طعونات في نهج البلاغة – الأول

الشيخ أحمد سلمان

 

ذكر مجموعة من النقاد مجموعة من الأمور اعتبروها مطاعن في نهج البلاغة ، وجعلوها عللاً تمنع من قبول هذا الكتاب ، وصيَّروها قرائن دالة على عدم صدور فقرات كتاب (نهج البلاغة) عن أميرالمؤمنين عليه السلام .

 

الشبهة الأولى : سب الصحابة :

ارتكزالذهبي على هذه الشبهة للطعن في كتاب (نهج البلاغة) ، فقال في ميزان الاعتدال : ومن طالع كتابه ( نهج البلاغة) جزم بأنه مكذوب على أميرالمؤمنين علي عليه السلام ، ففيه السب الصراح والحط على السيَّدين : أبي بكر، وعمر[١] .

ووافقه على هذا محب الدين الخطيب في تعليقته على (المنتقى من منهاج السنة) : وهذان الأخوان تطوّعا للزيادة على خطب أميرالمؤمنين سيّدنا علي كرَّم الله وجهه بكل ما هو طارئ عليها وغريب منها، ومن التعريض بإخوانه الصحابة، وهو بريء عند الله عزَّوجل من كل ذلك ، وسيبرأ إليه من مقترفي هذا الإثم [٢].

والجواب على هذا :

اولاً: بحثتُ في كل نهج البلاغة فلم أجد فيه أي (سب صراح) كما ادّعى الذهبي ، وهذا ليس بمستغرب ؛ إذ أنه كما أثبتنا سابقاً لم يقرأ (نهج البلاغة) ، ولم يطلع عليه ، ولهذا لم يأت بشاهد واحد على هذا ( السب الصراح) المدَّعى ، ولو اشتمل الكتاب على سبّ صراح كما ادعى لاستشهد به عنده ذكره لهذا الكلام .

ثانياً : لو سلَّمنا بوجود هذا السب الصراح ؛ فإنه لا ملازمة بينه وبين الحكم على الكتاب كله بالوضع ، فغاية ما يدل وجود السب الصراح – على مباني القوم طبعاً – هوالحكم على خصوص هذا المورد بالوضع ، وليس على كل الكتاب ، ووجود حديث موضوع لا يعني وضع كل الكتاب أو جله .

ثالثاً : لو سلمنا جدلاً بوجود السب والشتم في الكتاب ، فإن ذلك لا يدل حتى على أن هذا السب مكذوب ، والدليل على ذلك وجود أحاديث كثيرة فيها سب وشتم بين الصحابة في أصح كتب المسلمين :

من ذلك كلام الإمام علي عليه السلام في الشيخين : فقد روى مسلم في صحيحه حديثاً قال فيه عمر بن الخطاب لعلي والعباس : جئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها ، فقال أبوبكر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ((ما نُوْرّث،ما تركنا صدقة))، فرأيتما كاذباً آثماً غادراً خائناً ، والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم توفي أبوبكر وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وآله وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذباٌ آثماً غادراً خائناً ، والله يعلم أني لصادق بار راشد تابع للحق [٣] .

وأضاف ابن حبان قوله : ثم أقبل على علي والعباس ، قال : وأنتما تزعمان أنه كان فيها ظالماً فاجراً ، والله يعلم صادق بار تابع للحق ،ثم وليتها بعد أبي بكرسنتين من إمارتي ، فعملتُ فيها ما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوبكر، وأنتما تزعمان أني فيها ظالم فاجر،والله يعلم أني فيها صادق بار تابع للحق [٤] .

وقد حاول البعض تأويل هذه الرواية بحملها على المزح والهزل ، وليس على حقيقتها لكن يكفينا في رد هذا التأويل البارد أن البخاري حذف هذه الألفاظ ، وأسقطها من الرواية [٥] ، وعلَّق ابن حجر بقوله : في رواية عقيل عن ابن شهاب في الفرائض : اقضِ بيني وبين هذا الظالم ، استبَّا ، وفي رواية جويرية : وبين هذا الكاذب الآثم الغادرالخائن ، ولم أر في شيء من الطرق أنه صدر من علي في حق العباس شيء بخلاف ما يفهم قوله في رواية عقيل : ((استبا)) ، واستصوب المازري صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا الحديث [٦] .

ومن ذلك أيضاً سب عمرلأبي هريرة : فقد روى الحاكم في المستدرك بسنده : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لي عمر: يا عدو الله وعدو الإسلام ، خنت مال الله ؟ قال : قلت : لست عدو الله ولا عدو الإسلام ، ولكني عدو من عاداهما ، ولم أخن مال الله ، ولكنها أثمان إبلي ، وسهام اجتمعت . قال : فأعادها عليَّ ، وأعدت عليه هذا الكلام . قال : فغرَّمّني اثني عشرألفاً . قال : فقمت في صلاة الغداة فقلت : اللهم اغفرلأميرالمؤمنين . فلما كان بعد ذلك أرادني على العمل ، فأبيت عليه ، فقال : ولم قد سأل يوسف العمل وكان خيراً منك ؟ فقلت : إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ، وأنا ابن أميمة ، وأنا أخاف ثلاثاً واثنتين .

قال : أو لا تقول : خمساً ؟ قلت : لا ، قال : فما هن ؟ قلت : أخاف أن أقول بغيرعلم ، وأن أفتي بغيرعلم ، وأن يُضرب ظهري ، وأن يُشتم عرضي ، وأن يؤخذ مالي بالضرب [٧] .

فلماذا لم يحكم الذهبي على هذه الكتب بالوضع ؟

ولماذا لم يحكم على خصوص هذه الروايات بالوضع والكذب ؟

بل العکس وجدناه ، فإنه صحَّح رواية سب عمرلأبي هريرة ، وحكم عليها بأنها على شرط الشيخين !

الرابع : الموجود في كتاب (نهج البلاغة) هو نقد لبعض سلوكيات الصحابة التي لم يرتضها أميرالمؤمنين عليه السلام ، وهذا ليس شتماً أو سبًّا لكل الصحابة كما حاول الذهبي تصويرالأمر، ولم يقل أحد : (( إن نقد الصحابة ليس بجائز، وأنهم فوق النقد )) ، بل وجدنا أن كبارعلماء المخالفين يشهدون بصدور بعض الموبقات من الصحابة .

قال سعد الدين التفتازاني : إن ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكورعلى ألسنة الثقاة يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق ، وبلغ حد الظلم ، والفسق ، وكان الباعث له الحقد ، والعناد ، والحسد ، واللداد ، وطلب الملك والرياسة ، والميل إلى اللذات والمشهورات [٨] .

وقال ابن عثيمين : ولا شك أنه حصل من بعضهم سرقة وشرب خمر وقذف وزنى بإحصان وزنى بغير إحصان ، لكن هذه الأشياء تكون مغمورة في جنب فضائل القوم ومحاسنهم ، وبعضها أقيم فيه الحدود ، فيكون كفارة [٩] .

فهل نقل هؤلاء نقوداً لجملة من الصحابة ونسبة الموبقات لهم لا يدل على كذب كتبهم ، ونقل السيّد الرضي قدس سره ذلك عن أميرالمؤمنين عليه السلام يدل على كذب نهج البلاغة ؟!

الخامس : العجيب أن الذهبي تمسَّك بما ظنّه سباَّ للصحابة وأغمض جفنيه عن النصوص المادحة لصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله الوارد في كتاب (نهج البلاغة) ، مثل قول أميرالمؤمنين عليه السلام : قد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ، فما أرى أحداً يشبههم ، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً ، وقد باتوا سُجَّداً وقياماً ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم ، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم ، إذا ذُكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء الثواب [١٠] .

نختم بتصريح مهم جداً للمعلمي اليماني الذي قال في كتابه التنكيل : وقد عذر أهل السنة بعض من قاتل علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وجاهر بسبّه ولعنه ، فإن كان الحميدي مخطئاً فهو أولى وأجدر بأن يعذر ويؤجر[١١]!

فإن كنتم قد عذرتم من سبّ عليا عليه السلام ولعنه وحاربه ، فكيف لا تعذرون الشريف الرضي قدس سره وهو مجرد ناقل لقضايا تاريخية قد ثبتت بالدليل والبرهان ؟

فهذه الأجوبة الخمسة كافية لدحض هذه الشبهة ورد هذا الافتراء عن كتاب ( نهج البلاغة) .

الشبهة الثانية : سبك العبارات :

من جملة الأمورالتي ذكروها للطعن في كتاب ( نهج البلاغة) هي وجود عبارات ركيكة في بعض مضامين الكتاب كما نصَّ الذهبي على ذلك وانفرد به ، فقال : وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفَس القرشيين الصحابة وبنفَس غيرهم ممن بعدهم من المتأخَّرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل [١٢].

والجواب على هذا :

أولاً : ادّعى الذهبي وجود عبارات ركيكة في كتاب (نهج البلاغة) تدل على أنها ليست من سبك الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام المعروف بالفصحاحة والبلاغة والاحاطة بأساليب العرب ، وكالعادة لم يأتِ الذهبي بشاهد أو دليل أو قرينة على ما ذكره سوى إلقاء الكلام على عواهنه ، دون إثبات لصدق ما يدّعيه ، وهذه عادة من لا يكون عنده حجة يثبت بها دعاواه الباطلة .

ثانیاً : شهادة الذهبي لا يمكن قبولها ؛ لما ذكره هو بنفسه من أن (من له علم بنفّس القرشيين يجزم بأن هذا الكتاب الكتاب موضوع مجعول) ، إذ أن الرجل قد نصَّ في ترجمته للشريف الرضي قدس سره أنه فارس في ميدان الأدب والشعر [١٣]، وقد قدَّمنا شهادة فطاحل المترجمين على نبوغ الرجل في هذا الفن ، في المقابل نجد أن الذهبي لا سابقة له في علوم الأدب والبلاغة، بل هو ليس بعربي أصلاً ، وإنما هو تركماني ، في حين أن الرضي عربي قرشي هاشمي علوي ، فكيف تقبل شهادة هذا في هذا ؟

ثالثاً : شهادة الذهبي معارضة بشهادة مجموعة من أهل الاختصاص المشهود لهم بأنهم من أهل المعرفة باللغة والأدب والبلاغة :

  • قال ابن ابي الحديد المعتزلي [١٤] في شرحه : ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ، ولايبارى في البلاغة ، وحسبك أنه لم يدوَّن من لأحد فصحاء الصحابة العُشْر، ولا نصف العُشْر مما دون له .

وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبوعثمان الجاحظ في مدحه في كتاب (البيان والتبيين) وفي غيره من كتبه [١٥] .

- الشيخ محمود شكري الآلوسی [١٦] فإنه قال : هذا كتاب (نهج البلاغة) قد أستودع من خطب الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه ما هو قبس من نورالكلام الإلهي، وشمس تضيء بفصاحة المنطق النبوي [١٧] .

- الشيخ محمد محي الدين عبدالحميد [١٨] فإنه قال : هو ما اختاره الشريف الرضي أبوالحسن محمد بن الحسين الموسوي من كلام أميرالمؤمنين علي بن أبي رضي الله عنه ، وهوالكتاب الذي ضمَّ بين دفتيه عيون البلاغة وفنونها ، وتهيأت به للناظر فيه أسباب الفصاحة ، ودنا منه قطافها ، إذ كان من كلام أفصح الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وآله منطقاً ، وأشدهم اقتداراً ، أبرعهم حجة ، وأملكهم للغة ، يديرها كيف شاء الحكيم الذي تصدرالحكمة عن بيانه ، والخطيب الذي يملأ القلب سحر بيانه ، والعالم الذي تهيأ له من خلاط الرسول ، وكتابة الوحي ، والكفاح عن الدين بسيفه ولسانه منذ حداثته ما لم يتهيأ لأحد سواه [١٩] .

هذا غيض من فيض ، ولو أردنا استقصاء كلمات أهل الاختصاص في نهج البلاغة لطال بنا المقام ، ولاحتجنا إلى كتاب خاص لسرد هذه الشهادات المهمة التي ضرب بها الذهبي عرض الجدار.

الشبهة الثالثة : مصادرالنهج وأسانيده :

من أهم الإشكالات التي يتمسَّك بها الطاعنون في نهج البلاغة في هذا العصر هو خلو كتاب (نهج البلاغة) من الأسانيد ، وعدم وجود جملة من نصوص الكتاب في المصادرالمتقدَّمة عليه .

وقد أسَّس لهذه الشبهة ابن تيمية الحراني في كتابه ( منهاج السنة) بقوله : وهذا الخطب المنقولة في كتاب (نهج البلاغة) لو كانت كلها عن علي من كلامه لكانت موجودة قبل هذا المصنف ، منقوله عن علي بالأسانيد وبغيرها ، فإذا عرف من له خبرة بالمنقولات أن كثيراً منها بل أكثرها لايُعرف قبل هذا ، عُلِم أن هذا كذب ، وإلا فليبيَّن الناقل لها في أي كتاب ذكر ذلك ؟ ومن الذي نقله عن علي ؟ وما إسناده ؟ وإلا فالدعوى المجرّدة لا يعجزعنها أحد [٢٠] .

والجواب على هذا بأمور:

أولاً : أن الشريف الرضي قدس سره كان بصدد تصنيف كتاب أدبي ، وليس مصدراً من مصادرالحديث الشيعية ، أو مرجعاً للعقائد والفقه ، ولذلك فإنه اختصرالطرق ، واستغنى عن الأسانيد مراعاة لمقتضى الحال ، فمن أراد أن يتثَّبت من صحة المنقولات فعليه بالرجوع إلى المصادرالأصلية التي نقل منها الجامع ، وليس أن يعتمد رأساً على نهج البلاغة .

وما فعله الرضي ليس بمبتَدع أو تدليس كما يحاول البعض إلصاق هذه التمهة به ، بل هذا أمر متعارف عليه بين أهل العلم ، ولذلك إذا راجعت مثلاً كتب تراجم الصحابة ، أمثال كتاب (الإصابة في معرفة الصحابة)، أو كتاب (الاستيعاب) ، أوغيرها من كتب التاريخ ، مثل كتاب (الكامل في التاريخ) لابن الأثير، لا تجد ذكراً للأسانيد والرواة إلا قليلاً جدًّا ، بل عادة يكتفي بذكرآخر راو فقط .

ثانياً : بمراجعة مقدمة كتاب (نهج البلاغة) نجد أن الشريف الرضي قدس سره قد اعترف فيها بأن الكلمات التي نسبها لأميرالمؤمنين عليه السلام في كتابه قد نقلها عن مصادرها الأصلية .

قال في المقدمة : وربما جاء في أثناء هذا الاختياراللفظ المردَّد والمعنى المكرَّر والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافاً شديداً ، فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنُقل على وجهه ثم وُجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعاً غير وضعه الأول ، إما بزيادة مختارة ، أو بلفظ أحسن عبارة ، فتقتضي الحال أن يعاد استظهاراً للاختيار، وغيره على عقائل الكلام ، وربما بَعْدَ العهد أيضاً بما اختبر أولاً ، فأعيد بعضه سهواً ، أو نسياناً ، لا قصداً واعتماداً [٢١] .

فالرجل قد أفصح عن منهجه ، وأبان مقصده ، وأوضح أنه مجرد ناقل لكلمات أميرالمؤمنين عليه السلام الفصيحة وعباراته المليحة ، وليس واضعاً أو ناحلاً كما يدَّعون .

ثالثاً : لو اطلع ابن تيمية أو غيره على كتاب (نهج البلاغة) لوجدوا أن الشريف الرضي قدس سره ذكر في موارد كثيرة من كلامه مصادره التي نقل منها هذه الخطب والرسائل ، ومنها :

منها : كتاب المقتضب للمبرد : قال السيد الرضي قدس سره : وقد رواه قوم لأميرالمؤمنين عليه السلام ، وذكرالمبرد في كتاب (المقتضب) في باب اللفظ الحروف ، وقد تكلّمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم بمجازات الآثارالنبوية [٢٢] .

ومنها : كتاب تاريخ الطبري : قال السيد الرضي قدس سره : وروى ابن جريرالطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه ، وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث أنه قال فيما كان يحض به الناس على الجهاد : إني سمعت عليَّا يوم لقينا أهل الشام... [٢٣] .

ومنها : كتاب البيان والتبيين : قال السيد الرضي قدس سره : أقول : هذه الخطبة ربما نسبها من لاعلم له إلى معاوية ، وهي من كلام أميرالمؤمنين عليه السلام الذي لا يشك فيه ، وأين الذهب من الرغام ، والعذب من الأجاج ؟ وقد دلَّ على ذلك الدليل الخريت ، ونقده الناقد البصير: عمرو بن الجاحظ ، فإنه ذكرهذه الخطبة في كتاب (البيان والتبيين) ، وذكرمن نسبها إلى معاوية ، ثم قال : هي بكلام علي عليه السلام أشبه [٢٤] .

فهذه التصريحات تدل على أن الشريف الرضي قدس سره مجرد ناقل لكلمات أميرالمؤمنين عليه السلام من الكتب السابقة وغيرها .

لكن يبق هنا إشكال مهم : وهو خلو الكتب المتقدّمة من النصوص المنقولة في كتاب (نهج البلاغة) ، وهو مفاد قول ابن تيمية : ((فإذا عرف من له خبرة بالمنقولات أن كثيراً منه بل أكثرها لا يعرف قبل هذا )) ، فمن أين جاء الشريف لرضي قدس سره بهذه النصوص ؟

هنا لابد من الوقوف على مقدمتين :

الأولى : أن خطب أميرالمؤمنين عليه السلام كانت موجودة ومتداولة بين أيدي الناس قبل أن يخلق الشريف الرضي قدس سره .

قال الجاحظ في البيان : هذه خطب رسول الله صلى الله عليه وآله مدوَّنة محفوظة ومخلدة مشهورة ، وهذه خطب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي [٢٥] .

قال المسعودي في المروج : والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته ٤٠٠ خطبة ونيف ، وثمانون خطبة يوردها على البديهة ، وتداولها الناس ذلك عنه قولاً وعملاً [٢٦] .

واذا استقرأنا الكلمات والخطب المتداولة الآن دون المذكورة في كتاب (نهج البلاغة) وغيره نجد أن مجموعها لا يصل إلى نصف هذا العدد الذي ذكره المسعودي ، الذي توفي قبل أن يصنف نهج البلاغة ، بل قبل أن يولد الشريف الرضي قدس سره .

الثانية : أن كل من طعن في كتاب (نهج البلاغة) نصَّ على وجود حق فيه ، وثبوت صدور جملة من كلماته عن أميرالمؤمنين عليه السلام ، فالخلاف هو جزئي أي في بعض فقرات النهج لا كله .

بعد هذه المقدمتين نجيب عن ايراد ابن تيمية بالآتی :

اولاً : من أراد الوقوف على مصادر كتاب (نهج البلاغة) عليه الرجوع إلى الأصول المعتبرة ، كالكتب الأربعة عند الشيعة (الكافي ، التهذيب ، الاستبصار، الفقيه) وغيره من كتب الصدوق والمفيد والشيخ الطوسي ، ولاختصارالطريق على الباحث هناك كتب اهتمت بتخريج أحاديث النهج وذكرالمصادر، مثل كتاب ( مصادرنهج البلاغة وأسانيده ) للسيد عبد الزهراء الخطيب ، وكتاب (بهج الصباغة ) للمحقق التستري .

ثانياً : في حال عدم وجود مصدر للخطب المذكورة في (نهج البلاغة) ، فإن هذا لايوجب الطعن في جميع الكتاب ولا في المؤلف نفسه ، إذ أن هناك أموراً كثيرة منعت من وصول تراث أهل البيت عليهم السلام ، ومن قرأ التاريخ وتتبّع حوادثه علم أن هناك حملة ممنهجة شُنّت على أهل البيت عليهم السلام لإخفاء تراثهم ، وللتعتيم على حديثهم ، وكانت هذه الجملة على مراحل :

١ – الإعراض عن أحاديث النبي وأهل البيت عليهم السلام : بمراجعة أهم كتب الحديث نجد عدة قرائن تدل على وجود إعراض متعمَّد من المحدَّثين والفقهاء عن كل ما يتعلق بآل محمد عليهم السلام .

منها : ما نقله الحاكم النيسابوري في المستدرك بسنده عن سعيد بن جبير، قال : كنا مع ابن عباس بعرفة ، فقال لي : يا سعيد مالي لا أسمع الناس يلبّون ؟

فقلت : يخافون من معاوية . قال : فخرج بن عباس من فسطاطه ، فقال : لبيك اللهم لبيك ، فإنهم قد تركوا السُّنّة من بغض علي رضي الله عنه [٢٧] .

وهذا الحديث نص من ابن عباس رضي الله عنه وشهادة منه على أن القوم قد أعرضوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وهجروها بغضاٌ وکرهاٌ وعداوة لأميرالمؤمنين عليه السلام ، فإن كان هذا حال الصحابة الذين تُدّعى فيهم العدالة والصلابة في الدين ، فكيف بالذين جاؤوا بعدهم ، وثبت نصبهم وعداوتهم لأهل البيت عليهم السلام ؟!

٢- المنع من التحديث عن النبي وأهل البيت عليهم السلام : فقد ثبت في كتب التاريخ والحديث والسيرة أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله منع الحکام من التحديث بسنّته والرواية عنه ، وكان لهذا القرارعواقب وخيمة ، لاسيما طمس آثار النبي صلى الله عليه وآله، بل إقصاء لكل السنة النبوية التي تمثل المصدر الثاني من مصادرالتشريع .

-----------------------------------------------------------------------------------------

[١] . ميزان الاعتدال ٣ / ١٢٤ .

[٢] . حاشية المنتقى من منهاج السنة : ٢٢ .

[٣] . صحيح مسلم ٥ / ١٥٢ .

[٤] . صحيح ابن حبان ١٤ / ٥٧٧ .

[٥] . صحيح البخاري ٢ / ٩٥٢ ح ٣٠٩٤ .

[٦] . فتح الباري ٦ / ١٤٣ .

[٧] . المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٨٧ ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح بإسناد على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي .

[٨] . شرح المقاصد ٥ / ٣١٠ .

[٩] . شرح العقيدة الواسطية ٢ / ٢٩٢ .

[١٠] . نهج البلاغة ١ / ١٩٠ .

[١١] . التنكيل ١ / ٢٩٧ .

[١٢] . ميزان الاعتدال ١ / ١٩٠ .

[١٣] . قال عنه في سيرأعلام النبلاء ١٧ / ٢٨٦ : الشريف أبوالحسن ، محمد بن الطاهرأبي أحمد الحسين بن موسى ، الحسيني الموسوي البغدادي الشاعر، صاحب (الديوان) ، له نظم في الذروة حتى قيل : هو أشعرالطالبيين .

[١٤] . عرّفه الذهبي في تاريخ الإسلام ٤٨ / ٢٠٢ : عبدالحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد عزالدين أبو حامد المدائني ، المعتزلي ، الفقيه الشاعر، الأديب أخو الموفق ، وُلِد سنة ست وثمانين وخمسائة ، روى بالإجازة عن : عبدالله بن أبي المجد الحربي ، وهو معدود في أعيان الشعراء كأخيه .

[١٥] . شرح نهج البلاغة ١ / ٣٥ .

[١٦] . وهو من كبارعلماء السلفية في العراق ، ومن المتشددين في العقائد السلفية ، ألف كتاباً أسماه (بلوغ الأماني) ، انتصر فيه لأراء ابن تيمية في التوسل والاستغاثة والزيارة .

[١٧] . بلوغ الارب ٣ / ١٨٠ .

[١٨] . من كبارعلماء الأزهر المعروفين بتخصصهم في علوم اللغة، ولذلك نجد أن جملة من الكتب النحوية المتداولة في هذا العصرمن تحقيقه،كقطرالندى، وشذورالذهب، ومغني اللبيب وغيرها .

[١٩] . مقدمة نهج البلاغة : ٧ .

[٢٠] . منهاج السنة ٨ / ٥٥ .

[٢١] . نهج البلاغة ١ / ١٣ .

[٢٢] . نفس المصدر ٤ / ١٠٧ .

[٢٣] . نفس المصدر٤ / ٨٨ .

[٢٤] . نفس المصدر ١ / ٧٩ .

[٢٥] . البيان والتبيين ١ / ٢٠١ .

[٢٦] . مروج الذهب ٢ / ٤١٩ .

[٢٧] . المستدرك على الصحيحين ١ / ٤٦٤ .