طعونات في نهج البلاغة – الخامس

الشيخ أحمد سلمان

الشبهة السابعة : الإطناب :

وجد بعضهم منفذاً آخرللطعن في كتاب (نهج البلاغة) ، وهو أن جملة من خطبه ورسائله طويلة جدًّا،وهذا غيرمعهود عند العرب في تلك الحقبة الزمنية ، ولعلّ أول من أشارلهذا المطعن هو الدكتورأحمد زكي صفوت الذي قال في الترجمة : يخالج نفوسنا الشك في عهد الأشتر من حيث طوله وإسهابه ؛ لاعتبارات نوردها لك ...

الأول : أن الخلفاء عهدوا إلى ولاتهم ، فلم يؤثرعنهم ذلك الإسهاب في عهودهم... ويستوقفنا أيضاً من طوال خطبه ، خطبتان هما أطول ما أثرعنه بعد عهد الأشتر: القاصعة ، وخطبة الأشباح [١] .

والجواب على هذا الإشكال من عدة وجوه :

الأول : لا يمكن الطول في حدّ ذاته مطعناً في خطب أميرالمؤمنين عليه السلام ؛إذ أن الاطناب من الأساليب البلاغية المعروفة التي يدور رحم علم المعاني عليها ، فالإطناب والايجازإنما هما بلحاظ مراعاة مقتضى الحال ، فقد يقتضي الحال أن يطنب البليغ في كلامه إذا كان في مقام مدح أو كان المخاطب قليل الاستيعاب أو غيره من الموارد التي أشبعت بحثاً في كتب علوم البلاغة .

الثاني : لا يوجد من يقول : إن الإطناب مرفوض في حدّ ذاته ، وحتّى صاحب الشبهة قال : لانقول : إن هذا القدرمن الطول غيرمقبول عقلاً ، ولكنا نقول : إن المعروف في ذلك العهد والمتداول بين أيدينا من خطب النبي وخطب أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية لا يبلغ هذا الحد ، بل ولا نصفه [٢] .

وعليه ، فإن النتيجة التي وصل إليها مبنية على استقراء كلام العرب ، وهذا استقراء ناقص كما يقول المناطقة لا تقوم به الحجة ، خصوصاً مع وجود أدلة صريحة تثبت أن الإطناب كان من الأساليب البلاغية الموجودة في كلام العرب ، بل كانت علامة البلغاء وميزة الفصحاء .

ومن الشواهد التاريخية التي تدل على شياع الإطناب والإطالة عند العرب ما ذكره الجاحظ في البيان والتبيين ، حيث قال : والسُّنّة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ، ويقصرالمجيب ، ألا ترى إلى قيس بن خارجة بن سنان لما ضرب بصفيحة سيفه مؤخرة راحلتي الحاملين في شأن حمالة داحس والغبراء ، وقال : ما لي فيها أيها العشمتان . قالا : بل ما عندك ؟ قال : عندي قرى كل نازل ، ورضا كل ساخط ، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب ، آمر فيها بالتواصل ، وأنهى فيها عن التقاطع .

قالوا : فخطب يوماً إلى الليل ، فما أعاد فيها كلمة ولا معنى [٣] .

فالإطالة ليست موجودة فقط في كلام العرب ، بل هي سُنّة جارية عندهم في مثل النكاح ، والعجيب أنه عُدّ من مفاخر قيس بن الخارجة أنه خطب من طلوع الشمس إلى الليل ، في حين أن طول خطب أميرالمؤمنين عليه السلام في كتاب (نهج البلاغة) لا تبلغ عشرمعشارهذا المقدار.

وقد ورد الإطناب في كلام سيّد العرب والعجم رسول الله صلى الله عليه وآله کما ذكرنا ذلك فيما سبق مما وراه مسلم في صحيحه من أن النبي صلى الله عليه وآله خطب في الناس من بعد صلاة الفجر إلى غروب الشمس لا يقطع كلامه إلا إقامة الصلوات فقط ، فأي إطناب أعظم من هذا ؟

فهذه الخطبة التي تحدث عنها الراوي دامت قرابة عشرساعات باستمرار، ولا ندري لماذا لم يلعّق أحد عليها بمثل ما عُلَّق على خطب أميرالمؤمنين عليه السلام ، أو أن الكيل بمكيالين يمنع من ذلك ؟!

وكذلك ورد الإطناب في خطب بعض الصحابة ، كسحبان الذي ضُرب به المثل في البلاغة والفصاحة ، حتى قيل : أفصح من سحبان !

فقد ذكر ابن الجوزي أنه : كان خطيباً بليغاً يُضرب المثل بفصاحته ، ودخل على معاوية بن أبي سفيان وعنده خطباء القبائل ، فلما رأوه خرجوا لعلهم بقصورهم عنه ، فمن قوله :

لقدْ عَلِمَ الحُّي اليمانيونَ أنني ***** إذا قلتُ : أما بعدُ ، أني خطيبُها

فقال له معاوية : أخطب ، فقال : انظروا لي عصاً تقيم من أودي ، قالوا : وما تصنع بها وأنت بحضرة أميرالمؤمنين ؟ قال : ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه ، فأخذها وتكلم من الظهر إلى أقارب العصر، ما تنحنح ، ولا سعل ، ولا توقف ، ولا ابتدأ في معنى فخرج عنه ، قد بقيت عليه بقية فيه ، فقال معاوية : الصلاة قال : الصلاة أمامك ، ألسنا في تحميد وتمجيد وعظة وتنبيه وتذكير ووعد ووعيد ، فقال معاوية : أنت أخطب الجن والإنس ، قال : كذلك أنت [٤] .

وهذا شاهد آخر یدل على ما ذكرناه من أن الإطناب كان فنًّا معروفاً عند بلغاء العرب ، بل كان علامة عندهم وآیة تدل على البراعة في فنون الفصاحة والبلاغة .

وعليه ، فإن ما ذكره الدكتورأحمد زكي صفوت لا يرقى إلى مستوى الإشكال العلمي الذي من شأنه أن ينقض عرى هذا الكتاب .

بقي أمرهنا لابدّ من الإشارة إليه : وهو أن بعض المعاصرين قد شكَّك في كل الخطب الطويلة الواردة عن أهل البيت عليهم السلام ؛ لعدم ثقته في ضبط الرواة لمثل هذه الأخبارحتى مع طولها ، فقال : وهنا سؤال محيّرآخر، وهو ضبط المذكرات ، وكيفية كتابة الأسئلة والأجوبة ، ولم يشرإليه في مطلق الروايات الطوال ، نعم قد ذُكرفي جملة من الروايات أن الرواة كتبوا ما قاله الإمام ، أو استأذن الراوي عنه في الكتابة والإملاء ، أو ذكر الراوي كلاماً يُفهَم منه أنه كتب الرواية ، لكن ضبط المذكورات في المجالس أمر مشكل ، ويشكل الاعتماد على الروايات الطويلة حتى وإن صحَّت أسانيدها ، فضلاً عما إذا ضعفت ، فافهم جيداً [٥] .

ويمكن الجواب على هذا الإشكال بعدة إجابات :

أولاً : من المعلوم أن العرب كانوا في ذلك العصرأصحاب حافظة قوّية لا تقاس بما نحن عليه اليوم ، ولهذا كانوا يحفظون القرآن الكريم والأشعارالطوال بمجرد سماعها مرة واحدة ؛ وذلك لاعتمادهم على الذاكرة أكثر من التدوين .

ولعل السبب في هذا هو إتكاؤهم على حافظتهم أكثر من الكتب والمخطوطات ، وقد أثبت الطب الحديث أن ذاكرة الإنسان مثل العضلة تتقوّى بالحفظ والممارسة .

ولذلك فإن فلسفة التاريخ جعلوا من هذه الأمرقاعدة مطّردة في كل الشعوب ، ومنهم (ويل ديورانت) الذي قال : أما القبائل الساذجة التي تعيش معظم حياتها عيشاً معتزلاً بالنسبة إلى سواها ، وتنعم بالسعادة التي تنجم عن جهل الإنسان بتاريخه الماضي ، فلا تحسّ بالحاجة إلى الكتابة إلا قليلاً ، ولقد قويت ذاكراتهم بسبب انعدام المخطوطات التي تساعدهم على حفظ ما يريدون الاحتفاظ به ، فتراهم يحتفظون ويَعُون ، ثم ينقلون ما حفظوه وما وَعَوه إلى أبنائهم بتسميعهم إياه ؛ وإنما هم يحفظون ويعون ويُسَمعون كل ما يرونه هاماً في الاحتفاظ بحوادث تاريخهم وفي نقل تراثهم الثقافي [٦] .

بل إن بعض المؤرَّخين نص على أنّ العرب في صدرالاسلام كان التدوين عنده قبيحاً ؛ لمخالفته للذوق العام السائد في ذلك العصر وهوالحفظ ، ولذلك قال الدكتورجواد علي : ويظهر أن أسلوب الحفظ والتسجيل في الذاكرة ، كان الأسلوب الشائع بين الجاهلين في ذلك الزمن في الإبقاء على النثر أو الشعر، وقد كان هذا الأسلوب متّبعاً عند غيرالعرب في تلك الأيام ، إذ كانوا يقيمون وزناً كبيراً للرواية ، حتى إنهم يفضّلون الحفظ على القراءة عن كتاب أو صحيفة ، ولا سيما بالنسبة للكتب المقدسة والكتب الدينية الأخرى وفي الامورالنابهة مثل الشعر، يرون أن في القراءة ثواباً وأجراً عظيماً ، وتعظيماً لشأن المقروء .

ولا أستبعد أن تكون هذه النظرة هي التي جعلت أصحاب الرسول يحفظون القرآن ، ويتلونه تلاوة من غير قراءة عن كتاب ولا نظر في صحيفة ، يتلونه أمام الرسول وبين أنفسهم وبين الناس ، ولا يقرؤونه عن كتاب ، مع أن منهم من كان يقرأ ويكتب وقد جمع القرآن ، وكان تقديرالعام آنذاك بحفظه ، لا بما يكتبه من صحف وبما يؤلفه من مؤلفات ، ولهذا أشتهر كثيرمن العلماء بسعة علمهم ، مع أنهم لم يتركوا أثراً مكتوباً ؛ لأن العلم بالحفظ لا بالتدوين ، وقد ينتقص من شأن العالم إذا تلا علمه عن كتاب ، حتى إن كان ذلك الكتاب كتابة ؛ لأن القراءة عن كتاب لا تدل على وجود علم عند القارئ ،وشأنه إذن دون شأن الحافظ الخازن للعلم في دماغه المملي للعلم إملاءً ، وكانوا إذا انتقصوا عالماً قالوا : إنه يتلوعن صحيفة ، أو يقرأ عن صحيفة أو كتاب ، ومن هنا قيل للذي يقرأ في صحيفة ويخطىء في قراءتها المصحفون [٧] .

فحفظ العرب للخطب والروايات الطويلة ليس بمستغرب ولا مستبعد ولا مستهجن لما قدمنا ، وإشكال هذا الرجل مبني على المقدارالمتعارف من الحفظ الموجود في هذا العصر، وليس على دليل عقلي محكم أو نقلي صحيح ، بل لا يعدو كونه قياساً مع الفارق .

ثانياً : من تتبَّع أحوال أصحاب الأئمة عليهم السلام علم أنهم كانوا أكثرالنّاس حرصاً على تدوين ما يسمعونه من أحاديث وخطب وحوادث ، خصوصاً مع وجود الحث الشديد من جانب المعصومين عليهم السلام على تدوين العلم .

منها : قول النبي صلى الله عليه وآله : قيَّدوا العلم بالكتاب [٨] .

ومنها : قول أميرالمؤمنين عليه السلام : من يشتري علماً بدرهم ؟ فذهب الحارث الأعور فاشترى صحفاً ، فجاء بها [٩] .

ومنها : قول الإمام الحسن عليه السلام إنكم صغار قوم ، ويوشك أن تكونوا كبار قوم آخرین ، فتعلّموا العلم ، فمن يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه ، وليضعه في بيته [١٠] .

ومنها : قول الإمام الحسين عليه السلام : أما بعد فإن هذا الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما علمتم ، ورأيتم ، وشهدتم ، وبلغكم ، وإني أريد أن أسألكم عن شيء ، فإن صدقت فأصدقوني ، وإن كذبت فأكذبوني ، واسمعوا مقالتي ، واكتبوا قولي ، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم ومن ائتمنتموه من الناس ووثقتم به ، فادعوه إلى ما تعلمون من حقّنا [١١] .

وغيرها من الكلمات الكثيرة الواردة عن أئمة الهدى عليهم السلام في حثّ شيعتهم على تدوين علومهم .

وانتقل الأمرمن القوة إلى الفعل ، ومن الحث إلى التدوين الفعلي ، فنجد أن الأئمة عليهم السلام قد كتبوا علومهم ودوّنوها .

فأميرالمؤمنين عليه السلام قد دوّن الصحيفة الجامعة ، وهي كتاب في الحلال والحرام ، اشتمل على كل الأبواب الفقيهة والأحكام الشرعية ، ولهذا روي عن الإمام الصادق عليه السلام بسند معتبر في وصف هذا الكتاب أنه قال : صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله « وإملائه من فلق فيه ، وخط علي بيمينه ، فيها كل حلال وحرام ، وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش [١٢] .

وكتب أيضاً صحيفة الفرائض التي أظهرها أهل البيت عليهم السلام في أكثرمن مورد لخواص أصحابهم .

فقد روي الكليني قدس سره بسند صحيح عن محمد بن مسلم أن أبا جعفرعليه السلام أقرأه صحيفة الفرائض التي أملاها رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده ، فقرأت فيها : أمرأة تركت زوجها وأبويها فللزوج النصف : ثلاثة أسهم ، وللأم سهمان :الثلث تامًّا ، وللأب السدس : سهم [١٣] .

وكتب أيضاً تفسيراً كاملاً لكتاب الله عزَّوجل كما رُوي عنه ذلك بسند معتبر، حيث قال عليه السلام : فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله آیة من القرآن إلا أقرأنيها ، وأملاها عليَّ ، فكتبتها بخطي ، وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصّها وعامّها ، ودعا الله أن يعطيني فهمها ، وحفظها فما نسيت آیة من كتاب الله ، ولا علماً أملاه عليَّ وكتبته ، منذ دعا الله لي بما دعا ، وما ترك شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام ، ولا أمر ولا نهي ، كان أو يكون ، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علّمنيه وحفظته [١٤] .

وقد انتهج الشيعة نهج إمامهم ، فكانوا يكتبون كل كبيرة وصغيرة ، ولا يتركون شاردة ولا واردة دون تدوين ، ولذلك كثرت المصنّفات من أصحاب أميرالمؤمنين عليه السلام وتلامذته من الرعيل الأول .

منهم : الحارث الأعورالهمداني : فإنه صنَّف كتاباً جمع فيه خطب أميرالمؤمنين عليه السلام كما يظهرمما رواه الكليني في الكافي بسنده عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور، قال : خطب أميرالمؤمنين عليه السلام خطبة بعد العصر، فعجب الناس من حسن صفته ، وما ذكره من تعظيم الله جلَّ جلاله . قال أبوإسحاق : فقلت للحارث : أو ما حفظتها ؟ قال : قد كتبتها . فأملاها علينا من كتابه [١٥] .

ومنهم : زيد بن وهب : فإنه صنَّف كتاباً جمع فيه خطب أميرالمؤمنين عليه السلام في المواسم والأعياد وغيرها ، وقد ترجم له الشيخ الطوسي في الفهرست بقوله : لكه كتاب خطب أميرالمؤمنين عليه السلام على المنابر في الجمع والأعياد وغيرها [١٦] .

ومنهم : سليم بن قيس الهلالي : وهو من أصحاب أميرالمؤمنين عليه السلام صنّف كتابه المعروف بكتاب سليم ، ذكر فيه جملة من أخبار وروايات أهل البيت عليهم السلام ، والحوادث التاريخية المهمة التي وقعت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله .

هذا من باب المثال ، وإلا فإن أصحاب الأئمة عليهم السلام كانوا مهتمّين أشد الاهتمام بحفظ ما يسمعونه ، ومن هنا ألّفوا الكتب المعروفة بالأصول الأربعمائة ، وهي أربعمائة من الرواة الذين دونوا فيها ما سمعوه من أئمة أهل البيت عليهم السلام في العقيدة والتفسيروالفقه والأخلاق والسنن والآداب وغيرها .

فثقافة الكتابة والتدوين كانت موجودة عند أصحاب أئمة أهل البيت عليهم السلام فلا يصح هذا الإشكال مع وجود العلم الإجمالي بالتدوين والكتابة .

ثالثا : أن غاية ما يفيده هذا الإشكال هو الشك في ضبط الراوي للخطب الطويلة ، لا أنه دليل على بطلانها ، وبما أن رواة الغالبية العظمى من الخطب هم للخطب الطويلة ، ورواية الخطب الطويلة لا تقتضي التشكيك في الضبط المعلوم ميبقاً ، وإلا فإن هذا الشك يمكن أن يجري حتى في رواية الأخبارالقصيرة ، وذلك يقتضي طرح كل روايات الثقات الضابطين ، وهذا لا يقوله عالم فاضل .

وقد ورد في أخبارأهل البيت عليهم السلام نهي عن دفع رواياتهم بالشكوك والتخمينات ، منها ما رواه الكشي بسنده عن صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف : فإنه لا عذرلاحد من موالينا في التشكيك فيما يؤديه عنا ثقاتنا ، قد عرفوا بأننا نفاوضهم سرنا ، ونحمله إياه إليهم وعرفنا ما يكون من ذلك ان شاءالله تعالى [١٧] .

فمجرد التشكيك لا يمكن أن يكون موهنا للرواية ما لم يعضد بدليل يثبت هذا المدعى ولا دليل في المقام .

رابعاً : المثال الذي جاء به الرجل وهو دعاء عرفة ، وشكَّك فيه من ناحية الطول ، يمكننا إثباته من جهة المتن ، إذ أن مثل هذه المضامين الراقية لا يمكن أن تصدر إلا من عين صافية ، وكذلك خطب أميرالمؤمنين عليه السلام ، فإن حسن سبكها، وسلاسة عبارتها ، وسحربيانها ، وعلو مضامينها ، تجعلنا نقطع بصدورها عنه عليه السلام .

فهذه الأجوبة الأربعة تنسف هذا الإشكال من أساسه ، وتدفع كل تشكيك قد يرد على الخطب الطويلة في النهج .

الشبهة الثامنة : السجع:

ادّعى بعض الكُتّاب أن بعض الأساليب الأدبية المستخدمة في كتاب (نهج البلاغة) لم تكن معروفة في ذلك الوقت ، ولعل أهمها السجع .

ولذلك قال أحمد أمين المصري : وقد شكّ في مجموعها النقّاد قديماً وحديثاً ، كالصفدي وهوارت ، واستوجب هذا الشك أمور: ما في بعضه من سجع منمَّق ، وصناعة لفظية لا تُعرّف لذلك العصر [١٨] .

وقبل الشروع في الجواب على هذه الشبهة المتهالكة لابد من تعريف ما هوالسجع الذي نبحث فيه ؛ لكي يكون القارئ الكريم في الصورة .

السّجع : هو من المحسنات البديعية التي تُبحّث في علم البلاغة ، وهو كما عرفوه أرباب الفن : تواطؤ الفاصلتين من النثرعلى حرف واحد ، أي أن تتفق الكلمتين الواردة في آخرالعبارة أو السياق في بعض الحروف الأخيرة منها ، وقد شبّهه بعض علماء البلاغة بقافية الشعر.

مثاله : ما رواه الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وآله سمع قس بن ساعدة الأيادي يخطب فيقول : يا أيها الناس اجتمعوا ، واستمعوا وعوا ، من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هوآتٍ آتٍ ، إن في السماء لخبراء ، وإن في الأرض لعبراء ، مهاد موضوع ، وسقف مرفوع ، ونجوم تمور، وبحارلا تغور... [١٩] .

وبعد هذا التعريف المقتضب نقول : إنه لم يقل أحد من الناس لا من المتقدّمين ولا من المتأخّرين : لإن السجع قبيح ، بل أجمع علماء البلاغة على أن السجع من المحسَّنات البديعية التي تصفي على الكلام جمالاً ورونقاً .

ومن هنا نعلم إن إشكال أحمد أمين لم يكن على أصل السجع ، بل كان كلامه حول عدم استعمال العرب لهذا الأسلوب من السجع في تلك الحقبة الزمنية ،بل ظهرالسجع متأخَّراً عنها .

وهذا الإشكال أيضاً مبني على مقدمة جعلها أحمد أمين أمرا مسلّما غير قابل للنقاش ، وهو أن العرب لم يعرفوا السجع في تلك الفترة ، والحال أننا لو أحسنّا الظن بهذا الرجل لقلنا : إنه أبعد ما يكون عن كلام العرب ونفسهم الأدبي .

إذ أن كلماتهم تطفح بالسجع ، بل نادراً ما تجد خطبة لأحد فصحاء العرب تخلو من هذا الأسلوب البلاغي .

والسجع معروف في كلام العرب ، بل حتى في القرآن الکریم وفي الحديث النبوي الشريف وكلام الصحابة والتابعين ، وإليك التفصيل :

السجع في القرآن :

أهم مصدر لكلام العرب هو القران الكريم , والسجع كثير في القران الكريم .

قال التفتازاني في مختصرالمعاني : (وهو) أي السجع (ثلاثة أضرب: مطرَّف إن اختلفتا) أي الفاصلتان ( في الوزن ، نحو: ( مَّالَكُمْ لَاتَرجُونَ لِلَّه وَقَاراً (*) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطوَاراً)) ،فأن الوقار والأطوارمختلفان وزناً .

إلى أن قال : (وإلا فهو متوازٍ) إي وإن لم يكن جميع ما في القرينة أو أكثره موافقاً لما یقابله من الأخرى فهو السجع المتوازي ، (نحو: ( فِيهَا سُرُرٌمَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوضُوعَةٌ)) ؛ لاختلاف (سرر)) و((أكواب)) في الوزن والتقفية معاً ،وقد يختلف الوزن فقط ، نحو: (وَالمُرسَلَتِ عُرفأً (*) فَالعَصِفَتِ عَصفاً) .

إلى أن قال : (قيل : ولا يقال : في القرآن أسجاع) رعاية للأدب وتعظيماً له ؛ إذ السجع في الأصل هديرالحَمَام ونحوه ، وقيل : لعدم الإذن الشرعي ، وفيه نظر؛ إذ لم يقل أحد بتوقف أمثال هذا على إذن الشارع ، وإنما الكلام في أسماء الله تعالى [٢٠] .

وقد ذكرابن أبي الحديد شارح (نهج البلاغة) في معرض جوابه على هذه الشبهة أن السجع موجود في القرآن الكريم ، فقال : واعلم أن قوماً من أرباب علم البيان عابوا السجع ، وأدخلوا خطب أميرالمؤمنين عليه السلام في جملة ما عابوه ؛ لأنه يقصد فيها السجع ، وقالوا : إن الخطب الخالية من السجع ، والقرائن والفواصل ، هي خطب العرب ، وهي المستحسنة الخالية من التكلف...واعلم أن السجع لو كان عيباً لكان كلام الله سبحانه معيباً ؛ لأنه مسجوع ، كله ذو فواصل وقرائن ، ويكفي هذا القدر وحده مبطلاً لمذهب هؤلاء [٢١] .

وهذه شهادة مهمة من رجل شهد له الجميع السنة والشيعة بالتضلع في علوم اللغة والأدب والبراعة فيها .

السجع في الحديث النبوي :

لو استقصينا أحاديث النبي المصطفى صلى الله عليه وآله لوجدنا الكثيرمن الخطب والأحاديث مسجوعة .

منها : ما رواه مسلم في صحيحة : عن زيد بن أرقم ، قال : لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله یقول ، كان يقول : اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ، والجبن والبخل والهرم ، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها وزكَّها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها ، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن دعوة لا يستجاب لها [٢٢] .

وقد علق النووي على هذا الحديث بقوله : هذا الحديث وغيره من الأدعية المسجوعة دليل لما قاله العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هوالمتكلف ،فإنه يُذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ، ويُلهي عن الضراعة والافتقار وفراق القلب ، فأما ما حصل بلا تكليف ولا إعمال فكر، لكمال الفصاحة ونحو ذلك ، أو كان محفوظاً ، فلا بأس به ، بل هو حسن [٢٣] .

إذن من كلام النووي نستنتج أمرين :

أولهما : أن السجع غيرالمتكلف ليس بقبيح .

والثاني : أن السجع موجود في الحديث النبوي ، وبالتالي فهو معروف في تلك الفترة الزمنية ، كما ادعّى أحمد أمين .

وللنووي تصريح آخر حول السجع ننقله لأهميته ، فقد قال في شرحه على الصحيح : وأما السجع الذي كان النبي صلى الله عليه وآله یقوله فی بعض الآوقات وهو مشهور في الحديث فليس من هذا ؛ لأنه يعارّض به حكم الشرع ، ولا يتكلفه ، فلا نهي فيه ، بل هو حسن ، ويؤيَّد ما ذكرنا من التأويل قوله صلى الله عليه وآله : (( کسجع الأعراب)) ، فأشارإلى بعض السجع هو المذموم ، والله أعلم [٢٤] .

ومنها : ما رواه البخاري في صحيحه : عن بي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله

صلى الله عليه وآله کان یقول : لا إله إلا الله وحده ، أعزَّ جنده ، ونصرعبده ، وغلب الأحزاب وحده ، فلا شيء بعده [٢٥] .

وقد علق ابن حجرعليه بقوله : هو من السجع المحمود ، والفرق بينه وبين المذموم أن المذموم ما يأتي بتكليف واستكراه ، والمحمود ما جاء بانسجام واتفاق ، لهذا قال في مثل الأول : (( أَسجعٌ مثل سجع الكهان؟))، وكذا قال ، كان يكره السجع في الدعاء ، ووقع في كثيرمن الأدعية والمخاطبات ما وقع مسجوعاً، لكنه في غاية الانسجام المشعر بأنه وقع بغير قصد [٢٦] .

أما الصحابة فقد ورد أيضاً في كلامهم سجع كثيرلا يمكن إحصاؤه ، ولا يتسنّى استقصاؤه ، وسنكتفي بهذا المثال :

فقد روى ابن شبة بسنده : عن عمارة بن غزية ، قال : مرَّ عمر بن الخطاب على عقيل بن أبي طالب ، ومخرمة بن نوفل بن وهب بن عبد مناف ، وعبد الله بن السائب بن أبي حبيش ، وهم يتذاكرون النسب ، فجاء عمر حتى سلَّم عليهم ، ثم جاوزهم ، فجلس على المنبر، فكبرعليه ، قال : فظننا أنه سيتكلم ، فرفع رأسه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، أوفوا الطحين ، واملكوا العجين ، وخيرالطحين ملك العجين ، ولا تأكلوا البيض ، فإنما البيض لقمة ، فإذا تركت كانت دجاجة ثمن درهم ، وإياكم والطعن في النسب ، اعرفوا مِنْ أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، وتأخذون به وتقطون به ، واتركوا ما سوى ذلك ، لا يسألني أحد وراء الخطاب ، فإنه لو قيل : لا يخرج من هذا المسجد إلا بهيم بن هبوب ما خرج منهم أحد [٢٧] .

وهذه الخطبة فيها فائدتان :

الأولى : هو وجود كلام مسجوع للصحابة كما في هذه الخطبة مثل : (أوفوا الطحين ، واملكوا العجين ، وخيرالطحين ملك العجين) وهذا كاف لإسقاط مدّعى أحمد أمين .

الثانية : هوالفرق الشاسع والبون الواسع بين الكلام المنسوب لعلي بن أبي طالب عليه السلام وبين غيره من الصحابة مثل عمر بن الخطاب ، ولعل هذا هوالسبب في محاولتهم إسقاط كتاب (نهج البلاغة) ؛ لكونهم لا يرضون بإثبات منقبة له في مقابل صحابتهم.

ولهذا قال ابن أبي الحديد المعتزلي : ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة ، وحسبك أنه لم يدوَّن لأحد من فصحاء الصحابة العشر، ولا نصف العشر مما دوَّن له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبوعثمان الجاحظ في مدحه في كتاب (البيان والتبيين) وفي غيره من كتبه [٢٨] .

ونختم الرد على هذا الإشكال الواهي بملاحظة مهمة جدّا ، هي أنّ أحمد أمين استشهد في معرض كلامه بشخصيتين ، هما الصفدي وهوارت .

أمّا الأول فقد ذكرنا سابقاً أنه مجّرد مقلد أعمى لابن خلَّكان ، ولا رأي له في الأمر، فلا ندري كيف اعتبره من النقّاد الذين يُعتدّ برأيهم ؟

أمّا الثاني [٢٩] فهو من المستشرقين الذين جعلوا شغلهم الشّاغل الطعن في كل الإسلام ، فلم يترك عروة فيه إلا حاول نقضها ، ولا دعامة إلا سعى لهدمها وهو أول من أثار شبهة اقتباس النبي المصطفى صلى الله عليه وآله القرآن من أشعارالجاهلية ، لاسيما من شعرأمية بن أبي الصّلت وأمرئ القيس !

فلا ندري هل يوافق أحمد هذا الرجل على نقده القرآن واتهامه للرسول الآعظم صلى الله عليه وآله بتآلیف القرآن ونسبته لساحة الرحمن ؟ ، فكان ترجماناً في وزارة الخارجية . ومثّل حكومته في مؤتمري المستشرقين بالجزائر سنة ١٩٠٥ , وفي كوبنهاجن ١٩٠٨ , والف عدة كتب .

علماً أنّ أحمد أمين عُرِفَ بملء كتبه بالتقوّل على الشيعة ، ونسبة أمور لهم لا يقولون بها ، ولا يقرّونها ، ولّما واجهه علماء النجف الأشرف في ذلك اعتذر بعدم اطلاعه على كتب الشيعة !

وقد نقل الشيخ كاشف الغطاء ما داربينه وبين أحمد أمين في النجف في كتابه (أصل الشيعة وأصولها) ، فقال : ومن غريب الاتفاق أن أحمد أمين في العام الماضي ١٣٤٩ هجري بعد انتشاركتابه ،ووقوف عدة من علماء النجف عليه زار مدينة العلم ، وحظي بالتشرف بأعتاب باب تلك المدينة في الوفد المصري المؤلف من زهاء ثلاثين بين مدرس وتلميذ ، وزارنا بجماعته ، ومكثوا من ليلة من ليالي شهررمضان في نادينا في محفل حاشد ، فعاتبناه على تلك الهفوات عتاباً خفيفاً ، وصفحنا عنه صفحاً جميلاً ، وأدرنا أن نمرعليه كراماً ، ونقول له سلاماً...وكان أقصى ما عنده من الاعتذار من الاعتذارعدم الاطلاع وقلة المصادر؟! فقلنا : وهذا أيضاً غير سديد ، فإن من يريد أن يكتب عن موضوع يلزم عليه أولاً أن يستحضرالعدة الكافية ، ويستقصي الاستقصاء التام وإلا فلا يجوز له الخوض فيه والتعرض له ، وكيف أصبحت مكتبات الشيعة ومنها مكتبتنا المشتملة على ما يناهزخمسة الآف مجلد أكثرها من كتب علماء السنة ، وهي في بلدة كالنجف فقيرة من كل شيء إلا من العلم والصلاح إن شاء الله ، ومكتبات القاهرة ذات العظمة والشأن خالية من كتب الشيعة إلا شيئاً لا يذكر[٣٠] .

ولهذا فلا يمكن الاعتماد على ما ينقله هذا الرجل ، ولا ما يقوله ؛ لاعترافه بعدم اطلاعه على كتب الشيعة واعتماده على ما ينقله الغير.

------------------------------------------------------------------------------------
[١] . ترجمة علي بن أبي طالب : ١٣٠ .
[٢] . ترجمة علي بن أبي طالب : ١٣١ .
[٣] . البيان والتبيين : ٧٦ .
[٤] . المنتظم في التاريخ ٥ / ٢٨٣ .
[٥] . مشرعة بحارالأنوار١ / ٢٣٦ .
[٦] . قصة الحضارة ١ / ١٢٨ .
[٧] . المفصل في تاريخ العرب ١٤ / ٢٥ .
[٨] . تحف العقول : ٢٩ .
[٩] . الحد الفاصل : ٣٧٠.
[١٠] . بحارالأنوار٢ / ١٥٢ .
[١١] . مستدرك الوسائل ١٧ / ٢٩١ .
[١٢] . الكافي ١ / ٢٣٩ .
[١٣] . نفس المصدر٧ / ٩٨ .
[١٤] . كتاب سليم بن قيس : ١٨٣ .
[١٥] . الكافي ١ / ١٤١ .
[١٦] . الفهرست : ١٣٠ .
[١٧] . اختيارمعرفة الرجال ٢ / ٨١٦ .
[١٨] . فجرالإسلام : ١٨٧ .
[١٩] . المعجم الكبيرللطبراني ١٢ / ٨٨ .
[٢٠] . مختصرالمعاني ٢ / ٢٠٧ .
[٢١] . شرح نهج البلاغة ١ / ١٢٨ .
[٢٢] . صحيح مسلم ٨ / ٨٢ .
[٢٣] . شرح صحيح مسلم ١٧ / ٤١ .
[٢٤] . شرح صحيح مسلم ١١ / ١٧٨ .
[٢٥] . صحيح البخاري ٥ / ٤٩ .
[٢٦] . فتح الباري ٧ / ٣١٣ .
[٢٧] . تاريخ المدينة ٣ / ٧٩٧ .
[٢٨] . شرح نهج البلاغة ١ / ٢٦ .
[٢٩] . كليمان هوارت : باحث مستشرق فرنسي ، من أعضاء المجمع العلمي العربي ، والمجمع العلمي الفرنسي ، والجمعية الآسیویة . ولد بباريس ، وتعلم بمدرسة اللغات الشرقية فيها ، وتكلم العربية الجزائرية العامية في طفولته ، وعُيّن ترجماناً للقنصلية الفرنسية بدمشق سنة ١٨٧٥ ، وبالآستانة سنة ١٨٧٨ ، وعاد إلى باريس سنة ١٨٩٨ ، وهو يحسن العربية والتركية والفارسية
[٣٠] . أصل الشيعة وأصولها : ١٤٠ .