طعونات في نهج البلاغة – السادس

الشيخ أحمد سلمان

الشبهة التاسعة : التوحيد :

طعن بعضهم في كتاب (نهح البلاغة) من جهة احتوائه على خطب وكلمات في التوحيد موافقة لما عليه المعتزلة ، وهذا دليل على أن هذه الخطب موضوعة ؛ لأن الشريف المرتضى قدس سره كان من ينتمي إلى المعتزلة .

قال الشيخ صالح الفوزان : ومن المطاعن على كتاب (نهج البلاغة) مما لم يذكرالدكتور ما فيه من الاعتزال في الصفات ؛ لأن الرافضة اعتمدوا على كتب المعتزلة في العقليات ، فوافقوهم في القدر وسلب الصفات ، وكان المرتضى واضع كتاب (نهج البلاغة) أوالمشارك في وضعه كما أسلفنا معتزليًّا ، بل قال عنه ابن حزم : إنه من كبارالمعتزلة الدعاة كما نقله عنه الذهبي في الميزان ، ومن هذا المشرب الكدرحشي (نهج البلاغة) [١] .

هذه الشبهة المطروحة هي من أسخف الأشكالات المطروحة حول هذا الكتاب ؛ إذ أن لسان حال هذا المشكل هو قوله : نحن نرفض كتاب (نهج البلاغة) لأنه يخالف ما نعتقده ، لا لوجود مشكلة فيه .

فالرجل لا ينطلق من الدليل إلى المعتقد ، بل هو يحكم معتقده الراسخ في ذهنه على النصوص الموجودة ، فإن وافقت ما عنده قبلها ، وإن خالفته رفضها وإن كانت صحيحة ، ولذلك فهو لا يقبل كتاب (نهج البلاغة) لأنه يخالف التوحيد الذي يعتقد به ،فالشيخ يرفض ما ورد في النهج من تنزيه الله عزَّوجل ، ودفع للتشبيه الذي يتوهمه الجهّال .

وهذا ما جعل الشيخ يأتي بأمثلة من النهج يراها هو باطلة ومخالفة للعقيدة الصحيحة ، فنقل خطبة عن النهج جاء فيها قوله عليه السلام : ولا يُوصف بشيء من الأجزاء ولا بالجوارح والأعضاء...إلى أن قال: وليس في الأشياء بِوالِج ، ولا عنها بِخارج ، يخبر لا بلسان ولهوات ، ويسمع لا بخروق وأدوات ، يقول ولا يتلفظ ، يقول لمن أراد كونه : (( كن)) فيكون ، لا بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله ، ولم يكن من قبل ذلك ، ولو كان قديماً كان إلهاً ثانياً...إلى أن قال : هو الظاهرعليها بسلطانه وعظمته وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته ، والعالي على كل شيء منها بجلاله وعزَّته [٢] .

ثم أردفها بقوله : انتهى ما أردنا نقله من هذا الهذيان الذي ينزَّه الله سبحانه وتعالى عنه مما يطابق اعتقاد الجهمية والمعتزلة [٣] .

فالهذيان عند الشيخ هو أن ينزَّه الله حقّ تنزيهه ، فلا يرضى بسلب الجوارح عنه ، ولا بتنزيهه عن اللسان واللهوات ، والدخول في الأشياء وغيرها من الأمور؛ لأن كل هذه تعتبرمن أمهات عقائدهم ؛ اذ أن هؤلاء القوم قد تشرّبوا التجسيم ، وتنفّسوا التشبيه حتّى عُرفوا عبرالتاريخ بالمجسّمة والمشبَّهة .

والشيخ ذكرفي كتابه (الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد) المصادرالمعتمدة لمعرفة صفات الله جلّ جلاله ، فقال : وهذا القسم قد جحده الجهمية وتلاميذهم من المعتزلة والأشاعرة ، وهو في الحقيقة داخل في توحيد الربوبية ، لكن لما كثرمنكروه وروَّجوا الشبه حوله ؛ أفرد بالبحث ، وجعل قسماً مستقلاً ، وألفت فيه المؤلفات الكثيرة ، فألف الإمام أحمد ردَّه المشهورعلى الجهمية ، وألف ابنه عبد الله كتاب (السنة) ، وألف عبدالعزيزالكناني كتاب (الحيدة) في الرد على بشرالمريسي ، وألف أبوعبدالله المروزي كتاب (السنة) ، وألف عثمان بن سعيد كتاب (الرد على بشرالمريسي) ، وألف إمام الأئمة محمد بن خزيمة كتاب (التوحيد) ، وألف غيرهؤلاء كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم هؤلاء ومن جاء بعدهم وسارعلى نهجهم فلله الحمد والمنة على بيان الحق ودحض الباطل [٤] .

لا أريد في هذا الكتاب مناقشة عقائد القوم في الأسماء والصفات ، لكن من باب كشف الحقائق سآتي ببعض الشواهد من هذه الكتب التي اعتبرها الشيخ الفوزان مرجعاً للعقيدة .

منها : كتاب الرد على الجهمية لأحمد بن حنبل : فمن العجيب أن المؤلف جعل هذا الكتاب من مصادرالعقيدة مع جهالة سنده ،ونسبة علماء الجرح والتعديل الكتاب للوضع والكذب .

فقد قال الذهبي في السير: فهذه الرسالة إسنادها كالشمس ، فانظر إلى هذا النفس النوراني، لا كرسالة الإصطخري ، ولا كالرد على الجهمية الموضوع على أبي عبدالله ، فإن الرجل كان تقيًّا ورعاً لا يتفوه بمثل ذلك [٥] .

وقال شعيب الأرنؤوط : مما يؤكد قوله أن في السند إليه مجهولاً ، وهو الخضربن المثنى ، والرواية عن مجهول مقدوح فيها ، مطعون في سندها ، على أن فيه آراء تخالف ما كان عليه السلف الصالح من معتقد ، ويختلف عما جاء عن الإمام في غيره مما صحَّ عنه [٦] .

فالشيخ صالح يشكل على الشيعة اعتمادهم على (نهج البلاغة) ؛ لأنه في نظره باطل ، ويحيل النّاس على كتاب باطل جعله مصدراً من مصادرالعقيدة وهو موضوع باعتراف أهل الصنعة !

أما مضموم هذا الكتاب فحدّث ولا حرج ، فإنّ فيه من التجسيم والتشبيه الشيء الكثير، لكن نكتفي بذكرهذا النص ، قال : فقلنا : أخبرونا عن هذه النخلة ، أليس له جذع ، وكرب ، وليف ، وسعف ، وخوص ، وجمار، واسمها اسم شيء واحد ، وسُميّيتْ ((نخلة)) بجميع صفاتها ، فكذلك الله ، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد [٧] .

في هذا الكلام يؤصّل واضع الكتاب الذي نسبه للإمام أحمد بن حنبل عقيدة التركيب والعياذ بالله ، إذ أنه يعتبر أن نسبة الذات للصفات كنسبة الجزء للكل ، ومثاله أدلّ دليل على ذلك على ذلك ، وكما يعلم كل عاقل أن التركيب يستلزم الحاجة ؛ لأن كل مركَّب لأبعاضه ، وأبعاضه غيره ، والله لا يحتاج إلى غيره ،لأنه غني عن العالمين ، وإذا كان الله تعالى قديماً غيرمحدث فإن أجزاءه تكون قديمة مثله ، وهذا يستلزم القول بتعدّد القدماء ، وهو باطل ، وهناك لوازم أخرى باطلة ليس هذا مجال بيانها!

فالشيخ صالح الفوزان يدعونا جميعاً إلى العمل بما ورد في هذا الكتاب الموضوع ، والاعتقاد بأنّ الله مركَّب ، والعياذ بالله .

ومن تلك الكتب : كتاب السنّة لعبدالله بن أحمد : وهذا الكتاب كسابقه لا تصحّ نسبته لعبدالله بن أحمد بن جنبل ؛ لضعف الرواة الذين نقلوا هذا الكتاب عنه ، وقد اعترف محقّق الكتاب الدكتور محمد سعيد القحطاني بذلك عنه ترجمته لرواة الكتاب في أول الكتاب ، حيث قال في ترجمة محمد بن إبراهيم بن خالد الهروي راوي الكتاب عن مصنَّفه : لم أعثرعلى ترجمة فيما اطلعت عليه من المصادر . [٨]

وقال في ترجمة الراوي عنه محمد بن الحسن بن سليمان السمسار: بحثت كثيراً في المصادرالتي بين يدي فلم أجد ترجمة تقرب أن تكون ترجمة هذا الشخص [٩] .

فلا ندري كيف يحتجّ الفوزان بهذا الكتاب ، ويجعله من مصادرالعقيدة دون التحقق من صحّة إسناده .

وإذا نظرنا إلى متن هذا الكتاب نجده من أكثرالكتب التي مُلئت بالخرافات اليهودية الوثنية ،بحيث لا تمر بصفحة من صفحات هذا الكتاب إلا وتجد فيها طامّة أعظم من التي سبقتها ، وسنذكربعض الشواهد من هذا الكتاب الذي أحال عليه الفوزان :

فقد قال عبدالله : حدثني أبي رحمه الله ، أنا يزيد بن هارون ، أنا الجريري عن أبي عطاف ، قال : كتب الله التوارة لموسى عليه السلام بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة في ألواح من در ظنّ فسمع صريف القلم ، ليس بينه وبينه إلا الحجاب [١٠] .

فهذه الرواية تثبت لله جارحة وهي اليد ، يكتب بها ، ويستعين بالقلم في الكتابة ، والطامّة أن رب الجلالة مسند ظهره على صخرة !

أهذا هو التوحيد الذي يدعونا إليه الشيخ الفوزان ؟

وقال عبدالله : سمعت أبي رحمه الله ثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان ، عن الأعمش ، عن منصور، عن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبدالله ، عن النبي صلى الله عليه وآله : أن الله يمسك السماوات على إصبع . قال أبي رحمه الله : جعل يحيى يشير بأصابعه ، وأراني أبي كيف يشير بإصبعه ، يضع إصبعاً إصبعاً حتى أتى عىل آخرها [١١] .

دائماً نسمع من القوم أنّهم يثبتون أصابع بلا كيف ، لكن هذا الحديث يثبت أنها أصابع كأصابعنا بحسب العقيدة المفتراة على أحمد بن حنبل ، وإلا لماذا أشار بأصابعه ؟

وروى عبدالله : حدثني أبي ، ثنا رجل ، ثنا إسرائيل ، عن السدي عن أبي مالك ، في قوله عزَّوجل : (وَسِعَ كُرسِيُّهُ الَّسمَوَاتٍ وَالأَرْضَ) ، قال : إن الصخرة التي تحت الأرض السابعة ومنتهى الخلق ، على أرجائها أربعة من الملائكة ، لكل ملك منهم أربعة وجوه : وجه إنسان ، ووجه أسد ، ووجه نسر، ووجه ثور، فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرض والسماوات ، ورؤوسهم تحت الكرسي ، والكرسي تحت العرش ، قال : وهو واضع رجليه تبارك وتعالى على الكرسي [١٢] .

هذه هي العقيدة التي يدعو إليها الشيخ الفوزان : عرش تحمله حيوانات أسطورية أشبه بقصص الأطفال والأفلام الخرافية ، وربّ محمول ، يضع رجلين (بلا كيف ) على كرسي !

ومنها : كتاب الحيدة : وهوالكتاب الثالث الذي أحال عليه الشيخ الفوزان ، هو كتاب (الحيدة) لعبد العزيز بن يحيى الكناني ، وهو كالكتاب الأول قد طعن فيه أئمة الجرح والتعديل ، ونفوا صحّة نسبته لصاحبه .

قال الذهبي في الميزان عند تعرّضه لترجمة الرّجل : عبدالعزيز بن يحيى بن عبدالعزيزالكناني المكي الذي يُنسب إليه (الحيدة) في مناظرته لبشرالمريسي ، فكان يلقَّب بالغول لدمامته ، وذكرداوود الظاهري أنه صحب الشافعي مدة ، روى عن ابن عيينة وجماعة يسيرة ، روى عنه أبوالعيناء ، والحسين بن الفضل البجلي ، وأبوبكر يعقوب بن إبراهيم التميمي ، وله تصانيف ؛ قلت : لم يصح إسناد كتاب الحيدة إليه ، فكأنه وُضِع عليه [١٣] .

وقال السبكي : قال شيخنا الذهبي : فهذا يدل على أن عبدالعزيز كان حيًّا في حدود الأربعين ؛ قلت : وعلى أنه كان ناصراً للسنة في نفي خلق القرآن کما دلت عليه مناظرته مع بشر، وكتاب الحيدة المنسوب إليه فيه أمور مستشنعة ، لكنه كما قال شيخنا الذهبي لم يصح إسناده إليه ، ولا ثبت أنه من كلامه ، فلعله وُضِعَ عليه [١٤].

فهؤلاء يشهدون أنّ هذا الكتاب موضوع مكذوب ، ويحوي أموراً مستشنعة ، فلا ندري كيف يجعله الشيخ الفوزان من مصادرالعقيدة ؟!

علماً أنّ هذا الكتاب لا علاقة له بمبحث الأسماء والصفات ، بل غاية ما فيه هو سرد مناظرة حصلت بين الكناني وبين بشرالمريسي حول خلق القرآن ، والمورد الوحيد الذي حصل فيه كلام في الصفات كان حول السمع والبصر، وقد خالف الكناني عقيدة الفوزان ، وأمسك عن إثبات آلتي السمع والبصر لله سبحانه .

قال : ثم أقبل عليَّ المأمون ، فقال : يا عبدالعزيز تقول : إن الله عالم ، فقلت : نعم يا أميرالمؤمنين ، قال : فتقول : إن الله سميع بصير، قال : قلت : نعم يا أميرالمؤمنين ؛ قال : فتقول : إن لله سمعاً وبصراً كما قلت إن له علم ، فقلت : لا أطلق هذا هكذا يا أميرالمؤمنين . فقال : أي فرق بين هذين ؟ فأقبل بشر يقول : يا أميرالمؤمنين يا أفقه الناس ، ويا أعلم الناس يقول الله عزَّوجل (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِ عَلَى البَاطِل فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ) ، قال عبدالعزيز: فقلت : يا أميرالمؤمنين قد قدمت إليك فيما احتججت به إن على الناس كلهم جميعاً أن يثبتوا ما أثبت الله ، وينفوا ما نفى الله ، ويمسكوا عما أمسك الله عنه ، فأخبرنا الله عزَّوجل أن له علماً بقوله : ( فَعْلَمُوأ أَنَمَآ أُنزِلَ بِعِلَمِ اللهِ) ، فقلت : إن له علماً كما قال ، وأخبرنا أنه سميع بصيربقوله :(وَهُوَ السَّمِعُ الْبَصِيرُ) ، فقلت إنه سميع بصير كما قال ، ولم يخبرنا أن له سمعاً وبصراً [١٥] .

وقد أُحرج المحقَّق من هذه الفقرة، فقال:الإمام الكناني من أهل السنة والجماعة، وهوالناصرلمذهبهم بما جاء في الكتاب والسنة ، فلا يخالف قولهم ، وأما قوله : (( ولم أقل إن له سمعاً وبصراً وأمسكت عند إمساكه)) ، فلعن ذلك على سبيل المناظرة التي يتحاشا فيها الدخول في دقائق المسائل التي قد تخفى على الحضور، وكل ما في الأمر أنه أمسك مجتهداً ولم ينف الصفة ، كما أنه أثبت صفة العلم [١٦] .

فلا ندري هل قرأ الفوزان هذا الكتاب قبل أن يحيل عليه ، أو أنه يقلد غيره في مدح هذه الكتب دون أن يقرأ منها سطراً ؟!

ومنها كتاب السنة للمروزي : وإيراد صالح الفوزان لهذا الكتاب في جملة كتب العقيدة يثبت ما ذكرناه سابقاً ، وهو أن الرجل يحيل على كتب لم يقرأه ولم يطلع على محتواها ، إذ أنّ هذا الكتاب لا علاقة له بالتوحيد ولا الأسماء والصفات ، بل الكتاب مشتمل على ذكر أحاديث مختلفة في شتى الأبواب .

ومنها : كتاب الرّدعلى بشرالمريسي : وصاحب هذا الكتاب هوعثمان بن سعيد الدّارمي ، ولا نريد وصفه بأي وصف لكي لا يظن القارئ الكريم أني أتحامل عليه لسبب شخصي ، لكني سأذكرنصّين من كتابه وأترك الحكم للقارئ المنصف :

قال في كتابه : وقد بلغنا أنهم حين حملوا العرش وفوقه الجبار في عزّته وبهائه ضعفوا عن حمله ، واستكانوا، وجثوا على ركبهم ، حتى لُقَّنوا : (( لا حول ولا قوة إلا بالله )) ، فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته ، لولا ذلك ما استقل به العرش ، ولا الحملة ، ولا السماوات والأرض ، ولا من فيهن ، ولو قد شاء لاستقَّرعلى ظهر بعوضة ، فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات السبع والأرضين السبع [١٧] .

فهذا الكتاب الذي يدعو اليه الشيخ الفوزان يحثّ الناس على الاعتقاد بأنّ رب العزة والجلالة يمكن أن يستقرّ على ظهر بعوضة ، فتحمله سبحانه !

بهذا الكلام يمكن أن يحتجّ النصراني فيقول : لو شاء الله لظهرلخلقه في جسم بشري كما في عيسى ، فكيف يردّون عليه ؟

والطّامة الكبرى ما ورد أيضاً في هذا الكتاب من قوله : فيقال لهذا المعارض المدّعى ما لا علم له : من أنبأك أن رأس الجبل ليس بأقرب إلى الله تعالى من أسفله ؟ لأنه من آمن بأن الله فوق عرشه فوق سماواته ، علم يقيناً أن رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله ، وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة ، والسادسة أقرب إليه من الخامسة ، ثم كذلك إلى الأرض ، كذلك روى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن ابن المبارك أنه قال : ((رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفله )) ، وصدق ابن المبارك ؛ لأن كل ما كان إلى السماء أقرب كان إلى الله أقرب [١٨] .

انظروا إلى هذه العقيدة الفاسدة ، فإن هذا الرجل فهم من العلو المذكورفي الآیات علوًّا ماديًّا حقيقيًّا ، بحيث إنّ من كان في أعلى الجبل سيكون أقرب إلى الله من الواقف بأسفله !

بهذا يكون الكثير من البشر في عصرنا الحاضر أقرب إلى ذات الله من محمد صلى الله عليه وآله ؛ لأن هؤلاء الآن يسكنون في ناطحات سحاب لم تكن موجودة في ذلك العصر، أو يركبون طائرات تبلغ ارتفاعاً عاليًّا لا النبي صلى الله عليه وآله ولا أي واحد من الصحابة !

هذه هي العقيدة التي يدعونا إليها الشيخ الفوزان ، ويضعها بديلاً عن كتاب (نهج البلاغة) .

ولم يحتمل الذهبي شناعة هذه الكلمات وغيرها رغم أنه من رواد التجسيم ، فقال في كتاب العلو: وفي كتابه بحوث عجيبة مع المريسي يبالغ فيها في الاثبات ، والسكوت عنها أشبه بمنهج السلف في القديم والحديث [١٩] .

ومنها : كتاب التوحيد لابن خزيمة : وهذا الكتاب لا يختلف عن سابقيه ، إذ أنه جامع لروايات التجسيم والتشبيه ، وقد صدق الفخرالرازي في حكمه على المؤلَّف والمؤلَّف بقوله : واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآیة في كتاب الذي سماه (بالتوحيد) ، وهو في الحقيقة كتاب الشرك ،واعترض عليها ، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات ؛ لأنه كان رجلاً مضطرب الكلام ، قليل الفهم ، ناقص العقل [٢٠] .

ومن راجع الكتاب تيّقن وجزم بصحة ما قاله الفخرالرازي ، بل ربّما يقول أكثرمن هذا ، لما في الكتاب من أمور مستشنعة لا يقول بها ملحد فضلاً عن موحّد !

قال في كتابه المذكور: نحن نقول : لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى ، وتحت الأرض السابعة السفلى ، وما في السماوات العلى ، وما بينهما من صغير وكبير، لا يخفى على خالقنا ، خافية في السماوات السبع والأرضين السبع ، ولا مما بينهم ، ولا فوقهم ، ولا أسفل منهن ، لا يغيب عن بصره من ذلك شيء ، يرى ما في جوف البحار ولججها ، كما يرى عرشه الذي هو مستوعليه [٢١] .

هذا الرجل يثبت لله عينين ، أي آلة يبصر بها الله عزَّوجل خلقه !

إن لم يكن هذا تجسيماً فما هوالتجسيم ؟

والظاهرأنّ الشيخ لا يعلم أنّ ابن خزيمة قد ناب عن هذا التجسيم ورجع عنه كما نقل البيهقي في الأسماء والصفات ، فإنه قال : قلت : القصة فيه طويلة ، وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف ، وتلهف على ما قال ، والله أعلم [٢٢] .

ومنها : كتب ابن تيمية : فإن من جملة المصادرالتي يؤخذ منها توحيد الأسماء والصفات عند الشيخ الفوزان كتب ابن تيمية الحرّاني .

وهذا الرجل اتّهمه أهل عصره بالتجسيم والتشبيه ، فقد قال ابن حجرالعسقلاني عند ترجمته لابن تيمية : وافترق الناس فيه شيعاً ، فمنهم من نسبه إلى التجسيم ؛ لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرها من ذلك ، كقوله : إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله ، وأنه مستو على العرش بذاته .

فقيل له : يلزم من ذلك التحيّز والانقسام . فقال : أنا لا أسلَّم أن التحيز والانقسام من خواص الأجسام ، فالذم بأنه يقول بتحيز في ذات الله [٢٣] .

ومن قرأ كتبه رأى الكثيرالكثيرمن التجسيم والتشبيه ، فهو الذي رسّخ عقيدة جلوس النبي صلى الله عليه وآله على العرش عياذاً بالله !

قال في فتاويه : فقد حدّث العلماء المرضيون وأولياؤه المقبولون انّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله يُجلسه ربُّه على العرش معه [٢٤] .

ركّز أخي القارئ على لفظ (( معه)) ، فإن هذا الرجل يعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله یجلس مع ربّه على العرش ، فهل هناك تجسيم اصرح من هذا ؟

وهوالذي يدعو إلى ما هو أشنع من هذا ، حيث قال : قال عثمان بن سعيد في ردَّه على الجهمية : حدثنا عبدالله بن صالح المصري ، قال : حدثني الليث وهو ابن سعد ، حدثني خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، أن زيد بن أسلم حدّثه عن عطاء بن يسار، قال : أتى رجل كعباً وهو في نفر، فقال : يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار.

فأعظم القوم قوله ، فقل كعب : دعوا الرجل ، فإن كان جاهلاً يعَّلم ، وإن كان عالماً ازداد علماً ، قال كعب : أخبرك أن الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ، ثم جعل ما بين سماءين كما بين السماء الدنيا والأرض ، وكثفهن مثل ذلك ، ثم رفع العرش فاستوى عليه ، فما في السموات سماء إلا لها أطيط كأطيط العلا في أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن .

وهذا الأثر وإن هو رواية كعب ، فيحتمل أن يكون من علوم أهل الكتاب ، ويحتمل أن يكون مما تلقاه عن الصحابة ، ورواية أهل الكتاب التي ليس عندنا شاهد ، هو لا يدافعها ولا يصدقها ولا يكذبها ، فهؤلاء الأئمة المذكورة في إسنادهم من أجل الأئمة ، وقد حدثوا به هم وغيرهم ، ولم ينكروا ما فيه من قوله من ثقل الجبار فوقهن ، فلوكان هذا القول منكراً في دين الإسلام عندهم لم يحدّثوا به على هذا الوجه [٢٥] .

فهذا الرجل يعتقد أن ربّه ثقيل الوزن ، ومن هذا الثقل يصدرعرشه صوتاً سمّى في الرواية أنه أطيط !

هل هذا ما يدعو إليه الفوزان ويريده أن يكون بديلاً عن كتاب (نهج البلاغة) الذي علّم الناس التنزيه ؟

ومنها : كتب ابن القيم : وهذا الرجل من تلامذة ابن تيمية الحرّاني ومن السّائرين على نهجه حذو القذة بالقذة ، ولذلك فإنه كان من الذين أشربوا التجسيم حتى الثمالة ، وغاصوا في التشبيه حتى النخاع .

فهو الذي يروي في كتابه (زاد المعاني) بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، أنه قال : تلبثون ما لبثتم ، ثم يتوفى نبيّكم ، ثم تلبثون ما لبثتم ، ثم تبعت الصائحة ، فلعمرإلهك ما تدع ظهرها شيئاً إلا مات والملائكة الذين مع ربك ، فأصبح ربك عزَّوجل يطوف في الارض وخلت عليه البلاد ، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش ، فلعمرإلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبرعنه ، حتى تخلفه من عند رأسه ، فيستوي جالساً ، فيقول ربك : مهيم لما كان فيه يقول : يا رب أمس اليوم لعهده بالحياة يحسبه حديثاً بأهله [٢٦].

فعقيدة هذا الرجل أنه ربّه يطوف بالأرض تعالى الله عن هذا التجسيم المحض !

ولم يكتف بهذا بل علّق في آخرالحديث بقوله : هذ حديث كبيرجليل تنادي جلالته وفخامة وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري وهما من كبارعلماء المدينة ثقتان محتج بهما في الصحيح احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته [٢٧] .

وهوالذي قال في كتابه (بدائع الفوائد) : قال القاضي : صنَّف المروزي كتاباً في فضيلة النبي صلى الله عليه وآله وذكر فيه إقعاده على العرش ، قال القاضي : وهو قول أبي داوود ، وأحمد بن أصرم ، ويحيى بن أبي طالب ، وأبي بكربن حماد ، وأبي جعفرالدمشقي ، وعياش الدوري ، وإسحاق بن راهوية ، وعبدالوهاب الوراق ، وإبراهيم الأصبهاني ، وإبراهيم الحربي ، وهارون بن معروف ، ومحمد بن إسماعيل السلمي ، ومحمد بن مصعب بن العابد ، وأبي بن صدقة ، ومحمد بن بشربن شريك ، وأبي قلابة ، وعلي بن سهل ، وأبي عبدالله بن عبد النور، وأبي عبيد ،الهاشمي ، ومحمد بن عمران الفارسي الزاهد ، ومحمد بن يونس البصري ، وعبد الله ابن الإمام أحمد ، والمروزي وبشرالحافي . انتهى .

قلت – والقائل ابن القيم - : وهو قول ابن جريرالطبري ، وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير، وهو قول أبي الحسن الدارقطني ، ومن شعره فيه :

حديثُ الشفاعةِ عَنْ أحمدٍ ***** إلى أحمدَ المصطفى مُسْنِدُهْ

وجاءَ حديثٌ بإقعادِه ***** على العرش أيضاً فلا نجحدُهْ

أَمِرُّوا الحديثَ على وجهِهِ ***** ولا تُدخِلوا فيِه ما يُفْسِدُهْ

ولا تُنْكِرُوا أنه قَاعدٌ ***** ولاتُنْكِرُوا أنه يُقْعِدُهْ [٢٨]

هذه هي العقائد التي يريدنا الشيخ الفوزان أن نترك كتاب (نهج البلاغة) وما احتواه من درر في التوحيد ، لنتدّين بهذه الخرافات الوثنية .

وأنا أقطع أن سبب هذه البلبلة التي وقع فيها هؤلاء هو ابتعادهم عن كلمات أميرالمؤمنين عليه السلام وبالخصوص كتاب (نهج البلاغة) ، وقد صدق ابن أبي الحديد المعتزلي حين قال : وقد عرفت أن أشرف العلوم هوالعلم الإلهي، لأن شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هوأشرف العلوم ، ومن كلامه عليه السلام اقتُبِس ، وعنه نُقل ، وإليه انتهى ، ومنه إبتدأ فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل ، وأرباب النظر، ومنهم تعلَّم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه ؛ لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنيفة ، وأبوهاشم تلميذ أبيه ، وأبوه تلميذه عليه السلام ، وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشرالأشعري ، وهو تلميذ أبي على الجبائي ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة ، فالأشعرية ينتهون بأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر [٢٩] .

فكل المنزَّهة يرجعون بتنزيههم لسيَّد الموحَّدين علي بن أبي طالب عليه السلام أما الفوزان ومن على شاكلته فقد أعرضوا عن الإمام عليه السلام ، فوقعوا في فخاخ كعب الأحباراليهودي ، ووهب بن منبه النصراني ، وابن أبي العوجاء الزنديق .

ونختم بنقطة مهمّة وهي أن الفوزان اتهم الشريف المرتضى قدس سره بأمرين :

الأول : أنه هو من وضع كتاب (نهج البلاغة) ، وقد بيَّنا فساده فيما سبق .

الثاني : أنه معتزلي المذهب ، وهذا من الأمورالمضحكة المبكية ، إذ أن كل من ترجم له قال : إنه شيعي إمامي ، ولم ينسبه أحد للاعتزال .

ولو كان عند الشيخ صالح الفوزان عضوهيئة كبارالعلماء قليل من الاطلاع لعلم أن من أهم مصنَّفات السيد المرتضى علم الهدى قدس سره كتاب (الشافي في الإمامة) ، وهو ردّ على القاضي عبد الجبارإمام المعتزلة في عصره .

فلا ندري من أين يأتي الشيخ بهذه المعلومات الغريبة ؟

----------------------------------------------------------------------------
[١] . البيان لأخطاء بعض الكتاب : ١٠١ .
[٢] . البيان لأخطاء بعض الكتاب : ١٠١ .
[٣] . البيان لأخطاء بعض الكتاب : ١٠١ .
[٤] . الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد : ١٣٦.
[٥] . سير أعلام النبلاء ١١ / ٢٨٦ .
[٦] . حاشية سير أعلام النبلاء ١١ / ٢٨٦ .
[٧] . الرد على الجهمية : ١٣٣ .
[٨] . السنة ١ / ١٠٢ .
[٩] . السنة ١ / ١٠٢ .
[١٠] . السنة : ١٧٨ .
[١١] . السنة : ١٥٤ ، وقد صحّح المحقق الدكتورمحمد سعيد القحطاني هذه الرواية في تخريجه لروايات هذا الكتاب .
[١٢] . السنة : ١٨٤ .
[١٣] . ميزان الاعتدال ٢ / ٦٣٩ .
[١٤] . نفس المصدر٢ / ٦٣٩ .
[١٥] . الحيدة : ٩٩ .
[١٦] . هامش كتاب الحيدة : ٩٩ .
[١٧] . نقض الدارمي ١ / ٤٥٨ .
[١٨] . نقض الدارمي ١ / ٥٠٤ .
[١٩] . العلو للعلي الغفار١٩٥ .
[٢٠] . مفاتيح الغيب ٢٧ / ١٥٠ .
[٢١] . التوحيد ١ / ٧٦ .
[٢٢] . الأسماء والصفات : ١٦٧ .
[٢٣] . الدررالكامنة ١ / ١٥٤ .
[٢٤] . مجموع الفتاوى ٤ / ٣٧٤ .
[٢٥] . بيان تلبيس الجهمية ١ / ٥٧٢ .
[٢٦] . زاد المعاد ٣ / ٤٨ .
[٢٧] . زاد المعاد ٣ / ٥٠ .
[٢٨] . بدائع الفوائد : ٥٥٨ .
[٢٩] . شرح نهح البلاغة ١ / ٢٩ .