سؤال حول قول الإمام عليه السلام (يهلك فيّ إثنان ...)

ورد هذا السؤال في كتاب (مختصر مفيد) جزء ١٤ لسماحة آية الله المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي (حفظه الله) سؤال يستفسر به سأله عن قول للإمام علي (عليه السلام) فإليكم نص السؤال وجواب سماحته:

السؤال:
عن الإمام علي «عليه السلام»:«يهلك في اثنان: محب مفرط، ومبغض».
ما المقصود هنا بـ «محب مفرط»أو إلى أي درجة يمكن أن يصل المؤمن إلى الإفراط في حبه «عليه السلام»؟!

الجواب:
بسمه تعالى، وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
وبعد.. فيرجى ملاحظة ما يلي:
١ ـ إن العبارة في نهج البلاغة، الحكمة رقم ١١٧ هي كما يلي: «هلك فيّ رجلان: محب غالٍ، ومبغض قال».
وفي الخطبة رقم١٢٥ هكذا: «سيهلك فيّ صنفان: محب مفرط، يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق. وخير الناس فيّ حالاً النمط الأوسط فالزموه».
وفي الحكمة رقم ٤٦٩:«يهلك فيّ رجلان:محب مفرط وباهت مفتر».
وهذا يعطي: أنه «عليه السلام» قد كرر هذا القول بهدف تحذير الناس من ذلك..
كما أن نفس هذه التعابيير قد تضمنت ما يفسر المراد من الإفراط والتفريط في الحب والبغض.
٢ ـ المراد بالغلو هنا: تجاوز الحد في الحب إلى حدّ ادّعاء ما لا يصح ادّعاؤه فيه,كادّعاء حلول اللاهوت فيه، أو نحو ذلك..
والمراد بالقالي: الممعن في الجفاء، والمتباعد في بغضه إلى حد نصب العداء..
٣ ـ قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»:«والله، لولا أني أشفق أن تقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم، لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمر بأحد من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة».
فقد بين هذا الحديث بعض مظاهر الغلو فيه «عليه السلام»، وهو أن يقال فيه «عليه السلام»ما قالت النصارى في عيسى. وقد قالوا فيه «عليه السلام»ذلك بالفعل، حتى ألّهوه، ولم يتراجعوا عن هذه المقالة حتى أحرقوا بالنار.. ولا يزال في الناس، من يغلو فيه «عليه السلام»إلى يومنا هذا..
٤ ـ أما المبغض القالي، فمنهم الخوارج، ولا تزال بقاياهم إلى يومنا هذا. ومنهم أيضاً المنكرون لفضائله «عليه السلام»، المتحاملون والمتعصبون عليه..
٥ ـ إن ابن أبي الحديد قد جانب الصواب كثيراً حين قال في شرح قوله «عليه السلام»:«يهلك فيّ رجلان: محب مفرط وباهت مفتر»ما يلي:
«أما المفرط فالغلاة، ومن قال بتكفير أعيان الصحابة، ونفاقهم أو فسقهم»..
ثم ذكر: أن أصحابه المعتزلة قد سلكوا طريقة مقتصدة، حين فضلوه على الخلق في الدنيا والآخرة، وأن كل من حاربه أو أبغضه خالد في النار، ثم قال:
«فأما الأفاضل من المهاجرين والأنصار الذين ولوا للإمامة قبله، فلو أنه أنكر إمامتهم، وغضب عليهم، وسخط فعلهم، فضلاً عن أن يشهر عليهم السيف، أو يدعو إلى نفسه، لقلنا: إنهم من الهالكين».
إلى أن قال: «ولكنا رأيناه رضي إمامتهم، وبايعهم، وصلى خلفهم، وأنكحهم، وأكل من فيئهم، فلم يكن لنا أن نتعدى فعله، ولا نتجاوز ما اشتهر عنه. ألا ترى أنه لما برئ من معاوية برئنا منه، ولما لعنه لعناه. ولما حكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقايا الصحابة، كعمرو بن العاص، وعبد الله ابنه، وغيرهما حكمنا أيضاً بضلالهم؟!
والحاصل: أننا لم نجعل بينه وبين النبي «صلى الله عليه وآله»إلا رتبة النبوة، وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه.
ولم نطعن في أكابر الصحابة الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم، وعاملناهم بما عاملهم به.
ونقول:
إن هذا الكلام مرفوض جملة وتفصيلاً. وذلك لما يلي:
أولاً: إنه زعم أن من قال بتكفير أعيان الصحابة ونفاقهم، أو فسقهم مفرط هالك، مع أن المقصود بالمحب الغالي (المفرط في حبه له)، هو القائل بألوهيته «عليه السلام» حسبما أوضحناه، ويشهد له أيضاً ما نقلناه عن النبي «صلى الله عليه وآله»..
وأما تفسيق أو تكفير الآخرين، فليس هو من مفردات حب علي «عليه السلام»، فضلاً عن أن يكون من مفردات الإفراط أو التفريط فيه!!
ثانياً: قوله عن أبي بكر وعمر وعثمان: «لو أنكر إمامتهم لقلنا: إنهم من الهالكين»..
غريب وعجيب ممن شرح نهج البلاغة، وقرأ الخطبة الشقشقية وشرحها أيضاً، بالإضافة إلى غيرها. فضلاً عن أن ابن أبي الحديد نفسه قد نقل الكثير الكثير من إنكاراته «عليه السلام» في السقيفة، وفي الشورى، وفي مواقف كثيرة أخرى، فراجع كتابه..
بل إن قهرهم له، واستعمال العنف معه لإجباره على التخلي عن حقه، لا يكاد يخفى على عاقل منصف.
وقد كتب «عليه السلام» لمعاوية: «وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمرو الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت. وما على المسلم من غضاضة أن يكون مظلوماً، ما لم يكن شاكّاً في دينه» .
بل إن المعتزلي نفسه يقول: «سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد، فقلت: أرى هذا الجواب منطبقاً على كتاب معاوية الذي بعثه مع أبي مسلم الخولاني إلى علي «عليه السلام»، فإن كان هذا هو الجواب، فالجواب الذي ذكره أرباب السير، وأورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين إذاً غير صحيح.
وإن كان ذلك الجواب، فهذا الجواب إذاً غير صحيح ولا ثابت.
فقال لي: بل كلاهما ثابت مرويّ.
وكلاهما كلام أمير المؤمنين«عليه السلام»وألفاظه إلخ..».
ثالثاً: لم يلِ أحد من الأنصار الخلافة، فما معنى قول المعتزلي: «وأما الأفاضل من المهاجرين والأنصار الذين ولوا الخلافة قبله، فلو أنه أنكر إمامتهم إلخ..»؟!
رابعاً: قول المعتزلي: إنه «عليه السلام»قد بايع الخلفاء قبله، غير مقبول، فقد ذكرنا في كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» ما يدل على أن بيعته لم تثبت، فراجع..
ولو سلمنا: أنه بايعهم، فإنما بايعهم مكرهاً كما ظهر من كتابه المذكور آنفاً لمعاوية، ولا بيعة لمكره.
رابعاً: قوله: إنه «عليه السلام» صلى خلفهم، وأنكحهم، مردود عليه، وذلك لما يلي:
ألف: إن ذلك كان منه «عليه السلام»على سبيل التقية. ويكفي ما كتبه معاوية إلى محمد بن أبي بكر عن أبيه وعن عمر، حيث قال: «فهمَّا به الهموم، وأرادا به العظيم».
ب: إنه لم يثبت أنه «عليه السلام»زوَّج ابنته لعمر بن الخطاب، إلا على سبيل الإكراه.. وقد تحدثنا عن هذا الموضوع في كتابنا: ظلامة أم كلثوم.
ج: إن صلاته خلفهم لا تعني إئتمامه بهم، إذ يمكن أن يقف في الصف، ولا ينوي الجماعة..
د: إن بعض النصوص تدل على أن أهل البيت«عليهم السلام»كانوا يعيدون صلاتهم التي يصلونها خلف الأمراء على سبيل التقية.
وقد ذكر ابن كثير الحنبلي: أن الحسن والحسين «عليهما السلام» كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها.. .
ولنا أن نسأل ابن كثير: من أين ثبت له أنهما «عليهما السلام»لم يكونا يعيدان صلاتههما؟!
وروي عن الإمام الباقر «عليه السلام»ما يوضح ذلك، فقد قال: كان علي بن الحسين صلوات الله عليه يصلي معهم الركعتين، فإذا فرغوا قام فأضاف إليهما ركعتين.
وروي عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر «عليه السلام»: إن أناساً رووا عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أنه صلى أربع ركعاتٍ بعد الجمعة، لم يفصل بينهن بتسليمٍ!!
فقال: يا زرارة، إن أمير المؤمنين «عليه السلام» صلى خلف فاسق، فلما سلم وانصرف قام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، فصلى أربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم. فقال له رجل إلى جنبه: يا أبا الحسن، صليت أربع ركعات لم يفصل بينهن؟!
فقال: إنها أربع ركعاتٍ مشبهات. وسكت.
فوالله، ما عقل ما قال له.
واللافت هنا: أن الرواية لم تصرح باسم إمام الجمعة في هذه القضية..
خامساً: قول المعتزلي: إنه «عليه السلام» قد أكل من فيء الخلفاء قبله.. لا يفيده شيئاً، لما يلي:
ألف: روي عن معاوية بن وهب، عن الإمام الصادق «عليه السلام»ما دل على أن الغنائم إن كان يُقاتل عليها المشركون مع أمير أمره الإمام، أُخْرِج منها الخمس لله وللرسول، وقسم بين المقاتلين أربعة أخماس.
«وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام يجعله حيث أحب».
فيمكن أن يستفاد من ذلك: أن الغنائم لو حصلت بقتال مع أمير لم يؤمره الإمام «عليه السلام»، فإنها تكون للإمام أيضاً، يجعلها مع من أحب.
ب: ومع غض النظر عن ذلك، فإن حق الإمام «عليه السلام» في خمس الغنائم ثابت في الكتاب والسنة. فلماذا لا يستعيد بعض هذا الحق؟!
د: نقول هذا مع غض النظر عن النقاش في صحة ما ادعاه، من أنه «عليه السلام» قد أكل شيئاً من فيئهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.