كاشف الغطاء في محضر جماعة من العلماء عن وجود نص من الكتاب على النهي عن تخلف الناس عن خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقال: نعم، فتعجب الحاضرون فقال المفتي: فأت به، فقرأ الشيخ آية المباهلة، فقال المفتي: وما الدلالة فيها؟! فقال الشيخ: أسألك ما المراد بـ (أنفسنا)؟ فقال المفتي: المراد به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ(عليه السلام). فقال الشيخ: قال الله تعالى: ( ما كانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ... أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ) وأراد الله بلفظ (نفسه) هو علي(عليه السلام) لا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وإلاّ لقال (عنه) فإنّه أوجز وأبلغ وأصرح، وعليه فيكون أهل المدينة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد فعلوا مانهوا عنه وهو التخلّف عن نفس الرسول والرغبة عنها(3).

____________

1- السيد عبد الحسين شرف الدين: الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، ص: 197، ط5، دار النعمان ـ النجف الأشرف.

2- العلامة الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج3 / ص: 224، ط2، بيروت ـ 1392هـ.

3- موسوعة النجف، ج6 / ص: 152. بإشراف الحاج جعفر الدجيلي.


الصفحة 10


 

د ـ ولراغب الوقوف على متكاثر الروايات بل متواترها فليراجع كتاب "احقاق الحق" وما علّق عليه فقد جمع وأوعى ما وعته مجاميع الأحاديث ومسانيدها وصحاحها(1).

وبعد... فأي مقام أعلى وأي محل أسمى يرتقي فيه (عليّ) فيبلغ في ارتقائه فيتبوأ موطناً يتحد فيه ويلتحم بأقدس الذوات البشرية. ولا يفوت الباحث النظر إلى أن الآية الشريفة تعالج الخصومة بين دين الإسلام الجديد الناسخ ودين النصرانية المنسوخ، ورعى الله مَن أعطى التأمل حقّه.

الثانية: جيش الإسلام

ولابد للحق من قوة تصونه وتحوطه وتدفع عنه العادية وترهب العدو وتحمي الولي، وكان علي(عليه السلام) مفرداً جيش الإسلام كلّه وقوته ومدار شوكته ومركز عزته، فدى نفسه فبات على فراش رسول الله فادياً ومشى خلف النبي حامياً وامتشق الحسام في المعارك ولواء الإسلام يخفق بين يديه فهو حامله لا سواه، وعلى يديه تتم الفتوح دون مَن عداه، فلنلم بشذرات من تلكم الشواهد المآثر والمشاهد:

1 ـ السجل الحافل:

" أتت فاطمة(عليها السلام) النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فذكرت عنده ضعف الحال فقال لها: أما تدرين ما منزلة عليّ عندي؟ كفاني أمري وهو أبن اثنتي عشرة سنة، وضرب بين يدي بالسيف وهو ابن ست عشرة سنة، وقتل الأبطال وهو ابن تسع عشرة سنة، وفرّج همومي وهو ابن عشرين سنة، ورفع باب خيبر وهو ابن اثنتين وعشرين سنة كاملة، وكان لا يرفعه خمسون رجلاً، قال: فأشرق لون فاطمة(عليها السلام) ولم تقر قدماها حتّى أتت علياً(عليه السلام) فأخبرته فقال: كيف لو حدّثتك بفضل الله عليّ كلّه"(2).

2 ـ سهم الله:

و في حديث أهل الطائف وإبائهم على النبي فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لوفدهم: أما

____________

1- السيد القاضي التستري: إحقاق الحق، ج3 / ص: 46 ـ 76. ج5 / ص: 39، 50، 102. ج9 / ص: 70 ـ 91. ج14 / ص: 131 ـ 148. ج18 / ص: 389، تعاليق السيد المرعشي ط1، لبنان.

2- أبو جعفر محمّد بن علي القمي: الأمالي، ص: 325، ط5، بيروت 1400هـ.


الصفحة 11


 

والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتنّ الزكاة أو لأبعثنّ إليكم رجلاً منّي كنفسي فليضرب أعناق مقاتليهم وليسبين ذراريهم، هو هذا، وأخذ بيد علي (عليه السلام)، فأشالها فلما صار القوم إلى قومهم بالطائف أخبروهم بما سمعوا من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فأقروا له بالصلاة وأقروا له بما شرط عليهم فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): مااستعصى عَلَيّ أهل مملكة ولا أمّة إلاّ رميتهم بسهم الله عزّ وجلّ، قالوا: يارسول الله وما سهم الله؟ قال: عليّ بن أبي طالب، مابعثته في سرية إلاّ رأيتُ جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وملكاً أمامه وسحابة تظله حتّى يعطي الله عزوجل حبيبي النصر والظفر(1).

وفي مثل هذا المشهد تمنى فيه عمر بن الخطاب الإمارة ونصب للنبي صدره رجاء أن يشير إليه، ويحدث أبو ذر الغفاري قائلاً: "فما راعني إلاّ برد كف عمر في حجزتي من خلفي يقول: مَن تراه يعني؟ فقلتُ: إنّه لا يعنيك وإنّما يعني خاصف النعل بالبيت"(2).

3 ـ ملك الموت مع علي:

"وكانت قريش إذا رأته في الحرب تواصف خوفاً منه وقد نظر إليه رجل وقد شقّ العسكر فقال: علمت بأن ملك الموت في الجانب الذي فيه علي. وقد سمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كراراً غير فرار في حديث خيبر، وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يهدّد الكفار به(عليه السلام)"(3).

4 ـ محا سيف علي الصنائع:

"كان إذا رأى عمر بن الخطاب معدي كرب قال: الحمد لله الذي خلقنا وخلق عمراً وكان كثيراً مايسأل عن غاراته فيقول: قد محا سيف علي الصنائع"(4).

أجل إنّ شجاعة علي نادرة في البطولات كما أن بطلها فريد في الأبطال وقد سبق في مفتتح الحديث إشادة النبيّ الأعظم بالسجل الحافل والتأريخ المشرق لذلكم الأنموذج الفذ الذي واكب وساير أيام النبوة وامتدّ إلى أن ختم له بالشهادة.

____________

1- بحار الأنوار، ج40 / ص: 31.

2- ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج9 / ص: 167، ط2، بيروت ـ 1385هـ، عن مسند أحمد بن حنبل.

3- بحار الأنوار، ج41 / ص: 68.

4- بحار الأنوار، ج41 / ص: 96.


 


الصفحة 12


 

ولستُ بصدد استقصاء ما خاض من الغمرات وكشف به الكربات، فتلك محاولة رغم طول شقتها لا تفي بتعريف ماضمت عليه جوانح هذا الرجل العجيب ولكني أسلك للتعريف عن تلكم (الهبة الإلهية) عبر شواهد التقييم الصادرة عن نبيّ الإسلام أولاً، وما يحكيه البطل الفذ عن ذاته ثانياً، وما رصده حملة التأريخ وأرباب السير ثالثاً.

1 ـ إنّه منّي وأنا منه:

" قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) يوم أحد وقد كثرت عليه الكتائب: يا علي اكفني هذه الكتبية فحمل عليها وإنها لتقارب خمسين فارساً، وهو(عليه السلام)راجل فمازال يضربها بالسيف حتى تتفرق عنه ثم تجتمع عليه هكذا مراراً حتّى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة وتمام العشرة منها، فقال جبرئيل(عليه السلام)لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا محمّد إنّ هذه المواساة قد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ومايمنعه وهو مني وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما"(1).

وقد سُمع ذلك اليوم صوت في السماء لا يرى شخص الصارخ به ينادي مراراً: "لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي، فسُئل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنه فقال: هذا جبرئيل"(2). أجل إنّ علياً في الملأ الأعلى له شأن وأي شأن حيث تُعجب بشجاعته ومواساته ملائكة السماء.

2 ـ ربّ لا تذرني فرداً:

" إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما بارز علي عَمْراً ما زال رافعاً يديه مقمحاً رأسه نحو السماء داعياً ربه قائلاً: اللّهم إنّك أخذت منّي عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد، فاحفظ عليَّ اليوم علياً ( رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ )(3).

أرأيت كيف يكون علي من النبي؟ فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وحوله أصحابه يحوطونه

____________

1- محب الدين أحمد الطبري: ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، ص: 68، بيروت ـ دار المعرفة وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج14 / ص: 250 ـ 251.

2- أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري: تأريخ الطبري، ج2 / ص: 514، ط2، دار المعرفة ـ مصر. ابن الأثير: الكامل في التأريخ، ج2 / ص: 107، دار الفكر ـ بيروت 1398 هـ.

3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج19 / ص: 60. وللإطلاع على مظان ذلك يراجع "إحقاق الحق"، ج7 / ص: 44 ـ 45، و ج17 / ص: 12، وج20 / ص: 624 ـ 626.

 


الصفحة 13


 

وذوو القربى يكتنفونه، إلاّ أنه وبدون علي وحيد فريد، فهم لا يغنون غناءه في حياطة النبيّ ونصرة دينه.

3 ـ كرّار غير فرّار:

وأعدت اليهود عدتها وكل قواها في خيبر لكيد الإسلام وسحق المسلمين وحمي الوطيس ودفع النبي لواء الحرب إلى أبي بكر مرّة، وإلى عمر أخرى، وإلى غيرهما ثالثة، فما كان من هؤلاء إلاّ أن رجع كل منهم خائباً يجبن أصحابه ويجبنونه فانكشف المسلمون وسرى الرعب في نفوسهم وبدا الضعف على صفوفهم(1). ولم يبق مَن ينقذ الموقف ويعيد الروح المعنوية إلاّ البطل المجرب والفاتك المهاب، إنّه ابن أبي طالب... ولكن وأنّى له بخوض الغمرات ودك الحصون ومقارعة الأقران وهو يشكو رمداً في عينيه وقد عصبهما.

أجل لابدّ من عناية السماء لانقاذ أهل الأرض فيعلن النبي على رؤوس الاشهاد من جنود وقواد بعد أن لم يفلح أحدهم في حسم المعركة الشائكة: لأعطينّ الراية غداً إلى رجل يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله كرّار غير فرّرا يأخذها عنوة.

وفي الغد دعا علياً فأتى به سلمة آخذاً بيده فرقاه النبي من ريقه الشريف فزال الوجع وأعطاه اللواء فنهض مبادراً للحرب وسرعان ما جدل بطل خيبر المجرب المهاب بضربة على هامته حتى عض السيف منه بأضراسه وسمع أهل العسكر صوت ضربته فما تتام آخر الناس مع علي(عليه السلام) حتى فتح اللّه له ولهم(2).

4 ـ ولقد كان علي(عليه السلام) يبوح بالحديث عن شجاعته في عموم أدوار حياته شاكراً بذلك نعم ربّه عليه ومذكراً العتاة المردة من أعداء اللّه بسيفه الذي حمى به الإسلام فيقول ـ صلوات اللّه على ملكاته ـ: "أنا وضعتُ في الصغر بكلاكل العرب، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر"(3).

ويكتب إلى معاوية مذكراً ومحذراً: "أنا مرقل نحوك في جحفل من

____________

1- السيد محمّد صادق الصدر: حياة أمير المؤمنين، ص: 246، بيروت.

2- الطبري، ج3 / ص: 12.

3- نهج البلاغة، الخطبة القاصعة، ص: 300.

 


الصفحة 14


 

المهاجرين والأنصار... وقد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدّك وأهلك وما هي من الظالمين ببعيد"(1). وفي كتاب آخر يقول لمعاوية ثانية: "وعندي السيف الذي أعضضته بجدّك وخالك وأخيك في مقام واحد"(2).

وقد استوت أيام شجاعته وأيده فلم تختلف فترة الشباب والعنفوان عن زمان الشيخوخة ووهن القوى، فاسمعه واصفاً كاشفاً: "وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان، ألا وإنّ الشجرة البرية أصلب عوداً، والروائع الخضرة أرق جلوداً، والنباتات العِذْيَةُ أقوى وقوداً وأبطأ خموداً، وأنا من رسول اللّه كالضوء من الضوء والذراع من العضد، واللّه لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعتُ إليها"(3).

وها هو يكرّر هذه المقولة في كتابه لأهل مصل مع واليه مالك الأشتر: "إني واللّه لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت"(4).

وقال(عليه السلام) ـ عن حروبه ـ: "للّه أبوهم! وهل أحد أشدّ مراساً وأقدم فيها مقاماً مني، لقد نهضتُ فيها وما بلغتُ العشرين وها أنذا قد ذرّفت على الستين"(5).

وقال(عليه السلام) مقارناً بين القتل والموت: "إنّ أكرم الموت القتل، والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من ميتة على الفراش في غير طاعة اللّه"(6).

5 ـ وأما ما رصده التاريخ وحفظته السير فدونك تأريخ الإسلام في حروبه ومغازيه وأيامه الشدائد، فهل كاشف الكربات ورادُ الكتائب وهازم الأحزاب سوى ابن أبي طالب، وكفى بقول فاطمة الزهراء بضعة محمّد في وصف بعلها:

____________

1- نهج البلاغة، ص: 389.

2- نهج البلاغة، ص: 454.

3- نهج البلاغة، ص: 418.

4- نهج البلاغة، ص: 452.

5- نهج البلاغة، ص: 71.

6- نهج البلاغة، ص: 180.

 


الصفحة 15


 

"كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها اللّه، أو نجم قرن للشيطان، أو فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه وابن عمّه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات اللّه، مجتهداً في أمر اللّه، قريباً من رسول اللّه، سيّداً في أولياء اللّه، مشمّراً ناصحاً، مجدّاً كادحاً، لا تأخذه في اللّه لومة لائم"(1).

الفصل الثاني
ممارسة دور الإمامة في حياة النبي


فمضافاً إلى النصوص الجلية الدالة على الخلافة والإمامة فإنا نلحظ اهتماماً بالغاً من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإناطة جملة من المهام الجليلة والتي تعد من شؤونه فيوكل القيام بها إلى شخص الإمام (عليه السلام) رغبة فيه عمن سواه.

أولا: بعث براءة

وفي قصته سبح طويل لا يتسق وقصر البحث، ولكني مجمل القول فيه عبر النقاط التالية:

1 ـ إن موضوعه إبلاغ الناس في موسم الحجّ ومشاهده جملة من البلاغات الإلهية والآيات القرآنية، وقد نزل بذلك وحي من قبل اللّه تعالى: ( وَأَذانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذاب أَلِيم )(2).

2 ـ إن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وجه أبا بكر للقيام بأداء تلكم المهمة، وخرج أبو بكر فلما بلغ (ضجنان) أو (ذا الحليفة) أو (الجحفة) بعث إليه وردّه، وأناط المهمة بعلي فارتحل ناقة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أن أبا بكر لما سمع رغاءها ظنّ أن رسول اللّه هو القادم.

____________

1- الخطبة الشريفة الشهيرة.

2- سورة براءة، الآية: 3.

 

الصفحة 16


3 ـ إنّ لحن الروايات يحكي اهتماماً وشدة في رد أبي بكر، فقد جاء في بعضها: (ردّوه) وفي آخر: (أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به).

4 ـ وتحكي أيضاً مزيداً من قلق أبي بكر وتأثيره فقد عبر بعضها "فانصرف أبو بكر وهو كئيب" وفي الكثير منها: "يا رسول اللّه أنزل فيّ شيء" وفي ثالث: "فخرج أبو بكر فزعاً" وفي رابع: "فوجد أبو بكر في نفسه" وفي خامس أنه بكى.

5 ـ عللت روايات (بعث براءة) عزل أبي بكر وتولية علي بهذا النحو: لا يذهب إلاّ رجل من أهل بيتي، ولكني أمرتُ أن لا يبلغها إلاّ أنا أو رجل مني، لا يؤدي عني إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي، لا ينبغي أن يبلغ هذا إلاّ رجل من أهلي، لا يقيم بها إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي، لا يخطب بها...، لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك، إنّي أمرت أن أبلغه أنا أو رجل من أهل بيتي، لا يؤدي عني إلاّ أنا أو علي، علي منّي وأنا من علي ولا يبلغ عنّي إلاّ علي، لا يؤذن بها إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي.

واقترن تعليل التخصيص والعزل في كثير من تلك الروايات بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن جبرئيل جاءني، أو ولكني أمرت، ولكن قيل لي، فنزل عليه جبرئيل فقال، وجاء في نقل الشيخ المفيد: "يا رسول اللّه إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق إليّ فيه فلما توجهت رددتني عنه، ما لي أنزل فيّ قرآن؟ فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): لا ولكن الأمين جبرئيل (عليه السلام) هبط إليّ عن اللّه عزّ وجلّ بأنه..."(1).

6 ـ ومن حديث ذلك: (ما من بد من أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت، قال: وإن كان لابدّ فسأذهب أنا، فقال: انطلق فإن اللّه عزّ وجلّ يثبت لسانك ويهدي قلبك، ثمّ وضع يده على فمي وقال: انطلق فاقرأها على الناس"(2).

7 ـ وإذا حللنا هذا البعث والإرسال بما يستحق وتأملنا فيه بما يليق رأينا أن الموقف عظيم بما يحمل من الإنذار والإعذار، وبما يستدعي من مقومات

____________

1- الشيخ المفيد: الارشاد لمن طلب الرشاد، ص: 37.

2- يلاحظ في ذلك: الحاكم الحسكاني: شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، ج1 / ص: 231 ـ 243. المسند لأحمد بن حنبل، ج1 / ص: 151، 331.

 


الصفحة 17


 

ومؤهلات يجب أن تتوفر فيمن يتولى هذا الأمر الخطير من قوة جنان وشجاعة سنان وفصاحة بيان ولياقة لائقة لما يواجه.

وهذه الروايات تشرح ملابسات الموقف وتكشف عن واقع قضاياه:

"فلما دخل مكّة اخترط سيفه وقال: واللّه لا يطوف بالبيت عريان إلاّ ضربته بالسيف، حتى ألبسهم الثياب فطافوا وعليهم الثياب"(1).

"ثم لمع بسيفه فأسمع الناس وكرّرها فقال الناس: من هذا الذي ينادي في الناس؟ فقالوا: علي بن أبي طالب، وقال من عرفه من الناس: هذا ابن عم محمّد وما كان ليجترئ على هذا غير عشيرة محمّد".

وأنجز على المهمة وأبطأ على النبي قدومه فغمّه ذلك حتى بشّر به فخرج لاستقباله مع أصحابه فتلقاه والتزمه وعانقه ووضع خدّه على منكب علي (عليه السلام)وبكي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرحاً وبكى علي (عليه السلام) معه ثمّ قال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): ما صعنت بأبي أنت وأمي؟ فإن الوحي أبطأ عليّ في أمرك، فأخبره بما صنع، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): كان اللّه عزّ وجلّ أعلم بك منّي حين أمرني بارسالك"(2).

أقول: وقد وقفتُ على رواية تشرك عمر في البعث والإرجاع مع صاحبه أبي بكر(3).

وبعد، فقد قال السيد المرتضى (رضي الله عنه): "قد علمنا من العادة أن من يرشح لكبار الاُمور لابدّ أن يدرج إليها بصغارها لأن مَن يريد بعض الملوك تأهيله للأمر من بعده لابد من أن ينبه عليه بكل قول وفعل يدل على ترشيحه لتلك المنزلة ويستكفيه من أموره وولاياته ما يعلم عنده أو يغلب في الظن صلاحه لما يريده له، وأن من يرى الملك مع حضوره وامتداد الزمان وتطاوله لا يستكيفه شيئاً من الولايات ومتى ولاه عزله وإنما يولي غيره ويستكفي سواه لابد أن يغلب في الظن أنه ليس بأهل للولاية وإن جوزنا أنه لم يوله بأسباب كثيرة سواه"(4).

وقال السيد الصدر(رحمه الله): "وهو مقدمة تمهيدية ترمز للخلافة العامة، فإنّ الذي

____________

1- إعلام الورى، ص: 76.

2- بحار الأنوار، ج35 / ص: 289.

3- المستدرك على الصحيحين، ج3 / ص: 51.

4- بحار الأنوار، ج35 / ص: 312 عن الشافعي للسيد المرتضى.

 


الصفحة 18


 

يؤدي الآيات ويبلغ الأحكام في عهد النبي حري أن يؤديها بعد وفاته ويبلغها كما هي، ولا سيّما إذا عرفنا أن الرسول قد خصه بهذا الوسام، وأن اللّه عزّ وجلّ هو الذي رشحه لهذا المقام"(1).

ثانياً: الاستخلاف على المدينة في غزوة تبوك

والآيات النازلة والأحاديث الواردة في أجواء الغزوة وظروفها تحكي تثاقل جملة من المسلمين عن النهوض في ركب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وإحجام المنافقين ورغبتهم في البقاء في المدينة، هذا والسفر بعيد الشقة، عظيم المشقة، وستفرغ المدينة لفترة طويلة يدبر فيها المنافقون أمرهم فينقضون ويبرمون في أمن من مراقبة الرسول ووقوفه على ما يحيكون بشكل مباشر وقريب.

ونلحظ طرفاً آخر مهماً في خضم شؤونها ألا وهو: إرجاف المرجفين بعلي(عليه السلام) وإغراضهم في أمره وتبرمهم من مقامه في المدينة.

وبدلا من الإحالة أعرض شواهد من الآيات والروايات:

قال اللّه تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ * إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ )(2).

( انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاَتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ )(3).

( إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ )(4).

( لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ

____________

1- حياة أمير المؤمنين، ص: 214.

2- سورة التوبة، الآية: 38 ـ 39.

3- سورة التوبة، الآية: 41 ـ 42.

4- سورة التوبة، الآية: 45 ـ 46.

 


الصفحة 19


 

وَهُمْ كارِهُونَ )(1).

( وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ )(2).

( يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ) ( يَحْلِفُونَ بِاللّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ) ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) ( ما كانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ).

ومن الروايات: ما جاء عن سعيد بن المسيّب عن سعد بن أبي وقاص قال: "لما غزا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) غزوة تبوك خلّف علياً ـ كرم اللّه وجهه ـ في المدينة قالوا: ملّه وكره صحبته، فتبع علي(رضي الله عنه) النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى لحقه في الطريق قال: يا رسول اللّه خلّفتني بالمدينة مع الذراري والنساء حتى قالوا ملّه وكره صحبته، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي إنّما خلّفتك على أهلي أما ترضى..."(3).

قال الطبري عن ابن اسحاق: "فأرجف المنافقون بعلي بن أبي طالب وقالوا: ما خلّفه إلاّ استثقالا له وتخففاً منه، فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي سلاحه ثمّ خرج حتى أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بالجرف فقال: يا نبي اللّه، زعم المنافقون أنك إنما خلّفتي أنك استثقلتي..."(4).

ونحوه ما جاء في (الرياض النضرة ج2 / 162): "طعن رجال من المنافقين في إمرة علي (عليه السلام) وقال إنما خلفه استثقالا..."(5).

ولفهم عملية الاستخلاف وممارسة أدوار الإمامة نعالج ذلك عبر الوقفات التالية:

الاُولى: إن موقع علي من محمّد موقع النفس فلا تحوم حوله شبهة في

____________

1- سورة التوبة، الآية: 48.

2- سورة التوبة، الآية: 56.

3- إحقاق الحق، ج5 / ص: 159 عن الخصائص للنسائي.

4- الطبري، ج2 / ص: 103.

5- السيد مرتضى الفيروزآبادي: فضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج1 / ص: 363، ط2، بيروت 1402هـ.

 


الصفحة 20


 

تخلفه عن ركبه.

الثانية: إن علياً جيش الإسلام، وبسيفه قامت دعائمه، وهو وحده قوة ترهب العدو وتعز الصديق فلا يتوهم في حقه تلكؤ أو ظن بالنفس طلباً للعافية من خوض غمار الحرب.

الثالثة: إنّ الغزوة كانت في السنة التاسعة من الهجرة وقد كان لعلي السجل الحافل بالتضحية والأمجاد المركزية.

الرابعة: إنّ من تخلف في المدينة من المنافقين والمتخاذلين كانوا على وفرة وقوة، وليس من الحكمة والحنكة أن يشخص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويترك المدينة دونما راع وناظر وبمستوى من الكفاءة واللياقة لمعالجة ما يحاك من دسائس وما يعاث من فساد.

الخامسة: مَن المعترض والمرجف؟ أهم الغيارى على نجاح مهمة الرسول في غزوته؟ وهل هم إلاّ المنافقون والخاذلون وطلاّب العافية ومنتهزو الفرص؟ وها هم يرون أن الساحة الواسعة ـ وهي مركز الدولة والدين ـ قد خلت من الرقيب فقد صفا لهم الجو وتهيأ الأسباب لانفاذ أغراضهم ومقاصدهم الخبيثة.

السادسة: وإن نظرة منصفة لما قاله النبي العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) إقامة لعلي المقام الكريم، ودحضاً لمزاعم المغرضين تفصح بجلاء عن إناطة المهمة الكبرى بالبطل الكفؤ.

فإلى نصوص المأثور والتأمل فيها بموضوعية حتى نقف على الانسجام بين الحكم والموضوع:

1 ـ "كذبوا، ولكني إنما خلّفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهليك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي"(1).

2 ـ "فنادى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الناس: ما منكم أحد وله حاجة بابن أبي طالب، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة.. قال علي(عليه السلام): رضيتُ عن اللّه عزّ وجلّ وعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)".

____________

1- الطبري، ج2 / ص: 104.

 


الصفحة 21


 

3 ـ وفي مناشدة علي (عليه السلام): أنشدكم اللّه تعالى أتعلمون أني قلتُ لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك لم خلّفتني؟ فقال: إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك وأنت منّي بمنزلة.. قالوا: اللهم نعم"(1).

4 ـ "أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون... قال: نعم، قال: وإنك خليفتي في كل مؤمن"(2).

5 ـ "إلاّ أنه لا نبي بعدي، ولو كان لكنته"(3).

6 ـ "فإن المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك"(4).

7 ـ "أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة...؟ قال: بلى يا رسول اللّه، قال: فأدبر علي(عليه السلام) مسرعاً كأني أنظر إلى غبار قدميه يسطع"(5).

8 ـ "إنه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي"(6).

9 ـ "إنّه لابدّ من أن أقيم أو تقيم"(7).

10 ـ "أما ترضى أن تكون لك من الأجر ما لي ولك من المغنم مثل ما لي؟"(8).

أقول: تلكم نماذج من روايات الموضوع يقف عليها الباحث مبثوثة قد ملأت بطون التفاسير ومجاميع الحديث وصحاحها وكتب السير ووثائق التاريخ، حتى عادت وعدت من متواتر الحديث، فقل لي بربّك ماذا تعني هذه الجمل وإلى مَ ترمي؟

كذبوا خلفتك لما ورائي، إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك، لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي، لابدّ من أقيم أو تقيم.

ثمّ ما موقع حديث المنزلة؟ وأي مناسبة في الحدث حتى تتم المقارنة لولا

____________

1- إحقاق الحق، ج5 / ص: 37.

2- إحقاق الحق، ج15 / ص: 630.

3- فضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج1 / ص: 349.

4- المصدر السابق، ج1 / ص: 350.

5- فضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج1 / ص: 351.

6- المصدر السابق، ج1 / ص: 352.

7- المصدر السابق، ج1 / ص: 355.

8- المصدر السابق، ج1 / ص: 364.

 


الصفحة 22


 

مسألة الاستخلاف، وما معنى إلاّ أنه لا نبي بعدي ولو كان لكنته. أجل... إنّ المرجفين والمنافقين على بصيرة بالذي يستهدفون ومنه خائفون وجلون، فعلي صنيعة محمّد ونفسه يحمل فكر وعمله وشجاعته وإيمانه وهديه.

هذا والمتأمل يرى الانسجام والالتحام ـ وكما يقال ـ وضع الرجل المناسب في المحل المناسب، ففي هذا الموطن يتخلف علي ـ وذلك للخلافة ـ ويذهب النبي وفي بعث براءة يعزل غيره ويعزم عليه هو والنبي يبقى، وفي كليهما الحكمة تتجلى.

وأود للراغب في متابعة القراءة والتأمل في فصول الأمرين الإشارة إلى نقطتين:

الاُولى: إن الحادثتين وقعتا في السنة التاسعة للهجرة ونزلت في موضوعهما سورة واحدة وهي سورة "التوبة".

الثانية: إن المنافقين ـ وكان خطرهم عظيماً ـ لما لم يفلحوا في مساعيهم وخابوا حاولوا أثناء عودة النبي من تبوك أن يفتكوا بالنبي يوم حملوا عليه في العقبة ولكنهم باؤوا بالفشل وافتضح أمرهم.

الفصل الثالث
سياسة الإمام


السياسة:

المدلول اللغوي: (و) من المجاز (سست الرعية سياسة) بالكسر (أمرتها ونهيتها) وساس الأمر قام به (و) يقال (فلان مجرب قد ساس وسيس عليه) أي (أدّب واُدّب) وفي الصحاح أي أمَرَ وأُمِرَ عليه والسياسة القيام بالشيء بما يصلحه"(1).

"ساسة سياسة: رأسه: دبره وقام بأمره... ومن ذلك ساس الوالي الرعية إذا

____________

1- السيد محمّد مرتضى الزبيدي: تاج العروس، ج4 / ص: 169، ط 1، المطبعة الخيرية، مصر 1306هـ.

 


الصفحة 23


 

دبر أمرها، السياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، واشتهرت عند أهل العصر في العمل لاُمور الدولة داخلها وخارجها"(1).

وفي وصف الأئمة(عليهم السلام) "أنتم ساسة العباد" وفيه "الإمام عارف بالسياسة" وفيه: "ثم فوض إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الدين والأمة ليسوس عباده" كل ذلك من سست الرعية سياسية: أمرتها ونهيتها، وساس زيد سياسة: أمر وقام بأمره، وفي الخبر: "كان بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم" أي تتولى أمرهم كالأمراء والولاة بالرعية من السياسة وهو القيام على الشيء بما يصلحه"(2).

سياسية الإمام علي (عليه السلام)

ويمتلك الإمام من مقومات السياسة ماجعله عدلا للقرآن ـ فعلي مع القرآن والقرآن مع علي ـ وتوأماً للحق متحدين لا يفترقان ـ فعلي مع الحق والحق مع علي ـ وأعظم بسياسة هي القرآن والحق، وكفى بهما دليلا وبرهاناً يمتاز بهما علي دون سواه ممّن حكم قبله وبعده. ولقد تمثلت في حياة الإمام ـ بمختلف أدوارها ـ أنماط سياسته ومرتكزاتها وأبعادها مما لا تفي هذه العجالة بعرضه فضلا عن شرحه وتحليله.

أجل... إنها تتمحور حول هذه الأسس:

أ ـ إقامة الحق والعدل.

ب ـ الوضوح في المنهج والعمل.

ج ـ الإصرار على أنه أولى الأمة بالأمة.

د ـ التسامح فيما يعدو إلى حقّه والشدة فيما يتعلّق بحق الأمة.

هـ ـ سعة الأفق في تأسيس الدولة وإدارتها.

وكان هذه المحاور والأسس شعب وقضايا، وفيما يلي عرض نماذج من ذلك وشواهد على ما يحمله فكر الإمام وما تضمه جوانحه وما يمتاز به في خلقه وهديه وقوله وفعله.

____________

1- الشيخ أحمد رضا: معجم متن اللغة، ج3 / ص: 247، بيروت 1377هـ.

2- الشيخ فخر الدين الطريحي: مجمع البحرين، ج4 / ص: 78، تحقيق السيد أحمد الحسيني، ط 2 بيروت 1403هـ.


 


الصفحة 24


 

أولاً: مما قاله في الحق: "وأيم اللّه لأبقرنّ الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته"(1). "وأعظم ما افترض اللّه سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعية وحقّ الرعية على الوالي" "فإذا أدّت الرعية إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إلى الرعية حقّها عزّ الحق بينهم"(2).

وقال في العدل: "فإن في العدل سعة ومَن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق"(3) "إنّ اللّه تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس"(4) "وإنّ أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد"(5).

ثانياً: الموضوعية والوضوح: وتلك سمة سياساته حيث لا خداع ولا شراء ضمائر وأصوات وإنما هي مقولة الحق ودعوة الصدق وقد صدع بها قولا ومثّلها عملا. قال (عليه السلام) وقد ازدحمت عليه الأمة بعد مقتل عثمان: "دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإنّ الآفاق قد أغامت، والمحجّة قد تنكّرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب"(6).

وقد قال في قوم لحقوا بمعاوية: "إنهم واللّه لم ينفروا من جور ولم يلحقوا بعدل"(7).

وهو القائل يوم الشورى حينما جعل ابن عوف من ركائز الحكم العمل بسيرة الشيخين أبي وعمر فقال في جوابه: بل على كتاب اللّه وسنّة رسوله واجتهاد رأيي"(8).

وهو القائل أيام خلافته: "وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ولكني لا

____________

1- نهج البلاغة، خ140 / ص: 150.

2- نهج البلاغة، خ216 / ص: 333.

3- نهج البلاغة، خ15 / ص: 57.

4- نهج البلاغة، خ309 / ص: 325.

5- نهج البلاغة، كتاب 53 / ص: 433.

6- نهج البلاغة، خ 92 / ص: 137.

7- نهج البلاغة، كتاب 70 / ص: 461.

8- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج1 / ص: 188.

 


الصفحة 25


 

أرى إصلاحكم بإفساد نفسي"(1).

وعُوتب على التسوية في العطاء وأن ذلك باعث على تفرق الناس عنه فأجابهم: "أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه! واللّه لا أطور به ما سمر سمير وما أمّ نجم في السماء نجماً"(2).

وهكذا قال عما يراه مخالفاً لأحكام اللّه تعالى مما سنّه من سبقه من الحكام: "لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيّرت أشياء"(3).

ثالثاً: إمامة الأمة: لم يكن علي يوماً في لبس من أمره بل كان على بينة من ربّه وعلم بمقامه، وكيف لا وهو المجعول من ربّه على لسان نبيّه إماماً وهادياً يتولى أمر أمة محمّد بعد فقد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذا فقد كان يجهر بهذه الحقيقة أيامه، بل وتحمل من أجلها ما تحمل.

ولعلي في الخلافة اتجاهان:

واللافت حقاً أن نجد لدى علي اتجاهين في الخلافة متضادين ومعبرين عن رغبتين مختلفتين ظاهراً ألا وهما: الاستئثار والزهادة. ولكنّه ـ سلام اللّه على روحه الكريمة ـ سرعان ما كان يبدد ذلكم الوهم ويجلي الحقيقة، فالخلافة كما يرى أمانة اللّه وعهده وميثاقه وهي حقّه الثابت المؤكد لا يقال منها ولا يستقبل، ومن جهة اُخرى بالنسبة لديه لا شأن لها في ذاته ما لم تحقق أغراضها وهدفها.

فاستمع إليه (عليه السلام) كاشفاً شارحاً موضحاً: فيقول عن حقّه المغتصب وإرثه المنتهب ومقام الإمامة المضاع ومرتبته التي أزيل عنها: "واللّه ما زلتُ مدفوعاً عن حقّي، مستأثراً عليّ منذ قبض اللّه نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يوم الناس هذا"(4).

وكم بثّ همومه وجاش بحسراته في شقشقيته يوم هدر فقال: "... متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتى صرتُ أقرن إلى هذه النظائر" وقال فيها عن أبي بكر: "أما واللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أنّ محلّي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إلى الطير... وطفقتُ أرتئي بين

____________

1- نهج البلاغة، خ69 / ص: 99.

2- نهج البلاغة، خ126 / ص: 183.

3- نهج البلاغة، كلمة 272 / ص: 523.

4- نهج البلاغة، خ6 / ص: 53.

 


الصفحة 26


 

أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء". وهكذا قال عن استخلاف أبي بكر لصاحبه عمر: "فيا عجباً!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدّ ما تشطّرا ضرعيها! فصيّرها في حوزة خشناء" وقال عن الشورى العمرية وما أفرزت من مصير الحكم إلى عثمان: "فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه وقام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه خضمة الابل نبتة الربيع"(1).

وقال بعد أحداث السقيفة ونتائجها: "فإن أقل يقولوا: حرص على الملك وإن أسكت يقولوا: جزع من الموت هيهات بعد اللتيا والتي"(2).

وطالما أباح وصرّح بتبرمه ومن ذلك قوله يوم الشورى: "وقد قال قائل: إنك على هذا الأمر يابن أبي طالب لحريص، فقلتُ: بل أنتم واللّه لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنما طلبتُ حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه وتضربون وجهي دونه"(3).

ويعبر عن زهده (عليه السلام) في الحكم والدنيا، ويكشف عن نفسيته الشريفة وملكاته اللطيفة كما يحكي ذلك حبر الأمة ابن عباس (رضي الله عنه): دخلتُ على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلتُ: لا قيمة لها! فقال (عليه السلام): واللّه لهي أحب إليّ من إمرتكم إلاّ أن أقيم حقّاً أو أدفع باطلا"(4).

والدنيا وخطرها عند عليّ كما يصفها في تشبيهه البليغ الرائع من جهة والبشع من جهة اخرى: "واللّه لدنياكم هذه أهون في عيني من عِراق خنزير في يد مجذوم"(5).

وبعد.. فقد أبان بمقولته: "اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك

____________

1- نهج البلاغة، خ3 / ص: 49.

2- نهج البلاغة، خ5 / ص: 52.

3- نهج البلاغة، خ172 / ص: 246.

4- نهج البلاغة، خ33 / ص: 76.

5- نهج البلاغة، كلمة 236 / ص: 510.

 


الصفحة 27


 

ونظهر الاصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطّلة من حدودك"(1) وجهة كلّ من الاتجاهين: الرغبة فيها وعنها.

رابعاً: تسامحه فيما يعدو إلى حقّه وشدته فيما يتعلّق بحقّ الأمة: ولقد تجلى تسامحه ووسع قلبه الكبير مَن أبى بيعته رغم انثيال الأمة إليها وتزاحمهم عليها، فلم يُكره أحداً فضلا عن أن يتتبع ويعاقب، بل ولم يستمل أحداً بترغيب، كيف لا وهو بنفسيته الشريفة الزاهد في الحكم والامرة ومَن لا تزيده كثرة الناس حوله عزّه ولا تفرقهم عنه وحشة.

المقارنة بين سياسته وسياسة من سبقه

وإذا ما أردنا استجلاء تلكم الذات العظيمة بكل ما للكلمة من معنى فلنقارن بين ما كان عليه من خلق وبين ما سلكه أرباب الحكم في السقيفة، فالأشيأ تعرف بأضدادها.

سياسة مَن سبقه:

فمن ممارسات القوم ما ذكره التاريخ فقد حكى عنهم:

أ ـ "وإذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، وإذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر لم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه وعمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلاّ خبطوه وقدموه فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه إن شاء ذلك أو أبى"(2).

ب ـ "وعن قيس بن أبي حازم قال: رأيت عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو يقول: اسمعوا لخليفة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) "(3).

ج ـ وحديث ما جرى من الهجوم على دار عليّ وفاطمة والوعيد والتهديد بإحراق الدار ومَن فيها واقتياد الإمام إلى السقيفة، وكذا ما قيل وفعل بسعد بن عبادة وغيره ممّن أبى البيعة يكشف عن المسلك الوعر والخشونة في الارغام

____________

1- نهج البلاغة، خ131 / ص: 189.

2- أبو كبر الجوهري: السقيفة وفدك، ص: 48، تحقيق الشيخ محمّد هادي الأميني، ط2، شركة الكتبي ـ بيروت 1413هـ.

3- علي المتقي الهندي: كنز العمال، ج1 / ص: 658، ط1، 1389هـ.

 


الصفحة 28


 

لتولي الحكم والسيطرة والاستبداد(1).

د ـ "وبلغ الخبر أبا بكر وعمر فأرسلا إلى أبي عبيد والمغيرة بن شعبة فسألاهما الرأي فقال المغيرة: أن تلقوا العباس فتجعلوا له من هذا الأمر نصيباً فيكون له ولعقبه فتقطعوا به من ناحية علي وتكون لكم حجة عند الناس على علي إذا مال معكم العباس..."(2).

هـ ـ وكذلك صنعوا مع أبي سفيان فقد قال لما قدم المدينة وقد رجع من سعايته وقد تم الأمر لأبي بكر: "إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم، فقال: فكلم عمر أبا بكر فقال: إن أبا سيفان قد قدم وإنا لا نأمن شره فدفع له ما في يده فتركه ورضي"(3).

و ـ "فلما اجتمع الناس على أبي بكر قسم قسماً بين نساء المهاجرين والأنصار، فبعث إلى امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت فقالت: ما هذا؟ قال: قسم قسمه أبوبكر للنساء، قالت: أتراشونني عن ديني، واللّه لا أقبل منه شيئاً، فردّت عليه"(4).

سياسته (عليه السلام):

وأما خلق الإمام ونهجه السياسي وتسامحه فيما يعود إلى حقه فإليك مثلا من مثاليته:

1 ـ "جاؤوا بسعد (بن أبي وقاص) فقال علي: بايع، قال: لا أبايع حتى يبايع الناس واللّه ما عليك من بأس، قال: خلّوا سبيله".

2 ـ "وجاؤوا بابن عمر فقال: بايع، قال: لا أبايع حتى يبايع الناس، قال: ائتني بحميل (كفيل) قال: لا أرى حميلا، قال الأشتر: خل عني أضرب عنقه، قال علي: دعوه أنا حميله، إنك ماعلمتُ لسيء الخلق صغيراً وكبيراً"(5).

3 ـ وجاء وفد بني امية (مروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن

____________

1- ابن قتيبة الدينوري: الإمامة والسياسة، ج1 / ص: 16 ـ 21، تحقيق د. طه محمّد الزيني.

2- الإمامة والسياسة، ج1 / ص: 50.

3- الإمامة والسياسة، ج1 / ص: 39.

4- الإمامة والسياسة، ج1 / ص: 51.

5- الطبري، ج4 / ص: 428.

 


الصفحة 29


 

عقبة) وكان لسان القوم فقال: يا هذا إنك وترتنا جميعاً، أما أنا فقتلت أبي صبراً يوم بدر، وأما سعيد فقد قتلت أباه يوم بدر وكان أبوه نور قريش، وأما مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمّه إليه... فتبايعنا على أن تضع عنا ما أصبنا وتعفي لنا عما في أيدينا وتقتل قتلة صاحبنا. فغضب علي (عليه السلام) وقال: أما ما ذكرت من وتري إياكم فالحق وتركم، وأما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق اللّه تعالى، وأما اعفائي عما في أيديكم فما كان للّه وللمسلمين فالعدل يسعكم، وأما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غداً، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب اللّه وسنة نبيّه، فمن ضاق عليه الحق فالباطل عليه أضيق، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم"(1).

وتلك ذاته وسجية نفسه وسعت مَن لم يبايع ومَن بايع ونكث كطلحة والزبير ونظائرهما. وما أكرم ابن أبي طالب فلم تضق نفسه حتى بمَن قام في وجهه وحزّب الأحزاب ضده كما صنعت عائشة "ولو كانت فعلت بعمر ما فعلت به وشقت عصا الأمة عليه ثمّ ظفر بها لقتلها ومزقها إرباً ولكن علياً كان حليماً كريماً"(2).

خامساً: لا هوادة في حق الأمة: ولقد تحلّى بالفكر الإلهي والأدب النبوي ـ وهما جماع الكمال ـ وأراد لهما التطبيق في حياة الفرد والمجتمع والأمة فكراً ونظاماً وممارسة في كل شؤونها، وبالتالي تعيش الأمة في ظل الدولة بسياستها الإلهية فتجني خير ثمارها وطيب بركاتها.

وإننا لنلحظ مناحي في حياة هذا الرجل الفذ سواء في أقواله وممارساته ذلكم النهج المحيط بمقومات الدولة ومؤهلات القائم عليها، وسائر ما يكتنفها من شؤون الدين والدنيا. فلنساير علياً في تلكم الحلقات والأبعاد حتى نقرأ ونقف على قيمة (الإنسان) وهو المحور الذي تصاغ الدولة وتدار من أجله.

مؤهلات إمام الأمة ورئيس الدولة

قال (عليه السلام): "وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء

____________

1- أحمد بن أبي يعقوب: تاريخ اليعقوبي، ج2 / ص: 178، بيروت 1379هـ.

2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج15 / ص: 105 وج17 / ص: 254.

 


الصفحة 30


 

والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسنة فيهلك الأمة"(1).

الإمام قدوة وأسوة:

ولقد ضرب أروع المثل بكريم ما عاشه من خلال، وتحلى به من خصال، فما هشّ للحكم، ولم يغير من جميل أخلاقه، ولم يزدد بذلك إلاّ تواضعاً ونكران ذات. "ألا وإنّ لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنوره علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد، فواللّه ما كنزلت من دنياكم تبراً، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددتُ لبالي ثوبي طمراً، ولا حزت من أرضها شبراً، ولا أخذت منها إلاّ كقوت أتان دبرة، ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة...".

ولم يترك ما ترك عجزاً وعدم قدرة بل هي مستطاعة، ولكن نفس علي تتجه نحو الأسمى والأعلى "ولو شئتُ لاهتديتُ الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح، ونسئج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكبار حرّى، أو أكون كما قال القائل:

 

وحسبك داء أن تبيت ببطنة

وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ"

 

ويمضي أمير المؤمنين ليبرز الركيزة القويمة في شخصية والي الأمة فيقول: "أأقنع من نفسي بأن يُقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها، أو أترك سدى، أو أهمل عابثاً، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة"(2).

____________

1- نهج البلاغة، خ131 / ص: 47.

2- نهج البلاغة، ك 45 / ص: 416.

 


الصفحة 31


 

رعاية الرعية:

ويولي الإمام الرعية همه ورعايته، وينص عليها في دستور حكمه وبنوده فيوصي الوالي من قبله بما تفيض مشاعره الكريمة من رحمة وعطف ولطف: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك اللّه من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك واللّه فوق مَن ولاّك"(1).

أرأيت قمية (الإنسان) عند الإمام علي(عليه السلام)، وحقه في دولته، ووصيته بالمواطن مسلماً كان أو غير مسلم، وأرهف حسك وسمعك حتى تسمع دقات قلبه وتدرك فيض حنانه، وذوبان نفسه حين ورد خبر غزو الأنبار بجيش معاوية "وقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقُلْبَها وقلائدها ورُعُثَها ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام... فلو أن امرأ مسلماً مات من بعد هذا أسفاً من كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً"(2).

ويسترعيه ويروعه منظر شيخ مكفوف كبير يسأله بيده: "فقال أمير المؤمنين ماهذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه! أنفقوا عليه من بيت المال"(3).

ويمتزج في خلق الإمام العدل وإلغاء الطبقية وعدم التفضيل في العطاء فلا محاباة لقريب وإن كان أخاه عقيلا ولا لقريشة على عجمية ولا لمولى على معتقه فكلهم في الحق والعدل سواء. "فقال لعبيد اللّه بن أبي رافع (كاتبه) ابدأ

____________

1- نهج البلاغة، ك 53 / ص: 427 ـ 428.

2- نهج البلاغة، خ27 / ص: 69 ـ 70.

3- الشيخ أبو جعفر الطوسي: تهذيب الأحكام، ج6 / ص: 293، بيروت 1401هـ.

 


الصفحة 32


 

بالمهاجرين فنادهم، وأعط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير"(1).

السيّدة القرشية والعجوز الفارسية:

"وقد أمسكت السيّدة بيد العجوز إلى الإمام وقالت: هل من العدل أن تساوي بيني وبين الأمة الفارسية؟ فرمقها الإمام بطرفه وتناول قبضة من التراب وجعل ينظر إليه ويقلّبه وهو يقول: لم يكن بعض هذا أفضل من بعض، فتلا قوله تعالى: ( إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ )"(2).

وهكذا كانت المساواة قائمة حتى مع مَن يرجى نفعه ويخشى عصيانه ولكن لم يكن من مبادئ الإمام إلاّ العدل، فقد حاور طويلا طلحة والزبير ـ وهما هما ـ وممّا قاله لهما: "لا أستأثر عليكما ولا على عبد حبشي مجدع بدرهم فما دونه لا أنا ولا ولداي هذان"(3).

ولم تقتصر عناية الإمام والنظر في مصالح العباد على جهة أو فئة فقد شملت إصلاحاته ورعايته لمرافق الحياة وحتى للدقيق منها ممّا لا يحسب له غيره حساباً، وفيما نعرضه من نماذج حكاية لما يحمل هذا الحاكم الحكيم من رؤى وفكر إصلاح ومناهج خير وريادة، وهي بالتالي سياسته التي يحمل هديها وهم الأمة فيها.

1 ـ بيت المظالم والقصص: "وكان كما يقول المؤرخون أوّل حاكم في الإسلام بنى بيتاً للمظالم يضع فيه المظلومون والمعتدى عليهم رقاعاً يذكرون فيها ما أصابهم من اعتداء أو مكروه، وكان بنفسه يشرف عليها فيأخذ لهم بحقّهم ويدفع عنهم ما أصابهم من أذىً ومكروه"(4).

2 ـ مؤسس السجون الإصلاحية: وكان قد أسّس سجنين (النافع) و(المخيس) وكانت العبادات الشرعية والآداب التهذيبية والتعاليم القرآنية

____________

1- شح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج10 / ص: 37 ـ 42.

2- الشيخ باقر القرشي: حياة الإمام الحسين، ج1 / ص: 407، ط2، ايران ـ قم المقدسة، 1397هـ، ونحو ذلك في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج2 / ص: 200.

3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج10 / ص: 37 ـ 42.

4- حياة الإمام الحسين، ج2 / ص: 415. شرح نهج البلاغة، ج17 / ص: 87.

 


الصفحة 33


 

والقراءة والكتابة مرعية ومحتمة فيها، وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) يلحظ بروح الانصاف أحوال معيشتهم وشؤونهم الأخرى ملاحظة دقيقة ويشملهم برعايته. وكان يدعو من أراد شهود الجمعة من أهل السجن أن يأتوها ثمّ يعادون إذا قضيت الصلاة وكان يعرض السجون ـ بالكوفة ـ أي يعرض مَن فيها من المسجونين يشاهدهم ويفحص عن أحوالهم(1).

"إذا كان الإعلام العالمي ـ بعد كل التطور الذي مرّ على ضمير البشرية ـ قد طلب أن يعامل السجين معاملة إنسانية، فإن الإمام قد فرض قبل صدور هذه الوثيقة الإنسانية العظمى بأجيال عديدة أن يكون السجن وسيلة تهذيب، لا طريقة إذلال، ومقدمة وأد، وأوصى للسجين بالمأكل والمشرب والملبس، في الصيف والشتاء، وتجاوز ذلك طالباً توفير مايضمن له بعد خروجه من السجن مايضمن له انسانيته"(2).

3 ـ مربد الضوال: عن سعيد بن المسيب: "رأيت علياً بنى للضوال مربداً فكان يعلفها علفاً لا يسمنها ولا يهزلها من بيت المال فمَن أقام عليها بينته أخذه وإلاّ أقرها على حالها"(3). أجل وإنه القائل: "اتّقوا اللّه في عباده وبلاده فإنّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم"(4).

دستور الدولة الإسلامية:

ومما اختص به الإمام علي (عليه السلام) من مميزات ما خلّفه من تراث يحكي فكره وتطلعاته وآماله، وما كان يسعى جهده لإقامته وتشييده.

والناظر في المأثور في عهوده إلى ولاته ورسائله وتوصياه في شؤون الحرب وجبابة المال ومصارفه ومعالجة ما يتعلّق بالنظام والأمة يقف على سعة الأفق ورحابة الفكر ومدى الامتياز بين علي وغيره وسواء في النظرية أو التطبيق.

ولا يفوتنا الاشارة إلى أن الإمام لم يتأت له مواصلة مسيرة نبي الإسلام العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسير بهم سيراً سجحاً وإنما آلت إلى الاُمور وهي تنوء بتركة ثقيلة

____________

1- الشيخ د. أحمد الوائلي، أحكام السجون بين الشريعة والقانون، ص: 123، بيروت.

2- روكس زائد العزيزي: الإمام على أسد الإسلام وقدّيسه، ص: 185.

3- بحار الأنوار، ج31 / ص: 18.

4- نهج البلاغة، خ167 / ص: 242.

 


الصفحة 34


 

وعبء مجهد، وقد تربت الأمة على نهج حكامها السابقين، وطبيعة عملية التغيير شاقة مضنية، ولا سيّما إلى التحول عما يرغبون إلى ما لا يحبون، وقد مني بذلك الإمام، وكان العقبة الكؤود في انفاذ نهجه وتطبيق إصلاحاته.

ولا تسمح خطة البحث بسبر تلكم الشؤون وما حفلت به من شجون والموقوف عند كل قضية وإنما نكتفي بما سبق من شذرات حكت فكره ونفسيته وأنماط سيرته المعبرة عن سريرته مضيفين إلى ذلك الحديث بإجمال عن الوثيقة التأريخية التي رشح بها الفكر العملاق وتحتل الريادة في السياسة وسن الدستور ولا يزال الفكر يغترف من سلسلها العذب ومعينها الدافق.

تلكم هي (العهد لمالك الأشتر) وقد أفاض في تشكيل الدولة وأركانها وعوامل بقائها وأولى كل جهة ركائزها واعتد من الأسس القويمة أهدافاً سياسية أربعة:

1 ـ مالية الدولة (الموارد) وعبر عنها بـ (جباية الخراج).

2 ـ الدفاع والأمن وعنونه بـ (جهاد العدو).

3 ـ الإصلاح الاجتماعي وقد عبر عنها بـ (استصلاح أهلها).

4 ـ التنمية الاقتصادية وعبرها عنها بـ (عمارة البلاد).

ومن الخير أن نلم ولو بنحو الفهرست بمضامين العهد العلوي عبر هذه الاشارات:

1 ـ عمد إلى التوصية باصلاح الذات ومراقبة اللّه في السر والعلن، فالتقوى هي الضمان لانضباط الحاكم، وطالما كرّر الإمام هذه الوصية في عهده بأنحاء متعددة تبصر بالدين وتهدي إلى سواء السبيل.

2 ـ حكم الرأي العام على سياسة وإدارة الحاكم ومقارنتهم عهده بعهود سابقة.

3 ـ أخلاق الحاكم، ويا لروعة هذه الركيزة في كلمه: " وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ".

4 ـ الإنصاف الدقيق وما أجمل ما صدر به التوصية بقوله: "أنصف اللّه وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك وممّن لك فيه هوى".


الصفحة 35


 

5 ـ العدل ورعاية المصلحة العامة.

6 ـ الهيئة الاستشارية والخبراء ودقائق ما يليق بأوصافهم.

7 ـ الوزراء ومؤهلاتهم وتأريخهم.

8 ـ البطانة والحاشية.

9 ـ الاحسان إلى الرعية عامل الثقة المتبادلة.

10 ـ الدقة في الحفاظ على السنن الحسنة وعدم تبديلها.

11 ـ ترابط الطبقات والفئات في المجتمع وعدم غنى بعضها عن الآخر، وأن تركيبة المجتمع تضم هذه الأقسام:

أ ـ جند اللّه.

ب ـ الهيئة الإدارية من كتاب العامة والخاصة وعمال الإنصاف والرفق.

ج ـ قضاة العدل.

د ـ أهل الجزية والخراج من أهل الذمة والمسلمين.

هـ ـ التجار وأهل الصناعات.

و ـ الفقراء.

12 ـ الترابط العضوي بين تلكم الطبقات والفئات.

13 ـ قادة الجيش واختيارهم والنظر في أمورهم وعلاقتهم بالجند والتوصيات الجليلة في ذلك.

14 ـ مواصفات القاضي وضمانات نزاهة القضاء وضرورة القيام بشؤونه، وفيضة النفس بثها الإمام ناعياً بها قضاء السوء "فإنّ هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يعمل فيه الهوى وتطلب به الدنيا".

15 ـ اختيار عمال الدولة ورجال الإدارة وتوفير عطائهم ومراقبة المخلصين لهم سراً "ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية".

16 ـ عقوبة الخائن منهم.

17 ـ رعاية أمر الخراج بما يصلح أمر الناس.

18 ـ الكتّاب والوزراء وكيفية اختيارهم ودقائق في شؤونهم.

 


الصفحة 36


 

19 ـ ضبط العمل باختيار رئيس كفؤ يحيط بما تحت يده من أعمال ورجال وأن الوالي الأكبر عليه النظر في إدارة اولئك الرؤساء "ومهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته".

20 ـ التجارة والصناعة والعناية بهما وتفقد شؤونهما وشؤون القائمين عليهما.

21 ـ الاحتكار باب مضرة للعامة ومحاربته.

22 ـ الفقراء والذين لا صلة لهم كذوي العاهات، والرقة في إسعافهم وحفظ كرامتهم القاصي منهم والداني "فلا تشخص همّك عنهم ولا تصعّر خدك لهم".

23 ـ تأكيد رعاية مَن لا يعتنى بشأنهم في المجتمع، وما أرحب نفسية ابن أبي طالب وأكرمها وأشد حبّها لعباد اللّه "وتفقّد اُمور مَن لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون، وتحقره الرجال، ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم ثمّ اعمل فيهم بالأعذار إلى اللّه يوم تلقاه، فإنّ هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم، وكلٌّ فأعذر إلى اللّه في تأدية حقّه إليه".

24 ـ الأيتام وذوو الرقة في السن، ويربط الإمام علي دائماً صعاب الاُمور بما يقوي على القيام بها من موفور الأجر وخير العواقب "وتعهّد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممّن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه وذلك على الولاة ثقيل، والحق كلّه ثقيل وقد يخفّفه اللّه عى أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم، ووثقوا بصدق موعود اللّه لهم".

25 ـ هموم المجتمع وحل مشاكله في حرية مع تحمل الخرق منهم والسعي في تواضع للّه الخالق مع إبعاد الجند والأعوان حتى يبوح ذو الحاجة بحاجته فإنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في غير موطن: "لن تقدّس أمة لا يؤخذ للضعيف حقّه من القوي غير متتعتع".

26 ـ ووصايا في كافة شؤون الإدارة والحكم من مباشرة الاُمور ولا سيما ما يعجز عنه الوزراء والمسؤولون وتضيق به صدور الأعوان وامضاء عمل كل يوم بيومه، وتقويم السلوك واصلاح الأمر مع الرب تبارك وتعالى.

27 ـ الانفتاح على الرعية وعدم الاحتجاب عنها والاحاطة المباشرة بما

 


الصفحة 37


 

يهمها ويقلق بالها، وهو تأكيد إثر تأكيد لأهمية مثل ذلك وخطورته.

28 ـ السيرة مع المقربين من خاصته وبطانته وحسم مادة الاستثار منهم والتطاول.

29 ـ إقامة العدالة وإحياء بنودها في القريب والبعيد والصبر على ذلك واحتساب الأجر فيه.

30 ـ الصراحة والوضوح ورفع اللبس وإزاحة العلة والشبهة والتهمة بالاصحار بالعذر.

31 ـ معالجة المواقف بما يليق فإن كان الصلح ولو بدعوة من العدو للّه فيه الرضا ففيه الدعة والراحة والأمن مع يقظة وحذر من العدو بعد صلحه فإنّ العدو ربما قارب ليتغفل فالحزم كل الحزم واتهام حسن الظن في ذلك.

32 ـ الوفاء بالعهد وعدم النقض والغدر وخفر الذمم.

33 ـ حرمة الدماء وسفكها بغير حلها ففي ذلك تعجيل النقمة وزوال النعمة وتقوية السلطان بسفكها ممّا يوجب ضعفه وهوانه بل زواله، ولا يبعث فيك سلطانك نخوة فتعتز بالإثم ويأخذ بك الزهو والغرور عن أداء الحق إلى أهله.

34 ـ توجيهات إصلاحية لمراقبة النفس ومحاسبة الذات فلا يكن السلطان مطية الشيطان فالعجب والانبساط إلى المدح فرص الشيطان اللعين فيغري ويردي ويذهب باحسان المحسنين، والمن على الرعية والمبالغة والغلو في ادعاء الأعمال والخلف للوعد تبطل الاحسان، وتذهب بنور الحق وتوجب المقت عند اللّه والعباد، والأناة والحزم مدعاة لوضع الاُمور مواضعها، والتحكم في العاطفة وتملك أزمة النفس مأمن من العناء "ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك".

35 ـ الاسترشاد بالحكومات العادلة والسنن الفاضلة وكتاب اللّه وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) والاقتداء بالإمام الحق ففي ذلك الرشاد وضمان مسيرة الحكم بالحق والعدل.

وبعد... فالعهد الشريف يحمل في طياته وثنايا حروفه سعة أفق وحسن تنظيم وبراعة إدارة وفيض خيال وعاطفة فياضة تحب الإنسان والخير والحياة

 


الصفحة 38


 

الكريمة وبالتالي فهو نهج قويم يحكي الملامح العامة والخطوط الكبرى لبناء الدولة وسياستها.

وقد عني به ذوو الاختصاص فرمقوه بالإجلال ونهلوا من معينه وأطروه كما جاء في كتاب "الراعي والرعية" الذي جاء شرحاً مقارناً بين أفكار (العهد) والنظريات الأخرى في الحكم والإدارة والاقتصاد وسواها(1).

وقال الشيخ المحقق الطهراني: "وهو أوّل كتاب قانوني إسلامي قويم كما أنه أطول عهوده (عليه السلام) وأجمع كتبه لوجوه السياسة الدينية والمحاسن والقيادة والتدبير، وقد وقف عنده المشرعون ورجال القانون في الشرق والغرب منذ العهود السالفة حتى يوم الناس هذا موقف الإكبار والإعجاب والتعظيم، وقد درست على ضوئه بعض القوانين والنظم الأوربية الحديثة وقورنت به فظهرت ميزته وأفضليته ولم يوجد له نظير أو شبيه بل إن معظم دساتير الدول وقوانين الممالك مأخوذة منه ناسجة على منواله"(2).

ومن مظاهر سياسته:

ولو تتبعنا عهوده الأخرى ورسائله ووصاياه إلى الولاة لوقفنا على تلكم النظم الحكيمة والتعاليم القويمة التي أراد للأمة حاكماً ورعية الحياة على نهجها، ولعلمنا منهجه في تأسيس الدولة وسياسة الرعية. وحيث لا تفي هذه العجالة بحديث ذلك أكتفي ببعض النماذج المعبرة:

الأوّل: ما حدّث به بعض عماله: "استعملني علي بن أبي طالب(عليه السلام) على بانقيا وسواد من سواد الكوفة، فقال لي والناس حضور: انظر خراجك وجدّ فيه ولا تترك منه درهماً، وإذا أردت أن تتوجه إلى عملك فمر بي، فأتيته فقال لي: إنّ الذي سمعت منّي خدعة، إيّاك أن تضرب مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً في درهم خراج، أو تبيع دابة عمل في درهم، فإنما أُمرنا أن نأخذ منهم العفو"(3).

الثاني: أنه كتب إلى عماله: "أدقّوا أقلامكم، وقاربوا بين سطوركم، واحذفوا

____________

1- توفيق الفكيكية الراعي والرعية، ص: 8، مقدمة الطبعة الاُولى، ط3، 1403هـ.

2- الشيخ آقا بزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج13 / ص: 373، ط 2، بيروت.

3- الشيخ أبو جعفر الكليني: الكافي، ج1 / ص: 540، بيروت 1405هـ.

 


الصفحة 39


 

عني فضولكم، وأقصدوا قصد المعاني، وإيّاكم والاكثار، فإنّ أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار"(1).

الثالث: ومن حوار سودة بنت عمارة الهمدانية مع معاوية: "واللّه لقد جئته في رجل كان قد ولاّه صدقاتنا فجار علينا فصادفته قائماً يصلّي، فلما رآني انفتل من صلاته وأقبل عليّ برحمة ورفق ورأفة وتعطف وقال: ألك حاجة؟ قلتُ: نعم، فأخبرته الخبر فبكى ثمّ قال: اللّه أنت الشاهد عليَّ وعليهم وأني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقّك، ثمّ أخرج قطعة جلد فكتب فيها: ( بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم عليك مَن يقبضه منك والسلام. ثمّ دفع الرقعة إليّ فواللّه ما ختمها بطين ولا خزمها فجئتُ بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنا معزولا"(2).

السياسة الناجحة.. والمفارقة العجيبة:

رغبتُ في ختام هذا الفصل الاشارة بإيجاز حول نقطة مثارة قديماً وحديثاً وهي: هل نجح الإمام في سياسته؟ فأقول:

أولا: إن الإمام (عليه السلام) ينطلق في سياسته وفي شؤونه من مبادئ مقدسة لديه وقواعد ثابتة لا يحيد عنها وإن تمثلت المصالح الظاهرية في غيرها فهو ذو مبدأ عظيم ودين قويم يترسم خطى الشريعة.

ثانياً: إنه قد كشف عن منطلقاته والتي قد لا تكسبه نجاحاً ظاهراً ومنطلقات غيره التي حقّقت لهم ما يريدون فاسمع حديثه ورأيه: "وما يغدر مَن علم كيف المرجع، ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم! قاتلهم اللّه! قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر اللّه ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز

____________

1- الشيخ أبو جعفر بن بابويه: الخصال، ج1 / ص: 149، ط 1 (محققة)، بيروت 1410هـ.

2- علي بن عيسى الإربلي: كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج1 / ص: 173، ط 1405هـ، بيروت. والفصول المهمة، ص: 128.

 


الصفحة 40


 

فرصتها مَن لا حريجة له في الدين"(1).

وقال عن ذاته ومعاوية: "واللّه ما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنتُ من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة"(2).

وقد مرّ في ثنايا البحث ما يوضح نهجه فهو على بصيرة من أمره وواقع الناس، عالم بما يصلحهم ويطوعهم ولكنه لا يفعل ما لا يلتقي ومبادءه ودينه.

ثالثاً: إنّ الإمام (عليه السلام) ورث تركة ثقيلة جداً حيث تولى الحكم بعد حكام ثلاثة وكانت لهم آراء ومذاهب ومشارب في الأحكام والأموال، وقد حملوا الأمة عليها وارتاحت لذلك نفوس فلم ترغب عنها متحولا ولا بسواها بدلا وفي مثل ذلك يتسع الخرق على الراقع.

رابعاً: وتفاقم الأمر وتعاظمت الخطوب، يوم رفع (كسرى العرب) معاوية رأسه وفعل الأفاعيل وغدر وفجر واحتال وقتل وشرى الضمائر فمالت الناس إلى دنياه ورغبوا عن دين علي وعدله وحقّه.

فيا ترى هل يليق ـ وأستغفر اللّه ـ بعلي أن ينافس معاوية ويبدل من هديه ونهجه؟! ذلك ممّا يأباه دين علي وخلقه وعقله وانسانيته.

ولئن كانت تلكم الأساليب الملتوية نقاط ضعف في سياته الإمام كما يرى البعض فهي نقاط القوة والعظمة في مقياس الحق، وإلاّ فلم يبق مَن ينشد أمثولة للحق والصدق ولما كان علي علياً.

ولقد عرض ابن أبي الحديث في شرح نهج البلاغة لهذا الموضوع مقارناً بين سياسته وسياسة عمر ومعاوية فقال عن سياسة الإمام: "وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعداها إلى الاجتهاد والأقيسة ويطبق اُمور الدنيا على اُمور الدين، ويسوق الكل مساقاً واحداً، ولا يضع ولا يرفع إلاّ بالكتاب والنص".

ثمّ نقل كلام أستاذه أبي جعفر النقيب بأنه سياسة علي هي سياسة النبي وعرض صورة ذلك، وقد ختم الاسكافي بحثه بقوله: "فامتاز رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)

____________

1- نهج البلاغة، خ41 / ص: 83.

2- نهج البلاغة، خ200 / ص: 318.

 


الصفحة 41


 

بذلك (الرسالة) عمّن سواه وبقي ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد، وإلى هذا المعنى أشار (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: أخصمك بالنبوة ولا نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع، وقال له أيضاً: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي، فأبان نفسه منه بالنبوة وأثبت له ماعداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركاً بينهما"(1).

والعجيب أن يطالعنا عصرنا الحديث عصر الحرية والديمقراطية بآراء غريبة لبعض الدكاترة والباحثين فيخطؤون سياسة الإمام ويحكمون عليها بالضعف والفشل فاقرأ فكرهم واعجب لهم ولمقاييسهم "وهذا مايجعلنا نقول بأن علياً كان عليه أن يفعل كل ما يستطيع أن يفعله للاحتفاظ بالسلطة خاصة وأن الظروف التي أحاطت به كانت غاية الصعوبة... يشتري الناس؟ نعم... يقدم الرشاوي والمكاسب والمغانم والمناصب؟... نعم... يغتال خصومه؟... نعم... وما الضرر في أن يفعل كل ذلك... إنّ السؤال الذي يلح بشدة على المرء... هو لماذا لم يتعظ علي من تصرفات الرسول وعمر؟"(2).

وبعد فهذه صورة مشرقة من سياسته ونهجه في الحكم والدولة، وفكره وحياته أعظم اشراقاً وأوسع رحباً، ولو أن الأمة أسلمت إليه قيادها لحملها على الجادة الواضحة والمحجّة اللائحة ولزمت بمأمون من العثرات... ولكن...

الفصل الرابع
الانطباعات عن شخصية الإمام


ولقد هيمن الإمام(عليه السلام) وفرض واقعه وبهرت شخصيته العقول فخشعت لجلاله الأفكار ورمقته الأنظار باكبار، واللافت حقاً توافقهم في الإجلال رغم اختلافهم في المذاهب والمشارب والولاء والعداء ـ سيان جاحدهم ومن يتشيّع ـ وعلى تفاوتهم في المراتب، فالفقهاء وأئمة المذاهب والفلاسفة والمفكرون وغيرهم في الانبهار سواء ولا غرو ففي (شخصية الإمام) مناح تلتقي والنفوس

____________

1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج10 / ص: 212.

2- علي بن أبي طالب ـ نظرة عصرية جديدة، ص: 38، بأقلام مجموعة من الدكاترة والباحثين ط 2، بيروت 1980 م.

 


الصفحة 42


 

البشرية، وهو المثل الأسمى في الفضائل الإنسانية والكمالات الروحية فلا عجب لو تعلقت به النفوس وهوت إليه الأفئدة واشرأبت إليه الأعناق.

والحق يقضي أن نيمم نحو الله خالق هذه (الذات الكاملة) ونحو رسول الله راعيها ومربيها فالله العظيم هو المحيط، والرسول الكريم هو العارف، والناس مهما سموا في عبقرياتهم فهم لا يقفون على أبعاد تلكم الشخصية النادرة من الأفذاذ. أجل لقد حفل كتاب الله التدويني بالإفاضة بالحديث عن كتاب الله التكويني:

 

كلٌّ كتاب الله لكن صامت

هذا، وهذا ناطق ومبين

 

وقد ذكر حملة الحديث والمفسرون عشرات الآيات بل مئاتها في حق الإمام، وهناك كتب خاصة لذكر مانزل من القرآن الكريم في علي وآله، ومنها "شواهد التنزيل في آيات التفضيل" للحاكم الحسكاني، و "(آيات الولاية) للسيد أبو القاسم الشريفي، وقد طبع بطهران في مجلدين ينتهي الأول بآخر سورة الأنبياء وفسر فيه (1001) آية (300) منها في حق أهل البيت وولايتهم باتفاق المفسرين والباقي من طرق أصحابنا الإمامية خاصة"(1).

وأما حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحدّث عن البحر ولا حرج. ولم يقتصر ذلك الانبهار والإجلال على النثر فقط بل شاطره الشعر وهو ممّا لا يحصى كثرة "وقد تصدى المرحوم عبد الهادي الشرقي ـ النجف الأشرف ـ فجمع موسوعة ضخمة من الشعر الذي قيل في الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لم تخرج بعد إلى عالم الطبع، والطريق لا يزال مفتوحاً لا يغطيه عشرات الباحثين"(2).

بل نظم بعض الشعراء ملاحم كبيرة تتناول أبعاد شخصية الإمام كالملحمة العلوية المباركة لعبد المسيح الأنطاكي، وكملحمة عيد الغدير لبولس سلامة، وكالملحمة العلوية للشيخ جعفر الهلالي وغيرهم. وقد أجاد الأستاذ السيد حسن الأمين في بحثه المستفيض حول (علي بن أبي طالب في الشعر العالمي الإسلامي

____________

1- الشيخ آقا بزرك الطهراني: الكرام البررة، ج1 / 68، ط2، ايران ـ مشهد، 1404هـ، مطبعة سعيد.

2- الشيخ عبد الله السبيتي: تحت راية الحق، ص: 125، مطبعة العرفان ـ 1351هـ.

 


الصفحة 43


 

وفي القصة والملحمة العربيتين) وأن شخصية الإمام كانت مؤثرة في أشعار كل اللغات الإسلامية، وأنها العامل الأقوى في تحويل بعض تلك اللغات من لغات تخاطب إلى لغات تدوين وكتابة، فليراجع فإنّه بذلك جدير(1).

منزلة الإمام علي عند المسلمين

1 ـ ولهج الصحابة والتابعون بالاعجاب والاشادة، ولو جمع ذلكم الكم الجم لجاء كتاباً ضخماً، فقد قال عمر ـ وله في الإمام كلمات كثيرة مشهورة حتّى تغلغلت في الأذهان فعاد بعضها أمثلة نحوية ـ لولا علي لهلك عمر، وقال عثمان بن عفان لولا علي لهلك عثمان(2) وجاء عن عائشة وحذيفة وجابر الأنصاري: أنه خير البشر، وفي بعضها عن بعضهم لا يشك إلاّ كافر، ومَن أبى فقد كفر(3).

وقال حبر الأمة ابن عباس: "إنّ علياً علم علماً علمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ورسول الله علمه الله فعلم النبي من علم الله، وعلم علي من علم النبي، وماعلمي وعلم أصحاب محمّد في علم علي إلاّ كقطرة من سبعة أبحر"(4).

ومن حديث ضرار بن ضمرة وقد دخل على معاوية فقال له: صف لي علياً فقال: أو تعفيني؟ قال: لا أعفيك، فقال: "كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطلق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة، كثير الفكرة، كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع قربه منا ودنوه إلينا لا نكلّمه هيبة له، ولا نبتديه لعظمته، فإنّ تبسّم فعن مثل اللؤلو المنظوم، يعظم أهل الدين ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله..."(5).

ولما دخل(عليه السلام) الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب فقال: والله ياأمير

____________

1- دائرة المعارف الشيعية، ج1 / ص: 155 ـ 161، المؤسسة الإسلامية.

2- العلامة الأميني: الغدير، ج8 / ص: 214.

3- إحقاق الحق، ولكثرة ما أورده من مصادر، راجع: ج24 / ص: 213، مادة "خير"، و ص: 487، مادة "كفر".

4- بحار الأنوار، ج40 / ص: 147.

5- الفصول المهمة لابن الصباغ، ص: 127، ط1 ـ بيروت 1408هـ.

 


الصفحة 44


 

المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك ورفعتها وما رفعتك وهي كانت أحوج إليك منك اليها(1).

وقد سئل أبو الهذيل أيما أعظم منزلة عند الله علي أم أبو بكر؟ فقال: بابن أخي لمبارزة علي عَمْراً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها وتربي عليها فضلاً عن أبي بكر وحده.

وقال في مقام الإمام ومناقبه حذيفة بن اليمان حين قال له ربيعة السعدي: إنّ الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه فيقول لهم أهل البصرة: إنّكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس؟

فقال: يا ربيعة وما الذي تسألني عن علي، وما الذي أحدثك! والذي نفسي حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) في كفه الميزان منذ أن بعث اللّه تعالى محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلها، فقال: هذا المدح الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل، إني لاظنه إسرافاً يا أبا عبد اللّه! فقال حذيفة: يا لكع وكيف لا يحمل! وأين المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه حتى برز إليه علي فقتله! والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة(2).

وقال محمّد بن ادريس ـ إمام الشافعية ـ: ماذا أقول في رجل أنكر أعداؤه فضله حسداً وطمعاً وكتم أحباؤه خوفاً وفرقاً، وفاض بين هذين ما طبق الخافقين.

وقال أحمد بن حنبل، إمام الحنابلة: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الفضائل ما جاء لعلي.

وعنه أيضاً وقد تذاكروا عنده خلافة أبي بكر وعمر وعلي وقالوا فأكثروا

____________

1- ابن الأثير: اسد الغابة في معرفة الصحابة، ج4 / ص: 32.

2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج19 / ص: 60.

 


الصفحة 45


 

فرفع رأسه إليهم وقال: وقد أكثرتم! إنّ علياً لم تزنه الخلافة ولكنه زانها(1).

وقال الشيخ الرئيس ابن سينا: "كان علي (عليه السلام) من العلوم في المحل الذي لا تحلق إليه البشر". وقال أيضاً: "أشرف الناس وأعز الأنبياء وخاتم الرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لمركز الحكمة وفلك الحقيقة وخزانة العقل أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) صلوات اللّه وسلامه عليه ـ الذي كان بين الصحابة كالمعقول بين المحسوس ـ إذا تقرب الناس إلى خالقهم بأنواع البر تقرب أنت إليه بأنواع العقل تسبقهم"(2). وقال أيضاً: "إنّ علي بن أبي طالب بين أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المعقول بين المحسوس، فهو عقل وغيره حس، وطبيعة الحواس أنها بحاجة إلى العقل لقيادتها"(3).

وأما علاّمة المعتزلة ابن أبي الحديد ـ شارح نهج البلاغة ـ فقد عايش الإمام من خلال كلمة وسيرته فهام بالإمام وأفاض في تعداد مواطن الجلال والجمال، فلنقتطف من شرحه شذرات: "وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها وسباق مضمارها ومجلي حلبتها، كل مَن بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى" ثمّ عدّد في صفحات طوال انتساب العلوم والفضائل وأربابها إليه وختم الفصل بقوله: "فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتبع فعله، والرئيس المقتفى أثره".

ثمّ عاد لبيان أن الإمام مهوى الأفئدة ومعشوق القلوب على تباين انتمائها واختلاف رجالها فقال: "وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة، وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بِيَعِها وبيوت عبادتها، حاملا سيفه مشمراً لحربه، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها... وما أقول في رجل أحب كل أحد أن يتكثر به، وود كل أحد أن يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه... فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه

____________

1- المصدر السابق، ج1 / ص: 52، وعلّق عليها فتراجع.

2- الشيخ عبد اللّه نعمة: فلاسفة الشيعة، ص: 298، ط1، بيروت 1987م.

3- الشيخ جواد الآملي: الحكمة عند الإمام في نهجه، ص: 25، ط 1، بيروت 1413هـ.

 


الصفحة 46


 

لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا بل يزيد عليه"(1).

وقال عن فصاحته وبلاغته: إنه أفصح من كل ناطق بلغة العرب من الأولين والآخرين إلاّ كلام اللّه سبحانه، وكلام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ عقب ذلك بأن هذه الخطب والكتب إن أفكر فيها وأعمل رويته فيها فقد أتى بالعجب العجاب وهو إمام الناس كلهم في ذلك، وإن فاضت على لسانه مرتجلة فأعجب وأعجب(2). وعلق على جملة من كلمه حول الشيطان بقوله: "وهذا من صناعة الخطابة التي علمها اللّه إياه بلا تعليم وتعلمها الناس كلهم بعده منه"(3). ووصف شجاعته بأنها منحة من اللّه تعالى خارقة لعادة البشر(4).

ونقل عن أستاذه النقيب أبي جعفر قوله في صفاء فطرة الإمام: "إن نفس علي القدسية أدركت بالفطرة لا بالقوة التعليمية ما لم تدركه نفوس مدققي الفلاسفة الإلهيين"(5).

وعلق على جملة من خطبة له (عليه السلام) في التوحيد، بقوله: "وهذا أيضاً من دقائق العلم الإلهي، والعرب دون أن تفهم هذا أو تنطق به، ولكن هذا الرجل كان ممنوحاً من اللّه تعالى بالفيض المقدس والأنوار الربانية"(6).

وذكر جرجي زيدان في ترجمة جمال الدين الأفعاني "كان إذا ذكر الإمام في مجلسه يقوم ثمّ يقعد إجلالا وتعظيماً"(7).

وقال أمير البيان شكيب أرسلان: "وإلاّ فقل إن وجد في التاريخ البشري مثل علي بن أبي طالب في كمال صفائه وكثرة فضائله وعلو مزاياه ومن كان يقدر أن يقول في علي شيئاً"(8).

ونقل العلاّمة الشيخ محمّد جواد مغنية كلمة الأمير شكيب أرسلان ووصفها

____________

1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج1 / ص: 17 ـ 30.

2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج6 / ص: 278 ـ 279.

3- المصدر السابق، ج13 / ص: 143.

4- المصدر السابق، ج7 / ص: 301.

5- المصدر السابق، ج11 / ص: 115.

6- المصدر السابق، ج 13/ ص: 48.

7- الشيخ عبد اللّه السبيتي: تحت راية الحق، ص: 44، مطبعة العرفان، صيدا 1351هـ.

8- تحت راية الحق، ص: 44.

 


الصفحة 47


 

بالكلمة الجامعة وقد سمعها من فمه، وحكايتها أن جمعية الإصلاح في بيروت أقامت احتفالا بذكرى الإمام تكلم فيها عدد من الخطباء، وقدم شكيب معرّف الحفلة بقوله: "تسمعون كلمة من الأمير شكيب، وإنما سمي أميراً لأنه شيبه بالأمير في سنانه وبيانه" فغضب شكيب من هذا التشبيه وقال على المنبر: "واللّه ما اعتراني الخجل منذ خلقت حتى الساعة كما اعتراني حين سمعتُ المعرّف يشبّهني بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، واللّه إنّ كل ما في السماء والأرض عدا اللّه ورسوله لا يشبه الغبار الذي على حافر فرس علي بن أبي طالب، إنّ اللّه أمر بالخير، ونهى عن الشر، ثمّ خلقه كما يشاء، ثمّ قال للناس: هذا هو المثل الأعلى فاحتذوه"(1).

منزلة علي عند غير المسلمين

قال الفيلسوف الإنگليزي توماس كارليل: "أما علي فلا يسعنا إلاّ أن نحبه ونتعشقه فإنه فتى شريف القدر كبير النفس يفيض وجدانه رحمة وبراً، ويتلظى نجدة وحماسة، وكان أشجع من ليث، ولكنها شجاعة ممزوجة برقة ولطف ورأفة وحنان".

وقال جبران خليل جبران: "في عقيدتي إنّ علي بن أبي طالب كان أوّل عربي لازم الروح الكلية وجاورها وسامرها وهو أوّل عربي تناولت شفتاه صدى أغانيها فرددها على مسمع قوم لم يسمعوا مثلها من ذي قبل فتاهوا بين مناهج بلاغته وظلمات ماضيهم فمن أعجب بها كان اعجابه موثوقاً بالفطرة، ومن خاصمه كان من أبناء الجاهلية، مات علي بن أبي طالب شهيد عظمته مات والصلاة بين شفته ومات فيه قلبه الشوق إلى ربّه، ولم يعرف العرب حقيقة مقامه ومقداره، مات قبل أن يبلغ العالم رسالته كاملة وافية، مات شأن جميع الأنبياء الباصرين الذي يأتون إلى بلد ليس ببلدهم وإلى قوم ليسوا بقومهم في زمن ليس بزمنهم ولكن ربّك شأناً في ذلك وهو أعلم".

ويقول ميخائيل نعيمة عن تعلق جبران بالإمام: "وأذكر أن جبران كان يجل

____________

1- الشيخ محمّد جواد مغنية: فضائل الإمام علي، ص: 180، دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1397هـ.

 


الصفحة 48


 

الإمام كثيراً أو يكاد يضعه في مرتبة واحدة مع النبي"(1).

وقال بولس سلامة: "وقد يقول قائل: ولم آثرت علياً دون سواه من أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الملحمة؟ ولا أجيب على هذا السؤال إلاّ بكلمات فالملحمة كلها جواب عليه، وسترى في سياقها بعض عظمة هذا الرجل الذي يذكره المسلمون فيقولون: رضي اللّه عنه وكرّم وجهه، وعليه السلام، ويذكره النصارى في مجالسهم فيتمثلون بحكمه ويخشعون لتقواه، ويتمثل به الزهاد في الصوامع فيزدادون زهداً وفتوناً، وينظر إليه المفكر فيستضيء بهذا القطب الوضاء، ويتطلع إليه الكاتب الألمعي فيأتم ببيانه، ويعتمد الفقيه المدره فيسترشد بأحكامه. أما الخطيب فحسبه أن يقف في السفح ويرفع الرأس إلى هذا الطود الشامخ لتنهل عليه الآيات من عل، وينطلق لسانه بالكلام العربي المبين الذي رسّخ قواعده أبو الحسن. وبعد فلم تساءلني بأبي الحسن؟ أو لم تقم في خلال العصور فئات من الناس تؤله الرجل؟ ولا ريب أنها الضلالة الكبرى ولكنها ضلالة تدلك على الحق إذ تدلك على مبلغ افتتان الناس بهذه الشخصية العظمى"(2).

وقال ميخائيل نعيمة: "وبطولات الإمام ما اقتصرت يوماً على ميادين الحرب فقد كان بطلا في صفاء بصيرته، وطهارة وجدانه، وسحر بيانه، وعمق انسانيته، وحرارة إيمانه، وسمو دعته، ونصرته للمحروم والمظلوم من الحارم والظالم، وتعبده للحق أينما تجلى له الحق، وهذه البطولات ومهما تقادم بها العهد لا تزال مقلعاً غنياً نعود إليه اليوم في كل يوم كلما اشتد بنا الوجد إلى بناء حياة صالحة فاضلة.. إنه ليستحيل على أي مؤرخ أو كاتب مهما بلغ من الفطنة والعبقرية أن يأتيك حتى في ألف صفحة بصورة كاملة لعظيم من عيار الإمام علي، ولحقبة حافلة بالأحداث الجسام كالحقبة التي عاشها. فالذي فكره وتأمله وقاله وعمله ذلك العملاق العربي بينه وبين نفسه وربه لمما لم تسمعه أذن ولم تبصره عين. وهو أكثر بكثير مما عمله بيد أو أذاعه بلسانه وقلمه. وإذ ذاك فكل صورة نرسمها له فهي صورة ناقصة لا محالة، وقصارى ما نرجوه منها أن تنبض

____________

1- الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ج1 / ص: 35.

2- المصدر السابق، ج1 / ص: 47.

 


الصفحة 49


 

بالحياة"(1).

وفي رسالة منه لجورج جرداق: "تسألني رأيي في الإمام ـ كرم اللّه وجهه ـ ورأيي فيه أنه ـ من بعد النبي ـ سيد العرب على الإطلاق بلاغة وحكمة وتفهماً للدين، وتحمساً للحق، وتسامياً عن الدنيا، فأنا ما عرفت في كل مَن قرأت لهم من العرب رجلا دانت له اللغة مثلما دانت لابن أبي طالب، سواء في عظاته الدينية، وخطبه الحماسية، ورسائله التوجيهية، أو في تلك الشذور المقتضبة التي كان يطلقها من حين إلى حين مشحونة بالحكم الزمنية والروحية متوهجة ببوارق الإيمان الحي مدركة من الجمال في البيان حد الاعجاز، فكأنما اللالئ بلغت بها الطبيعة حد الكمال وكأنه البحر يقذف بتلك اللالئ دونما عنت أو عناء". إلى أن يقول: "إنّ علياً لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كل زمان ومكان"(2).

وقال شبلي الشميل: "الإمام علي بن أبي طالب عظيم العظماء نسخة مفردة لم ير لها الشرق والغرب صورة طبق الأصل لا قديماً ولا حديثاً"(3).

وقال جورج جرداق: "فالتأريخ والحقيقة يشهدان أنه الضمير العملاق الشهيد أبو الشهداء علي بن أبي طالب صوت العدالة الإنسانية وشخصية الشرق الخالدة! وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كل زمن علياً بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره"(4).

وقال الباحث الفرنسي كازا ديفو: "وعلي هو ذلك البطل الموجع المتألم، الفارس الصوفي، والإمام الشهيد ذو الروح العميقة القرار التي يكمن في مطاويها سر العذاب الإلهي"(5).

وقال جرداق عن أمة من الباحثين والمستشرقين: "أما المستشرقون ولنعد إليهم، فمن الطبيعي أن يكون علي في طليعة مَن دارت عليه أبحاثهم ومن الطبيعي أن يقفوا عند شخصية الإمام الفذ، ويطيلوا الوقوف، وليس بأقل طبيعة كذلك أن

____________

1- جورج جرداق: الإمام على صوت العدالة الإنسانية، ج5 / ص: 227، 1970م.

2- بولس سلامة: عيد الغدير، المقدمة، ص: 10 ـ 11.

3- الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ج1 / ص: 20.

4- المصدر السابق، ج5 / ص: 228 ـ 229.

5- الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ج5 / ص: 233.

 


الصفحة 50


 

يقودهم البحث إلى إجلال علي وإلى حبّه وإيثاره(1).

وكما أفرد بعضهم ملحمة في الإمام فقد ألّف الكثير منهم مؤلفات خاصة بالإمام كشفت عن امتياز الإمام وإجلالهم له كـ (سليمان كتاني) في "علي نبراس ومتراس" و(روكس العزيزي) في "الإمام علي أسد الإسلام وقديسه" و(نصري سلهب) في "خطى علي".

وبعد...

فهذه لمحة.. من صورة مشرقة... من علي... وفكره وحياته أعظم إشراقاً وأوسع رحباً وقد أرادها اللّه الحكيم الخبير لعباده نوراً تستضيء بسناه وتتفيأ بظلاله وباباً تلج منه إلى العلم والحق، ولكن الأمة ولسوء طالعها ضيّعت حظها فلم تعرف له قدراً، ولم ترع له حرمة، وصدق اللّه حيث يقول: ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ).

____________

1- المصدر السابق، ج5 / ص: 235.