الإمام علي بن أبي طالب (كرمه اللّه وجهه)
ودوره في ترسيم معالم الدولة الإسلامية


تأليف
عدنان الحاج كاظم عليان
كاتب وباحث عراقي ـ لندن


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 

التوطئة:

مدخل إلى ترسيم معالم سيرة الإمام المبين علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه)

تهتم الأمم المتحضرة بالتراث والحضارة، وهو ما أوجبت له عقد الندوات والمهرجانات في تواريخ مختارة. وإنّ هذا الاهتمام، أصبح حالة متقدمة، بدأت تهتم به الأمم المتحضرة على نطاق واضح، لتعكس من خلال تجارب شعوبها وعطاءاتها الإنسانية عبر التاريخ والهدف المركز من هذا الاهتمام هو الانفتاح على شعوب الأمم الأخرى ذات الحضارات المتميزة، وبذلك يتقابل تراث الحضارات فيحصل نوع من التمازج الحضاري، والتناغم التراثي، والتلاقح الفكري، مع احتفاظ كل امّة بخصوصياتها.

وان الندوة العلمية المعقودة عن النجف الأشرف واسهاماتها في الحضارة الإنسانية، لها عبقها ونكهتها المتميزان، ولذلك أكثر من سبب، لأنّ مدينة النجف ليست كأية مدينة من مدن العالم، فهي تتميز على ما سواها كونها جمعت حزمة من العطاءات التراثية والحضارية والروحية والعلمية والجهادية، ذات الأبعاد والمضامين الإنسانية، عبر تاريخها الطويل. لذا جاء انعقاد هذه الندوة في أشهر مدن أورپا وهي (مدينة لندن) في ظرف تتعرض فيه مدينة النجف لحملة (هولاكية) جديدة، تستهدف الفكر والحضارة والتراث العربي والإسلامي، جاء في صميم الأحداث. فلنخبة الأمة من المتصدين لهذه الندوة، التجلة والتقدير الشديدين، وحيث نقف على ريادة هذه المدينة المقدّسة نرى:

انّ ريادتها لم تقتصر على مدن العراق بل تعدتها لتشمل مدن العالم الإسلامي، حين آل إليها موقعها الديني والتراثي والعلمي من تأثيرات كبيرة على حضارات الأمم الأخرى، إضافة لما آل إليها موقعها التأريخي والسياسي من أهمية

 

الصفحة 2


 

وتأثير كبيرين على مجمل أحداث المنطقة محلياً وإقليمياً ودولياً، خلال هذا القرن. لذا تمتع المسلمون عامة والشيعة الإمامية الإثنا عشرية بخاصة، في كنف هذه المدينة المقدسة، بالطمأنينة والأمان عبر التاريخ، وبالفخر والاعتزاز حين أصبحت هذه المدينة خلال القرنين الأخيرين محط أنظار العالم، فعدا ما يؤمها من ملايين الزوار، فإنّ عشرات الآلاف كانوا يفدون إليها لطلب العلوم العربية والإسلامية، وبالجهاد والفروسية والفدائية، أصبحت هذه المدينة خلال القرن العشرين، المدينة المجاهدة الأولى، عبر انتفاضاتها وثوراتها على طريق الخلاص من الظلم والظالمين.

وقفة تقييم لمدينة النجف في عيون أجنبية في التقرير التالي

"وكانت الأبرز بين مدن العتبات المقدسة هذه مدينة النجف، التي أخذت منذ أوائل القرن العشرين تمارس تأثيراً دينياً وسياسياً هائلاً يتخطى حدود العراق بكثير، وإذ تقع النجف على بعد حوالي 120 ميلاً جنوب بغداد، فإنها أفلتت من السيطرة الحكومية الفعالة طيلة شطر كبير من العهد العثماني، وتجسد وضعها شبه المستقل، وصورتها الذاتية، بوصفها العصب المركزي العظيم للعالم في تصوير الشيعة والكتاب الغربيين لها، على أنها "قلب العالم" وأنها "عالم في مدينة" و "متلقية كل أخبار العالم""(1).

ولم تأت ريادة هذه المدينة عبر التاريخ الحديث، إنما جاءت ريادتها من عمق التاريخ ونفحاته وصوره المضيئة، وينقل لنا الدكتور فياض حديث الإمام الصادق(عليه السلام) بهذا الصدد، ونص قوله:

"... هي الزكية الطاهرة، فيها قبور النبيّين والمرسلين، وقبور غير النبيّين، والأوصياء الصادقين، وفيها مسجد السهلة الذي لم يبعث اللّه نبيّاً إلاّ وصلّى فيه، ومنها يظهر عدل اللّه، ومنها يكون قائمه، والقوام من بعده، وهي منازل النبيّين

____________

1- Great Britain Adminstration Reports for 1918 Najaf, Co 696-1
Thomas Lyell The Ins and Outo of Mesoptamia (London 1923), 21-22.


الصفحة 3


 

والأوصياء والصالحين"(1).

وحين أراد اللّه عزّ شأنه أن تتكامل أهمية هذه البقعة الطاهرة المطهرة، أن تأخذ أبعاداً ومضامين جهادية وسياسية، هيأ لوصيّة الأمين علي (عليه السلام)، أن يتخذ هذه البقعة المباركة مركزاً لولايته، وبعد تلك المسيرة الظافرة للإمام المبين علي، في ترسيم معالم الدولة الإسلامية، وبينما هو منشغل بمسؤولياته في تلك الظروف الدقيقة شاءت إرادة اللّه أن تختم تلك المسيرة باستشهاد الإمام علي(عليه السلام) لتتشرف هذه البقعة المباركة بضم ضريح لجسده الطاهر، فأضاف لهذه المدينة ميزة خاصة، حين اقترن اسم علي باسمها، ووجودها بوجوده، فأصبحت في ضوء ذلك أكثر تفرداً وأعمق تألقاً وأمضى تأثيراً في المسيرة الإنسانية.

إنّ ضروب سيرة الإمام علي(عليه السلام) تمثل عن جدارة واستحقاق "حضارة أمة في رجل" ولم تأت هذه التسمية من فراغ لأن ضروبها زاخرة بالكثير من العلوم والمعرفة والبلاغة والفصاحة والفضائل والمحاسن والإنسانية والرحمة والفدائية والإقدام والفروسية والجهاد والزهد والسخاء والكرم والإيثار ومكارم الأخلاق والادارة والسياسة والعقيدة والفلسفة والفقه والتفسير والنحو والصرف وعلم الالهيات والقراءات والكلام والرياضيات والطب والفلك، ولتفرده في جمع صفات الأضداد هذه، استحقت سيرته أن توسم بـ " السيرة المتفردة "، والمتفرد في اللغة تعني الذي لا نظير له. وهكذا أصبح الإمام علي (عليه السلام) أهلا لهذا التفرد، بعد الرسول الأمين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). وللّه درّ الشاعر الذي أحسن في تصوير تلك الأضداد في سيرة الإمام، حين قال:

 

جمعت في صفاتك الأضداد

ولهذا عزت لك الأنداد

زاهد حاكم حليم شجاع

فاتك ناسك فقير جواد

شيم ما جمعن في بشر قط

ولا حاز مثلهنّ العباد

خلق يخجل النسيم من اللطـ

ـف وبأس يذوب منه الجماد

جلّ معناك أن يحيط بك الشعـ

ـر ويحصي صفاتك النقاد

 

لذا كان من الصعب على الباحث الثاقب أن يدرك غايته وينال شأوه، في

____________

1- د. عبد اللّه الفياض: تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة، (بغداد 1970م)، ص: 31.


الصفحة 4


 

الإلمام بأبعاد ومضامين السيرة العطرة لحياة الإمام المبين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه، فذلك ضرب من المحال، وممّا زاد في أهمية سيرته تلك الاضفاءات الرائدة على سيرته العطرة، كونها سيرة شاركت في صنعها ثلاث اردات، ارداة اللّه في اختيار خلقه، وارادة النبي في شد عضده، وارادة الإمام في كنه نفسه، فتفاعلت الإرادات الثلاث، لتصنع تلك السيرة المتفردة، فاللّه عزّ شأنه يقول في علي (وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْناهُ فِي إِمام مُبِين)(1). ففي ذيل تفسير هذه الآية نقلا عن حبر الأمة ابن عباس، عن الإمام علي حين سُئل عن هذه الآية قال: "أنا واللّه الإمام المبين الذي أبين الحق من الباطل، ورثته من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)"(2). ويؤكد (صلى الله عليه وآله وسلم)هذا المعنى قائلا: "إنه الإمام الذي أحصى اللّه تبارك وتعالى فيه علم كلّ شيء"(3). ومع أن سيرته كرّم اللّه وجهه تتناغم مع سيرة الأنبياء، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب"(4). فقد تطابقت سيرته مع سيرة نبيه الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)كما أكد ذلك أبو بكر حين رأى علياً فقال: " مَن سرّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة من رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) وأقربه قرابة وأفضله دالة وأعظمه غَناء عن نبيّه فلينظر إلى هذا"(5).

وحين يتحدث عمر بن الخطاب عن علي يقول: "واللّه لولا سيف علي لما قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الأمة وذو سابقتها وذو شرفها"(6).

ولو وقفنا لبرهة على النص التالي، لما تملكنا مشاعرنا وتحكمنا في مآقي عيوننا، هذا النص الذي قيل في حضرة العدو المخاصم الأوّل للإمام علي، معاوية بن أبي سفيان، ينقله لنا الحافظ أبو نعيم، في حلية الأولياء، فحين دخل الإمامي الجليل (ضرار بن ضمرة الضبابي (رضي الله عنه)) على معاوية بن أبي سفيان، وهو في

____________

1- سورة يس، الآية: 12.

2- تفسير القمي، في ذيل تفسير الآية نقلا عن عبد اللّه بن عباس.

3- معاني الأخبار، بإسانده إلى أبي الجارود.

4- الطبري: ذخائر العقبى، ص: 94.

5- المتقي الهندي: كنز العمال، ج13 / ص: 114، حديث: 36375.

6- ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج3 / ص: 116.


الصفحة 5


 

الموسم، قال له معاوية: صف لي علياً، قال: أو تعفيني؟ قال: لابدّ أن تصفه لي، قال: " كان واللّه أمير المؤمنين(عليه السلام)، طويل المدى، شديد القوى، كثير الفكرة، غزير العبرة، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطلق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا دعوناه ويعطينا إذا سألناه، ونحن والله مع قربه لا نكلّمه لهيبته، ولا ندنو منه تعظيماً له، فإن ابتسم فعن غير أشر ولا اختيال، وإن نطق فعن الحكمة وفصل الخطاب، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع الغني في باطله، ولا يوئس الضعيف من حقّه، فأشهد لقد رأيته في بعضه مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وهو قائم في محرابه قابض على لحيته، يتململ تملل السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا يا دنيا إليك عنّي، أبي تعرضت؟ أم لي تشوقت؟ لا حان حينك، هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلة الزاد وطول المجاز وبعد السفر، وعظيم المورد".

قال: فوكفت دموع معاوية ما يملكها وهو يقول: هكذا كان علي، فكيف خزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزني عليه واللّه حزن من ذبح واحدها في حجرها، فلا ترقأ دمعتها، ولا تسكن حرارتها(1).

وهكذا شخصية بهذه المواصفات، بقدر ما تجعل الباحث متشوقاً في خوض غمارها، والغوص في أعماقها، بقدر ما يكون متهيباً من ولوجها، خشية عجزه عن رفدها بما تستحق. ورغم اقدامي هذا، إلاّ أنني حينما تصفحت الصحاح الستة ومصادرها المعتمدة، التي وقعت بين يدي، والتي أولت هذه السيرة المتفردة، بالدرس والعناية اللازمتين، شخص أمامي أنه يتعذر عليَّ الإلمام العميق بمكنونات سيرة هذه الشخصية، التي أثرت بصورة واُخرى في المنحى (الانساني الحضاري) ليس الخاص منه فحسب، إنما حتى المنحى الأممي، وهو ما أشار إليه العقاد بقوله: "في كل ناحية من نواحي النفوس الإنسانية، ملتقى بسيرة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)... لأن هذه السيرة تخاطب الإنسان حيثما اتجه إليه

____________

1- أبو نعيم، الحافظ: حلية الأولياء، ج 1 / ص: 84.


الصفحة 6


 

الخطاب البليغ، في سيرة الأبطال العظماء، وتثير فيه أقوى ما يثير التاريخ البشري من ضروب العطف ومواقع العبرة والتأمل..."(1).

ووقفة سريعة على جذور الانتساب، يتراءى أمامنا عمق الأصول التي ينتمي إليها الإمام علي (عليه السلام)، فقد جمع الإمام علي المجد من أصوله قبل فروعه، فالأصل إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، والغصن الذي نما بين جوانحه هم بنو هاشم، الذي وصفهم الجاحظ بقطعة بلاغية رائعة تقول إنهم: "ملح الأرض، وزينة الدنيا، وحلي العالم، والسنام الأضخم، والكاهل الأعظم، ولباب كل جوهر كريم، وسرّ كل عنصر شريف، والطينة البيضاء، والمغرس المبارك، والنصاب الوثيق ومعدن الفهم، وينبوع العلم"(2).

فالجد الأكبر هو هاشم، تألق المجد بين يديه، وتنامى نبل الأخلاق في أجوائه، وتجسد شرف القصد، وطهارة الضمير في خلجاته، وترامت المواقف الإنسانية في صومعته، فنال العز والسؤدد في أروع صورهما.

أما الجد المباشر عبد المطلب، فهو شيبة الحمد، وعنوان المجد، ونقاء القلب، وروعة الإيمان، ووفاء لا يعادل وشرف لا يدانى، صاحب اليدين الكريمتين اللّتين اتجهتا إلى السماء، مصحوبتين بمناجاة اللّه، تلك المناجات التي رددتها أصداء السماء، واستجابت لها: "اللهم إنّ العبد يمنع رحله، فامنع حلالك فالبيت بيتك والقوم قومك"(3). فاستجاب العلي لرجاءه (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجارَة مِنْ سِجِّيل * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَأْكُول)(4).

وكان الأب الرؤوف أبو طالب (عبد مناف) شيخ البطحاء، ومهابة الرجال، وعنوان المجد، وسادن الكعبة، وساقي العطاشى من بئر السماء (زمزم)، وناصر الصادق الأمين، في دعوة التوحيد والإيمان، وواهب محمّد القوة والحياة بحمايته من زمرة الكفر والالحاد.

أما الثمرة المباركة، فهي أوّل ثمرة من أبوين هاشميين، نبتت وتبرعمت

____________

1- عباس محمود العقاد: عبقرية الإمام علي، المقدمة، ص: 5.

2- ابن أبي الحديد: م. س، المقدمة، ج4 / ص: 4. نقلا عن: زهر الآداب، ج1 / ص: 59.

3- محمّد بحر العلوم: في رحاب آل البيت، ص: 14.

4- سورة الفيل، الآيات: 3 ـ 5.


الصفحة 7


 

في رحم فاطمة بنت أسد، السيّدة الفاضلة، بنت عم شيخ الأبطح، وزوجه المصون، وهي الراضية المرضية، التي كرّمها اللّه تكريماً مميزاً، حين أصبحت حاضنة لرعاية سيد الرسل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحين وضعت ابنها علياً في جوف بيت اللّه الحرام، وحين أصبحت من المسلمات المبكرات، وحين كرمها الرسول في موتها، في اعتزاز الأوفياء، حين اضطجع في حفرة قبرها قبل إنزالها بعد أن خلع ثوبه ولفّ به جسدها الطاهر ليخفّف عنها ضغطة القبر، وفي ضوئه نالت فاطمة من اللّه والرسول المكرمات.

وحتى تكتمل أبعاد هذا الأصل وذاك الفرع وهذا الوليد، تمضي إرادة اللّه في قحط يصيب قريشاً، وعلى ما كان عليه أبو طالب من ضيق اليد وكثرة العيال، شاء التكريم الإلهي أن ينتقل علي ويستقر في كنف رعاية ابن عمه محمّد، وهو ابن ست سنوات، ليبدأ طريق الرحمن في هذه السن المبكرة، وليكون هذا الطريق القنطرة المباشرة في تكامل ترسيم معالم سيرته العطرة عبر أحداث الأمة. هكذا هو المحيط الأسري المثالي، الذي أثمر الينع المبارك علياً، فأعظم به من محيط، وأكرم به من رحم وأسعد به من وليد كرّم اللّه وجهه، وأحسن به من كنف للرعاية المحمدية، على طريق الرحمن، كنجم يصاحب القمر محمّداً، لذا يقول عمر بن الخطاب: "كنّا ننظر إلى علي في أيام النبي كما ننظر إلى النجم"(1). وكان علي يفخر بهذه الصحبة والمعية، وحين يتحدث عنها يقول باعتزاز يغمره: "وقد تعلمون موضعي من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره ويكنفني فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه... وكنتُ أتبعه اتباع الفصيل إثر امه، يرفع لي في كل يوم من اخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به..."(2).

هكذا كانت بداية ترسيم معالم سيرة الإمام المبين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه، أما كيف قام هو بترسيم معالم الدولة العربية الإسلامية، فيأتي في أربعة مباحث، وهو أمر نتركه لتوفيق الهيئة المشرفة على هذه الندوة، بنشر البحوث كاملة، كي يطلع ويفيد منها القارئ الكريم. واللّه من وراء القصد.

____________

1- محمّد بحر العلوم: في رحاب آل البيت، ص: 25 و 26.

2- نفس المصدر السابق.


الصفحة 8


 

المبحث الأوّل
نشوء الفكر الإمامي السياسي وتكونه،
وترسيم معالم الدولة الإسلامية حين تولى الإمام علي (عليه السلام) الخلافة


كان النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) يضطلع بمسؤوليات الأمة، وكان يمارس السلطات الدينية والمدنية، وبعد أن استتب الأمر وانقطع خبر السماء، وانتقل النبي إلى الرفيق الأعلى، بعد أن أدى الأمانة الإلهية، تحولت السلطات المدنية والدينية إلى الخلفاء الراشدين الأربعة على التوالي، بالصورة والكيفية المعروفة، ورغم ما صاحبها من اجتهادات وتأويلات وتصرفات وتجاوزات في بعض مفاصلها على ما كان عليه صاحب الدعوة، وهو ما سنتناوله باقتضاب شديد، وبما له علاقة مباشرة بمباحث هذه الرسالة، المهم هنا هو أن الفكر السياسي الإمامي مرّ عبر فاصله الزمني، بأربع مراحل حدثية، ساعدت على انطلاقه وتطوره، والمراحل هي:

المرحلة الاُولى:

وتمثلها حالة التسارع لاستلام السلطة بمجرد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل بعض الأنصار والمهاجرين.

وهو ما حصل في "سقيفة بني ساعدة" وما ترتب جراءه من افرازات لاحقة.

المرحلة الثانية:

وتمثلها حالة الممارسة المباشرة في المبايعة على رؤوس الأشهاد في (ترشيح وانتخاب) الإمام علي للخلافة والتي حصلت في المسجد.

المرحلة الثالثة:

وتمثلها حالة قسوط معاوية بن أبي سفيان عن مبايعة الإمام علي بن أبي طالب، ونكوث بعض المبايعين له، مثل الزبير بن العوام وطلحة، بتشجيع ودعم من عائشة، وتمرد المارقين عليه، وهم الخوارج.

المرحلة الرابعة:

وتمثلها حالة المواجهات التصفوية التي حصلت بحق رموز مدرسة الإمامة وأتباعهم من الشيعة الإمامية على عهد الدولتين الأموية والعباسية.

وخلاصة ما يمكن الخروج به من المرحلتين الاُولى والثانية، في ضوء الفهم الإمامي، أننا أصبحنا أمام حقيقتين ساطعتين هما:


الصفحة 9


 

الحقيقة الاُولى: (الأمر السياسي) الذي أعلنه النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) في "غدير خم".

الحقيقة الثانية: (القرار السياسي) الذي اتخذ في "سقيفة بني ساعدة".

ونحن لا نريد هنا أن نخوض في تفصيلات هاتين الحقيقتين إلاّ بالقدر الذي يتطلبه البحث العلمي، لدعم موجبات تكون "الفكر السياسي الإمامي" فإنّ حالة الإعراض عن (الأمر السياسي) الذي جاء على لسان النبي بدليل اعتماد (القرار السياسي) الذي اعتمد في السقيفة، تجعل من غرس أوّل نبتة للفكر السياسي الإمامي أمراً فرضته تلك الظروف. فـ "الأمر السياسي" حين يكون من نبي لا ينطق عن الهوى، فهو لابد يشكل حالة متطورة عن " القرار السياسي الوضعي " من هذا نشأ بمواجهة هذا " القرار الوضعي " حالة ثالثة متطابقة مع الحالة المتطورة الاُولى، من حيث كون الإمامة هي امتداد للنبوة. ويفسر لنا د. ربيع نظرياً ذلك فيقول: "القرار السياسي هو خاتمة لتطور سياسي، ومقدمة لتطور سياسي آخر"(1).

لذا نلاحظ بوضوح أن حالتي الاعراض عن "الأمر السياسي" واعتماد "القرار السياسي" وما صاحبهما من اجتهادات وتجاوزات مختلفة، أدى إلى قيام مدرستين سياسيتين وفقهيتين هما:

1 ـ مدرسة الخلفاء ويمثلها: الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان.

2 ـ مدرسة الإمامة ويمثلها: الإمام علي بن أبي طالب والأئمة من ولده(عليهم السلام).

أما ما يمكن أن نخرج به من المرحلتين الثالثة والرابعة فهو:

1 ـ قيام القاسطين وعلى رأسهم العدو المخاصم معاوية بن أبي سفيان، وقد أدى قسوطهم إلى معركة "صفين" في بلاد الشام، يقول اللّه تعالى: (وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)(2).

2 ـ قيام الناكثين وعلى رأسهم الزبير بن العوام وطلحة، بدفع وتشجيع من عائشة، وقد أدى نكثهم لبيعة الإمام علي إلى معركة "الجمل" في البصرة. ويقول

____________

1- د. ربيع حامد: محاضرات في القرار السياسي في إسرائيل، ص: 3.

2- سورة الجن، الآية: 15.


الصفحة 10


 

عزّ من قائل: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ)(1).

3 ـ قيام المارقين وعلى رأسهم ثلة من الذين لبسوا الحق بالباطل وقد أدى مروقهم عن الإمام علي (عليه السلام) إلى معركة "النهروان" في العراق. ويقول سبحانه وتعالى: (يُخادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ)(2).

وهكذا أصبح امتناع معاوية بن أبي سفيان (والي بلاد الشام) عن مبايعة الخليفة الشرعي خروجاً لا يقومه إلاّ السيف، وحدث ما حدث من قتال في " صفين " وكان الإمام علي(عليه السلام) على رأس جيش الشرعية، أما جيش القاسطين فكان على رأسه معاوية. وختمت المعركة بمهزلة التحكيم المعروفة، حين رفع جيش القاسطين كتاب اللّه فوق رؤوسهم لخداع الأمة، في حين كان النصر قاب قوسين أو أدنى لصالح جيش الشرعية بقيادة علي (عليه السلام)، وقد ولّد هذا الموقف حالة من الاستياء والاستنكار لدى نخبة من المسلمين. ولعل من أهم افرازات هذه الحقبة، تعرية معاوية "دينياً وسياسياً" فحين آلت إليه الخلافة حولها إلى ملك عضوض(3).

ومن هذا يتضح أن الصراع بين مدرسة الإمامة ومناوئيها، لم يكن صراعاً عابراً، إنما كان في جوهره صراع بين فلسفتين سياسيتين وفقهيتين، متقاطعتين تماماً، في النهج والفعل والأثر. فلسفة ترتبط بالقرآن والسنة والنبوية، ارتباطاً لا انفكاك فيه في إطار التطبيق والممارسة، مثلتها "مدرسة الإمامة" وعلى رأسها الإمام علي(عليه السلام). وفلسفة ترتبط بالدنيا وزبرجها وتتقمص تجاوزاً عقيدة الإسلام، لاضفاء الشرعية عليها وعلى ممارستها، لكنها أقرب لروح الجاهلية منها إلى روح الإسلام، وتمثلها "مدرسة الطلقاء" ومن هم على نهجهم، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان.

وللاستدلال على ذلك لنقارن بين تطلع الفلسفتين صوب السلطة والحكم، ففي الوقت الذي كان الإمام المبين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه، على أعلى

____________

1- سورة الفتح، الآية: 10.

2- سورة البقرة، الآية: 9.

3- سيد قطب: م.س.، ص: 176.


الصفحة 11


 

جانب من الاستعداد لتولي أمر المسلمين منذ البدء، وبعد تلك المسيرة الطويلة التي تداخلت فيها الاُمور وتشابكت، منذ نزول الوحي والإمام علي يرى نور النبوة وهو في كنف ابن عمّه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبدايات الدعوة المحمّدية حين دعـا الرسول عشيرته الأقربين وكان علي أوّل المسلمين، من ثمّ الأتباع والأصحاب، والهجرة إلى المدينة والمؤآخاة، ووضع اللبنات الاُولى لبناء الدولة الإسلامية، حتى حجة الوداع، واعلان الإمامة والولاية لعلي (عليه السلام) ووفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) أو مع بداية عهد خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وما تخلله من بعض التجاوزات والاجتهادات، وبالخصوص على عهد خلافة عثمان، وهو ما أدى للثورة عليه وقتله، وهو ما تناولته الكثير من المراجع والمصادر(1). المهم أن تلك الظروف الاستثنائية، جعلت علياً يعزف كل العزوف عن تلبية الدعوة لتولي الخلافة بعد عثمان، وحين كثر عليه الضغط أجابهم كرّم اللّه وجهه قائلا: "دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت والمحجّة قد تنكرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني، فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزير خير لكم منّي أمير"(2).

وهكذا حاول الإمام علي أن يلتمس العذر كي يتخلص من هذه المسؤولية الجسيمة، في تلك الظروف الدقيقة إلاّ أن اصرار القوم سواء منهم الوافدون من وجهاء مصر والعراق واليمن أو اولئك الوجهاء من أهل مكّة والمدينة، على مبايعته على الخلافة، قد جعله في صميم الأحداث، إلاّ أنه لم يقبل الخلافة إلاّ بعد أن أوقع الحجّة على القوم، أنه سائر على نهج القرآن والسنة النبوية الشريفة، وكانت مبايعته وانتخابه على رؤوس الأشهاد في المسجد، لذا قال كرّم اللّه وجهه

____________

1- ـ د. طه حسين: م. س. ص: 77 و 94.

ـ البلاذري: أنساب الأشراف، ج5 / ص: 27، 28، 52.

ـ د. نوري جعفر: علي ومناوئوه، ص: 90 و99.

ـ أحمد الأمين: دائرة المعارف الإسلامية، ج2 / ص: 78، 87.

2- ابن أبي الحديد: م. س.، ج1 / ص269 ـ 270.

 


الصفحة 12


 

قولته المشهورة: "اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك"(1).

أما الاستدلال على نهج مدرسة الطلقاء فنشير هنا إلى مقولات معاوية رأس هذه المدرسة وهو يفضح نفسه فيما يخص كيفية توليه أمر الخلافة، وجعلها ملكاً عضوضاً، فيقول: "... لا بمحبة وليتها، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة"(2)، و"الأرض للّه وأنا خليفة اللّه، فما أخذ من اللّه فهو لي وما تركت منه كان جائزاً لي"(3).

لذا يرى الدكتور الدوري: أنّ انتصار الأمويين يعني انتصار التيار القبلي على التيار الديني(4).

وحين يحدثنا العقاد عن مكنون نفس معاوية يقول: " لم يكن معاوية زاهداً في الخلافة على عهد أبي بكر أو عمر أو عثمان لكن الخلافة كانت زاهدة فيه. فلما جاء عصر الملك طلب الملك، والملك طلبه"(5).

ويعقب المستشرق فلهاوزن، على هذا النهج قائلا: "وكان من السخرية بفكرة الحكومة الثيوقراطية، أن يظهر الأمويون ممثليها الأعلين، فهم كانوا مغتصبين وظلوا كذلك، ولم يكونوا يستندون إلاّ إلى قوتهم الشخصية، إلى قوة أهل الشام ولكن قوتهم لم تستطع قط أن تصير حقاً شرعياً"(6).

وحين يحدثنا الدكتور نوري جعفر عن معاوية يقول: "إن سياسة معاوية كانت سياسة ووصولية انتهازية، تسير على المبدأ القائل بأن الوسائل تبررها الغايات..."(7).

____________

1- محمّد مهدي شمس الدين: دراسات في نهج البلاغة، ص: 260.

2- العقد الفريد، ج4 / ص: 147.

3- جورج جرداق: الإمام علي صوت العدالة الإنسانية / علي والقومية العربية، (ط 1، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت 1970م)، ص: 101.

4- د. عبد العزيز الدوري: (بغداد 1950م).

5- عباس العقاد: م. س.

6- فلهاوزن: تاريخ الدولة العربية، ص: 60.

7- د. نوري جعفر: علي ومناوئوه، (مؤسسة الوفاء، بيروت 1982م)، ص: 211.

 


الصفحة 13


 

وكان معاوية بن أبي سفيان أوّل من سنّ سنّة خبيثة في قذف المسلمين(1)، وكان هدفه منها سياسياً محضاً، كون أن مستهدفه الأوّل في هذه السنة هو الإمام علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه. فلنلاحظ في هذا الصدد المقارنة بين موقف الطرفين، من هذه البدعة السياسية التي لا تتصل بالدين بشيء، والتي حاربها الإسلام ونهى عنها. فحين يحدثنا ابن أبي الحديد عن موقف معاوية من علي، يقول: " روى أبو الحسن علي بن نوح بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث، قال: كتب معاوية إلى عماله بعد عام الجماعة، أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب(2) أهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته"(3).

ففي حين كان معاوية يأمر عماله وأتباعه ووعاظه، بسب علي ولعنه من على المنابر، كان علياً يعنف أصحابه مثل حجر بن عدي وعمر بن الحمق، حين سمع أنهم كانوا يردون باسلوب الشتيمة كما عمل معاوية وأتباعه، وجسد الإمام في هذا الموقف عفة اللسان وحسن التواضع للّه، مؤكداً على جماعته أن يقولوا: "اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي من لج به"(4).

إنّ من أهم ما يمكن استنتاجه من هذه الأحداث انه: رغم ما ذهب في هذه الالتحامات من قتلى، بين شهيد وقتيل، والتي كانت في صميم الصراع السياسي، فقد تركت هذه المعارك علاوة على ذلك بصمات سوداء في تاريخ الأمة، لأنها مثلت لأول مرة (خروجاً منظماً) ضد الشرعية. إلاّ أن الواقع أثبت أن الأطروحة الإمامية السياسية، التي أخذت طريقها في عهد نبوة محمّد ورسالته، قد تعمقت في خلافة علي وتعزز موقعها جراء تلك الأحداث، وجراء المظالم التي حلّت بأهل البيت وشيعتهم على عهدي بني أمية وبني العباس. وكما كانت المواجهة

____________

1- عبود الشالجي: موسوعة العذاب (ط 1، الدار العربية للموسوعات بيروت، لا.ت) ص:17.

* أبو تراب: كنية كنّى بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام)، وكانت من أحب الكنى إلى نفسه وروحه.

3- ابن أبي الحديد: م. س.، ج3 / ص: 16.

4- عبود الشالجي: م.س.، ص: 17، نقلا عن: الأخبار الطوال، ص: 165.

 


الصفحة 14


 

الإمامية تأخذ أبعاداً مختلفة من التصعيد، مع تصاعد ظلم بني أمية وبني العباس، وجورهم بحق بيت النبوة وشيعتهم، كان الفكر الإمامي السياسي هو الآخر يأخذ أبعاداً لها مدلولاتها، في اطار التعامل مع الأوضاع الجديدة التي توالت على الأمة.

لذا أصبحت أحداث استشهاد الإمام علي وولديه الحسن والحسين(عليهم السلام)، ضمن الزمن الذي استغرقته وما تخللتها من ممارسات تجاه الشيعة وأئمتهم تمثل مرحلة التضحية المخضبة بالدم، لصون قيم التشيع ووضع الفكر الإمامي السياسي على الطريق. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التجسيد الفعلي للأطروحية الإمامية، وتكريس الفكر الإمامي السياسي، وقد اضطلع بها بقية الأئمة الأطهار، آخذين بنظر الاعتبار تميز إمامة الصادق في مقطعها الزمني الذي استغرقته، بما توفرت بين يديه من ظروف مناسبة سهلت مهمته.

وكما كان الفكر الإمامي السياسي في حالة تصدٍّ ومواجهة ضد الظلمة من الحكام الأمويين والعباسين، فإنه في تاريخه المعاصر يشكل حالة متقدمة ضد الهيمنة والتبعية الأجنبية، وضد الاحتلال بكل أشكاله، وهو بنفس الوقت لا يستكين لحكام الجور وأنظمة الفساد والافساد، ولا يجيز الركون إليهم أو مهادنتهم مقتدياً قولا وفعلا بالآية الكريمة: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1).

ويقول الراغب الأصفهاني في تفسيره لهذه الآية أن "المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه، والمنكر ما ينكر بهما"(2). أي ما ينكره في ضوء ذلك العقل والشرع.

واستناداً إلى الآية الكريمة صار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نهجاً ثابتاً في الفكر الإمامي السياسي، عدا كونه واجباً عبادياً لحماية الدين، فعن طريقهما تتم عملية تبليغ الأحكام الشرعية بما يرشد الإنسان إلى فعل الخير ومكافحة الشر ومن خلالهما تخلق حالة التصدي للظلم والاستبداد. لذا نلاحظ أن الفكر الإمامي السياسي، ومنذ البدايات الاُولى، وأهله لا زالوا يخوضون معارك من كل نوع، من أجل هذه المبادئ والأخلاق العربية والإسلامية.

____________

1- سورة آل عمران، الآية: 104.

2- الحسين بن محمّد الراغب الأصفهاني: معجم مفردات القرآن، مادة: عرف، ص: 331.

 


الصفحة 15


 

المبحث الثاني
سياسة الإمام علي المالية، وترسيم معالم الدولة الإسلامية المالية
في ضوء التطبيقات التي اعتمدها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
وأبو بكر وعمر وعثمان


من أجل أن يكون بحثنا مستوفياً شروطاً العلمية، كان لابدّ من الاشارة إلى أن ماهية الاقتصاد الإسلامي في بدايات تكون الدولة الإسلامية، لم تكن كما هو متعارف على ماهية الاقتصاد الإسلامي كمذهب اقتصادي، وكذا المذاهب الاقتصادية الوضعيّة. ورغم التطور الحاصل اليوم في طبيعة ماهية المذهب الاقتصادي الإسلامي، كما جاء به الشهيد الصدر(1) مقابل المذاهب الأخرى، إلاّ أن هذا المذهب الاقتصادي، لم يأخذ حظه في حياة المسلمين، لعدم اعتماده من أي من النظم في العالم الإسلامي، والذي يمكن أن يهيء مثل هذه الفرصة في التطبيق والممارسة.

كانت بدايات تكون الاقتصاد الإسلامي، على عهد النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بدايات تكوينية إذا ما وضعنا مرتكزاته، بالمقارنة مع مرتكزات مذاهب الاقتصاد الحديثة، لكنها كانت بحق في صميم الحاجات، كانت بدايات عملية هادفة، إلاّ أن تلك البدايات كانت أقرب للسياسة المالية منها للاقتصاد بمفهومه المتعارف عليه اليوم. وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا يضع اللبنة الاُولى لاقتصاد متكامل بكل أبعاده ومضامينه، كما هو متعارف عليه اليوم، ولكن بصورة مختلفة تماماً كون أن الاقتصاد الإسلامي هو (اقتصاد إنساني متكافل) تحكمه حزمة من القواعد والتشريعات القرآنية، ومحاطاً في إطار التطبيق والممارسة بمكارم الأخلاق، ولو وقفاً على طبيعة توزيع الأموال على المسلمين، في صدر الإسلام الأوّل، وهو موضوع هذا المبحث، لوجدنا أنها تتمثل في ثلاثة أبعاد هي:

____________

1- ألّف المفكر الإسلامي الكبير الشهيد محمّد باقر الصدر(رحمه الله)، مجموعة من الكتب تعالج قضايا إسلامية معاصرة، وكان من أهمها فيما يخص موضوعنا كتاب يمثل النظرية الإسلامية، في المذهب الاقتصادي الإسلامي، مقارنة مع المذاهب الاقتصادية الوضعيّة، عنوانه "اقتصادنا".

 


الصفحة 16


 

البعد الأوّل: الوجه المكتمل:

وهو الوجه الذي مثلته الفترة الرسالية، بقيادة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبعد أن مارس الرسول دوره الرسالة الريادي في اشباع النفوس المسلمة بالعقائد التوحيدية والإيمانية، ابنرى للعمل على مستوى البناء التكويني للأمة ودولتها، وفق القواعد الإلهية التشريعية.

والذي يهمنا هنا هو الأبعاد والمضامين الاجتماعية والاقتصادية، فقد كان هدف الإسلام هو بناء علاقات اجتماعية وانسانية خالية من الظلم لقول تعالى: (وَاللّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ)(1). وبعيدة عن الباطل لقوله تعالى: (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً)(2). لذا نلاحظ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل من العدل سبيلا لرفع الظلم استناداً لقوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ)(3). وجعل من الحق دامغاً للباطل لقوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ)(4). وجعل من التقوى معياراً للتكرم والمفاضلة لقوله تعالى: (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ)(5).

وامتاز الإسلام باعتباره ديناً عالمياً لقوله تعالى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ)(6). لذا حارب الإسلام التفرقة العنصرية لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلاّ بالتقوى"، فكان سلمان الفارسي "منا أهل البيت" وبلال الحبشي مؤذناً للرسول، وصهيب الرومي ورافع القطبي من الأصحاب المقربين لرسول اللّه كما حارب الطبقية لقوله تعالى: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ)(7). وكرّس بناء علاقات اجتماعية وانسانية قائمة على التكافل والتكامل وفقاً لقاعدة: "كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته".

____________

1- سورة آل عمران، الآية: 57.

2- سورة ص، الآية: 27.

3- سورة الحديد، الآية: 25.

4- سورة الأنبياء، الآية: 18.

5- سورة الحجرات، الآية: 14.

6- سورة الأنبياء، الآية: 107.

7- سورة الحشر، الآية: 7.

 


الصفحة 17


 

الأمر المهم هنا أن النبي بعمق بصيرته أدرك أن أساس اقتصاد الأمة هو (المال) ورغم أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) تعامل مع مفردات اُخرى هي في صلب مكونات الاقتصاد، إلاّ أنه أولى مفردة المال اهتماماً خاصاً. ونلاحظ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان حريصاً كلّ الحرص بمحافظته على المال العام، فوجه خطابه وأوّل ما وجهه إلى عشيرته وأهله الأقربين، ليجعل من هذا الخطاب حالة متقدمة، وعبرة للأمة في موقف الاهتمام والحرص الشديدين على أموال المسلمين فقال: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من اللّه شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من اللّه شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللّه شيئاً، يا صفية عمة رسول اللّه لا أغني عنك من اللّه شيئاً، ويا فاطمة بنت محمّد سليني من مالي لا أغني عنكِ من اللّه شيئاً"(1). وهذا التحذير أصبح بمثابة القاعدة الثابتة للمحافظة على أموال المسلمين.

ويعزى سبب اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الجانب، إلى أن الأموال والثروات إنما هي ملك للّه تعالى، وقد استخلف عليها الإنسان، ووضع لهذا الاستخلاف شروطه وحدوده، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجات لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ)(2).

هذه القاعدة شملت المال بصورته المطلقة سواء الخاص منه أو العام، لذلك كان حرياً بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبادر وأوّل ما يبادر إلى سنّ قاعدة حفظ الأموال العامة، وهو ما فعله مبكراً، من حيث أن الأموال تخص جموع المسلمين، وكانت قناة المال العام المركزية في صدر الإسلام الأوّل، ما كان يأتي لبيت المال من غنائم الفتوحات، وما يفرض من جزية. أما الأموال الخاصة المتحققة للأفراد من تعاطيهم الأعمال الحرة من تجارة ومهن مختلفة، فقد أوجب عليها الإسلام فرائض كثيرة لتكون القناة الثانية، لجباية الأموال لبيت المال، منها: الخمس لقوله عزّ من قائل: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي

____________

1- سيّد قطب: م. س.، ص: 84.

2- سورة الأنعام، الآية: 165.

 


الصفحة 18


 

الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)(1). والزكاة لقوله سبحانه وتعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ)(2). والانفاق الواجب لقوله تعالى: (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)(3). والانفاق المندوب لقوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ)(4). والوراث المادي وما يترتب عليه من حقوق الثلث، وحقوق ذوي القربى، ومن حضر القسمة، لقوله تعالى: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ...)(5).

وحتى يصار إلى تنفيذ ارادة اللّه في خلقه وفق تلك القواعد والأحكام، توالت الآيات على المسلمين بخصوص طاعة الرسول وتنفيذ أوامره، وعدم الخروج عنها كقوله تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(6). (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(7). (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى)(8). ووفق القاعدة الإلهية التي سبق الاشارة إليها، لم تكن أموال المسلمين كما شرعها اللّه ورسوله بدون هدف، بل إنها كانت في صميم الأهداف التي تقي المسلمين شر الفاقة والحرمان والعوز، كي تستمر الحياة الإنسانية نحو تحقيق أهدافها في خلق مجتمع قائم على "العدل والاكتفاء والتوازن "، لا طبقية فيه ولا استغلال. لذا نلاحظ أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يدخر وسعاً في انصاف المسلمين، حين تحضر أوقات العطيات وتوزيع الأموال، فلم يفرق النبي الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بين كبير وصغير وبين أسود وأبيض، وذكر وانثى، وقريب وبعيد، وحر ومولى، بل كان مبدأ المساواة بين الجميع هو الأساس الذي لا رجعة عنه، فلا محاباة لأحد ولا تمييز. هكذا كان "البعد المتكامل" الذي مثله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الجانب، يمثل الوجه المشرق لبناء مجتمع "العدل والاكتفاء والتوازن".

____________

1- سورة الأنفال، الآية: 41.

2- سورة النساء، الآية: 77.

3- سورة البقرة، الآية: 237.

4- سورة البقرة، الآية: 254.

5- سورة النساء، الآيات: 7 ـ 12.

6- سورة الأحزاب، الآية: 21.

7- سورة الحشر، الآية: 7.

8- سورة النجم، الآية: 3.

 


الصفحة 19


 

البعد الثاني: الوجه المتجزئ:

وهو البعد الذي مثله أبو بكر وعمر وعثمان. أما تسميته بالوجه المتجزئ فمرده إلى أنه بعد انتقال محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى، نحت بعض النفوس المسلمة منحى ابتعدوا فيه في بعض المواقف عن المسيرة الرسالية، حين نزعت تلك النفوس إلى التأويل والاجتهاد في بعض اُمور المسلمين، مبتعدة عن الأحكام الصريحة والسنن الثابتة، وسنقصر الكلام على ما يخص هذا البحث.

فحين تولى الخلافة بعد رسول اللّه، أبو بكر لم يحد عن سيرة نبيّه ورسوله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) في توزيع الأموال والعطيات على المسلمين بالتساوي، وللتدليل على ذلك نثبت هنا الموقف الخلافي الحاصل بين أبي بكر وعمر بن الخطاب بخصوص توزيع العطيات والأموال، كما أورده المفكر الإسلامي سيد قطب، حيث يقول: "وقد حدثت في عهد أبي بكر سابقة اختلف عليها هو وعمر، فقد رأى أبو بكر أن يسوي في القسمة بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام، وبين الأحرار والموالي، وبين الذكور والإناث، ورأى عمر مع جماعة من الصحابة أن يقدم أهل السبق في الإسلام، على قدر منازلهم، فقال أبو بكر: أما ما ذكرتم من السواق والقدم والفضل، فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على اللّه جلّ ثناؤه وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة"(1).

وعن بذل وعطاء أبي بكر من أمواله الخاصة، نورد هذا الموقف من الدليل التاريخي، يحدثنا عنه قطب قائلا: "فهذا أبو بكر كان له يوم أسلم أربعون ألف درهم مدخرة من ربح تجارته، وقد ربح الكثير من التجارة بعد اسلامه، فلما هاجر إلى المدينة مع صاحبه (صلى الله عليه وسلم) لم يكن قد بقي له من كل مدخره سوى خمسة آلاف درهم، لقد أنفق ماله المدخر في إفتداء الضعفاء من الموالي المسلمين، الذي كانوا يذوقون العذاب ألواناً من سادتهم الكفار، كما أنفقه في بر الفقراء المعوزين"(2).

وهكذا حافظ أبو بكر طيلة مدة خلافته على سنّة رسوله بخصوص توزيع

____________

1- سيد قطب: م. س.، ص: 170.

2- سيّد قطب: م. س.، ص: 150.

 


الصفحة 20


 

العطيات والأموال بالتساوي بين المسلمين، دون أن ينصاع لوجهات نظر الآخرين كما تقدم، وكان أبو بكر في صميم البعد ذو الوجه المكتمل، الذي عمل به نبيّه محمّد بن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الخصوص.

أما الخليفة الثاني عمر والذي سمى من قبل الخليفة الأوّل أبو بكر، قبل أن يدركه الأجل بحين، فقد كانت له اجتهاداته وتأويلاته، كما ثبت ذلك في كتب الصحاح والتاريخ والتراجم. وما يهمنا هنا هو الجانب الذي يخص بيت المال. ففي الممارسة الاُولى، كان للخليفة عمر منحىً مستقل تماماً، عما عُمل فيه في عهدي الرسول وأبي بكر، بخصوص توزيع الأموال والحقوق على المسلمين، فقد أشار إلى ذلك أبو يوسف في كتاب الخراج فقال:

"وحدثني شيخ من أهل المدينة، عن اسماعيل بن محمّد السائب، عن زيد عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول: واللّه الذي لا إله إلاّ هو، ما أحد إلاّ وله في هذا المال حق أعطيه أو أمنعه، وما أحد أحق به من أحد إلاّ عبد مملوك، وما أنا إلاّ كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب اللّه عزّ وجلّ، وقسمنا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم). فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، واللّه لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من المال وهو في مكانه قبل أن يحمر وجهه..."(1).

وفي ضوء هذه القناعات سار عمر مخالفاً سلفيه الرسول وأبا بكر، ففي كتاب الفاروق، ثبت هيكل القواعد التي وضعها عمر لتوزيع المال، يقول هيكل: "... ثمّ انه فرض لكل رجل شهد بدراً خمسة آلاف درهم في كل سنة وفرض لكل مَن كان له إسلام كإسلام أهل بدر من مهاجرة الحبشة ومَن شهد أُحد أربعة آلاف درهم في كل سنة، وفرض لأبناء البدريين ألفين ألفين، إلاّ حسناً وحسيناً، فإنه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول اللّه ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم، وفرض لكل رجل هاجر قبل الفتح ثلاثة آلاف درهم، ولكل رجل من مسلمة الفتح ألفين، ولغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الفتح. وفترض الناس على منازلهم وقراءتهم القرآن وجهادهم. ثمّ جعل

____________

1- أبو يوسف: كتاب الخراج.

 


الصفحة 21


 

مَن بقي من الناس باباً واحداً ففرض لمَن جاء من المسلمين إلى المدينة وأقام بها خمسة وعشرين ديناراً، وفرض لأهل اليمن وقيس بالشام والعراق ألفين إلى ألف وخمسمائة إلى ثلاثمائة، ولم ينقص أحداً عن ثلاثمائة. وقال: لئن كثر المال لأفرضن لكل رجل أربعة آلاف درهم ألف لسفره، وألف لسلاحه، وألف يخلفها لأهله، وألف لفرسه وبغله"(1).

ولم يستمر عمر على هذه القواعد بل خرج عنها، حيث يقول هيكل: "غير انّ عمر خرج عن القاعدة التي وضعها لتنظيم العطاء، في أمر رجال ونساء زاد في عطائهم على عطاء أمثالهم ممن في طبقتهم. فرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم، وعمر هذا هو ابن ام سلم أم المؤمنين، وقد اعترض محمّد بن عبد اللّه بن جحش، وقال لأمير المؤمنين: لم تفضل عمر علينا؟ فقد هاجر آباؤنا وشهدوا، فأجاب ابن الخطاب بقوله: أفضله لمكانه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فليأتني الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة أعتبه. وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف درهم، فقال عبد اللّه بن عمر: فرضت لي ثلاثة آلاف وفرضت لأسامة أربعة آلاف، وقد شهدتُ ما لم يشهد اسامة، وأجابه عمر: زدته لأنه كان أحب إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) منك، وكان أبوه أحبّ إلى رسول اللّه من أبيك، وفرض لأسماء بنت عميس زوج أبي بكر ألف درهم ولأم كلثوم بن عقبة ألف درهم، ولأم عبد اللّه بن مسعود ألف درهم، فزادهن على أمثالهن لمكانتهن الخاصة، إذ كنّ أزواجاً وامهات لرجال لهم على غيرهم منزلة وفضل"(2).

وقد خلفت التطبيقات المالية التي أقدم عليها عمر آثاراً متفاوتة منها:

1 ـ إنها خلقت وأوّل ماخلقت درجة من الاستياء في نفوس الملسمين نتيجة مبدأ "المفاضلة" بين المسلمين، رغم أن عمر خصها في اناس سواء لمنازلهم وخدماتهم للإسلام والمجتمع أو لمواصفاتهم المتقدمة بين المسلمين.

2 ـ إنها ساعدت بصورة واُخرى على تنامي بذور الطبقية بين المسلمين، كمحصلة طبيعية لتراكم الأموال والثروات بين يدي بعض المسلمين، لاسيّما عند

____________

1- محمّد حسين هيكل: الفاروق عمر.

2- محمّد حسين هيكل: الفاروق عمر.

 


الصفحة 22


 

الأغنياء منهم.

3 ـ إنها كانت سبباً قوياً ومبرراً مشجعاً للخليفة الذي جاء بعد عمر، وهو عثمان بن عفان، مع ما لديه من استعداد ليوغل في هذا الأمر، على نقيض القواعد التي وضعها عمر. ورغم أن الخليفة عمر أدرك في أخريات حياته، وقبل أن يتولى عثمان الخلافة، أدرك خطأ اجتهاده في هذا الصدد، وكان عازماً على الغائه لذا كان يقول: "وإن عشت هذه السنة، ساويت بين الناس، فلم أفضل أحمر على أسود، ولا عربياً على عجمي، وصنعتُ كما صنع رسول اللّه وأبو بكر"(1).

إلاّ أن نهج عمر هذا في توزيع العطيات قد خلق وضعاً متبايناً في التطبيق والممارسة والنتائج كما تقدم، مع ما كان معمولا به على عهد سلفيه (النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والخليفة أبي بكر) غير أن عمر رغم اجتهاده هذا، كان حريصاً كل الحرص على أموال المسلمين، وكان صارماً في تطبيق من أين لك هذا؟ فمن خلال الدليل التاريخي نذكر هذا الموقف الذي جسّد فيه تطبيق أهم مبادئ المحافظة على أموال المسلمين. يقول ابن أبي الحديد: "روى الزبير بن بكار، قال: لما قلد عمر عمرو بن العاص مصر بلغه أنه قد صار له مال عظيم، من ناطق وصامت، فكتب إليه أما بعد، فقد ظهر لي من مالك ما لم يكن في رزقك ولا كان لك مال قبل أن استعملك فأنّى لك هذا...؟! فواللّه لو لم يهمني في ذات اللّه إلاّ من اختان في مال اللّه لكثر همي واستتر أمري ولقد كان عندي من المهاجرين الأولين مَن هو خير منك، ولكنّي قلدك رجاء غنائك، فاكتب إلى من أين لك هذا المال؟ وعجّل"(2).

وللتدليل على زهد عمر بالمال وزبرج الحياة، نذكر لكم هذه الواقعة، التي يحدثنا عنها سيّد قطب، فيقول: "وهذا عمر بن الخطاب يصيب أرضاً بخيبر، فيجيء رسول اللّه فيقول: أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالا قط انفس عندي منه، فما تأمر به؟ فيجيبه الرسول: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. فيجعلها عمر وقفاً على الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل اللّه والضعيف، لا جناح على

____________

1- اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج2 / ص: 107.

2- ابن أبي الحديد: م. س.، ج1 / ص: 174، 175.

 


الصفحة 23


 

مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول بها"(1).

إلاّ أن الواقع أكد أن تلك العطيات التي تمت في عهدي عمر وعثمان، قد أخذت مأخذها في النفوس. لذا واجه الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه، العنت والنكوث والقسوط وهو يحاول اعادة الاُمور إلى وضعها الطبيعي، على ما كانت على عهدي الرسول وأبو بكر. ومع ذلك يقول الشيخ مغنية عن الخليفتين أبي بكر وعمر: "ليس في سيرة الشيخين، أبي بكر وعمر ما يبعث على النقمة والاستياء، ويدعو إلى الثورة. فلقد سلكا طريق الزهد، وعملا على انتشار الإسلام ولم يؤثر الأقارب والأرحام كما فعل عثمان، ومَن جاء بعده من الأمويين والعباسيين"(2).

ولم يكن الأمر مقتصراً على مَن ذكرهم مغنية، بل يتعداه إلى من جاء بعدهم من حكام وسلاطين، فهم بحقيقة الأمر امتداد لأولئك، حتى يومنا هذا. وقبل أن يدرك الموت عمر من تلك الضربة الغادرة، التي أودت بحياته أوصى بلجنة الستة المعروفة، لاختيار خلفه إن هو مات من طعنته، وكان ما كان من أمر الاستخلاف، وتم اختيار عثمان بن عفان كخليفة ثالث للمسلمين. وحصل ما حصل في عهد عثمان من اُمور كما أثبتتها كتب الصحاح والتاريخ والسير، إلاّ اننا نختص هنا ما له صلة مباشرة بمبحثنا.

وحين يتحدث المفكر الإسلامي سيّد قطب عن سياسة عثمان المالية، يقول: "انّه أنشأ الفوارق المالية والاجتماعية الضخمة في الجماعة الإسلامية، كما أنشأ طبقة تأتيها أرزاقها من كل مكان، دون كد ولا تعب، فكان الترف الذي حاربه الإسلام بنصوصه وتوجيهاته.. وبقدر ما تكدست الثروات وتعمقت في جانب، كان الفقر والبؤس في الجانب الآخر حتماً، وكانت النقمة والسخط كذلك، وما لبث هذا كلّه أن تجمع وتضخم، لينبعث فتنة هائجة يستغلها أعداء الإسلام فتودي بعثمان، وتودي معه بأمن الأمة وسلامتها، وتسلمها إلى الاضطراب وفوران لم يخب أواره، حتى كان قد غشي بدخانه على روح الإسلام، وأسلم الأمة إلى ملك عضوض"(3).

____________

1- سيّد قطب: م. س.، ص: 150.

2- محمّد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون، ص: 120.

3- سيّد قطب: م. س.، ص: 175، 176.


 


الصفحة 24


 

ويشير آخرون إلى الأموال والأعطيات التي أسبغها عثمان على خاصته من أهل بيته وأصهاره وخاصته، منها: منح مروان بن الحكم زوج ابنته ام أبان مئتي ألف درهم أوّل ما أعطى ومنحه بعدها خمس غنائم أفريقيا، ومنح أبا سفيان مائة ألف درهم. ومنح عبد اللّه بن أسيد بن أبي العاص ثلثمائة ألف درهم، ولمرافقيه كل منهم مائة ألف درهم. ومنح ابنته عائشة في يوم عرسها من الحرث بن الحكم، مائتي ألف درهم، ومنح الحارث بن الحكم ثلثمائة ألف درهم، ومنح الزبير بن العوام ستمائة ألف درهم، ومنح طلحة بن عبيد اللّه مائة ألف درهم. ومنح سعيد بن العاص ثلثمائة ألف درهم. ومنح الحكم بن العاص ثلثمائة ألف درهم. ومنح زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم. حتى أن خازن عثمان على بيت المال وهو عبد اللّه بن الأرقم، تخلّى عن مفتاح بيت المال، وترك عمله احتجاجاً على هذه العطيات غير المشروعة وقد حاول عثمان استرضاءه بمبلغ ثلثمائة ألف درهم، فرفضها ابن الأرقم ورفض العودة إلى منصبه، فكان موقفه أبلغ استنكار على هذه السياسة المالية التي طبقها عثمان بدون وجه حق. وهو ما أدى إلى تراكم الأموال والثروات بيد حفنة من الناس على حساب عوز الأكثرية الأمر الذي عمق الحالة الطبقية في المجتع الإسلامي، وأدى إلى بروز الصراع الطبقي(1).

ويبدو أنّ منح مروان بن الحكم خمس غنائم أفريقيا من قبل عثمان قد أجّج في نفوس المسلمن أوار التذمر ومشاعر الاستياء والغضب من هذه التصرفات غير المشروعة، مما دفع بعبد الرحمن بن حنبل الجمحي أن يقول هذه الأبيات حيث يقارن بين سياسة عثمان في المال، وسياسة أبي بكر وعمر اللذين سبقا عثمان في الخلافة، فيقول:

____________

1- ـ طه حسين: الفتنة الكبرى (عثمان بن عفان)، ص: 193. و(علي وبنوه)، ص: 94.

ـ عبد الفتاح عبد المقصود: الإمام علي بن أبي طالب، ج2 / ص: 20، 21.

ـ البلاذري: أنساب العرب، ج5 / الصفحات: 27، 28، 52، 58، 59.

ـ محمّد حسين هيكل: الفاروق عمر.

ـ سيّد قطب: م. س.، ص: 159، 174، 175.

 


الصفحة 25


 

أحلف باللّه ربّ الأنام

ما ترك اللّه شيئاً سدى

ولكن خلقت لنا فتنة

لكي نبتلى بك أو تبتلى

فإن الأمينين قد بينا

منار الطريق عليه الهدى

فما أخذا درهما غيلة

ولا جعلا درهماً في هوى

وأعطيت مروان خمس البلاد

فهيهات سعيك ممّن سعى


ولكن الروح الإسلامية السامية في النفوس المؤمنة آلمها هذا الواقع المرير، فحاولت بالكلمة الطيبة والنصيحة المخلصة أن تحذّر عثمان ممّا آلت إليه الاُمور نتيجة سياسيته تلك. فهذا الإمام المبين عليّ كرّم اللّه وجهه، وهو القريب الناصح له يقول لعثمان قولته المشهورة: "واللّه ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئاً تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه، انك لتعلم ما نعلم، وما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغه، وما خصصنا بأمر دونك، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول اللّه، ونلت صهره. وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، وإنك أقرب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رحماً، وقد نلت من صهر رسول اللّه ما لم ينالا، ولا سبقناك إلى شيء، فاللّه اللّه في نفسك، فإنك واللّه ما تبصر من عمىً ولا تعلم من جهل، وإن الطريق لواضح بيّن، وانّ أعلام الدين لقائمة. تعلم يا عثمان أن أفضل عباد اللّه عند اللّه إمام عادل هدي وهدى، وانّ شرّ الناس عند إمام جائر ضلّ وضل به، فأمات سنّة معلومة، وأحياة بدعة متروكة، وانّي سمعتُ رسول اللّه يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فليقى في جهنّم، كما تدور الرحى ثمّ يرتطم في غمرة جهنم"(1).

ويأتي دور الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري(رضي الله عنه) في إشارة بليغة يستنكر فيها على عثمان أن يهب من بيت مال المسلمين الآلاف المؤلفة دون وجه حق، فواجه هذا الأمر بكل صلابته وجرأته المعروفتين، فنفاه عثمان إلى الربذة فمات فيها. ومن أقواله (رضي الله عنه) مخاطباً الناس: "لقد حدثت أعمال ما أعرفها واللّه، وما هي من كتاب اللّه ولا سنّة نبيّه، واللّه إني لأرى حقاً يطفأ وباطلاً يُحيى، وصادقاً مكذباً

____________

1- الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج3 / ص: 376.

 


الصفحة 26


 

وأثرة بغي تقىً..."(1).

وفي موقف آخر رواه مالك عن أبي ذر "أنه جاء يستأذن على عثمان بن عفان، فأذن له وبيده عصاه، فقال عثمان: يا كعب انّ عبد الرحمن توفي وترك مالا فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يصل فيه حقّ اللّه فلا بأس عليه. فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعباً وقال: سمعت رسول اللّه يقول: ما أحبّ لو أنّ لي هذا الجبل ذهباً أنفقه ويتقبل مني، أذر خلفي منه ست اواق. انشدك اللّه يا عثمان اسمعته، اسمعته، اسمعته؟ قال: نعم"(2).

ويبدأ المؤرخون كلامهم عن الأرقام التي خلفها عثمان وأصهاره وتابعوه، ويستطرد المسعودي في استعراض تلك التركات وتفصيلاتها فيقول: "في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال، فكان لعثمان يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي ام القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار وخلّف ابلا وخيلا كثيرة. وبلغ الثُّمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار وخلّف ألف رأس وألف أمة. وكان غلّة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك. وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً. وخلّف زيد بن ثابت من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلّف من الأموال والضياع. وخلّف يعلى بن منبه خمسين ألف دينار وعقاراً وغير ذلك ما قيمته ثلثمائة ألف درهم"(3).

فأين موقف عثمان هذا وهو يترك ما ترك، من أموال وثروات وجلّها من بيت مال المسلمين، من موقفه السابق أوائل العهد الرسالي؟ حسبنا للجواب على ذلك من الدليل التاريخي، هذا الموقف الخالد الذي سجلّه عثمان، وهو ما نقله لنا سيّد قطب قائلا: "وهذا عثمان ـ قبل الخلافة ـ ترد عير له من الشام في وقت تنزل فيه البرح بالمسلمين من الجدب، فإذا هي ألف بعير موسوقة براً وزيتاً وزبيباً،

____________

1- سيّد قطب: م. س.، ص: 174.

2- حديث رقم 453 من المسند، ج1.

3- المسعودي: مروج الذهب، ج1 / ص: 301 ـ 303.

 


الصفحة 27


 

فيجيؤه التجار يقولون: بعنا من هذا الذي وصل اليك، فإنك تعلم ضرورة الناس، فيقول: حباً وكرامة، كم تربحوني على شرائي؟ فيجيبون الدرهم بدرهمين. فيقول أكثر من هذا، فيقولون: يا أبا عمرو ما بقي في المدينة تجار غيرنا، وما سبقنا إليك أحد، فمن ذا الذي أعطاك؟ فيجيب: إن اللّه أعطاني بكل درهم عشرة، أعندكم زيادة؟ فيقولون: لا، فيشهد اللّه على أن هذه العير وما حملت صدقة للّه على المساكين والفقراء من المسلمين"(1).

وأمام هذا الموقف لا يملك لسان الحال إلاّ ترديد مقولة إمام المتقين، الإمام المبين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه: "ما عدا ممّا بدا"(2).

البعد الثالث: تقويم الإمام علي (عليه السلام) للمسألة المالية

لم تكن نظرة الفكر الإمامي للمال العام نظرة مستقلة عن المسألة الشرعية والأخلاقية، بل ان المذهب الاقتصادي الإسلامي بالتطبيق الإمامي له، أحاط الممارسات المالية بسياج من الأحكام والسنن الشرعية والمبادئ الأخلاقية، كما أرادها اللّه ورسوله، وهو ما جعل من حالة توزيع الأموال والأعطيات على المسلمين بالتساوي، عملية ذات أبعاد انسانية واقتصادية يعم خيرها كل المسلمين، على مستوى الدولة والشعب. وممّا لا شكّ فيه أن المال بمفهومه الإسلامي ما وجد إلاّ من أجل الاستثمار للصالح العام، وإنّ أية محاولة لتجميده عن المنافع العامة بأيدي قلة من الناس، أو تبذيره في غير الأنصبة التي أرادها اللّه ورسوله، يعتبر خروجاً على الأمانة الإلهية.

وقد وضعت اللبنة الاُولى في التطبيق الإمامي للمعالجات المالية، منذ الوهلة الاُولى لتسلم الإمام علي مقاليد الخلافة، فقد كان من أولويات أعمال علي إلغاء تلك الأعطيات والهبات المالية التي سنت في عهد سلفه عثمان، وإعادة تلك الحقوق إلى بيت مال المسلمين. وكان الخطاب الفصل الذي وضع فيه علي (عليه السلام)النقاط على الحروف بكل وضوح، ومن دون أن تأخذه في الحق لومة لائم حين قال: "أيها الناس إنما أنا رجل منكم، لي ما لكم وعليّ ما عليكم، وإنّي حاملكم

____________

1- سيّد قطب: م. س.، ص: 150، 151.

2- غرر الحكم.

 


الصفحة 28


 

على منهج نبيّكم، ومنفذ فيكم ما أمرت به. ألا أن كل قطيعة قطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال اللّه فهو مردود في بيت المال. فإن الحق لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به النساء، وملك به الإماء، وفرّق في البلدان لرددته، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق. أيها الناس ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول اللّه يرى أن الفضل له على سواه بصحبته، فإن الفضل غداً عند اللّه، وثوابه وأجره على اللّه. ألا وايما رجل استجاب للّه ولرسوله، فصدق ملتنا ودخل ديننا، واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده. فأنتم عباد اللّه والمال مال اللّه، يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند اللّه أحسن الجزاء"(1).

وحين يتحدث قطب عن سياسة علي المالية هذه يقول: "لذلك لم يكن غريباً أن يغضب أصحاب الأموال والمستنفعون من تفاوت الحظوظ في العطاء على سياسة المساواة والعدالة التي اعتزمها علي بعد عثمان، وأن يتظاهروا بأنهم انما ينصحون بالعدول عن هذه السياسة خوفاً عليه من الانتقاص. فما كان جوابه إلاّ أن يستهلم روح الإسلام في ضمير القوي فيقول: أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ لو كان هذا المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال مال اللّه؟ ألا وانّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير واسراف وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة"(2).

وحين يستشهد ابن عبد ربه، بما خلّفه علي بعد وفاته، يقول: "إن الثروة التي خلّفها الإمام علي عند استشهاده كانت لا تتعدى 300 درهم"(3).

ولما كانت المساواة هي أساس العدالة عند علي (عليه السلام)، لذا ينقل لنا جرداق: "إن ابن أبي طالب سباق إلى ادراكها كضرورة اجتماعية، لا يستقيم بدونها مجتمع ولا يشمخ له بناء...". وفي ضوء ذلك جعل علي (عليه السلام) المساواة بين الناس "كلهم اسوة لا فرق فيهم بين بعيد وقريب، أو عدو ونسيب، أو مسلم وغير مسلم، أو

____________

1- ابن أبي الحديد: م. س. ج1.

2- سيّد قطب: م. س.، ص: 150، 151.

3- ابن عبد ربه: العقد الفريد، ج3 / ص: 124.

 


الصفحة 29


 

عربي وأعجمي... ". ولم يقتصر علي (عليه السلام) في تطبيق المساواة على أساس قطري أو عربي وحتى إسلامي، بل جعل له بعداً إنسانياً، ويقول جرداق عن ذلك: "ثم وسّع حدود هذه المساواة حتي بلغ بها آفاق الإنسانية العامة، وأكسبها معناها الذي تريده طبيعة الإنسان، وطبيعة البشر".

وحين يصل جرداق في حديثه عن علي (عليه السلام) والعدالة الاجتماعية يقول: " أما العدالة الاجتماعية التي تساوي بين الناس في كل حق وكل واجب، وتهدف إلى إقامة مجتمع يعيش أبناؤه، كل أبنائه في نعيم، فهي أساس في كل بناء قومي سيلم، وغاية من غايات كل قومية صحيحة... ". وعن رعاية علي (عليه السلام) للعدالة يقول جرداق: " وقد عمل علي بقلبه الكبير على رعاية هذه العدالة، ففداها بدمه وأشهد التاريخ بأن العرب يستطيعون أن يكونوا في طليعة الناس، إيماناً بالعدالة، ودفاعاً عنها وموتاً في سبيلها. وكان له في أيامه تلاميذ وأنصار وأعوان، مشوا على خطاه، وماتوا لما مات له، ليسموا الشخصية العربية بطابعها الإنساني السليم"(1).

وحين نقف متفحصين سيرة الإمام علي (عليه السلام) ونهجه المالي، كما تقدم، تتجسد أمامنا صورة إنسانية مشرقة، ورغم ما ولده هذا النهج من تذمر واستياء لدى المستنفعين من نهج سلفيه عمر وعثمان، إلاّ أن الإمام علياً (عليه السلام) بما عرف عنه بشدة تمسكه بالأحكام والتشريعات والسنن، التي فرضها اللّه ورسوله، في اطار التطبيق والممارسة، لم يتنازل عن تمسكه في اعادة الاُمور إلى نصابها القانوني والشرعي، كما أراد اللّه والرسول، وهو ما عمل به بكل اصرار.

لذا أصبحت اجراءات الإمام علي (عليه السلام) في ترسيم المعالم المالية للدولة الإسلامية، في صميم العدل والمساواة بين المسلمين، وصولا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء مجتمع قائم على " العدل. الاكتفاء. التوازن "، وأصبحت تبعاً لذلك دروساً يقتدى على مدى الدهور والأزمان. وهو ما سعت له بعض النظم الوضعيّة بعد مرور أربعة عشر قرناً، على ما انتهجة الإمام المبين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه، وهو ما يشكل بحد ذاته دليل دارية عميقة، ببواطن النزعة الإنسانية، المفطورة على حب الذات المشروع، الذي غرسه اللّه في خلقه.

____________

1- جورج جرداق: م. س.، الصفحات: 78، 93، 94.

 


الصفحة 30


 

المبحث الثالث
وقفات على سيرة الإمام علي (عليه السلام) المبدئية والأخلاقية
في ترسيم معالم الدولة الإسلامية


وإذا أردنا الوقوف على حرص الإمام علي الشديد على بيت المال، لرأينا صوراً رائعة قلّ نظيرها من السابقين واللاحقين، لأن حياته في هذا الاتجاه كانت تتناغم وحياة نبيّه الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). وكان علي في كل الأحوال والظروف المعاشية التي قاساها هو وخاصته من أهل بيته، يمثل حالات شبه مستحيلة، لا يقوى على تحملها بشر، لاسيّما وهو يمتلك بين يديه مفاتيح بيت المال. انها صور الحرص اللامحدود على أموال المسلمين، وانها مواقف الايثار الذي يتجاوز الخيال، من أجل أن يكون القدوة الحسنة للمسلمين.

وحتى تكتمل الصورة ومن دون اسهاب، نمر على المجمل العام الذي جسّد الإمام علي فيه النهج المبدئي والأخلاقي، ليس في مجال المال فحسب بل في كل الاُمور التي تخص المسلمين، في اطار التطبيق والممارسة، ففي موقفه السياسي من معاوية يقول علي (عليه السلام): "واللّه ما معاوية بأدهى منّي ولكنّه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى العرب ". والفجور والغدر من مساوئ الأخلاق، وقد نهى عنهما القرآن وعاقب عليهما، فكيف يأتي بهما علي والحديث النبوي الشريف يقول: "علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض"(1)؟

أما في موقفه التربوي، فإن ما ضمّه نهج البلاغة للإمام علي وما تضمنته وصايا الأئمة الأطهار وأدعيتهم، كانت ولا زالت وستبقى نبراساً لأجيال الأمة، ومن مواقف الإمام لتهذيب النفوس وتقويمها، وبناء الشخصية الإنسانية، ماأورده ابن أبي الحديد بقوله: "استعدى رجل على علي بن أبي طالب (عليه السلام) الخليفة عمر بن

____________

1- وقد ورد هذا الحديث في جملة مصادر منها: مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري، ج3/ ص: 24. مجمع الهيثمي، ج9 / ص: 134. الصواعق المحرقة لابن حجر، ص: 75. فيض القدير للمناوي، ج4.

 


الصفحة 31


 

الخطاب وعلي جالس، فالتفت إليه فقال: قم يا أبا الحسن فاجلس مع خصمك فقام فجلس معه وتناظرا، ثمّ انصرف الرجل ورجع علي إلى محله، فتبين عمر التغير في وجهه، فقال: يا أبا الحسن ما لي أراك متغيراً، أكرهت ما كان؟ قال: نعم، قال: وما ذاك؟ قال: كنيتني بحضرة خصمي، هلاّ قلت: قم يا علي فاجلس مع خصمك. فاعتنق عمر علياً وجل يقبل وجهه، وقال: بأبي أنتم بكم هدانا اللّه وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور"(1).

من المعروف ان الإيثار على النفس هو رقي انساني فذ، لأن المؤثر وهو يؤخر نفسه لغيره في المصالح والمنافع، نراه يقدم نفسه على غيره في البذل والعطاء، سواء كان هذا المؤثر غنياً أو فيه خصاصة. ورغم ان الإمام علياً لم يعرف ببيضاء ولا صفراء، إلاّ أنه في موقف الإيثار على النفس لم يتردد من أن يضرب أروع الأمثال، ولو كان به خصاصة، حتى صار إيثاره قرآناً يقرأ صباح ومساء. فحين مرض الحسن والحسين عليهما السلام، نذر أهل البيت ـ وهم علي وزوجته فاطمة والحسن والحسين، وجارية لهم يقال لها فضة ـ صيام ثلاثة أيام لوجه اللّه، إذا برءا فلما برءا صاموا ثلاثة أيام متوالية. في الليلة الاُولى جاءهم مسكين فآثروه على أنفسهم وأعطوه فطروهم، وفي الليلة الثانية جاءهم يتيم فآثروه هو الآخر على نفوسهم وقدموا له فطورهم، فلما كانت الليلة الثالثة أتاهم أسير فآثروه كعادتهم في الليلتين السابقتين، فدفعوا بفطورهم إليه. وهكذا طووا ثلاثة أيام بلياليها صياماً لم يتذوقوا غير الماء، فأصابهم ضعف وهزل شديد أبكى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت بحقهم سورة الدهر (الإنسان) قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً)(2).

وفي موقف حرص الإمام (عليه السلام) على أن يكون قدوة للحكام والمحكومين، ذكر أبو نعيم بسنده عن هارون عن أبيه: "دخلتُ على علي بن أبي طالب (عليه السلام)بالخورنق، وهو يرعد تحت سمل قطيفة فقلتُ: يا أمير المؤمنين إن اللّه قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟! فقال: واللّه ما

____________

1- ابن أبي الحديد: م. س.، ج 17 / ص: 65.

2- سورة الإنسان، الآيتان: 8 و 9.

 


الصفحة 32


 

ارزؤكم من مالكم شيئاً وانها لقطيفتي التي خرجت بها من المدينة"(1).

أما في موقف حرصه كرّم اللّه وجهه على أموال المسلمين، وهو في دست الحكم، فقد ضجّ منه القريب قبل البعيد، ويترجم الإمام علي هذا الموقف ببلاغته المعهودة، وهو يتعرض لموقفه مع شقيقه عقيل حين جاءه يطلب مالا، قبل أن يخرج حقّه اسوة بالمسلمين، يقول الإمام علي: "رأيت عقيلا و قد أملق حتى استماحني من بركم صاعاً، و رأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم، فعاودني مؤكداً و كرّر عليَّ القول مردداً، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقتي، فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها. فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه"(2).

ولهذا كانت الحركة الإمامية على حد تعبير محمّد عمارة، أحد المؤرخين المحدثين، تمثل: "المقاومة العربية في أحشاء المجتمع العربي، للسلطة الاقطاعية التي تمثلت في حكم بني أمية وبني العباس، والأتراك..."(3).

أما في الموقف العام فنعرض هذه الصورة المشرقة التي جسّد فيها الإمام علي موقفه في تثبيت مبدأ التواضع للرعية، وعدم التفريق بين الناس من أجل جاه أو مال أو مقام، فالناس عند علي سواسية كأسنان المشط، وهو تجسيد حي لأحكام القرآن والسنّة. وينقل لنا محب الدين الطبري عن راذان قوله: "رأيت علياً (عليه السلام) يمشي في الأسواق فيمسك الشسوع بيده، ويناول الرجل الشسع (النعل) ويرشد الضال، ويعين الحمال على الحمولة، وهو يقرأ هذه الآية: (تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(4)، ثمّ يقول: هذه الآية نزلت في ذي القدرة من الناس" قال: أخرجه أحمد في مناقبه(5).

____________

1- أحمد بن عبد اللّه أبو نعيم: حلية الأولياء، ج1 / ص: 82.

2- ابن أبي الحديد: م. س. ج3 / ص: 80.

3- محمّد عمارة: م. ن.، ص: 111.

4- سورة القصص، الآية: 83.

5- محب الدين الطبري: الرياض النظرة، ج2 / ص: 234.

 


الصفحة 33


 

ولم يقم الإمام علي في إدارته للدولة الإسلامية على احتكار السلطة، عبر اجراءات مباشرة يصدرها ويسنها ويطبقها بنفسه بل كان في صميم قاعدة "كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته " لأنه كان يؤمن بأن المسؤولية هي مسؤولية تكافلية وليست فردية بين أبناء الأمة، ولكنه في موقع المسؤولية والإرشاد، لم يطلق العنان للآخرين ويترك الأمر لهم على الغارب، بل كان في صميم النصح والتوجيه، وإذا ما اقتضى الأمر فالمساءلة والمحاسبة والتوبيخ والعزل، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وكان على اصرار أكيد بخصوص من أين لك هذا؟ كحادثة عزل سعد بن عباد والي مصر، حين وصل لمسامعه ولأكثر من مرة ما دفعه لعزله(1) وهو ما حصل مع أقرب الناس إليه، كحادثة محاسبة ابن عمّه عبد اللّه بن عباس حين ولاّه البصرة(2).

وكان كرّم اللّه وجهه حريصاً ودقيقاً في اختياراته للمسؤولين، وفق مواصفات وميزات لا يدخل لها الشكّ، وكان جل نخبته الذين تم اختيارهم لمسؤوليات الدولة المختلفة من خيرة الناس، وكانت اختياراته في صميم مَن عرفوا بالخلق القويم، والصلاح والتفقّه بالدين وعفّة اللسان ونظافة اليد ونقاء النفس والسريرة. ولن ينحاز لقريب بسبب صلة الرحم، أو لانتساب عشائري، ولم ينحز في اختياراته من أجل تعزيز سلطته وحكمه بل كان شديداً في خشية اللّه، في موضع اختياراته، متوخياً في سبيله خير الرعية والدين. ولو أن راعى بعض تلك الطروحات وتنازل عن مبادئه، لأمن شرّ: القاسطين والناكثين والمراقين، ولما حصلت معارك: الجمل وصفّين والنهران. فهو أرادها دولة إسلامية محمدية، وهم أرادوها دولة جاهلية، وشتان بين دولة الحق ودولة الباطل.

ولسنا هنا في موضع الاستغراق بعرض الصور والدلالات على سلوكية الإمام في الحكم، ونهجه الإلهي المحمدي في اسهاماته في ادارة الدولة، لأنّ ذلك سيحتاج لبحوث ودراسات مستقلة، لكننا سنقتصر على ذكر دليلين من التاريخ:

____________

1- العقاد: م. س.، ص: 129.

2- ن. م.

 


الصفحة 34


 

الدليل الأوّل: وثيقة العهد الإمامية لمالك الأشتر، حين ولاّه ولاية مصر، هذا العهد الذي يمكن أن نستنبط منه دستوراً متكاملا لإدارة الدولة، فهو كرّم اللّه وجهه بعد أن يعرف أهل مصر بالأشتر كونه عبداً من عبيد اللّه، وسيفاً من سيوف اللّه في موضع الجهاد في سبيل اعلاء كلمة الحق وفعله، وإزهاق كلمة الباطل وأثره، يشير إلى الدروس الثرية بما يجسد من خلالها عمق اهتمام الإمام بالتعامل مع الرعية بأدق تفصيلات شؤونها، ما لها وما عليها، ضمن استحقاقات ارادة اللّه في خلقه. فهو بعد أن يشير إلى أهداف وثيقة العهد هذه، يبدأ بتوجيه السلوك الشخصي، وينتقل إلى اهمية الرأي العام، موضحاً علاقة الحاكم في الرعية، محذراً من المحسوبية والظلم، مسلطاً الضوء على أهمية الشعب، دون الفئات الارستقراطية، مستبعداً مستشاري ووزراء السوء، لأنهم بطانة خطر على الأمة، مؤكداً على حاشية أهل الورع والصدق والعدالة والعلم والمعرفة، حادثاً على الاحسان إلى الرعية، والرأفة بالضعيف. مشيراً إلى أن المسؤولية ليست مسؤولية فردية دكتاتورية، إنما مسؤولية تكافلية، واضعاً الجميع أمام مسؤولياتهم، ما لهم وما عليهم، ناصحاً أن تكون شخصية القاضي مبنية على العدل والإحسان والنزاهة وعدم التحيز لجاه أو سلطة.

كما تضمنت وثيقة العهد ما يخص اُمور الادارة والتنظيم وتوزيع المهام حسب الاستحقاق والأفضلية، في كل مفاصل مسؤوليات الولاية، إضافة للاستحقاقات السياسية والاقتصادية والمالية والعسكرية.

وقد تناول العلاّمة شمس الدين وثيقة العهد هذه بصورة مسهبة، في إطار التطبيق والممارسة، وقد أحسن في الالمام التام بتحليل أبعادها ومضامينها. ولأهمية هذه الوثيقة الإمامية التي جاءت في صميم الفكر والنهج الإمامي، وبما يجسّد كل أبعاد ومضامين مرتكزاته العقائدية والسياسية والاقتصادية والتربوية والإنسانية والأخلاقية، نؤكد على ضرورة الوقوف عليها في كتاب شمس الدين(1).

الدليل الثاني: فهو كرّم اللّه وجهه بعد أن يصور عمق درايته بمطاوي

____________

1- محمّد مهدي شمس الدين: كتابه الموسوم بـ "عهد الأشتر".

 


الصفحة 35


 

النفوس، وما شغفت به القلوب، باسلوب بياني رائع حين يصفهم قائلا: " إنما هي من فساد العامة، وإنما العامة ينقسمون إلى خمس: العلماء وهم الأدلاء على اللّه، والزهاد وهم الطريق إلى اللّه، والتجار وهم أمناء اللّه، والغزاة وهم أنصار دين اللّه، والحكام وهم الطريق إلى اللّه، فإذا كان العالم طماعاً وللمال جماعاً فبمن يُستدل؟ وإذا كان الزاهد راغباً ولما في أيدي الناس طالباً فبمن يُقتدى؟ وإذا كان التاجر خائناً وللزكاة مانعاً فبمن يُستوثق؟ وإذا كان الغازي مرائياً وللكسب ناظراً فبمن يُذب عن المسلمين؟ وإذا كان الحاكم ظالماً وفي الأحكام جائراً، فبمن يُنصر المظلوم على الظالم؟ فو اللّه ما اتلف الناس إلاّ العلماء الطماعون، والزهاد الراغبون، والتجار الخائنون، والغزاة المراؤون، والحكام الجارئرون"(1). (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ)(2).

وفي ضوء هذه الدراية العميقة على ماجبلت عليه نفوس الناس وأهواؤهم، نقف على النصائح البليغة التي وجهها الإمام المبين علي لمصدق ـ أمينه على مال المسلمين ـ حين بعثه من الكوفة إلى باديتها لجباية الزكاة لبيت المال أوصاه فيما أوصاه بهذه القيم الأخلاقية والتشريعية والإنسانية، بما يوقع الحجّة البالغة على الناس، ويضعهم في صميم مسؤولياتهم، حين يقول له:

"ثم امضِ إليهم بسكينة ووقار، حتى تقوم بينهم، ثم قل لهم: يا عباد اللّه أرسلني إليكم ولي اللّه، لآخذ منكم حق الله في أموالكم فهل في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه؟ فإن قال قائل: لا، فلا تراجعه، وإن أنعم لك فهو منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده إلاّ خيراً، فإذا أتيت ماله، فلا تدخله إلاّ بإذنه، فإن أكثره له، فقل: يا عبد اللّه أتأذن لي في دخول مالك؟ فإن أذن لك فلا تدخله دخول متسلط عليه فيه، و لا عنف به، فاصدع المال صدعين، ثم خيره أي الصدعين شاء فأيهما اختار فلا تعرض له ثم اصدع الباقي صدعين، ثم خيره فأيهما اختار فلا تعرض له، ثم اصدع الباقي صدعين، ثم خيره فأيهما اختار فلا تعرض له، ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله، فإذا بقي ذلك فاقبض حق اللّه منه، وإن استقالك فأقله ثم اخلطها، واصنع مثل الذي صنعت أولاً، حتى تأخذ حق الله في ماله..."(3).

____________

1- ابن أبي الحديد: م. س.

2- سورة الشعراء، الآية: 227.

3- العقاد: م. س.، ص: 165، 166.

 


الصفحة 36


 

الخلاصة
تأثيرات سيرة الإمام علي (عليه السلام)
في ترسيم معالم " مدرسة الإمامة "


أولاً:

انّ نهج مدرسة الإمامة جاء في صميم التشريع الإلهي، والتطبيق الرسالي، وان أرضية مدرسة الإمامة هي: محمّدية المنبت، علوية الإنطلاق، حسينية التضحية والفداء، إمامية النهوض والعطاء، جعفرية التطوير والتجسيد، اجتهادية الاستمرار والتفتح، عقيدتها: التوحيد، والعدل، والنبوة، والمعاد، والإمامة.

ثانياً:

ان مدرسة الإمامة بكل مرتكزاتها، هي كالظاهرة التقنية الديناميكية تستوعب تطور الفكر الانساني الحضاري، بما لا يؤثر على أصالتها، فهي لهذا ليست حالة جامدة إنما حالة منفتحة على الأوضاع الحضارية المتطورة (لملء منطقة الفراغ) بما لا يتعارض مع القرآن والسنّة، وبما ينسجم وأصالة مكار الأخلاق التي عليها الأمة، استناداً إلى القاعدتين الإلهية والمحمدية، الاُولى: قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(1). والثانية قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "مَن سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة"(2). ويجب أن يعلم الجميع أنه ليس من الصواب أن تحصر المدرسة الإمامية بالعامل الديني، في حين أن تاريخها المتواصل كان في صميم القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والإنسانية، منذ نشأتها الاُولى ولحد الآن، وعبر أحداث الأمة.

____________

1- سورة النساء، الآية: 59.

2- عدنان عليان: معالجة ظاهرة التضخم المالي وتراكم الأموال عند الأفراد من منظور إسلامي (دراسة مقارنة بين المذاهب الاقتصادية: الرأسمالي والاشتراكي والإسلامي"، ص: 222، كناب مخطوط.

 


الصفحة 37


 

ثالثاً:

وفي ضوء ذلك فإنّ "مدرسة الإمامة" في موضع الثوابت الشرعية لا تحيد عن التمسك بالنصوص، ومع أنها في موضع المستجدات المتحركة عبر مسيرة الحياة، تجتهد ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ولكن هذا التحرك الاجتهادي يجري في اطار وأجواء النصوص والثوابت، وليس بمعزل عنها. ومثل هذا النهج يمثل حالة متقدمة في ادارة مرافق الدولة، وتلبية حاجات الناس، بما يتواكب وحالتي الحضارة والتطور الانسانيتين.

رابعاً:

ومدرسة الإمامة وهي تعتز بـ "العروبة والإسلام" باعتبارهما صنوين يكمل أحدهما الآخر، حتى يتفقه الآخرون بدينهم من منابعه الأصلية (القرآن والسنّة) من غير أثرة ودونما استعلاء، وسبيله القاعدة القرآنية العظيمة (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ)(1). لذا اعتمدت هذه المدرسة "التقوى" معيارها الأوّل في المفاضلة، منذ صدر الإسلام الأوّل، فكان "سلمان منا أهل البيت" وهو من أمة عبدت النار وآمنت بتناسخ الأرواح. وكان: " بلال الحبشي مؤذناً للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) " وهو من أمة تحولت العبادة المسيحية عندهم إلى مجرد مراسيم وطقوس تؤدى بالمناسبات. وكان: "صهيب الرومي من الصحابة المقربين لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)" وهو من أمة كثر فيها الفجور والفسوق. وكان "رافع القطبي صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)" وهو من قوم لهم ديانتهم المسيحية الخاصة بهم.

خامساً:

إنّ مدرسة الإمامة بهذا لا ترنو لإبراز حالة استعلائية للعرب على الآخرين بقدر تأكيدها لدور العرب وريادتهم في إقامة اسس صرح الإسلام العظيم، وإلاّ فالإمامية منذ الوهلة الاُولى، هم أوّل مَن آمن بالنص القرآني الذي أشرنا إليه قبل قليل، وكإضفاءة من الدليل الواقعي نرى ان حواضر الحوزات والمنتديات الدينية في الكوفة والنجف وكربلاء والكاظمية وسامراء في "العراق"، وجبل عامل في "لبنان" والأزهر في "مصر"، وحلب في "الشام"، والحسا والقطيف في "السعودية" واليمن والبحرين، ودبي في "الامارات العربية المتحدة" كلّها من أصول وبيئات إمامية عربية، كان لها الدور الريادي المستمر في الذب عن

____________

1- سورة الحجرات، الآية: 14.

 


الصفحة 38


 

القرآن والسنّة والسير بنور هديهما. وحتى جذور تلك الحوزات والمنتديات الدينية. في مدن قم ومشهد واصفهان وخراسان في "ايران"، والهند وپاكستان وأفغانستان، فجذورها ومنابعها هي الأخرى من العرب الإماميين، من العراق ولبنان والبحرين.

سادساً:

إن مدرسة الإمامية كما هي حالة مبكرة منذ صدر الإسلام الأوّل، فهي بمحصلة الأمر حالة مستمرة، لصون بيضة الدين من الانحراف، ومعيناها في سبيلها "القرآن والسنّة" على مدى الفاصل الزمني المطلق، ومدرسة الإمامة هي في كل قياسات العمل الجهادي سواء كان: دينياً أو سياسياً أو تربوياً أو أخلاقياً أو مصيرياً وحتى اقتصادياً، هي حالة متصدية لأي انحراف داخلي ولأية مواجهة خارجية كما أثبتته الأحداث.

سابعاً:

هذا وغيره كثير ليؤكد تأكيداً واقعياً وعملياً دور "مدرسة الإمامة" بشخص قائد مسيرتها الإمام المبين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه، في ترسيم معالم الدولة الإسلامية، وإن "مدرسة الإمامة" كانت ولا زالت وستبقى تشع عطاءً على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، من دون منة ولا تبعات، ولكن بدون الإعراض عنهم، بل ضرورة الوفاء لهم والاعتراف بفضلهم، وبدورهم الريادي المتفرد، الذي خصّهم به اللّه ورسوله، للمحافظة على دستوره، القرآن الكريم، وسنّة نبيّه الكريم.

ثامناً:

حاولنا بما يسمح به هذا البحث تناول النزر من فيض المواقف المشرفة والأدلة الواقعية، من سيرة الإمام المبين أمير المؤمنين علي وإسهاماته في ترسيم الدولة الإسلامية. ولعلّ فيما ذكرناه ما يصلح أن يكون قواعد على مستوى الحكم في اطار التطبيق والممارسة من جهة، وعلى مستوى كل مفاصل التعاملات العامة بين الناس من جهة ثانية، لما حوتها من أبعاد ومضامين رائدة في هذه السياقات.