شبهات عقدية في نهج البلاغة – الثاني

الشيخ أحمد سلمان

٣ – نصوص ذم الخلافة والحكم :

قالوا : إنّ عليًّا عليه السلام كان كثيراً ما يذم الخلافة والإمامة ، فمرّة يصفها بأنّها كعفطة عنز، ومرّة إنها لا تساوي عنده النعل البالي ، وغيرها من عبارات الازدراء والتنقيص ، بل ذكرصراحة أنه لم يكن الخلافة ، فقال : والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ، ولا في الولاية إربة [١] .

فهل يصحّ أن يصف الإمام عليه السلام منصباً إلهيًّا بهذه الصفات ؟

وهل يصحّ أن يتخلّى عن ما كلّفه الله به ؟

والجواب على هذا الإشكال :

أولاً : أن العبارات التي ذكرها المشكل هل ليست لذمّ الخلافة كمنصب ، بل هي ذمّ للناس الذين كانوا رعيّة الخليفة ، فهو لم يشبّه الخلافة بالنعل البالي ، بل شبّه خلافة هؤلاء ، فقد رُوى في النهج عن عبدالله بن العباس ، قال : دخلت على أميرالمؤمنين عليه السلام بذى قار وهو يخصف نعله ، فقال لي : ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت : لا قيمة لها ، فقال عليه السلام : والله لهي أحب إلَّي من إمرتكم ـ إلا أن أقيم حقَّا أو أدفع باطلاً [٢] .

فلفظه عليه السلام كان دقيقاً حيث قال : (( إمرتكم)) ، ولم يقل : (الخلافة أو الولاية )) ، ثم إنه عليه السلام استثنى من هذا الأمرأن تكون الإمرة وسيلة لإقامة حق أو هدم باطل ، فمعنى الكلام أن الإمارة التي يحرص عليها الكل خصوصاً المتقدّمين عليه ، هو لا يطلبها ، بل هو قام بالأمر فقط لأنه سيقيم الحق ويدفع الباطل من خلاله .

ثانياً : النص الثاني الذي ظاهره أن أميرالمؤمنين عليه السلام لا رغبة له في الإمرة والولاية يجب وضعه في إطاره الصحيح كي يُفهم ويعلم المراد ، ولهذا لا بّد من بيان مقدمتين :

المقدمة الأولى : أن الإمامة التي يعتقد بها الشيعة هي المنصب الذي يعطيه الله للذين اصطفاهم من عباده ، وليست تسلّط أحد النّاس على رقاب المسلمين بالترغيب أو بالترهيب .

ولذلك نجد أن القرآن سمّى آدم عليه السلام خليفة ، ولم يكن صاحب ملك أو سلطان دنيوي ، قال تعالى : (إنّيِ جَاعِلٌ فِي الأّرضِ خَلِيفّة) (البقرة :٣٠) ، وسمّى إبراهيم (البقرة : ١٢٤) ، ومن هنا يُعلم أن الإمامة الإلهية لا تتقَّوم باعتلاء كرسي الحكم ؛ لأن هذا ليس من تكليف الإمام المنصّب ، بل هذا الأمر تكليف الناس ، فالإمام كالقبلة يُتوجَّه له ولا يتوجَّه لأحد.

المقدمة الثانية : أن هذا النص ورد في مقام جواب لاعتراض طلحة والزبير، وقد نقل ابن أبي الحديد في شرحه سبب اعتراضهما ، فقال : أرسل طلحة والزبير إلى علي عليه السلام قبل خروجهما إلى مكة مع محمد بن طلحة ، وقالا : لا تقل له : يا أميرالمؤمنين ، ولكن قل له : ياأبا الحسن ، لقد فال فيك رأينا ، وخاب ظنّنا ، أصلحنا لك الأمر، ووطّدنا لك الإمرة ، وأجلبنا على عثمان حتى قُتل ، فلما طلبك الناس لأمرهم أسرعنا إليك ، وبايعناك ، وقدنا إليك أعناق العرب ، ووطئ المهاجرون والأنصارأعقابنا في بيعتك ، حتى إذا ملكت عنانك استبددت برأيك عنا ، ورفضتنا رفض التريكة ، وأذلتنا إذالة الإماء ، وملَّكتَ أمرك الأشتر وحكيم بن جبلّة وغيرهما من الأعراب ونزاع الأمصار، فكنا فيما رجوناه منك وآملناه من ناحیتك [٣] .

من هنا نعلم أن جوابه علیه السلام لهما کان دقيقاً جدًّا ، فإنه بيَّن لهما أموراً ، هي :

١ – أنه لم يطلب منهم توطيد الأمر له ؛ لأنه أصلاً ليس من الذين يتلهّفون لطلب ملك الدنيا ، ولذلك قال: (( ما كانت لي في الخلافة رغبة ، ولا في الولاية إربة )) .

٢ – أن ما فعلاه من دعوة النّاس لبيعة أميرالمؤمنين عليه السلام ليس دّيْناً في عنقه عليه السلام لهما كي يميّزهما عن بقية الناس ويجعل لهما حظّاً في بيت المال وغيره ؛لأنّ هذا تكليف كل مسلم .

٣ – أن تتمة هذا الخبرفيها طعن في طلحة والزبير؛ إذ أن كلام أميرالمؤمنين عليه السلام ظاهر في أن الرجلين كانا يريدان منه أن يخالف الأحكام الشرعية ، ويحكم بغير ما أنزل الله ، وهذا يفهم من قوله : ألا تخبراني أي شيء لكما فيه حق دفعتكما عنه ؟ وأي قسم استأثرت عليكما به ؟ أم أي حق رفعه إليَّ أحد من المسلمين ضعفت عنه ، أم جهلته ، أم أخطأت بابه ؟ ولله ما كانت لي في الخلافة رغبة ، ولا في الولاية إربه ولكنكم دعوتموني إليها ، وحملتموني عليها ، فلما أفضت إليَّ كتاب الله ، وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتّبعته ، وما استسنَّ النبي صلى الله عليه وآله فاقتديته ، فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما ، ولا وقع حكم جهلته فأستشيركما وإخواني المسلمين ، ولم كان ذلك لم أرغب عنكم ، ولا عن غيركما ، وأما ما ذكرتما من أمرالأسوة فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ، ولا وليته هوى مني ، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله قد فرغ منه ، فلم أحتج إليكما فيها فرغ الله من قسمه ، وأمضى فيه حكمه [٤] .

فالظاهرأن الرجلين لم يعجبهما قرارأميرالمؤمنين عليه السلام التسوية بين كل المسلمين في العطاء ، بل تعوّدا على سياسة الطبقية التي سنّها عمربن الخطاب ، وكانا يطمعان في الاستمرارعلى هذه السيرة ، بل روي أنهما كانا يطمعان في إمارة البصرة والكوفة !

قال ابن أبي الحديد : قد تقدّم منا ذكر ما عتب به طلحة والزبيرعلى أميرالمؤمنين عليه السلام وأنهما قالا : ما نراه يستشيرنا في أمره ، ولا يفاوضنا في رأي ، ويقطع الأمردوننا ، ويستبد بالحكم عنا .

وكانا يرجوان غيرذلك ، وأراد طلحة أن يوليه البصرة ، وأراد الزبير أن يوليه الكوفة ، فلم شاهدا صلابته في الدين ، وقوته في العزم ، وهجرة الأدهان والمراقبة ، ورفضه المدالسة والمواربة ، وسلوكه في جميع مسالكه منهج الكتاب والسنة ، وقد كانا يعلمان ذلك قديماً من طبعه وسجيته ، وكان عمر قال لهما ولغيرهما : (( إن الأجلح إن وليها ليحملنّكم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم ) ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله من قبل قال : (( وإن تولّوها عليَّا تجدوه هادياً مهديًّا )) ، إلا أنه ليس الخبر كالعيان، ولا القول كالفعل ، ولا الوعد كالإنجاز، وحالا عنه ، وتكرا له ، ووقعا فيه ، وعاباه ، وغمصاه ، وتطلبا له العلل والتأويلات ، وتنقما عليه الاستبداد وترك المشاورة ، وانتقلا من ذلك إلى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة المال ، وأثنيا على عمر، وحمدا سيرته ، وصوَّبا رأيه ، وقالا : إنه كان يفضَّل أهل السوابق ، وضلَّلا عليًّا عليه السلام فيما رآه ، وقالا : إنه أخطاء ، وإنه خالف سيرة عمر، وهي السيرة المحمودة التي لم تفضحها النبوة مع قرب عهدنا منها واتصالها بهاء ، واستنجدوا عليه بالرؤساء من المسلمين (الذين) كان عمر يفضّلهم ، وينفلهم في القسم على غيرهم ، والناس أبناء الدنيا ، ويحبّون المال حبًّا جمًّا فتنكَّرت على أميرالمؤمنين عليه السلام بتنكّرهما قلوب كثيرة ، ونغلت عليه نبات كانت من قبل سليمة ، ولقد كان عمرموفَّقاً حيث منع قريشاً والمهاجرون وذوي السوابق من الخروج من المدينة ، ونهاهم عن مخالطة الناس ،ونهى الناس عن مخالطتهم ، ورأى أن ذلك أس الفساد في الأرض ، وأن الفتوح والغنائم قد أبطرت المسلمين ، ومتى بَعُدَ الرؤوس والكبراء منهم عن دارالهجرة ، وانفردوا بأنفسهم ، وخالطهم الناس في البلاد البعيدة ، لم يأمن أن يحسَّنوا لهم الوثوب ، وطلب الإمرة ومفارقة الجماعة ، وحل نظام الألفة [٥] .

ولعّل البعض قد يتعجّب من هذا الكلام الذي ساقه ابن أبي الحديد ويرفضه ؛ لما اشتهر من أن الصحابة كانوا عُبّاداً زهاداً ، لا يطلبون الحياة الدنيا ، ولا يركضون خلف نعيمها ، والحق الذي لا مرية فيه أن هذا الأمرغير صحيح ، بل إن كثيراً من الصحابة قد تكالبوا على حطام الدنيا بعد وفاة المصطفى صلى الله عليه وآله ، وصارت هي همهم ومبتغاهم .

فثروة الزبير بن العوام حدّدها البخاري في صحيحه بقوله : فكان للزبيرأربع نسوة ، ورفع الثلث ،فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف ،فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف [٦] .

طبعاً هذه الثروة بعد أن دفع أبناؤه الديون التي كانت عليه كما دلّ على ذلك صدرالرواية .

وأما طلحة بن عبيدالله فقد حدّد ابن الجوزي تركته بقوله : وإنما المذموم كسبه من غير وجهه ، ومنع الحق الواجب فيه ، وعبدالرحمن منزَّه عن الحالين ، وقد حلف طلحة ثلثمائة حمل من الذهب ، وخلف الزبير وغيره ، ولوعلموا أن ذلك مذموم لأخرجوا الكل [٧] .

وأما عبدالرحمن بن عوف فقد ذكر ابن حجرالعسقلاني في الفتح تركته ، فقال : مات عن أربع نسوة ، فيكون جميع تركته : ثلاث آلاف آلف ومائتي ألف ، وهذا بالنسبة لتركة الزبيرالتي تقدّم شرحها في فرض الخمس قليل جدًّا ، فيحتمل أن تكون هذه دنانير وتلك دراهم ؛ لأن كثرة مال عبدالرحمن مشهورة [٨] .

فهؤلاء أصبحوا من أصحاب الثروات ورؤوس الأموال ، ومن الطبيعي أن يعارضوا سياسة أميرالمؤمنين عليه السلام التي تدعو إلى المساواة في العطاء بين السابقين وغيرهم .

وأما عمربن الخطاب فإنه رغم ما اشتهرمن زهد إلا أنه ترك ثروة عظيمة أيضاً ، لا تقل عن ثروة سابقيه .

فقد روى ابن شبّة في (تاريخ المدينة) بسند صحيح عن أيوب ، قال ، قلت لنافع : هل كان على عمر دين ؟ فقال : ومن أين يدع عمر ديناً وقد باع رجل من ورثته ميراثه بمائة ألف [٩] .

وإذا علمت إن لعمر بن الخطاب ستّ بنات ، وستّة أولاد ، وله أكثرمن زوجة ، فعلم أن تركته تبلغ قرابة مليون دينار!

والنتيجة أن الذي يتمسّك بهذه الرواية في زهد أميرالمؤمنين عليه السلام في الخلافة لم يضعها على وجهها الصحيح المعلوم بالقرائن الحالية والمقالية ، وإذا تمسّك أحدهم بها فنقول : إنه حكم على طلحة والزبير يأنهما يسعيان إلى مخالفة حكم الله ، وهذا مسقط لعدالتهما .

٤ – إنه بايعني القوم :

قالوا : إن عليًّا عليه السلام يوافق أهل السنة فيما يذهبون إليه من أن طريق تحديد الخليفة هو الشورى ، ويشهد لذلك ما ورد في النهج من قوله عليه السلام : إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار،فإن اجتمعوا على رجل وسّموه إماماً كان ذلك لله رضا ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على أتباعه غيرسبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى [١٠] .

ووجه الاستدلال بهذ الرواية أمران :

الأمرالأول : أن عليًّا عليه السلام اعترف بشرعية الخلفاء السابقين ؛ وذلك لأنه استدل على شرعية حكمه ببيعة الناس له ، وهؤلاء باعترافه هم الذين بايعوا أبا بكر وعمرقبله ، قال :إنه بايعني القوم الذين يايعوا أبابكر وعمروعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد .

الأمرالثاني : إن اجماع المهاجرين والأنصارعلى رجل ما وتنصيبه خليفة هو أمر مرضي عند الله تعالى ، وهو طريق شرعي لاختيارالخليفة ، ويبيّن ذك قوله عليه السلام : وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضا .

ولهذا قال ابن أبي الحديد : أورده شيوخنا المتكلّمون في كتبهم احتجاجاً على صحّة الاختيار، وكونه طريقاً إلى الإمامة [١١] .

والجواب على هذا : أن كلّ ما ذكروه من استدلال بهذه الفقرة هو مجرد توهمات من هؤلاء لا أكثر ولا أقل .

أما الجواب على الأمرالأول : فنحن نقول : إن أميرالمؤمنين عليه السلام ذكرهذا الكلام من باب الإلزام والتبكيت ، وليس من باب التصديق ؛ وذلك لأنّ هذا الكلام إنما قاله عليه السلام في مقام إلزام معاوية ببيعته ، إذ أن هذا الأخير قد رفض الدخول في بيعة علي عليه السلام محتجًّا بأن هذه البيعة غيرشرعية ؛ لأنها أقيمت على دم عثمان ، فكان الردّ من الإمام عليه السلام أن نفس الذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان قد بايعوه ، فليس من حقّ يا معاوية الاعتراض على بيعته أو التشكيك في صحّتها ؛ إذ أنه ملزم إما بقبول البيعة والدخول في الطّاعة ، واما عدم الدخول فيها وبالتالي الحكم على بيعة سابقيه بأنّها باطلة ؛ لأنّ نفس الذين أعطوا شرعية لخلافة لعثمان الذي يطالب معاوية بدمه ، هم الذين بايعوا أميرالمؤمنين عليه السلام ودخلوا في طاعته .

ويدّل على هذا أوّل الكتاب الذي لم يذكره الشريف الرضي قدس سره ، وهو : أما بعد : فإن بيعتي لزمتك ، وأنا بالمدينة وأنت بالشام ، وذلك أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبابكروعمروعثمان [١٢] .

وقد جاء فقيه أهل البيت الشيخ يوسف البحراني قدس سره في دحض استدلال ابن أبي الحديد بهذا النص، قال : وأما قوله : (( وأما الإمامية فتحمل هذا الكلام منه عليه السلام على التقية ... إلى آخره )) ، ففيه أنه ليس الأمر كما زعمت بجهله وتوهمه ، بل الإمامية إنما يحملون ذلك على المجاورة والتبكيت والإلزام للخصم بمقتضى معتقده الذي هو من أبلغ وجوه البلاغة في الكلام في مقام الجدال والخصام ، فإن معاوية لما كان معتقده في حجية انعقاد الإمامة مذهب خلفائه واتباعهم ، من أن طريق الإمامة إنما هو اجتماع الناس من أهل الحل والعقد على البيعة والصفق على الأيدي ، خاطبه به وألزمه بأن بيعته عليه السلام قد انعقدت بما انعقدت به بيعة أولئك المتقدَّمين الذين أطاعهم وانقاد إليهم ، وهو الإجماع بزعمهم ، فإن كانت تلك البيعة صحيحة توجب الانقياد والطاعة فهذه مثلها ، فكيف يطيع أولئك ويخالف في هذه ؟ وهذا بحمد لله سبحانه ظاهر أتم الظهور، بل كالنورعلى الطور، إلا لمن اعترى ذهنه الفتور والقصور [١٣] .

وأما الجواب على الوجه الثاني : فإن ما ذكره أميرالمؤمنين عليه السلام صحيح لا إشكال فيه ، ولا ينكره أحد من الشيعة ؛ لأنهم يعتبرون أن الاجماع الذي يكون حجّة هو الكاشف عن رأي المعصوم ، والإمام علي عليه السلام هو من المهاجرين والأنصار، فيكون داخلاً في الاجماع ، ويكون حجة .

والعجيب من ابن أبي الحديد قوله : ولم يراع في ذلك إجماع المسلمين كلهم ؛ لأن سعد بن عبادة لم يبايع ، ولا أحد من أهل بيته وولده ، ولأن عليًّا وبني هاشم ومن انضوى إليهم لم يبايعوا في مبدأ الأمر، وامتنعوا ، ولم يتوقف المسلمون في تصحيح إمامة أبي بكر وتنفيذ أحكامه على بيعتهم [١٤] .

فلا ندري كيف تحوّل إجماع كلّ المهاجرين والأنصاركما نصّ أميرالمؤمنين عليه السلام إلى اجماع أهل الحل العقد ؟

ومن قرأ تفاصيل بيعة أبي بكرجزم وقطع أنّه لا شورى ولا إجماع فيها ؛ إذ أنّ الأمر كما وصفه عمر بن الخطاب : كان فلتة ، وقى الله المسلمين شرّها !

فقد روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب ، نه قل : ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول : ((والله لو مات عمر بايعت فلاناً)) ، فلا يغترون أمرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكرفلتة وتمت ، ألا وانها قد كانت كذلك ، ولكن الله وقى شرّها ، وليس منكم من تُقطَع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً عن غيرم مشورة من المسلمين فلا يُبايّع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يُقتّلا [١٥] .

ومن هذا الكلام يستفاد أن هذه البيعة لم تتم بمشورة السلمين ، ولذلك هدّد عمر بن الخطاب من عاد لمثل هذه البيعة بالقتل له ولمن بايعه !

فأين اجماع أهل الحل والعقد الذي يدّعيه ابن أبي الحديد ؟

وفي نفس هذه الرواية نجد حقيقة أخرى ، وهي أن شرعية خلافة أبي بكراستُمدّت في نفس يوم السقيفة ، أي حتى قبل يوم البيعة العامة ، لما قال عمر لأبي بكر: فقلت – القائل عمر- : ابسط يدك يا أبابكر. فبسط يده فبايعته ، وبايعه المهاجرون ، ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة . فقلت : قتل الله سعد بن عبادة [١٦].

فلا نعلم من أين استمدّ أبوبكر شرعيّة خلافته ؟ فلا نص عليه ، ولا إجماع ، حتّى أهل السقيفة لم يكونوا مجمعين عليه ، ولذلك لجأ عمر إلى تهديد سعد بن عبادة بالقتل كما تقدّم سبقاً ، فأين هذا الإجماع المزعوم ؟

علماً أن كل المسلمين أجمعوا على أن أميرالمؤمنين عليه السلام وبني هاشم لم يدخلوا في هذ الإجماع المدّعى ، لا في البيعة الأولى ولا في الثانية .

والدليل على هذا : الرواية التي قدمناها من صحيح البخاري ، حيث قال فيها عمر: إن الإنصار خالفونا ، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما [١٧] .وما رواه البخاري في صحيحه قول عائشة : فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلّمه حتى تُوفّيت ، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله ستة أشهر، فما تُوفّيت دفنها زوجها عليٌّ ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها ، وكان لعليَّ من الناس وّجهٌ حياةَ فاطمة ، فما توفّيت استنكرعليٌّ وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن يبايع تلك الأشهر [١٨] .

وقال المحب الطبري في الرياض : وتخلّف عن بيعة أبي بكر یومئذ : سعد بن عبادة في طائفة من الخزرج ، وعلي بن أبي طالب وابناه ، والعباس عم رسول صلى اله عليه وآله وبنوه فی بني هاشم « والزبیر، وطلحة ، وسلمان ، وعمار، وأبوذر، والمقداد ، وغيرهم من المهاجرين ، وخالد بن سعيد بن العاص [١٩] .

والعجيب أنهم يعترفون بهذه الحقيقة ، ويقولون في نفس الوقت : أُفَّ لكل إجماع يخرج عنه علي بن أبي طالب ، وعبدالله بن مسعود ، وأنس بن مالك ، وابن عباس ، والصحابة بالشام رضى الله عنهم [٢٠] .

ويقولون : ولعنة الله على كل إجماع يخرج عنه علي بن أبي طالب ومن بحضرته من الصحابة [٢١].

فلا نعلم إي إجماع يتحدّث عنه ابن أبي الحديد أوغيره من الناس ، ولا ندري ما هو المصحَّح لخلافة أبي بكر إن كان لا يوجد نصّ عليه ، ولا شورى ، ولا إجماع ، فلعنة الله على كل إجماع خرج عنه علي عليه السلام .

وعليه فلا توجد أي دلالة في هذا الكتاب على ما ذهب إليه ابن أبي الحديد المعتزلي أو غيره .

٥ – مشورة عمربن الخطاب :

قالوا : إن عليًّا عليه السلام قد أقرَّ بشرعية حكم الخلفاء السابقين ؛ وذلك لأنّه كان مستشاراً لهم ، وموثوقاً عندهم ، ولذلك نجده يشيرعلى عمر بن الخطاب بعدم الخروج للقاء الفرس والروم خوفاً عليه !

فقد روي في النهج عنه عليه السلام قوله : إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، وهو دين الله أظهره ، وجنده الذي أعدّه وأمدّه حتى بلغ ما بلغ ، وطلع حيث طلع ، ونحن على موعود من الله ، والله منجز وعده ، وناصرجنده ، ومكان القيَّم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه ، فإن انقطع النظام تفرَّق وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً ، والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام ، وعزيزون بالاجتماع ، فكن قطباً ، واستدرالرحى بالعرب ، وأصلهم دونك نار الحر، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مم بين يديك، إن الأعاجم إن ينظروا اليك غداً يقولوا : (( هذا أصل العرب ، فإذا قطعتموه استرحتم )) ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك ، فأما ما ذكرت من مسيرالقوم إلى قتال المسلمين ، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدرعلى تغييرما يكره ، وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة [٢٢] .

وقال عليه السلام لعمر بن الخطاب ، وتوكّل الله لأهل هذا الدين بإعزازالحوزة ، وسترالعورة ، والذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون ، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون ، حي لا يموت ، إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك ، فتلقهم بشخصك ، فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم ، ليس بعدك مرجع یرجعون إليه ، فابعث إليهم رجلاً محرباً ، واحفز معه أهل البلاء والنصحية ، فإن أظهرالله فذاك ما تحب ، وإن تكن الأخرى كنت رداءاً للناس ومثابة للمسلمين [٢٣] .

والجواب على ما ذكروه :

اولاً : أن المستشارمؤتمن كم عليه دّلت النصوص الشرعية ، فمن استشارأحداً من الناس في شيء فعلى المستشار أن يحسن المشورة ، ويقول الحق ، ولا يخدع من استشاره ، وإلا كان خائناً .

ومن هذا الباب كان جواب أميرالمؤمنين عليه السلام لعمر بن الخطاب ،حيث إن هذا الأخير استشاره ، فما كان من الإمام علي عليه السلام إلا أن تحلّى بخلف الإسلام وأحسن المشورة .

ثانياً : لا يوجد في النصوص تصريحاً بأن عليًّا يرتضي خلافة عمر، أو يقر بشرعيتها ؛ اذ أن هذا الأخيراستشارالناس في قضية عامة تمسّ مصلحة الإسلام والمسلمين ، وهذا الأمر من مسؤوليات الإمام عليه السلام ، فكان واجباً عليه أن يشير بما يعود على الإسلام بالنفع .

قال العلامة المجلسي قدس سره : ثم اعلم أن هذا الكلام وما تقدم يدل أنهم كانوا محتاجين إليه عليه السلام في التدبير وإصلاح الأمورالتي يتوقف عليها الرئاسة والخلافة ، فهوعليه السلام كان أحق بها وأهلها ، وكانوا هم الغاصبين حقّه ، وأما إراءتهم مصالحهم فلا يدل على كونهم على الحق ؛ لأن ذلك كان لمصلحة الإسلام والمسلمين ، لا لمصلحة الغاصبين ، وجميع تلك الأمور كان حقّه عليه السلام قولاً وفعلاً وتدبيراً ، فكان يلزمه القيام بما يمكنه من تلك الأمور، ولا يسقط المیسور بالمعسور [٢٤] .

ثالثاً : أن كلام أميرالمؤمنين عليه السلام لا يدل على أنه كان يرى عمر مرجعاً شرعيًّا يرجع إليه الناس ، وإنما نصحه بأن يبقى في المدينة ، ولا يخرج إلى قتال الفرس بنفسه ، لأمرين :

الأول : أن المسلمين لو انهزمزا وهو معهم ، فإنهم لا يرون لهم مرجعاً آخرغیرالخلیفة يرجعون إليه حتى يجمعوا أنفسهم ، وإن كان المرجع الحقيقي موجوداً وهو أميرالمؤمنين عليه السلام .

الثاني : أن الفرس يرون أن عمر هو رأس الدولة ، فإن علموا بكونه مع الجيش طمعوا واشتد حرصهم على قتله .

وليس في شيء من ذلك ما يدل على أن أميرالمؤمنين عليه السلام كان يرى شرعية خلافة عمر، أو أنه مرجع شرعي للمسلمين .

رابعاً : من السذاجة والغفلة الاستدلال بهذه النصوص على مدح أميرالمؤمنين عليه السلام لعمر بن الخطاب ؛ لأن من يدقق فيها يعلم أنها اشتملت على أكثر من مطعن في هذا الرجل :

١ – أن هذا النصوص تثبت أنّ عمر بن الخطاب لم يكن شجاعاً ، وكان يخاف من منازعة الأعداء ومقارعة الأشدّاء ، ويخشى من انتقاض الأمرعليه ، ويدّل على هذا الجزء الذي لم يذكره الشريف الرضي قدس سره من هذا النص والذي ذكره ابن الأعثم في الفتوح ، قال، فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب وقرأه ، وفهم ما فيه ، وقعت عليه الرعدة والنفضة ، حتى سمع المسلمون أطيط أضراسه [٢٥] .

٢ – یظهر من النص الآول آنّ عمرلم يكن يعلم أن الهزيمة واظفر لا يتوقفان على القلّة بالكثرة ، بل كل شيء بيد الله عزّوجل ، والقرآن أکبرشاهد على ذلك ، فقد نصرالله القلة في بدر، قال تعالى : «وَلَقَدْ نَصَرَكًمُ اللَهُ بِبَدْرٍوَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فأَتَّقُوااللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشكُرُونَ» (آل عمران :١٢٣) ،ذمّ الله الكثرة المعجبة بنفسها كما في سورة حنين ، قال سبحانه : « وَيَوَمَ حُنَيْنٍ إِذ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ»(التوبة : ٢٥) ،وقد صوّبه أميرالمؤمنين عليه السلام .

٣ – أن عمر لم يكن يعرف فنون الحرب وأساليب القتال ، لذلك كان يريد حشد المسلمين في الجبهة مع الفرس ، وترك المدينة والحواضرالإسلامية كاليمن ومكّة والشام بلا حراسة ولا حماية ، وهذا خطأ فظيع لا يقع فيه جندي صغير، فكيف بالذي نصّب أميراً للمؤمنين وخليفة للمسلمين ؟

ولذا نبّهه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام على هذا الخطأ بقوله : فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك .

٤ – أن كلام أميرالمؤمنين عليه السلام فيه تعريض بعمر بن الخطاب ، إذ أنّ ظاهرالكلام أنه كان متيقّنا من هزيمة عمر في الحرب في حال خروجه ، ولذلك قال : إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك ، فتلقهم بشخصك فتنكب ، لا تكن للمسلمين كانفه دون أقصى بلادهم .

والأمر الآخرقوله : (( أرسل لهم رجلاً محرباً)) أي متمرّساً في القتال ومتضلعاً في فنون الحرب ، وهذا يدل على أن عمر لم يكن هذا شأنه ، فليس القتال ميدانه ، وهذا معلوم من سيرة عمر بن الخطاب ، فرغم ما نسمعه دائماً في سيرة عمر من أنه كان شديداً ، وكانت لا تاخذه في الحقّ لومة لائم وغيرها من الأمور .

إلا أنه لم يُعرف أنه قتل أحداً أو حتى بارزفارساً في جميع غزوات النبي صلى الله عليه وآله ، بل لا يُعلّم له حضورحقيقي في ساحات الجهاد رغم السنين الطويلة التي قضاها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله .

والأعظم أنه نُقل عنه في كثير من الموارد أنه ولّي الدبر، وترك ساحات القتال .

فقد أخرج الحاكم في المستدرك وصحّحه بسنده عن دابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله دفع الراية يوم خيبر إلى عمر فانطلق ، فرجع يجبَّن أصحابه ويجبَّنونه [٢٦] .

وقال الهيثمي : وعن ابن عباس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خيبر أحسبه قال : أبابكر فرجع منهزماً ومن معه ، فلما كان من الغد بعث عمر، فرجع منهزماً يجبَّن أصحابه،ويجبّنه صحابه [٢٧] .

وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عبدالله بن بريدة الأنصاري الأسلمي عن أبيه ، قال : لما نزل رسول الله بحضرة خيبر، فزع أهل خيبر، وقالوا : جاء محمد في أهل يثرب ، قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب بالناس ، فلقي أهل خيبر، فردّوه ، وكشفوه هو وأصحابه ، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يجبَّن أصحابه ويجبَّنه أصحابه [٢٨] .

وأخرج ابن عساكرهذا الخبربسنده عن ابن عباس ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبابكر إلى خيبر، فهُزم فرجع ، فبعث عمر، فهُزم ، فرجع يجبَّن أصحابه ، ويجبَّنه أصحابه [٢٩] .

فقصص الهروب والانهزام والفشل مشهورة متواترة عنه ممّا لا يدع مجالاً للشك والريبة في عدم أهلية هذا الرجل لهذه المهمّة التي كان يريد القيام بها، وإن كنتً أجزم أنه كان يريد التملص بهاء وما مشورة أميرالمؤمنين عليه السلام إلا قشّة تمسّك بها الرجل لحفظ ماء جهه .

كلّ هذا الأمور التي ذكرناها تمنع من الاحتجاج بهذا النصّ على شرعية خلافة الشيخين ، وتبقى النصوص الدالة على الإمامة الإلهية صامدة بلا معارض لها ، في (نهج البلاغة) وفي غيره .

العصمة : تعتبر(عصمة الأئمة) من الأمورالتي انفرد بها الشيعة الإمامية من غيرهم من المسلمين ، ولذلك وُجَّهت سهام النقد لهذه العقيدة من كل حدب وصوب ، وحاول الخصوم إسقاطها بشتّى الوسائل .

وقد استند بعضهم إلى جملة من نصوص كتاب (نهج البلاغة) لنفي عقيدة العصمة عند الشيعة :

١ – أدعية أميرالمؤمنين عليه السلام التي يعترف فيها بارتكاب الذنوب :

قالوا : إن عليًّا عليه السلام يعترف بكونه مذنباً ، وذلك في دعاء أورده الشريف الرضي قدس سره في النهج ، جاء فيه : ((الحمدلله الذي لم يصبح بي ميتاً ولا سقيماً ، ولا مضروباً على عروقي بسوء ، ولا مأخوذاً بأسوأً عملي ، ولا مقطوعأً دابري ، ولا مرتدًّا عن ديني ، ولا منكراً لربي ، ولا مستوحشاً من إيماني ، ولا ملتبساً عقلي، ولا معذَّباً بعذاب الأمم من قبلي ، أصبحت عبداً مملوكاً ظالماً لنفسي ، لك الحجة عليَّ ، ولا حُجّة لي ، لا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني ، ولا أتّقي إلا ما وقيتني ، اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك ، أو أضل في هداك ، أو أُضام في سلطانك ، أو أضطهد والأمرلك ، اللهم اجعل نفسي أول كريمة تنتزعها من كرائمي ، وأول وديعة ترتجعها من ودائع نعمك عندي ، اللهم إنا نعوذ بك أن نذهب عن قولك ، أو نُفتن عن دينك ، أو تتابع بنا أهواؤنا دون الهدى الذي جاء من عندك))[٣٠] .

وقال قائلهم تعليقاً على هذا الدعاء : انظرإلى هذه الألفاظ : ((أسوأ عملي )) ، ظالماً لنفسي)) ،(( أضل في هداك)) ، ((نذهب عن قولك)) ، نُفتن عن دينك)) ، (( تتابع بنا أهواؤنا)) عبارات تدل على الخضوع وعدم العصمة وخوف الذنب [٣١] .

والجواب على استدلالهم نقضاً وحلَّا :

أمّا نقضاً : فلأن مثل هذه الأدعية قد ورد مثلها على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله مثل : ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن أبي موسى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه کان یدعو بهذا الدعاء : رب اغفر لي خطيئتي ، وجهلي ، وإسرافي في أمري كله ، وما أنت أعلم به مني ، اللهم اغفر لي خطاياي ، وعمدي ، وجهلي،وهزلي ، وكل ذلك عندي ،اللهم اغفر لي ما قدَّمتً ، وما أخَّرتُ ، وما أسررت ، وما أعلنت ، أنت المقدَّم ، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير[٣٢].

فهل يعني هذا الدعاء ثبوت الذنب والإسراف والخطيئة والجهل لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟

ومنها : ما رواه البخاري أیضاٌ فی صحیحه بسنده عن أبي هريرة : كان رسول الله صلى الله عليه وآله یسکت بین التکبیر وبین القراءة اسكاتة ، قال : أحسبه قال : هنية ، فقلت : بأبي وأمي يا رسول الله ، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول ؟ قال : أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقّني من الخطايا كما ينقى الأبيض من الدنس ، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد [٣٣].

فهل يلتزم المشكل أن هذا الدعاء يثبت الخطايا للنبي صلى الله عليه وآله کي یکرّرهذا الدعاء في كلّ صلاة ؟

ومنها : ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة أن رسول اله صلى الله عليه وآله کان یقول فی سجوده : اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله ، وأوله وآخره ، وعلانيته وسرّه [٣٤] .

فهل ذنوب النبي صلى الله عليه وآله کثیرة إلى درجة أنه يستغفرمنها في كل سجود ؟

من هنا نعلم أنّ هذا الإشكال الذي طرحه هذا الرجل على الشيعة هو إشكال عام يشمل أيضاً أدعية للنبي صلى الله عليه وآله الواردة في الصَّحاح ، فأما أن ينفي المشكل ، عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ويكون قد خالف اجماع المسلمين كافّة ، أو أن يثبت له العصمة ، ويحمل الأدعية على غيرهذا المحمل .

---------------------------------------------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة ٢ / ١٨٤ .
[٢] . نفس المصدر ١ / ٨٠ .
[٣] . شرح نهج البلاغة ١١ / ١٦ .
[٤] . نهج البلاغة ٢ / ١٨٤ .
[٥] . نهج البلاغة ١١ / ١٠ .
[٦] . صحيح البخاري ٤ / ٥٣ .
[٧] . الموضوعات ٢ / ١٤ .
[٨] . فتح الباري ٩ / ٢٠٣ .
[٩] . تاريخ المدينة ٣ / ٩٣٥ ، وقد صحّح ابن حجرالعسقلاني هذه الرواية في فتح الباري ٧ / ٣٥ ، والعيني في عمدة القاري ١٦ / ٢١٢ .
[١٠] . نهج البلاغة ٣ / ٧ .
[١١] . شرح نهج البلاغة ١٤ / ٣٥ .
[١٢] . الفتوح ٢ / ٤٩٤ .
[١٣] . سلاسل الحديد ٢ / ٣٨ .
[١٤] . شرح نهج البلاغة ١٤ / ٣٦ .
[١٥] . صحيح البخاري ٨ / ٢٦ .
[١٦] . نفس المصدر ٨ / ٢٨ .
[١٧] . صحيح البخاري ٨ / ٢٦ .
[١٨] . نفس المصدر٥ / ٨٢ .
[١٩] . الرياض النضرة ١ / ٢٤١ .
[٢٠] . المحلّى ٥ / ١٢٧ .
[٢١] . نفس المصدر ٩ / ٣٤٥ .
[٢٢] . نهج البلاغة ٢ / ٣٠ .
[٢٣] . نهج البلاغة ٢ / ١٨ .
[٢٤] . بحارالأنوار ٣١ / ١٤٠ .
[٢٥] . الفتوح ٢ / ٢٩١ .
[٢٦] . المستدرك ٣ / ٣٨ ، علق عليه الحاكم النيسابوري بقوله : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .
[٢٧] . مجمع الزوائد ٩ / ١٢٤ .
[٢٨] . المصنف ٨ / ٥٢١ .
[٢٩] . تاريخ مدينة دمشق ٤٢ / ٩٧ .
[٣٠] . نهج البلاغة ٢ / ٩٧ .
[٣١] . قراءة راشدة في نهج البلاغة : ٢٥ .
[٣٢] . صحيح البخاري ٧ / ١٦٦ .
[٣٣] . نفس المصدر ١ / ١٨١ .
[٣٤] . صحيح مسلم ٢ / ٥٠ .