بذرة التشكيك في نهج البلاغة

الشيخ أحمد سلمان

صُنَّف نهج البلاغة في النصف الثاني من القرن الرابع للهجرة ، فاشتهر بين المسلمين ، وتلقّوه بالقبول دون أن يطعن أحد منهم في الكتاب ، أو في مؤلّفه ، أو حتى يشكَّك فيه .

وبحسب تتبّعي القاصر فإن بذرة التشكيك زُرعت في أواخرالقرن السابع على يد المؤرّخ المعروف بابن خلكان ، فإنه تعرّض في كتابه الموسوم بوفيات الأعيان في ترجمة الشريف المرتضى كتاب نهج البلاغة ، وقال ما نصّه : وقد اختلف الناس في كتاب ( نهج البلاغة) المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضي ؟ وقد قيل : إنه ليس من كلام علي ، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه ، والله أعلم [١] .

وقد اعترف سليمان الخراشي بهذه الحقيقة في تحقيقه لكتاب ( تشريع شرح نهج البلاغة) حيث قال : قال ابن خلّكان وهو أوّل من شكّك في نسبة الكتاب عند ترجمته للشريف المرتضى [٢] .

وهذا الكلام لا يمكن قبوله لعدة أمور :

أولاً : أنه مجرّد عن أي دليل أو برهان ، فأن ابن خلكان لم يأت بشاهد واحد على صحّة كلامه ، بل الأغرب أنه نسبه للناس ، ولا نعلم من يقصد بهم :

فإن كان العلماء فكتبهم موجودة ، ولم نجد أحداً منهم شكّك في نهج البلاغة قبله ، وإن كانوا العوام فإن تحكيمهم في مسألة علمية تخصصية هو عين السفه ، وأن كان رأياً شخصيًّا فهو مردود على صاحبه الذي لا يجيد إلا الدفع بالصدر.

ثانياً : أن ابن خلكان لا يمكن قبول شهادته في خصوص هذا الموضوع ؛ لأن الرجل له عداوة تاريخية مع أهل البيت عليهم السلام .

ويمكن إثبات هذا الأمر بقرينتين :

١ – سرّ تسميته بابن خلكان هو أن الرجل كان كثير الافتخار بأجداده ، فيُكثرمن قوله : (( كان أبي ، كان جدي ، كان أجدادي)) ، فكان يقال له : (( خَلَّ كان ، وتكلم عن نفسك )) ، إلى أن أصبحت لقباً له .

وقد نقل ذلك ابن العماد الحنبلي في شذراته عن أحد مشايخه : ومن إفاداته أن لفظ ابن خلكان ضبط على صورة الفعلين خل أمر من التخلية وكان الناقصة قال وسببه أنه كان يكثرقول كان والدي كذا كان جدي كذا كان فلان كذا فقيل له خل كان فغلبت عليه [٣] .

ولما رجعنا إلى نسب الرجل وجدنا أنه برمكي ، ومن له اطلاع على التاريخ يعلم يقيناً أن البرامكة كانوا أشد الناس عداوة للعلويين ، وقد كانوا اليد الضاربة للدولة العباسية في أوائل تأسيسها ، وسبب اعتماد العباسيين عليهم هو فقدانهم للثقة بالعرب والعجم نظراً لتعاطفهم مع العلويين بسبب خيانة العباسيين للعهد الذي كان مبرم بينهم من إعطاء الخلافة للرضا من آل محمد في حال إسقاطهم لدولة بني أمية ، وتفرّدهم بالحكم دونهم ، فكانوا بمثابة السيف الحاد المسلط على أعداء العباسيين وخصوصاً العلويين .

وعليه فهناك عداء تاريخي متجّذر بين البرامكة وبين العلويين ، ولا نشك أن كلام ابن خلكان ناشى ء عن هذا .

٢ – أن ابن خلكان كان من عشاق يزيد بن معاوية وشعره ، وإذ أنه ذكر في ترجمة المرزباني : وهو أول من جمع ديوان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي ، واعتنى به ، وهو صغير الحجم ، يدخل في مقدار ثلاث كراريس ، وقد جمعه من بعده جماعة ، وزادوا فيه أشياء كثيرة ليست له ، وكنت حفظت جميع ديوان يزيد ؛ لشدة غرامي به ، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بمدينة دمشق ، وعرفت صحيحه من المنسوب إليه الذي ليس له ، وتتبّعته حتى ظفرت بصاحب كل أبيات ، ولولا خوف التطويل لبيَّنت ذلك ، وشعر يزيد مع قلَّته في نهاية الحسن [٤] .

وهنا لابد لنا من طرح عدة تساؤلات :

 

ما سبب غرام ابن خلكان الشديد بشعر يزيد ؟

إن كان حبّه لنفس الشعر، فهذه طامة تنبىء عن سوء سريرة ابن خلكان ، إذا أن شعر يزيد ليس شعراً في ذكرالله ، ولا في الثناء على نبيّه صلى الله عليه وآله ، بل كله فسق وفجور، وليس هناك أفضل من الذهبي في تلخيصه لسيرة يزيد بن معاوية بقوله : وكان ناصبيًّا فظًّا ، غليظاً ، جلفاً ، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين ، واختتمها بواقعة الحرة ، فمقته الناس ، ولم يبارك في عمره [٥] .

وإن كان حبه لشعر يزيد من أجل حبه ليزيد نفسه فيكفينا هذا مطعناً في هذا الرجل ؛ إذا أن حب يزيد من أقوى الأدلة على النصب وبغض أهل البيت عليهم السلام ، وقد كفانا ابن كثيرالدمشقي مؤونة إثبات هذه القضية بقوله : الناس في يزيد بن معاوية أقسام ، فمنهم من يحبّه ويتولاه ، وهم طائفة من أهل الشام ، من النواصب [٦] .

ثالثاُ : لو افترضنا أن ما ذكره ابن خلكان هو رواية عن معاصريه ، ولا رأياً له ، فهذا أيضاً لا يمكن قبوله ؛ لأن هذا الرجل فاسق مشهور بالفجور والعياذ بالله !

ذكرالكتبي في ترجمة ابن خلكان : وكان له ميل إلى بعض أولاد الملوك ، وله فيه أشعاررائقة , يقال : إنه أول يوم زاره بسط له الطرحة ، وقال له : ما عندي أعز من هذه طأ عليها . ولما فشا أمرهما وعلم به أهله منعوه الركوب ، فقال ابن خلكان :

ياسادتي إني قنعتُ وحقَّكم ***** في حُبَّكم منكم بأيسرِمطلبِ

إن لم تجودا بالوصالِ تعطّفاً ***** ورأيتمُ هجري وفرطَ تجنبي

لا تمنعوا عيني القريحهَ أن ترى ***** يومّ الخميسِ جمالكم في الموكبِ

لو كنتَ تعلمُ يا حبيبي ما الذي ***** ألقاه مِنْ كَمَدٍ إذا لم تركبِ [٧]

ونقل في نفس المصدر: كان الذي يهواه القاضي شمس الدين بن خلكان :

الملك المسعود بن الزاهر صاحب حماة ، وكان قد تيّمه حبّه ، وكنت أنا عنده في العادلية ، فتحدّثنا في بعض الليالي إلى أن راح الناس من عنده ، فقال : من أنت ههنا ؟! وألقى عليَّ فروة قرظ ، وقام يدورحول البركة في بيت العادلية ، ويكّررهذين البيتين إلى أن أصبح ، وتوضينا وصلينا . والبيتان المذكوران :

أنا والله هالكٌ ***** آیسٌ مِنْ سلامتي

أو أرى الَقامَة التي***** قد أقامتْ قيامتي [٨]

كما أن الكتبي نقل بإنصاف قصة تبيَّن رأي الشاميين في ابن خلكان ، حيث قال : ويقال : أنه سأل بعض أصحابه عما يقوله أهل دمشق فيه ، فاستعفاه ، فألحَّ عليه ، فقال : يقولون إنك تكذب في نسبك، وتأكل الحشيشة ، وتحب الصبيان .

فقال : أما النسب والكذب فيه فإذا كان لا بد منه كنت أنتسب إلى العباس ، أو إلى علي بن أبي طالب ، أو إلى أحد الصحابة ، وأما النسب إلى قوم لم يبق لهم بقية ، وأصلهم قوم مجوس فما فيه فائدة ، وأما الحشيشة فالكل ارتكاب محرم ، وإذا كان ولا بد فكنتُ أشرب الخمر؛ لأنه ألذ ، وأما محبة الغلمان فإلى غد أجيبك عن هذه المسألة [٩] .

فهنا نجده ينفي ما نُسب له سوى ما أسماه بمحنة الغلمان والعياذ بالله !

فهل يمكن أن يحكم مثل هذا على تراث أهل البيت عليهم السلام ، ويكون رأيه سيفاً قاطعاً يفصل بين الحق والباطل ؟

إذن ، هذا الرجل هو أول من بذر بذرة التشكيك في نهج البلاغة ، وتعاهدها اللاحقون من المخالفين بالسقي والاعتناء حتى تجوَّلت إلى يقين عند البعض بأن نهج البلاغة كتاب موضوع منحول على الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام !

 

على خطى ابن خلكان

تواصلت حملة التشكيك في نهج البلاغة بعدما افتتحها ودشّنها ابن خلكان ، فكل من جاء بعده إنما تبنى رأيه دون تحقيق ولا تبيان،بل حتى لفظ ابن خلكان حافظوا عليه بنفسه ولم يغيَّروه !

وهذا يدل على أنهم مقلّدة وأبواق للسابقين،وليسوا بأهل بحث وتحقيق ، وإلا فالعالم لا يعتمد على قول غيره دون تبيان ولو كان الغير من أعاظم العلماء ؛ لأن قول العالم يُحتج له ولا يُحتج به عند المحقّقين .

وسنطرح بعض الأقوال على سبيل التمثيل لا الحصر لكي يتأكد القارئ من صحة ما نقوله في هؤلاء :

الأول : ما ذكره الذهبي ( توفي ٧٤٨ هـ) في تاريخ الإسلام ، فإنه قال : قلت : وقد اختلف في كتاب نهج البلاغة المكذوب على عليّ عليه السلام ، هل هو من وضعه ، أو وضع أخيه الرضّي [١٠] .

الثاني : ما ذكره الصفدي ( توفي ٧٦٤ هـ) في كتاب الوافي بالوفيات : وقد اختلف في كتاب نهج البلاغة ، هل هو وضعه ، أو وضع أخيه الرضي [١١] .

الثالث : ما ذكره اليافعي ( توفي ٧٦٨ هـ) : وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي بن أبي طالب عليه السلام ، هل هو جمع أو جمع أخيه الرضي ؟ وقد قيل : إنه ليس من كلام علي ، وإنما أحدهما هو الذي وضعه ، ونسبه إليه ، والله تعالى أعلم [١٢] .

الرابع : ما ذكره ابن العماد الحنبلي ( توفي ١٠٨٩ هـ) : ولقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي بن أبي طالب عليه السلام ، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضي ؟ وقد قيل : إنه ليس من كلام علي ، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه ، والله أعلم [١٣] .

الخامس : ما ذكره القنوجي ( توفي ١٣٥٧ هـ ) في كتابة أبجد العلوم : وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب ، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضي ؟ وقد قيل : إنه ليس من كلام علي ، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه [١٤] .

وكما يرى القارئ الكريم أن هؤلاء هم مجرد نقلة لا أكثر ولا أقل ، بل لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء تغييرعبارة ابن خلكان !

والغريب أنهم يعبرون بـ (قلت) رغم أن هذا القول هو منقول عن ابن خلكان ، فهل يُتَوقَّع من هؤلاء الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء التحقيق في هذه المسألة ، أن ينصفوا كتاب نهج البلاغة ؟

 

الذهبي أنموذجاً

قد يتهمني البعض بأني تحاملت على هؤلاء المذكورين ، وأن ما ذُكر ليس إلا من باب تشابه العبارات ، وإلا فإن القوم قد بحثوا ونقبوا ووصلوا إلى نفس النتيجة التي توصَّل إليها ابن خلكان ، وليسوا مقلدة كما ادّعينا .

ولدرء هذه الشبهة ودفع هذه الظنون سنناقش تقييم الذهبي لكتاب نهج البلاغة ، لنصل إلى نتيجة ربما تكون أعظم مما ذكرناه .

 

من هو الذهبي ؟

الذهبي هو إمام علم الجرح والتعديل عند القوم ، وأعظم المؤرَّخين ، بل إن كتبه هي عمدة المتأخرين في علم الحديث والرجال .

قال فيه معاصره ابن كثيرالدمشقي : وفي ليلة الاثنين ثالث شهرذي القعدة توفي الشيخ الحافظ الكبيرمؤرَّخ الاسلام وشيخ المحدَّثين شمس الدين أبوعبدالله محمد بن عثمان الذهبي بتربة أم الصالح ، وصُلّي عليه يوم الاثنين صلاة الظهرفي جامع دمشق ، ودُفن بباب الصغير، وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه رحمه الله [١٥] .

قال ابن الفداء في الذهبي : وفيه صلى بحلب صلاة الغائب على الشيخ شمس الدين بن محمد بن أحمد بن عثمان بن قايمازالذهبي الدمشقي ، منقطع القرين في معرفة أسماء الرجال ، محدث كبير، مؤرخ من مصنفات كتاب تاريخ الإسلام ، وكتاب الموت وما بعده وكُفَّ بصره في آخرعمره ، ومولده سنة ثلاث وسبعبن وستمائة [١٦] .

 

رأيه في نهج البلاغة

ذكرنا سابقاً قول الذهبي في نهج البلاغة ، وهو تقريباً نفس عبارة ابن خلكان التي سارعليها كل من جاء بعده .

لكن الذهبي استدرك على عبارته تلك في مورد آخر، وذكرأمراً جعلها مانعاً من قبول هذا الكتاب العظيم والسفرالكريم .

قال في سيرأعلام النبلاء : هو جامع كتاب (نهج البلاغة) ، المنسوبة ألفاظه إلى الإمام علي عليه السلام ، ولا أسانيد لذلك ، وبعضها باطل ، وفيه حق ، ولكن فيه موضوعات ، حاشا الامام من النطق بها ، ولكن أين المنصف ؟! [١٧] .

والديل على هذا أمور:

إذن هو يسلّم بوجود أمورثابتة الصدورعن أميرالمؤمنين عليه السلام في كتاب (نهج البلاغة) ، ويثبت وجود موضوعات فيه .

لكن لم يصرّح بالنسبة بينهما ، ولم يعطنا أنموذجاً من هذه الأمورالباطلة التي حكم باستحالة صدورها من الأمام عليه السلام ، بل الأمر مجرد دعوى مجردة عن كان دليل وبرهان ، وكما قال هو : أين المنصف ؟

رأينا في ما قاله :

والذي يظهرلأول وهلة من قراءة هذه الفقرة أن الذهبي قد اطلع على نهج البلاغة،وسير رواياته ونقّحها ، ثم خرج لنا بهذا الحكم ، لكن الحقيقة غيرهذا ؛ فإن الذهبي ليس فقط مقلداً لابن خلكان كما قدمناه ، بل الأعظم والأدهى أنه لم يقرأ كتاب نهج البلاغة البتة ، ولم يطلع على ما فيه !

الأول : نسب الذهبي للشريف الرضي قدس سره كتاباً في معاني القرآن ، والمقصود منه هو التفسيرالمطبوع بعنوان (حقائق التأويل) ، والذي يتبادرللذهن من كلام الذهبي أنه اطلع على هذا الكتاب ، إذا أنه قال : الرضي الشريف أبو الحسن ، محمد بن الطاهر أبي أحمد الحسين بن موسى ، الحسيني الموسوي البغدادي الشاعر، صاحب الديوان ، له نظم في الذروة حتى قيل : هو أشعرالطالبيين ، ولى النقابة بعد أبيه ، وديوانه يكون أربع مجلدات ، وله كتاب معاني القرآن ، ممتع يدل على سعة علمه [١٨].

علماً أن في هذا الكتاب نص الشريف الرضي قدس سره على أن نهج البلاغة من تصنيفه وجمعه ، قال : إني لأقول أبداً : إنه لو كان كلام يلحق بغبارة ، أو يجري في مضماره – بعد كلام الرسول صلى الله عليه وآله لكان ذلك كلام أميرالمؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام ، إذا كان منفرداً بطريق الفصاحة ، لا تزاحمه عليها المناكب ، ولا يلحق بعقوه فيها الكادح الجاهد ، ومن أراد أن يعلم برهان ما أشرنا إليه من ذلك ، فلينعم النظرفي كتابنا الذي ألفناه ووسمناه بـ ( نهج البلاغة) ، وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع إلينا ، من كلام أميرالمؤمنين عليه السلام في جميع الأنحاء والأغراض ، والأجناس والأنواع : من خطب وكتب ومواعظ وحكم ، وبوَّبناه أبواباً ثلاثة ، لتشتمل على هذه الأقسام مميزة مفصلة ، وقد عظم الانتفاع به ، وكثرالطالبون له ، لعظيم قدر ما ضمنه : من عجائب الفصاحة وبدائعها ، وشرائف الكلم ونفائسها ، وجواهرالفقر وفرائدها [١٩] .

فلو كان الذهبي قرأ الكتاب الذي حكم عليه بأنه ممتع وأنه يدل على سعة علمه لما اشتبه ، ونسب الكلام للشريف المرتضى قدس سره دون الرضي رحمه الله !

والذهبي رغم أنه يكثرفي كتبه من تقييم الكتب والحكم على مضامينها إلا أن تعليقاته هي مجرد منقولات سماعية دون تأكد أو تدقيق ، لذلك يقع في هذه الاشتباهات ، ودونك ما ذكره في ترجمة شيخنا المفيد قدس سره حيث أقرَّ أنه كان يحفظ كتب مخالفيه ، في حين أن الذهبي يحمد ربه على عدم اطلاعه على كتب المفيد التي عدّها بالمئات !

قال الذهبي في السير قيل : إنه ما ترك للمخالفين كتاباً إلا وحفظه ، وبهذا قدرعلى حل شبه القوم ، وكان من أحرص الناس على التعليم ، يدورعلى المكاتب وحوانيت الحاكة ، فيتلمح الصبي الفطن ، فيستأجره من أبويه ، قال : وبذلك كثر تلامذته ، وقيل : ربما زاره عضد الدولة ، ويقول له : اشفع تشفع ، وكان ربعة نحيفاً أسمر، عاش ستًّ وسبعين سنة ، وله أكثر من مئتي مصنف ...

إلى أن قال : مات سنة ثلاث عشرة وأربع مئة ، وشيَّعه ثمانون ألفاً...

وقيل : بلغت تواليفه مئتين ، لم أقف على شيء منها ولله الحمد [٢٠] .

فهذا هو حال الذهبي يفتخر بجهله ، ويحمد الله على قلة اطلاعه على كتب الشيخ المفيد قدس سره ، فهل مثل هذا يمكن أن تقبل شهادته ؟

الثاني : الأدهى والأمر أن الذهبي لو اطلع كتاب ( نهج البلاغة) لرأى فيه إحالات على كتاب ( المجازات النبوية) ، فقال : وهذا من الاستعارات العجيبة كأنه شبه السه بالوعاء ، والعين بالوكاء ، فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء ، وهذا القول في الأشهر الأظهرمن كلام النبي صلى الله عليه وآله ، وقد رواه قوم لأميرالمؤمنين عليه السلام ؛ وذكر ذلك المبرد في كتاب (المقتضب) في باب اللفظ بالحروف ، وقد تكلّمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم بمجازات الآثارالنبویة [٢١].

ولا یختلف اثنان من المسلمین آن کتاب (المجازات النبویة ) تأليف الشريف الرضي قدس سره ، ولو اطلع الذهبي على كتاب نهج البلاغة لعلم من هذه الإحالات أنه كتاب الشريف الرضي دون المرتضى .

الثالث : الطامة الكبرى أن المحقّق الذهبي لم يتصفّح بضع وريقات من كتاب (نهج البلاغة) ، ولو أنه فعل ذلك لما وقع في هذا الاشتباه ، إذ أن في أول كتاب النهج وبالتحديد في مقدمة النهج ذكرالمصنف أنه هو مؤلف كتاب (الخصائص النبوية) ، حيث قال : فإني كنتُ في عنفوان السن ، وغضاضة الغضن ، ابتدأت بتأليف كتاب ( خصائص الأئمة عليهم السلام) يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلامهم ، حداني عليه غرض ذكرته في صدرالكتاب ، وجعلته أمام الكلام ، وفرغت من الخصائص التي تخصّ أميرالمؤمنين عليًّا عليه السلام ، وعاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الزمان ومماطلات الأيام [٢٢].

من هنا نعلم أن الذهبي لم يطلع على نهج البلاغة ، ولم يقرأه ولا رآه بعینه « بل هو حکم جزافي لا مستند عليه ، بل منشؤه التعصّب الأعمى واتباع الهوى .

ولستُ أنا من أنسب هذا الأمر إلى الذهبي ، بل حتى تلاميذه شهدوا عليه بهذا الذي قلته ، وحكموا عليه بالتعصّب والتسرّع في الحكم على مخالفيه !

قال السبكي مصوَّراً حال شيخه الذهبي : وهذا شيخنا الذهبي : رحمه الله من هذا القبيل ، له علم وديانة ، وعنده على أهل السنة تحمّل مفرط ، فلا يجوز أن يعتمد عليه .

ونقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي رحمه الله ما نصّه : الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا أشك في دينه وورعه وتحرّيه فيما يقوله الناس ، ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات ، ومنافرة التأويل ، والغفلة عن التنزيه ، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه ، وميلاً قويًّا إلى أهل الإثبات ، فإذا ترجم واحداً منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ، ويبالغ في وصفه ، ويتغافل عن غلطاته ، ويتأوَّل له ما أمكن ، وإذا ذكرأحداً من الطرف الآخرکإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه ، ويُكثر من قول من طعن فيه ، ويعيد ذلك ويبديه ويعتقده ديناً ، وهو لا يشعر ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها ، وإذا ظفرلأحد منهم بغلطة ذكرها ، وكذلك فعله في أهل عصرنا ، إذا لم يقدرأحد منهم بتصريح يقول في ترجمته والله يصلحه ونحو ذلك ، وسببه المخالفة في العقائد انتهى ... والحال في حق شيخنا الذهبي أزيد مما وصف ، وهو شيخنا ومعلّمنا غير أن الحق أحق أن يُتَّبع ، وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يُسخر منه ، وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين وأئمتهم الذين حملوا لنا الشريعة النبوية ، فإن غالبهم أشاعرة ، وهو إذا وقع بأشعري لا يبقي ولا يذر، والذي أعتقده أنهم خصماؤه يوم القيامة عند من لعل أدناهم عنده أوجه منه ، فالله المسؤول أن يخفَّف عنه ، وأن يلهمهم العفو عنه ، وأن يشفعهم فيه [٢٣] .

فإذا كان هذا حاله مع موافقيه في الاعتقاد ، ومن يعتقد بإسلامهم ، وأنهم بنو جلدته ، فكيف مع الشيعة الذين يعتقد كفرهم وخروجهم عن الاسلام ، بل نعتهم بأقبح الألفاظ في كتابه ! [٢٤] .

الذهبي ليس إلا أنموذجاً من هؤلاء وإلا لو تتّبعنا كلمات هؤلاء وبحثنا في مصنّفاتهم لعلمنا أنهم أبعد ما يكونون عن البحث العلمي والنقد الهادف ، بل كلّ ما يصدر منهم هو عصيبة محضة وهوى متّبع .

------------------------------------------------------------------------------------
[١] . وفيات الأعيان ٣ / ٣١٣ .
[٢] . تشريح شرح نهج البلاغة : ٨ .
[٣] . شذرات الذهب ٨ / ٤٢٢ .
[٤] . وفيات الأعيان ٤ / ٣٥٤ .
[٥] . سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٨ .
[٦] . البداية والنهاية ٦ / ٢٥٦ .
[٧] . فوات الوفيات ١ / ١١٢ .
[٨] . فوات الوفيات ١ / ١١٣ .
[٩] . فوات الوفيات ١/١١٣ .
[١٠] . تاريخ الأسلام ٢٩ / ٤٣٤ .
[١١] . الوافي بالوفيات ٢٠ / ٢٣١ .
[١٢] . مرآة الجنان ٣/٤٣ .
[١٣] . شذرات الذهب ٢٥٧ .
[١٤] . أبجد العلوم ٣ / ٦٦ .
[١٥] . البداية والنهاية ١٤/ ٢٦٠ .
[١٦] . تاريخ أبي الفداء ٤ / ١٥٠ .
[١٧] . سير أعلام النبلاء ١٧ / ٥٨٩ .
[١٨] . سير أعلام النبلاء ١٧ / ٢٨٥ .
[١٩] . حقائق التأويل : ١٦٧ .
[٢٠] . سير أعلام النبلاء ١٧ / ٣٤٥ .
[٢١] . نهج البلاغة ٤ / ١٠٧ .
[٢٢] . نهج البلاغة ١ / ١١ .
[٢٣] . طبقات الشافعية الكبرى ٢ / ١٤ .
[٢٤] . قال في ميزان الاعتدال ٣ / ٢٤٢ : قال أبوأحمد الزبيري : رافضي ، كأنه جرو كلب ...

مقتبس من كتاب نهج البلاغة فوق الشبهات والتشكيكات – الشيخ أحمد سلمان