ليلة جرح الإمام (عليه السلام)

(1)

آية الله السيد محمد باقر الصدر

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هذه الليلة...

ذكرى أشأم ليلة بعد يوم توفي فيه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فاليوم الذي توفي فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان اليوم الذي خلف فيه النبي (صلى الله عليه وآله) تجربته الإسلامية في مهب القدر، في رحبة المؤامرات التي أتت عليها بعد برهة من الزمن واليوم الذي اغتيل فيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان اليوم الذي قضى على آخر أمله في إعادة خط تلك التجربة الصحيحة، هذا الأمل الذي كان لا يزال يعيش في نفوس المسلمين الواعين متجسدا في شخص هذا الرجل العظيم، الذي عاش منذ اللحظة الأولى هموم الدعوة وآلامها و اكتوى بنارها و شارك في بنائها لبنة لبنة..... وأقام صرحها مع أستاذه (صلى الله عليه وآله) مدماكاً فوق مدماك .

هذا الرجل الذي كان يعبر عن كل هذه المراحل بكل همومها .... ومشاكلها وآلامها ....

هذا الرجل هو الذي كان يمثل هذا الأمل الوحيد الذي بقي للمسلمين الواعين في أن تسترجع التجربة خطها الواضح الصريح وأسلوبها النبوي المستقيم.... حيث أن الانحراف في أعماق هذه التجربة كان قد طغى وتجبر واتسع بحيث لم يكن هناك أي أمل في أن يقهر هذا الانحراف.... اللهم إلا على يد رجل واحد كعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ولهذا كانت حادثة اغتيال هذا الإمام العظيم.... حينما خر صريعا في مثل هذه الليلة تقويضاً حقيقياً لآخر أمل حقيقي في قيام مجتمع إسلامي صحيح على وجه الأرض إلى يوم غير معلوم، وأجل غير محدود.

كان هذا الاغتيال المشؤوم عقيب حكم مارسه الإمام (عليه السلام) طيلة أربع أو خمس سنوات تقريباً حيث بدأ منذ اللحظة الأولى لتسلم زمام الحكم عقلية التغيير الحقيقية في كيان هذه التجربة المنحرفة وواصل سعيه في سبيل إنجاح عملية التغيير، وخر صريعاً بالمسجد وهو في قمة هذه المحاولة أو في آخر محاولة إنجاح عملية التغيير وتصفية الانحراف الذي كان قد ترسخ في جسم المجتمع الإسلامي متمثلاً في معسكر منفصل عن الدولة الإسلامية الأم.

والظاهرة الواضحة في هذه الأربع أو الخمس سنوات التي مارس فيها الأمام (عليه السلام) عملية الحكم هي وإلى أن خر صريعاً في سبيل إقامة عدل الله على الأرض، كان غير مستعد بأي شكل من الأشكال وفي أي صيغة من الصيغ لتقبل أنصاف الحلول بالنسبة إلى تصفية هذا الانحراف أو لتقبل أي معنى من معاني المساومة أو المعاملة على حساب هذه الأمة التي كان يرى بكل حرقة وألم إنها تهدر كرامتها وتباع بأرخص ثمن.

هذه الظاهرة تسترعي الانتباه سياسياً من ناحية وتسترعي الانتباه فقهياً من ناحية أخرى:

 

أما من الناحية السياسية :

فقد استرعت انتباه أشخاص معاصرين للإمام (عليه السلام) واسترعت انتباه أشخاص حاولوا أن يحللوا ويدرسوا حياة الإمام (عليه السلام) .

فقد لوحظ على الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام: أن عدم تقبله بأي شكل من الأشكال لهذه المساومات وأنصاف الحلول كأن يُعَقّدُ عليه الموقف ويثير أمامه الصعاب ويرسخ المشاكل ويجعله عاجزاً عن مواجهته لمهمته السياسية والمضي بخط تجربته إلى حيث يريد.

فمثلاً: ذاك الشخص الذي جاء إليه بعقلية هذه المساومات واقترح عليه إن يبقي معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام برهة من الزمن قائلاً: إن بإمكانك إبقاء معاوية والياً على الشام برهة من الزمن وهو في هذه الحالة سوف يخضع ويبايع وبعد هذا يكون بإمكانك استبداله أو تغييره بأي شخص آخر بعد أن تكون قد استقطبت كل أطراف الدولة وقد تمت لك البيعة والطاعة في كل أرجاء العالم الإسلامي، فاشتر بإبقاء هذا الوالي أو ذلك الوالي، هذا الحاكم أو ذلك الحاكم، بإبقاء هذه الثروات المحرمة في جيب هذا السارق أو في جيب ذلك السارق برهة من الزمن ثم بعد هذا يمكنك أن تصفي كل هؤلاء الولاة الفجرة وترجع كل هذه الثروات المحرمة إلى بيت المال.

فالإمام (عليه السلام) في جواب هذا الشخص، رفض هذا المنطق واستمر في خطه السياسي يرفض كل مساومة ومعاملة من هذا القبيل، ومن هنا قال معاصروه، وقال غير معاصريه انه كان بامكانه أن يسجل نجاحاً كبيراً، وان يحقق توفيقاً من الناحية السياسية أكثر، لو انه قبل أنصاف الحلول، ولو انه مارس هذا النوع من المساومات ولو بشكل مؤقت.

 

أما من الناحية الفقهية :

فهي ناحية التزاحم، الفقه يقول: بأنه إذا توقف واجب أهم على مقدمة محرمة فلا بد من الحفاظ على ذلك الواجب الأهم وفي سبيل حرمة المقدمة لا يجوز تبرير ترك الواجب الأهم حينما يقال ذلك إذا توقف إنقاذ نفس محترمة من الغرق على اجتياز ارض مغصوبة لا يرضى صاحبها باجتيازها فلا بد من اجتيازها حيث تسقط هنا حرية هذا المالك وعدم رضاه، لأن النتيجة أهم من هذه المقدمة، كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض غزواته مثالاً مشابهاً لهذا المثال، حيث كان الجيش الإسلامي مضطراً إلى الخروج من المدينة عن طريق معين، وهذا الطريق كان فيه مزرعة لأحد الصحابة، وكان لا بد للجيش حينما يمر على هذه المزرعة وبحكم طبيعة مروره كجيش من أن يتلف كثيراً من محاصيل هذه المزرعة ويصيبها بأضرار فصاحب المزرعة ما هان عليه أن يقدم هذه الأضرار في سبيل الله وفي سبيل الرسالة.... احتج على ذلك وصرخ ثم جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: مزرعتي ومالي، فلم يجبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصدر أوامره إلى الجيش، فمشى في هذه المزرعة حتى لم يبق في هذه المزرعة شيء مما كان يخاف تلفه صاحب المزرعة إلا وتلف.

كل ذلك لان النتيجة كانت أهم من المقدمة، كان هذا الجيش يسير لأجل أن يغير وجه الدنيا ولأجل تغيير وجه الدنيا إذا تلفت مزرعة، إذا ضاعت هناك ثروة صغيرة لشخص، في سبيل أن يحفظ مقياس توزيع الثروات في العالم على الخط الطويل الطويل، فهذا أمر صحيح ومعقول من الناحية الفقهية فمن الناحية الفقهية دائماً يقرر أن الواجب إذا توقف على مقدمة محرمة وكان ملاك الواجب أقوى من ملاك الحرمة: فلا بد أن يقدم الواجب على الحرام.

وعلى هذا الضوء حينئذ تثار هذه القضية في هذه الظاهرة التي استوضحناها في حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) كحاكم .

وهي انه لماذا لم يطبق هذه القاعدة في سبيل استباحة كثير من المقدمات المحرمة، أليس إجماع الرأي عليه، أليس تملكه زمام قيادة مجتمع إسلامي، أليس هذا أمراً واجباً محققاً لمكسب إسلامي كبير، لأنه هو الذي سوف يفتح أبواب الخيرات والبركات ويقيم حكومة الله على الأرض.... ؟

إذن فلماذا في سبيل تحقيق هذا الهدف إذا توقف هذا الهدف على مقدمة محرمة من قبيل إمضاء ولاية معاوية بن أبي سفيان برهة من الزمن، أو إمضاء الأموال المحرمة التي نهبها آل أمية، أو غيرهم من الأسر التي وزع عليها عثمان بن عفان أموال المسلمين.... ؟؟

لماذا لا يكون السكوت مؤقتاً عن غير هذا النهب والسلب مقدمة للواجب الأهم.

ولماذا لا يكون جائزاً حينئذ على أساس توقف الواجب الأهم على ذلك... ؟؟

الواقع هو أن الإمام (عليه السلام) كان لا بد له أن ينهج هذا الطريق ولم يكن بامكانه كقائد رسالي يمثل الإسلام وأهدافه لم يكن بامكانه أن يقبل هذه المساومات وأنصاف الحلول ولو كمقدمة وليس قانون باب التزاحم الفقهي، هنا صالحاً للانطباق على موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) وذلك بعد اخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:

النقطة الأولى: انه لا بد وان يلحظ في المقام أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يريد أن يرسخ قاعدة سلطانه في قطر جديد من أقطار العالم الإسلامي وهذا القطر هو العراق.

وكان شعب العراق وأبناء العراق مرتبطين روحياً وعاطفياً مع الإمام (عليه السلام) ولكن لم يكن شعب العراق ولا أبناء العراق يعون رسالة علي (عليه السلام) وعياً حقيقياً كاملاً، ولهذا كان الإمام بحاجة إلى أن يبني تلك الطليعة العقائدية، ذلك الجيش العقائدي الذي يكون أميناً على الرسالة وأميناً على الأهداف وساعداً له ومنطلقاً بالنسبة إلى ترسيخ هذه الأهداف في كل أرجاء العالم الإسلامي .

والإمام (عليه السلام) لم يكن يملك هذه القاعدة بل كان بحاجة إلى أن يبنيها إذن كيف يبني هذه القاعدة؟

هل يمكن أن يبني هذه القاعدة في جو من المساومات وأنصاف الحلول؟ حتى لو كانت هذه المساومات وأنصاف الحلول جائزة شرعاً إلا أن جوازها الشرعي لا يؤثر في هذه الحقيقة النفسية الواقعية شيئاً وهي أن شخصاً لا يمكن أن يعيش في جو من المساومات وأنصاف الحلول فيكتسب روحية أبي ذر أو يكتسب روحية عمار بن ياسر، روحية الجيش العقائدي الواعي البصير بأن المعركة ليست للذات وإنما هي للأهداف الكبيرة التي هي أكبر من الذات.

هذه الروحية لا يمكن أن تنمو ولا يمكن لعلي (عليه السلام) أن يخلقها في من حوله في حاشيته وفي أوساطه وقواعده الشعبية، في جو من المشاحنات والمساومات وأنصاف الحلول حتى لو كانت جائزة... أن جوازها لا يغير من ملدلوها التربوي شيئاً ولا من دورها في تكوين نفسية هذا الشخص بأي شكل من الأشكال...

إذن فالإمام (عليه السلام) كان أمامه حاجة ملحة حقيقية في بناء دولته إلى قاعدة شعبية واعية يعتمد عليها في ترسيخ الأهداف في النطاق الأوسع وهذه القاعدة الشعبية لم تكن جاهزة له حينما تسلم زمام الحكم حتى يستطيع أن يتفق معها.

على أن هذه المساومات وأنصاف الحلول إنها ضرورات استثنائية لا توجب الانحراف عن ذلك الخط... إنما كان على علي (عليه السلام) أن يبني ذلك الجيش العقائدي كان على علي (عليه السلام) أن ينتزع الخيّر الخيّر الطيّب الطيّب من جماعته وحاشيته العراقيين لكي يشكل منهم كتلة واعية من قبيل مالك الاشتر وغيره وهؤلاء لم يكن بالامكان ممارسة بناء نفسي وروحي وفكري وعاطفي حقيقي لهم في جو مليء بالمساومات وأنصاف الحلول... كانت المساومات وأنصاف الحلول نكسة بالنسبة إلى عملية التربية لهذا الجيش العقائدي وكان فقدان هذا الجيش العقائدي يعني فقدان القوة الحقيقية التي يعتمد عليها الإمام (عليه السلام) في بناء دولته لأن أي دولة عقائدية بحاجة إلى طليعة عقائدية تستشعر بشكل معمق وموسع أهداف الدولة وواقع أهميتها وضرورتها التاريخية ولهذا كان لا بد من الحفاظ على صفاء وطهر عملية التربية لبناء هذا الجيش العقائدي كان لا بد لآلاف من مالك الاشتر أن يشهدوا إنساناً لا تزعزعه المغريات ولا يتنازل إلى أي نوع من أنواع المساومات حتى يستطيعوا من خلال حياة هذا الرجل العظيم أن يتبينوا المدلول الرسالي الكامل لأطروحته الأبعاد الواسعة للصيغة الإسلامية للحياة إذن فكان على علي (عليه السلام) لأجل ممارسة عملية التربية لبناء هذا الجيش العقائدي كان لا بد له أن يترفع عن هذه المساومات والحلول الوسط، لكي يستطيع أن يخلق ذلك الجو الرفيع نفسياً وفكرياً وروحياً والذي سوف ينشأ في داخله وفي أعماقه... جيل يستطيع أن يحتضن أهداف أمير المؤمنين (عليه السلام) ويضحي من أجلها في حياته وبعد وفاته...

النقطة الثانية: لا بد من الالتفات أيضاً إلى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء في أعقاب ثورة، ولم يجئ في حالة اعتيادية، ومعنى ذلك إن البقية الباقية من العواطف الإسلامية، كل هذه العواطف تجمعت، ثم ضغطت، ثم انفجرت في لحظة ارتفاع... وماذا ينتظر القائد الرسالي غير لحظة ارتفاع في حياة امة، لكي يستطيع أن يستثمر هذه اللحظة في سبيل إعادة هذه الأمة إلى سيرها الطبيعي...

كان لا بد للإمام (عليه السلام) أن يستثمر لحظة الارتفاع الثورية هذه، لأن المزاج النفسي والروحي وقتئذ لشعوب العالم الإسلامي، لم يكن ذاك المزاج الاعتيادي الهادئ الساكن لكي يمشي حسب مخطط تدريجي ، وإنما كان هو المزاج الثوري الذي استطاع أن يرتفع إلى مستوى قتل الحاكم والإطاحة به، لأنه انحرف عن كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) إذن هذا الارتفاع الذي وجد في لحظة في حياة الأمة الإسلامية لم يكن من الهين إعادته وبعد ذلك كان لا بد للحاكم الذي يستلم زمام المسؤولية في مثل هذه اللحظة أن يعمق هذه اللحظة أن يمدد هذه اللحظة، أن يرسخ المضمون العاطفي والنفسي في هذه اللحظة عن طريق هذه الإجراءات الثورية التي قام بها أمير المؤمنين..

لو أن الإمام علي (عليه السلام) أبقى الباطل مؤقتاً وأمضى التصرفات الكيفية التي قام بها الحكام من قبل، لو أنه سكت عن معاوية وسكت عن أحزاب أخرى مشابهة لمعاوية بن أبي سفيان إذن لهدأت العاصفة ولأنكمش هذا التيار العاطفي النفسي، وبعد انكماش هذا التيار العاطفي وهدوء تلك العاصفة سوف لن يكون بمقدور الإمام (عليه السلام) أن يقوم بمثل هذه الإجراءات.

النقطة الثالثة: ولا بد أيضاً من الالتفات إلى نقطة هي: أن الإمام (عليه السلام)، كان حريصاً على أن تدرك الأمة كأمة، أن واقع المعركة بينه (عليه السلام) وبين خصومه، بينه وبين معاوية ليست معركة بين شخصين، بين قائدين، بين قبيلتين، وإنما هي معركة بين الإسلام والجاهلية.

كان حريصاً على أن يفهم الناس أن واقع المعركة هو واقع المعركة بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) والجاهلية التي حاربته في بدر وأُحد وغيرهما من الغزوات وكان هذا الحرص سوف يمنى بنكسة كبيرة لو أنه (عليه السلام) أقر معاوية، وأقر مخلفات عثمان السياسية والمالية، لو أنه أقر هذه المخلفات ولو إلى برهة من الزمن إذن لترسخ في أذهان الناس، وفي أذهان المسلمين بشكل عام شك في أن القضية ليست قضية رسالية وإنما هي قضية أهداف حكم، إذا انسجمت مع واقع هذه المخلفات فتلغي هذه المخلفات ذلك الشك الذي نما عند الأمة في أمير المؤمنين (عليه السلام) بالرغم من انه لم يكن يوجد له أي مبرر موضوعي وإنما المبرر كانت له مبرراته الذاتية بالرغم من انه لم يكن يوجد أي مبرر موضوعي لشك، وبالرغم من إن المبرر الوحيد للشك كان مبرراً ذاتياً وبالرغم من هذا استفحل هذا الشك وقرر، وامتحن هذا الإمام العظيم (عليه السلام) بهذا الشك ومات واستشهد والأمة شاكة... ثم استسلمت الأمة بعد هذا وتحولت إلى كتلة هامدة بين يدي الإمام الحسن (عليه السلام) هذا كله بالرغم من أن الشك لم يكن له مبرر موضوعي فكيف إذا افترضنا أن الشك وجدت له مبررات موضوعية بحسب الصورة الشكلية.

كيف لو أن المسلمين رأوا أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي هو رمز الأطروحة ورمز الأهداف الرسالية هذا الشخص يساوم ويعمل ويبيع الأمة ولو مؤقتاً مع خيار الفسخ.

كيف يمكن للأمة أن تدرك الفرق بين بيع بلا خيار الفسخ وبين بيع يكون فيه خيار الفسخ إن البيع على أي حال طبيعته هو البيع وأمير المؤمنين (عليه السلام) كانت مهمته الكبرى هي أن يحافظ على وجود الأمة على أن لا تتنازل الأمة عن وجودها.

الأمة التي قالت لعمر بن الخطاب، لأكبر خليفة تولى الحكم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذا انحرفت عما نعرف من أحكام الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) نقوِّمك بسيوفنا، هذه الأمة التي قالت هذه الكلمة بكل شجاعة لأكبر خليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت قد بدأت تتنازل عن وجودها أو بتعبير آخر كانت هناك مؤامرات عليها لكي تتنازل عن وجودها، وكان على علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يحافظ على هذه الأمة، ويحصنها ضد أن تتنازل عن وجودها، عملية التنازل عن الوجود كان يمثلها معاوية بن أبي سفيان، وجذور معاوية في تاريخ الإسلام، هذا الذي عبر عنه وقتئذ، بأن الإسلام أصبح هرقلية وكسروية الهرقلية والكسروية كان يكنى بها عن تنازل الأمة عن وجودها، يعني تحولت التجربة الإسلامية من أمة تحمل رسالة إلى ملك وسلطان يحمل هذه الرسالة بمستوى وعيه لهذه الرسالة وإخلاصه لهذه الرسالة سلباً وإيجاباً، هذه المؤامرة الكبيرة التي نجحت بعد هذا والتي توجت بكل المآسي والمحن والكوارث التي كانت ولاتزال إلى يومنا هذا هي نتيجة تنازل الأمة عن وجودها، نتيجة خداع الأمة، وتحجيمها أو الضغط عليها حتى تنازلت عن وجودها في عقد لا يقبل الفسخ...

أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يريد وقد أدرك الأمة في اللحظات الأخيرة من وجودها المستقل، أن يمدد هذا الوجود المستقل أن يُشعر الأمة بأنها ليست سلعة تباع وتشترى، أنها ليست شيئاً يساوم عليها، إذن كيف يشعرها بأنها ليست سلعة تباع وتشترى، إذا كان هو يبيعها ويشتريها، ولو في عقود قابلة للفسخ؟

كيف يستطيع أن يُشعر الأمة بأنها لا تباع ولا تشترى، ليست وفق رغبات السلاطين وليست وفق رغبات الحكام، وإنما تمثل خلافة الله في الأرض، لأجل أن تحقق أهداف هذه الخلافة في الأرض.

كيف يمكن أن يفهم الأمة ذلك إذا كان هو يبيع قطاعات من هذه الأمة لحكام فجرة من قبيل معاوية بن أبي سفيان، في سبيل أن يسترجع هذه القطاعات بعد ذلك.

بطبيعة الحال كان هذا معناه مواكبة المؤامرة التي كان روح العصر يتفجر أو يتمخض عن مثلها والتي كان أمير المؤمنين (عليه السلام) واقفاً لأجل أن يحبطها وينقذ الأمة منها، وحينئذ لا يمكن بحال من الأحوال أن نفترض أن الإمام (عليه السلام) يساهم في حبك هذه المؤامرة.

النقطة الرابعة والأخيرة: هي أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يكن يتعامل مع الفترة الزمنية القصيرة التي عاشها فقط، وإنما كان يحمل هدفاً أكبر من ذلك، أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحس بأنه قد أدرك المريض وهو في آخر مرضه، قد أدركه حيث لا ينفع العلاج ولكنه كان يفكر في أبعاد أطول وأوسع للمعركة.

لم يكن يفكر فقط في الفترة الزمنية التي عاشها وإنما كان يفكر على مستوى أخر أوسع وأعمق، هذا المستوى يعني أن الإسلام كان بحاجة إلى أن تقدم له في خضم الانحراف بين يدي الأمة أطروحة واضحة صريحة نقية لا شائبة فيها ولا غموض، لا التواء فيها ولا تعقيد، لا مساومة فيها ولا نفاق ولا تدجيل.

لماذا..؟ لأن الأمة كتب عليها أن تعيش الحكم الإسلامي المنحرف منذ نجحت السقيفة في أهدافها أذن فالإسلام الذي تعطيه السقيفة امتدادها التاريخي هذا الإسلام أسلام مشوه ممسوخ أسلام لا يحفظ الصلة العاطفية فضلاً عن الفكرية بين الأمة ككل وبين الرسالة، بين أشرف رسالات السماء وأشرف أمم الأرض لا يمكن أن يحفظ هذه الصلة العاطفية والروحية بين الأمة الإسلامية وبين الإسلام على أساس هذا الإسلام المعطى لهارون الرشيد، ولمعاوية بن أبي سفيان، ولعبد الملك بن مروان، هذا الإسلام لا يمكن أن يحفظ هذه الصلة فكان لا بد لحفظ هذه الصلة بين جماهير الأمة الإسلامية وبين هذه الرسالة، من إعطاء صورة واضحة محدودة للإسلام وهذه الصورة أعطيت نظرياً على مستوى ثقافة أهل البيت (عليه السلام) وأعطيت عملياً على مستوى تجربة الإمام (عليه السلام) فكان الإمام (عليه السلام) في تأكيده على العناوين الأولية في التشريع الإسلامي، وفي تأكيده على الخطوط الرئيسية في الصيغة الإسلامية للحياة كان في هذا يريد أن يقوم المنهاج الإسلامي واضحاً غير ملوّث بلوثة الانحراف التي كتبت على تاريخ الإسلام مدة طويلة من الزمن وكان لا بد لكي يتحقق هذا الهدف من أن يعطي هذه التجربة بهذا النوع من الصفاء والنقاء والوضوح دون أن يعمل ما أسميناه بقوانين باب التزاحم...

وهكذا كان وظل الإمام (عليه السلام) صامداً مواجهاً لكل المؤامرات التي كانت الأمة تساهم في صنعها وفي حياكتها على أساس جهلها وعدم وعيها وعدم شعورها بالدور الحقيقي الذي يمارسه عليه السلام في سبيل حماية وجودها من الضياع وحماية كرامتها من أن تتحول إلى سلعة تباع وتشترى حتى خر صريعاً على يد شخص من هذه الأمة التي ضحى في سبيلها... خر صريعاً في المسجد فقال:

فزت ورب الكعبة...

لنحاسب علياً وهو في آخر لحظة من لحظات حياته (عليه السلام) حينما قال: فزت ورب الكعبة.

هل كان علي أسعد إنسان أو أتعس إنسان..؟

هنا مقياسان:

فتارة نقيس علياً (عليه السلام) بمقياس الدنيا.

وأخرى نقيس علياً بمقاييس الله سبحانه وتعالى...

لو كان قد عمل كل عمله للدنيا، لنفسه، فهو أتعس إنسان... ومن أتعس من علي (عليه السلام) الذي بنى كل ما بنى وأقام كل ما أقام من صرح ثم حرم من كل هذا البناء ومن كل هذه الصروح؟

هذا الإسلام الشامخ العظيم الذي يأكل الدنيا شرقاً وغرباً هذا الإسلام بني بدم علي (عليه السلام) بني بخفقات قلب علي (عليه السلام) بني بآلام علي (عليه السلام)، بني بنار علي (عليه السلام)، كان علي هو شريك البناء بكل محن هذا البناء بكل آلام هذا البناء وفي كل مآسي هذا البناء أي لحظة محرجة وجدت بتاريخ هذا البناء لم يكن علي (عليه السلام) هو الإنسان الوحيد الذي يتجه إليه نظر البنّاء الأول (صلى الله عليه وآله) ونظر المسلمين جميعاً لأجل إنقاذ عملية البناء إذن فعلي (عليه السلام) كان هو المضحي دائماً في سبيل هذا البناء، هو الشخص الذي أعطى ولم يبخل الذي ضحى ولم يتردد الذي كان يضع دمه على كفه في كل غزوة في كل معركة، في كل تصعيد جديد لهذا العمل الإسلامي الراسخ العظيم..

إذن شيدت كل هذه المنابر بيد علي (عليه السلام) واتسعت أرجاء هذه المملكة بسيف علي (عليه السلام).

جهاد علي كان هو القاعدة لقيام هذه الدولة الواسعة الأطراف لكن ماذا حصّل علي (عليه السلام) من كل هذا البناء في مقاييس الدنيا، إذا اعتمدنا مقاييس الدنيا..؟

لو كان علي (عليه السلام) يعمل لنفسه فماذا حصّل علي (عليه السلام) من كل هذه التضحيات من كل هذه البطولات؟ ماذا حصل غير الحرمان الطويل الطويل، غير الإقصاء عن حقه الطبيعي بقطع النظر عن نص أو تعيين من الله سبحانه وتعالى؟ كان حقه الطبيعي أن يحكم بعد أن يموت النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه الشخص الثاني عطاء للدعوة وتضحية في سبيلها .

أُقصي من حقه الطبيعي قاسى ألوان الحرمان أنكرت عليه كل امتيازاته، معاوية بن أبي سفيان هو الذي يقول لمحمد بن أبي بكر، كان علي كالنجم في السماء في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن أباك والفاروق ابتزا حقه وأخذا أمره، وبعد هذا نحن شعرنا أن بامكاننا أن ندخل في ميدان المساومة مع هذا الرجل ويقول عن نفسه، يحدث عن مقامه في أيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكيف أخذ المقام هذا يتنازل بالتدريج نتيجة لمؤامرات الحاكمين عليه، حتى قيل علي ومعاوية.

إذن فعلي (عليه السلام) حينما واجهه عبد الرحمن بن ملجم بتلك الضربة القاتلة على رأسه الشريف، كان ماضيه كله ماضي حرمان وألم وخسارة لم يكن قد حصل على شيء منه، لكن الأشخاص الذي حصلوا على شيء عظيم من هذا البناء هم أولئك الذي لم يساهموا في هذا البناء هم أولئك الذي كانوا على استعداد دائم للتنازل عن مستوى هذا البناء في أية لحظة من اللحظات أولئك حصلوا على مكاسب عريضة من هذا البناء أما هذا الإمام الممتحن الذي لم يفر لحظة الذي لم يتلكأ في أي آن، الذي لم يتلعثم في قول أو عمل، هذا الإمام العظيم لم يحصل على أي مكسب من هذا البناء بأي شكل من الأشكال انظروا أن هذه الحادثة يمكن أن تفجر قلب الإنسان، وما الإنسان غير العامل، حينما ينظر في حال عامل على هذا الترتيب يتفجر قلبه ألماً لحال هذا العامل المسكين، لحال هذا العامل التعيس، الذي بنى فغير الدنيا ثم لم يستفد من هذا التغيير ثم تعالوا انظروا إلى المستقبل الذي ينظره الإمام علي (عليه السلام) بعين الغيب هذا ماضيه، فماذا عن مستقبله؟

كان يرى بعين الغيب إن عدوه اللدود سوف يطأ منبره، سوف يطأ مسجده، سوف ينتهك كل الحرمات والكرامات التي ضحى وجاهد في سبيلها سوف يستقل بهذه المنابر التي شيدت بجهاده وجهوده ودمه، سوف يستغلها في لعنه وسبه عشرات السنين هو الذي كان يقول لبعض الخلّص من أصحابه انه سوف يعرض عليكم سبي ولعني والبراءة مني أما السب فسبوني وأما البراءة مني فلا تتبرؤوا مني.

إذن فهو كان ينظر بعين الغيب إلى المستقبل بهذه النظرة لم يكن يرى في المستقبل نوعاً من التكذيب يتدارك به هذا الحرمان، الأجيال التي سوف تأتي بعد أن يفارق الدنيا، كانت ضحية مؤامرة أموية جعلتها لا تدرك أبداً دور الإمام علي (عليه السلام) في بناء الإسلام.

هذا هو حرمان الماضي وهذا هو حرمان المستقبل.

وبالرغم من كل هذا قال (عليه السلام): فزت ورب الكعبة، حينما أدرك إنها اللحظة الأخيرة وانه انتهى خط جهاده وهو في قمة جهاده وانتهى خط محنته وهو في قمة صلاته وعبادته قال: فزت ورب الكعبة، لأنه لم يكن إنسان الدنيا ولو كان إنسان الدنيا لكان أتعس إنسان على الإطلاق لو كان إنسان الدنيا لكان قلبه يتفجر ألماً وكان قلبه ينفجر حسرة ولكنه لم يكن إنسان الدنيا، لو كان إنسان الدنيا فسوف يندم ندماً لا ينفعه معه شيء، لأنه بنى شيئاً انقلب عليه ليحطمه أي شيء يمكن أن ينفع هذا الشخص؟ إذا فرضنا أن شخصاً أراد أن يربي شخصاً آخر لكي يخدمه فلما ربى ذاك الشخص ونمى واكتمل رشده جاء ليقتله ماذا ينفع هذا الشخص ندمه غير أن يموت.

هذا الرجل العظيم قال: فزت ورب الكعبة، كان اسعد إنسان ولم يكن أشقى إنسان لأنه كان يعيش لهدفه، ولم يكن يعيش للدنيا، كان يعيش لهدفه ولم يكن يعيش لمكاسبه ولم يتردد لحظة وهو في قمة هذه المآسي والمحن، في صحة ماضيه، وفي صحة حاضره، وفي انه أدى دوره الذي كان يجب عليه.

هذه هي العبرة التي يجب أن نأخذها.

نحن يجب أن نستشعر دائماً أن السعادة في عمل العامل لا تنبع من المكاسب التي تعود إليه نتيجة لهذا العمل.

يجب أن لا نقِّيم سعادة العامل على أساس كهذا لأننا لو قيّمناه على هذا الأساس فقد يكون حظنا كحظ هذا الإمام الذي بنى أسلاماً ووجّه امة، ثم بعد هذا انقلبت عليه هذه الأمة لتلعنه على المنابر ألف شهر.

نحن يجب أن لا نجعل مقياس سعادة العامل في عمله هو المكاسب والفوائد التي تنجم عن هذا العمل وإنما رضى الله سبحانه وتعالى وإنما حقانية العمل، كون العمل حقاً وكفى، وحينئذ سوف نكون سعداء سواء أثر عملنا أو لم يؤثر، سواء قدر الناس عملنا أم لم يقدروا، سواء رمونا باللعن أو بالحجارة على أي حال سوف نستقبل الله سبحانه وتعالى ونحن سعداء لأننا أدينا حقنا وواجبنا وهناك من لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، لئن ضيع هؤلاء السعادة ولئن ضيعوا فهمهم، ولئن استولى عليهم الغباء فخلطوا بين علي (عليه السلام) ومعاوية، لئن انصرفوا عن علي وهم في قمة الحاجة إليه فهناك من لا يختلط عليه الحال، من يميز بين علي (عليه السلام) وبين أي شخص آخر، هناك من قد أعطى لعلي (عليه السلام) نتيجة لعمل واحد من أعماله مثل عبادة الثقلين.

ذاك هو الحق وتلك هي السعادة.

اللهم احشرنا معه واجعلنا من شيعته والمترسمين خطاه والحمد للّه.

 

(2)

 

كنا نتحدث عن تلك الظاهرة الفريدة في المرحلة التي قضاها الإمام علي (عليه السلام) حاكماً متصرفاً ومصرفاً لشؤون المسلمين.

هذه الظاهرة الفريدة هي ما المحنا إليها من أن الإمام (عليه السلام) كان حريصاً كل الحرص على إعطاء العناوين الأولية للصيغة الإسلامية للحياة، والوقوف على التكليف الواقعي الأولي بحسب مصطلح الأصوليين، دون تجاوزه إلى ضرورات استثنائية تفرضها طبيعة الملابسات والظروف.

لماذا لم يرتض الإمام بأنصاف الحلول أو بشيء من المساومة؟

لماذا لم يسكت؟

لماذا لم يُمضِ ولو بصورة مؤقتة الجهاز الفاسد الذي تركه وخلفه عثمان بعد موته؟

لماذا لم يُمضِ الجهاز حتى إذا أطاعه هذا الجهاز واسلم له القيادة بعد ذلك يستطيع أن يمارس بشكل أقوى واعنف عملية التصفية؟

كنا نعالج هذه المسألة وقلنا إن الجواب على هذا السؤال وتفسير هذه الظاهرة الفريدة في الحياة للإمام (عليه السلام) يتضح بمراجعة عدة نقاط استعرضنا من هذه النقاط أربع:

 

النقطة الأولى: هي إن الإمام (عليه السلام) كان بحاجة إلى إنشاء جيش عقائدي في دولته الجديدة التي كان يخطط لإنشائها في العراق، وهذا الجيش العقائدي لم يكن موجوداً بل كان بحاجة إلى تربية وإعداد فكري ونفسي وعاطفي وهذا الإعداد كان يتطلب جواً مسبقاً صالحاً لان تنشأ فيه بذور هذا الجيش العقائدي. وهذا الجو ما لم يكن جواً كفاحياً رسالياً واضحاً، لا يمكن أن تنشأ في أحضانه بذور ذلك الجيش العقائدي، لو افترضنا أن الجو كان جو المساومات وأنصاف الحلول حتى في حالة كون أنصاف الحلول تكتسب الصفة الشرعية بقانون التزاحم على ما ذكرناه حتى في هذه الحالة تفقد الصيغة مدلولها التربوي.

 

النقطة الثانية: هي إن الإمام (عليه السلام) جاء لتسلم زمام الحكم في لحظة ثورة لا في لحظة اعتيادية، ولحظة الثورة تستبطن لحظة تركيز وتعبئة وتجمع كل الطاقات العاطفية والنفسية في الأمة الإسلامية لصالح القضية الإسلامية فكان لا بد من اغتنام هذه اللحظة بكل ما تستنبطه من هذا الزخم الهائل عاطفياً ونفسياً وفكرياً.

 

النقطة الثالثة: التي ركزنا عليها، هي أن ظاهرة الشك في مجتمع الإمام (عليه السلام) هذه الظاهرة التي بيناها في محاضرات سابقة وكيف إنها عصفت بالتجربة واستطاعت أن تقضي على الآمال والأهداف التي كانت معقودة عليها، هذا الشك بالرغم من انه لم يكن يملك في سيرة الإمام (عليه السلام) أي مبرر موضوعي، وكانت مبرراته ذاتية محضة بالنحو الذي شرحناه تفصيلاً فيما مضى فقد استفحل وطغى، فكيف لو افترضنا أن هذه المبررات الذاتية أضيفت إليها مبررات موضوعية من الناحية الشكلية، إذن لكان هذا الشك أسرع إلى الانتشار والتعمق والرسوخ وفي النهاية إلى تقويض هذه التجربة.

 

النقطة الرابعة: عبارة عن إن أنصاف الحلول أو المساومة هنا كانت في الواقع اشتراكاً في المؤامرة وكانت تحقيقاً للمؤامرة من ناحية الإمام (عليه السلام) ولم تكن تعبيراً عن الإعداد لإحباط هذه المؤامرة لان المؤامرة لم تكن مؤامرة على شخص الإمام علي (عليه السلام) لم تكن مؤامرة على حاكمية الإمام علي (عليه السلام) حتى يقال: انه يمهد لهذه الحاكمية بشيء من هذه الحلول الوسط، وإنما المؤامرة كانت مؤامرة على وجود الأمة الإسلامية، على شخصية هذه الأمة، على أن تقول كلمتها في الميدان بكل قوة وجرأة وشجاعة، على إن تَنسَلِخ عن شخصيتها وينصب عليها قيم من أعلى يعيش معها عيش الأكاسرة والقياصرة مع شعوب الأكاسرة والقياصرة. هذا الذي كان يسمّى بالمصطلح الإسلامي بالهرقلية والكسروية.

هذه هي المؤامرة.

وهذه المؤامرة هي التي كان يسعى خط السقيفة بالتدريج عامداً أو غير عامد إلى تعميقها إلى إنجاحها في المجتمع الإسلامي.

فلو أن الإمام (عليه السلام) كان قد مارس أنصاف الحلول، لو كان قد باع الأمة بيعاً مؤقتاً مع خيار الفسخ، إذن لكان بهذا قد اشترك في إنجاح وفي سلخ الأمة عن إرادتها وشخصيتها.

كانت الأمة وقتئذ بحاجة كبيرة جداً لكي تستطيع أن تكون على مستوى مسؤوليات ذلك الموقف العصيب، وعلى مستوى القدرة للتخلص من تبعات هذه المؤامرة.

كان لا بد من أن تشعر بكرامتها بإرادتها، بحريتها، باصالتها، بشخصيتها في المعترك وهذا كله مما لا يتفق مع ممارسة الإمام (عليه السلام) لإنصاف الحلول.

النقطة الخامسة: التي لا بد من الالتفات إليها في هذا المجال هي إن الإمام (عليه السلام) لو كان قد أمضى هذه الأجهزة الفاسدة التي خلفها عثمان الخليفة من قبله فليس من المعقول بمقتضى طبيعة الأشياء أن يستطيع بعد هذا أن يمارس عملية التغيير الحقيقي في هذه التجربة التي يتزعمها.

وفي الواقع إن هذا الفهم لموقف أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي اعرضه في هذه النقطة مرتبط بحقيقة مطلقة تشمل موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) وتشمل أي موقف رسالي عقائدي آخر مشابه لموقف أمير المؤمنين (عليه السلام) أي موقف آخر يستهدف تغييراً جذرياً أو إصلاحياً حقيقياً في مجتمع أو بيئة أو حوزة أو في أي مجتمع آخر من المجتمعات وهذه الحقيقة المطلقة هي إن كل إصلاح لا يمكن أن ينشأ على يد الأجهزة الفاسدة نفسها التي لا بد أن يطالها التغيير.

فلو افترضنا أن الزعيم المسؤول عن إصلاح تلك البيئة أقر الأجهزة الفاسدة التي يتوقف الإصلاح على إزالتها وعلى تبديدها، لو انه أقر هذه الأجهزة وتعاون معها وأمضاها ولو مؤقتاً، ثم بعد أن إكتسب القوة والمزيد من القدرة، وامتد أفقياً وعامودياً في أبعاد هذه التجربة التي تزعمها، بعد هذا استبدل هذه الركائز بركائز أخرى هذا المنطق منطق لا يتفق مع طبيعة العمل الاجتماعي ومع طبيعة الأشياء وذلك لان هذا الزعيم من أين سوف يستمد القوة من أين سوف تتسع له القدرة؟ من أين سوف يمتد أفقياً وعامودياً؟

هل تهبط عليه هذه القوة بمعجزة من السماء؟ لا... وإنما سوف يستمد هذه القوة من تلك الركائز نفسها...

أي زعيم في أية بيئة يستمد قوته وتتعمق هذه القوة عنده باستمرار. من ركائزه، من أسسه من أجهزته التي هي قوته التنفيذية التي هي واجهته الأمة على ، التي هي تعبيره، التي هي تخطيطه، فإذا افترضنا أن هذه الأجهزة كانت هي الأجهزة الفاسدة التي يريد المخطط الإصلاحي إزالتها وتبديلها بأجهزة أخرى، فليس من المعقول أن يقول الزعيم في أية لحظة من اللحظات، وفي أي موقف من المواقف: دع هذه الأجهزة معي دعني اعمل مع هذه الأجهزة حتى امتد حتى اشمخ وبعد أن امتد واشمخ أستطيع أن اقضي على هذه الأجهزة. فإن هذا الشموخ الناتج من هذه الأجهزة لا يمكن أن يقضي على هذه الأجهزة. النتيجة منطقياً مرتبطة بمقدماتها والنتيجة واقعياً مرتبطة أيضاً بركائزها وأسسها، فهذا الشموخ المستمد من ركائز فاسدة، من أجهزة فاسدة، لا يمكن أن يعود مرة أخرى فيتمرد على هذه الأجهزة.

هذا الزعيم حتى لو كان حسن النية، حتى لو كان صادقاً في نيته وفي تصوره سوف يجد في نهاية الطريق أنه عاجز عن التغيير، سوف يجد في نهاية الطريق انه لا يتمكن أن يحقق أهدافه الكبيرة لان الزعيم مهما كان زعيماً، والرئيس مهما كان حاكماً وسلطاناً، لا يغير بيئة بجرة قلم، لا يغير بيئة بإصدار قرار بإصدار أمر، وإنما تتغير البيئة عن طريق الأجهزة التي تنفذ إرادة هذا الزعيم، وتخطيط هذا الزعيم، إذن كيف سوف يستطيع هذا الزعيم أن ينفذ إرادته، أن يحقق أهدافه أن يصل إلى أمله؟

فطبيعة الأشياء وطبيعة العمل التغييري في أي بيئة تفرض على أي زعيم يبدأ هذا العمل أن يبني زعامته بصورة منفصلة عن تلك الأجهزة الفاسدة وهذا ما كان يفرض على الإمام (عليه السلام) أن لا يمضي مخلفات عثمان الإدارية والسياسية...؟

النقطة السادسة: التي لا بد من الالتفات إليها أيضاً في هذا المجال هي أن الإمام (عليه السلام) لو كان قد أمضى ولو مؤقتاً الأجهزة التي خلفها عثمان أمضى مثلاً ولاية معاوية بن أبي سفيان وحاكميته على الشام لحصل من ذلك على نقطة قوة مؤقتة.

لو باع الأمة من معاوية بيعاً مؤقتاً مع خيار الفسخ إذن لاستطاع بذلك أن يحصل على نقطة قوة ونقطة القوة هي أن معاوية سوف يبايعه وسوف يبايعه أهل الشام وهذه النقطة نقطة قوة في حساب عملية التغيير لكن في مقابل هذا أيضاً سوف يحصل معاوية بن أبي سفيان، على نقطة قوة كما حصل الإمام (عليه السلام) على نقطة قوة ونقطة القوة التي سوف يحصل عليها معاوية هي اعتراف الإمام (عليه السلام) صاحب الأطروحة الجديدة صاحب الخط الإسلامي الآخر المعارض على طول الزمن منذ تشكلت السقيفة بشرعية معاوية بن أبي سفيان بأن معاوية رجل على اقل التقادير يوصف بأنه عامل قدير على تسيير مهام الدولة وعلى حماية مصالح المسلمين وعلى رعاية شؤونهم هذا الاعتراف. هو المدلول العرفي الواضح لمثل هذا الإمضاء في الذهنية الإسلامية العامة، فنقطة قوة لمعاوية مقابل نقطة قوة لعلي (عليه السلام)..

ونحن إذا قارنا بين هاتين النقطتين فسوف لن ننتهي إلى قرار يؤكد أن نقطة القوة التي حصل عليها الإمام (عليه السلام) هي أهم في حساب عملية التغيير الاجتماعية التي يمارسها الإمام (عليه السلام) من نقطة القوة التي يحصل عليها معاوية، خاصة إذا التفتنا إلى أن تغيير الولاة في داخل الدولة الإسلامية وقتئذ لم يكن عملية سهلة ولم يكن عملية بهذا الشكل من اليسر الذي نتصوره في دولة مركزية تسيطر حكومتها المركزية على كل أجهزة الدولة وقطاعاتها.

ليس معنى أن معاوية يبايع أو يأخذ البيعة لخليفة في المدينة أن جيشاً في الحكومة المركزية سوف يدخل الشام وان هناك ارتباطاً عسكرياً حقيقياً سوف يوجد بين الشام وبين الحكومة المركزية وإنما يبقى هذا الوالي بعد اخذ البيعة همزة الوصل الحقيقية بين هذا البلد وبين الحكومة المركزية لضعف مستوى الحكومة المركزية وقتئذ من ناحية، ومن ناحية أخرى لترسخ معاوية في الشام بالخصوص لأن الشام لم تعرف حاكماً مسلماً قبل معاوية وقبل أخي معاوية ومنذ دشن الشام حياته الإسلامية فإنما دشنها على يد أولاد أبي سفيان إذن ترسخ معاوية من الناحية التاريخية والصلاحيات الاستثنائية التي أعطيت له من قبل عمر بن الخطاب في أن ينشئ له سلطنة وملكية في الشام بدعوى أن هذا يكون مظهر عز وجلال للإسلام في مقابل دولة القياصرة.

هذه الصلاحيات الاستثنائية التي أخذها معاوية من عمر بن الخطاب لأجل إنشاء مظاهر مستقلة في الشام، لا تشبه الوضع السياسي في الدولة الإسلامية في باقي الأقاليم وهذا مما رسخ نوعاً من الانفصالية في الشام عن باقي أجزاء جسم الدولة الإسلامية.

ثم الصلاحيات التي أخذها بعد هذا من عثمان بن عفان حينما تولى الخلافة، وحينما شعر بأنه قادر على أن يستهتر بشكل مطلق بالأمر والنهي، بحيث لم يبق طيلة مدة خلافة عثمان أي ارتباط حقيقي بين الشام والمدينة وإنما كان هو الآمر والناهي في الشام مما جعل الشام يعيش حالة شبه انفصالية في الواقع وان لم تكن انفصالية بحسب العرف الدستوري للدولة الإسلامية وقتئذ، وهذا مما يعقد الموقف على أمير المؤمنين (عليه السلام) ويجعل نقطة القوة التي يحصل عليها وهي مجرد البيعة في الأيام الأولى نقطة غير حاسمة بينما إذا أراد بعد هذا أن يعزل معاوية فبامكان معاوية أن يثير - إلى جانب وجوده المادي القوي المترسخ في الشام ـ الشبهات على المستوى التشريعي والإسلامي.

لماذا يعزلني؟

ماذا صدر مني حتى يعزلني بعد أن اعترف باني حاكم عادل صالح لإدارة شؤون المسلمين؟

ما الذي طرأ وما الذي تجدد؟

مثل هذا الكلام كان بامكان معاوية أن يوجهه حينئذ إلى الإمام (عليه السلام) ولم يكن للإمام (عليه السلام) أن يعطي جواباً مقنعاً للرأي العام الإسلامي وقتئذ على مثل هذه الشبهة.

بينما حين يعزله من البداية يعزله على أساس انه يؤمن بعدم صلاحيته، وبأنه لا تتوفر فيه الشروط اللازمة في الحاكم الإسلامي، وهو لا يتحمل مسؤولية وجوده كحاكم، في الفترة السابقة التي عاشها معاوية حاكماً من قبل عثمان أو من قبل عمر بن الخطاب.

النقطة السابعة: التي لا بد من الالتفات إليها في هذا المجال هي: أن هذه الشبهة تفترض أن معاوية بن أبي سفيان لو أن الإمام (عليه السلام) أمضى حاكميته وأمضى ولايته لبايعه ولأعطى نقطة القوة هذه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ولكن لا يوجد في الدلائل والقرائن التي كانت تكتنف موقف الإمام (عليه السلام) ما يوحي بصحة هذا الافتراض، فان معاوية لم يعص علياً لأجل انه عزل عن الولاية، وإنما كان ذلك في اكبر الظن جزءاً من مخطط لمؤامرة طويلة الأمد للأموية على الإسلام، الأموية كانت تريد أن تنهب مكاسب الإسلام بالتدريج هذا النهب الذي عبر عنه بأقسى صورة أبو سفيان حينما ركل قبر حمزة رضوان اللّه عليه بقدمه وهو يقول: إن هذا الدين الذي قاتلتمونا عليه، هذا الدين الذي بذلتم دماءكم في سبيله، وضحيتم في سبيله قوموا واقعدوا وانظروا كيف أصبح كرة في يد صبياننا وأطفالنا.

كان الشرف الأموي يريد أن يقتنص وان ينهب مكاسب البناء الإسلامي والوجود الإسلامي، وكانت هذه المؤامرة تنفذ على مستويات وكانت المرحلة الأولى من هذه المؤامرة ترسخ الأخوين في الشام يزيد بن أبي سفيان ثم معاوية بعد يزيد بن أبي سفيان بعد يزيد. ومحاولة استقطاب معاوية للشام، عن طريق بقائه هذه المدة الطويلة فيها.

ثم كان معاوية بن أبي سفيان بنفسه، ينتظر الفرصة الذهبية التي يتيحها مقتل عثمان بن عفان هذه الفرصة الذهبية التي تعطيه سلاحاً غير منتظر يمكن أن يمسكه ويدخل به إلى الميدان.. ولهذا تباطأ عن نصرة عثمان بن عفان كان عثمان يستنصره ويستصرخه ويؤكد له انه يعيش لحظات الخطر ولكن معاوية كان يتلكأ في إنقاذه وكان معاوية ـ على أقل تقدير ـ قادراً على أن يؤخر هذا المصير المحتوم بعثمان إلى مدة أطول لو انه وقف موقفا ايجابياً حقيقياً في نصرة عثمان بن عفان إلا انه تلكأ وتلعثم وكان يخطط لكي يبقى هذا التيار كاسحاً ولكي يخرج عثمان بن عفان على يد المسلمين ميتاً ثم بعد هذا لكي يأتي ويمسك بزمام هذا السلاح ولكي يقول أنا ابن عم الخليفة المقتول ومن المعلوم أن معاوية سوف لن يتاح له في كل يوم، أن يكون ابن عم الخليفة المقتول، فهذه الفرصة الذهبية التي كانت على مستوى الأطماع والآمال الأموية لنهب كل مكاسب الإسلام هذه الفرصة الذهبية لم يكن من المظنون أن معاوية سوف يغيرها عن طريق الاكتفاء بولاية الشام، ولاية الشام كانت مرحلة أما منذ قتل عثمان بدأ معاوية في نهب كل الوجود الإسلامي، وتزعم كل هذا الوجود وكان هذا يعني أن تعيينه أو إبقاءه والياً على الشام سوف لن يكون على مستوى أطماعه في المرحلة الأولى التي بدأت بمقتل عثمان بن عفان من مراحل المؤامرة الأموية على الإسلام.

وأخيراً لا بد من الالتفات أيضاً إلى شيء آخر: هو أن الوضع الذي كان يعيشه الإمام (عليه السلام) في ملاحظة طبيعة الأمة في ذلك الوضع، وطبيعة الإمام (عليه السلام) في ذلك الوضع، لم يكن ليوحي بالاعتقاد بالعجز عن أمكان النجاح لعملية التغيير دون مساومة.

ومن الواضح أن الفكرة الفقهية عن توقف الواجب الأهم على المقدمة المحرمة، إنما تكون فيما إذا كان هناك توقف بالفعل، بحيث يحرز أن هذا الواجب الأهم لا يمكن التوصل إليه إلا عن طريق هذه المقدمة المحرمة، والظروف وطبيعية الأشياء وقتئذ لم تكن توحي، ولم تكن تؤدي إلى اليقين بمثل هذا التوقف.

وذلك لأن المؤامرة التي كان علي (عليه السلام) قد اضطلع بمسؤولية إحباطها حينما تولى الحكم لم تكن قد نجحت بعد بل كانت الأمة في يوم قريب سابق على يوم مقتل عثمان قد عبرت تعبيراً معاكساً مضاداً لواقع هذه المؤامرة ولمضمون هذه المؤامرة.

هذه المؤامرة صحيح إنها تمتد بجذورها إلى أمد طويل قبل هذا التاريخ، المؤامرة على وجود الأمة الإسلامية فإن الأمة الإسلامية التي سهر عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) على إعطائها اصالتها وشخصيتها وكرامتها ووجودها، حتى كان قد الزم نفسه والزمه ربه بالشورى والتشاور مع المسلمين لأجل تربية المسلمين تربية نفسية وإعدادهم لا تحمل مسؤولياتهم وإشعارهم بأنهم هم الأمة التي يجب أن تتحمل مسؤوليات هذه الرسالة خلفها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي تعيش هذه الروحية وتعيش على هذا المستوى عاطفياً ونفسياً، وبدأت جذور المؤامرة للقضاء على وجود الأمة كافة وتحويل الوجود إلى السلطان والحاكم.

أول جذر من جذور هذه المؤامرة أعطي كمفهوم في السقيفة حينما قال احد المتكلمين فيها من ينازعنا سلطان محمد.

والسقيفة وان كانت بمظهرها اعترافاً بوجود الأمة لأن الأمة تريد أن تتشاور في أمر تعيين الحاكم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن المفهوم الذي أعطي في السقيفة والذي كتب له أن ينجح يوم السقيفة، وان يمتد بأثره بعد ذلك بعد يوم السقيفة هذه، المفهوم كان بحد ذاته ينكر وجود الأمة.

كان ينظر إلى النبوة على إنها سلطان قريش إنها سلطان عشيرة معينة وهذه العشيرة المعينة هي التي يجب أن تحكم وان تسود، نظرية مالكية العشيرة، التي تتحدى وجود الأمة، وتنكر عليها إصالتها ووجودها وشخصيتها، هذه النظرية طرحت كمفهوم في السقيفة ثم بعد هذا امتدت واتسعت عملياً ونظرياً.

عمر بن الخطاب كان أيضاً يعمق بشكل آخر هذا المفهوم.

في مرة من المرات سمع عمر بن الخطاب أن المسلمين يتحلقون حلقاً حلقاً، ويتكلمون في أن أمير المؤمنين إذا أصيب بشيء فمن يحكم المسلمين بعد عمر؟

المسلمون أناس يحملون همّ التجربة هّم المجتمع همّ الأمة تطبيقاً لفكرة: إن كل مسلم يحمل الهموم الكبيرة يفكرون في أن عمر بن الخطاب حينما يموت، من الذي يحكم المسلمين؟

هذا تعبير عن وجود الأمة في الميدان.

انزعج عمر بن الخطاب جدّاً لهذا التعبير عن وجود الأمة. لأنه يعرف أن وجود الأمة في الميدان معناه وجود علي (عليه السلام) في الميدان، معناه وجود الخط المعارض في الميدان، كلما نمت الأمة كلما تأصل وجودها أكثر واكتسبت أرادتها ووعيها بدرجة أعمق كلما كان علي هو الأقدر وهو الأكفأ لممارسة عملية الحكم، لهذا صعد على المنبر وقال ما مضمونه: أن أقواماً يقولون ماذا ومن يحكم بعد أمير المؤمنين...؟ ألا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى اللّه المسلمين شرها.

يعني ماذا يريد أن يقول في هذا الكلام يريد أن يقول في هذا الكلام بان المسلمين لا يجوز أن يعودوا مرة أخرى إلى التفكير المستقل في انتخاب شخص وإنما الشخص يجب أن يعين لهم من أعلى. لكن لم يستطع ولم يجرأ أن يبين هذا المفهوم والا هو في نفسه كان هكذا يرى...

كان يرى أن الأمة يجب أن تستمع منه هو يعين من أعلى هذا الحاكم، لا أن الأمة نفسها تفكر في تعيين هذا الحاكم كما فكرت مثلاً عقيب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ذلك فلتة وقى الله المسلمين شرها، والأمة يجب ألا تعود إلى هذه الفلتة مرة أخرى.

إذن فما هذا البديل؟ هذا البديل لم يبرزه لكن البديل كان في نفسه هو إني أنا يجب أن أعين هذا أيضاً، كان استمرارية لجذور المؤامرة وبعد هذا عبر عن هذا البديل بكل صراحة وهو على فراش الموت، وحينما طلب منه المتملقون أن يوصي وألا يهمل أمة محمد (صلى الله عليه وآله)، حينما طلبوا منه ذلك عبر عن هذا البديل بكل صراحة فأسند الأمر إلى ستة أيضاً كان فيه نوع من التحفظ لأنه لم يعين واحداً وحيداً لا شريك له وإنما عين ستة كأنه يريد أن يقول: بأني أعطيت درجة من المشاركة للامة عن طريق إني أسندت الأمر إلى ستة هم يعينون فيما بينهم واحداً منهم.

انظروا كيف كانت المؤامرة على الأمة تنفذ بالتدريج.

كانت المؤامرة على وجودها على كيانها على إرادتها كأمة.. تحمل اشرف رسالات السماء.

طبعاً عبد الرحمن بن عوف الذي كان قطب الرحى في هؤلاء الستة أيضاً لم يستطع في تلك المرحلة أن يطفئ دور الأمة لم يحل المشكلة عن طريق التفاوض فيما بين هؤلاء الستة، في اجتماع مغلق وإنما ذهب يستشير الأمة ويسأل المسلمين من الذي ترشحونه من هؤلاء الستة؟ إلى هنا كانت الأمة لا تزال تحتفظ بدرجة كبيرة من وجودها بحيث إن عمر بن الخطاب لم يستطع أن يغفل وجود الأمة يسأل هذا ويسأل ذاك من تريدون من هؤلاء الستة؟ يقول ما سألت عربياً إلا وقال: علي بن أبي طالب (عليه السلام) وما سألت قرشياً إلا وقال عثمان بن عفان يعني جماهير المسلمين كانت تقول علي بن إبي طالب (عليه السلام) وعشيرة واحدة معينة كانت تريد أن تنهب الحكم من الأمة كانت تقول عثمان لان عثمان بن عفان كان تكريساً لعملية النهب بينما علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان تعبيراً وتأكيداً لوجود الأمة في الميدان، ولهذا أرادته الأمة، وأرادت العشيرة عثمان.

ثم بعد هذا جاء عثمان بن عفان وفي دور عثمان بن عفان تكشفت المؤامرة أكثر فأكثر وامتدت أكثر فأكثر.

أصبحت العشيرة تحكم وتقول بكل صراحة بان المال مالنا والخراج خراجنا والأرض أرضنا إن شئنا أعطينا للآخرين وان شئنا حرمناهم.

لكن هذا كلام يقال خارج نطاق الدستور، أما في نطاق الدستور كانت لا تزال الصيغة الإسلامية وهي أن المال مال الله والناس سواسية المسلمون كلهم عبيد الله لا فرق بين قرشيهم وعربيهم وبين عربيهم واعجميهم بين أي مسلم وأي مسلم آخر، هذه كانت الصيغة الدستورية حتى في عهد عثمان لكن هذا الوالي الأموي المتغطرس أو ذاك الأموي المتعجرف أو هذا الأموي المستعجل والمتهور كان ينطق بواقع آخر لا يعبر عن الدستور حيث ينظر إلى الأمة على إنها قطيع يتحكم فيه كيف يشاء، وعلى إن ارض الإسلام مزرعة ينتفع بخيراتها من يشاء هو ويحرم من خيراتها من شاء ولكن منطق الدستور الإسلامي كان هو المتحذر في نفوس أبناء الأمة هذا المنطق هو إن ارض السواد ملك الأمة وان الأمة هي صاحبة الرأي فهي القائدة وهي سيدة الموقف وهذا يعني إن المؤامرة لا تزال غير ناجحة بالرغم من الجذور بالرغم من المقدمات بالرغم من الإرهاصات النظرية والعملية بالرغم من كل ذلك المؤامرة لم تكن ناجحة الأمة كانت هي الأمة، الأمة كانت تأتي إلى عثمان وتقول: لا نريد هذا الوالي لان هذا الوالي منحرف، منحرف لا يطبق كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) ولم يكن يستطيع عثمان بن عفان أن يجيب بصراحة ويقول ليس لك إرادة، هذا الوالي يمثلني أنا، وأنا الحاكم، أنا الحاكم المطلق لم يكن يستطيع عثمان بن عفان أن يقول هذا وإنما كان يعتذر ويقيل ويرجع وهكذا كان يناور مع الأمة يشتغل بمناورات من هذا القبيل مع هذه الأمة التي بدأت تحس بالخطر على وجودها فعبرت الأمة تعبيراً ثورياً عن وجودها وعن كرامتها فقتلت هذا الخليفة وبعدها اتجهت طبيعياً إلى الإمام (عليه السلام) لكي يعبر من جديد عن وجودها لكي يحبط المؤامرة لكي يعيد إلى هذه الأمة كل كرامتها خارج نطاق الدستور وداخل نطاق الدستور لكي يقضي على كل انحراف خرج به الحكام عن الدستور عن الصيغة الإسلامية للحياة.

فمن هنا كانت القضية لا تزال في بدايتها لا تزال الأمة هي الأمة لا تزال بحسب مظهرها على اقل تقدير هي تلك الأمة التي قتلت الحاكم في سبيل الحفاظ على وجودها وعلي (عليه السلام) صاحب الطاقات الكبيرة هو الشخص الوحيد الذي يؤمل فيه أن يصفي عملية الانحراف.

فالظروف والملابسات لم تكن تؤدي إلى يأس... كانت تؤدي إلى أمل وما وقع خارجاً خلال هذه الأربع سنوات كان يؤكد هذا الأمل فان علياً (عليه السلام) لولا معاكسات جانبية لم تكن تنبع من حقيقة المشاكل الكبرى في المجتمع، لاستطاع أن يسيطر على الموقف.

لولا مسألة التحكيم مثلاً، لولا أن شعاراً معيناً طرح من قبل معاوية هذا الشعار الذي انعكس بفهم خاطئ عند جماعة معينة في جيش الإمام (عليه السلام) لولا هذا لكان بينه وبين قتل معاوية وتصفيته بضعة أمتار.

إذن كان الأمل في أن علياً (عليه السلام) يمكنه أن يحقق الهدف ويعيد للامة وجودها من دون حاجة إلى المساومات وأنصاف الحلول كان هذا الأمل أملاً معقولاً وكبيراً ولهذا لم يكن هناك مجوز لارتكاب أنصاف الحلول والمساومات.

ولكن هذا الأمل قد خاب كما قلنا. انتهى آخر أمل حقيقي في هذه التصفية حينما خر هذا الإمام (عليه السلام) العظيم صريعاً في مسجده صلوات الله عليه وانتهى آخر أمل في هذه التصفية وقدر للمؤامرة على وجود الأمة أن تنجح وان تؤتي مفعولها كاملاً.

غير إن الإمام (عليه السلام) حينما فتح عينيه في تلك اللحظة العصيبة ورأى الحسن (عليه السلام) وهو يبكي ويشعر ويحس ويدرك بان وفاة أبيه هي وفاة لكل هذه الآمال أراد أن ينبهه إلى إن الخط لا يزال باقياً والى أن التكليف لا يزال مستمراً وان نجاح المؤامرة لا يعني أن نلقي السلاح.

نعم المؤامرة يا ولدي نجحت ولهذا سوف تشردون وسوف تقتلون ولكن هذا لا يعني أن المعركة انتهت يجب أن تقاوم حتى تقتل مسموماً، ويجب أن يقاوم أخوك حتى يقتل بالسيف شهيداً ولا بد أن يستمر الخط حتى بعد أن سرق من الأمة وجودها لان محاولة استرجاع الوجود إذا بقيت في الأمة فسوف يبقى هناك نفس في الأمة سوف يبقى هناك ما يحصن الأمة ضد التميع والذوبان.

الأمة حينما تتنازل عن هذه الإرادة والشخصية لجبار من الجبابرة حينئذ تكون عرضة للذوبان والتميع في أتون أي فرعون من الفراعنة.

لكن إذا بقي لدى الأمة محاولة استرجاع هذا الوجود باستمرار هذه المحاولة التي يحاولها خط علي (عليه السلام) ومدرسة علي (عليه السلام) والشهداء والصديقون من أبناء علي (عليه السلام) وشيعته إذا بقيت هذه المحاولة فسوف يبقى مع هذه المحاولة أمل في أن تسترجع الأمة وجودها وعلى اقل تقدير سوف تحقق هذه المحاولة كسباً آنياً باستمرار وهو تحصين الأمة ضد التميع والذوبان المطلق في إرادة ذلك الحاكم وفي إطار ذلك الحاكم.

وهذا ما وقع.

أسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا من أنصاره وشيعته والسائرين في خطه والمساهمين في هذه المحاولات.