مضاعفات وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)

 

آية الله السيد محمد باقر الصدر

وفاة الرسول الأعظم أعظم فاجعة مرت على تاريخ البشرية على الطلاق، والتي يمثل الجزء الأول منها انقطاع الوحي في تاريخ البشرية.

هذه الظاهرة التي لم يعرف الإنسان في تاريخه الطويل الطويل ظاهرة يمكن أن تماثلها وأن تناظرها في القدسية والجلال والأثر في حياة الإنسان وتفكيره، ويمثل الجزء الآخر من الفاجعة الإنحراف داخل المجتمع الإسلامي، على يد المؤامرة التي قام بها جناح من المسلمين بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنحرف بذلك الخط عما كان مقرراً له من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ومن قبل الله تعالى.

كان هذا اليوم المشؤوم بداية إنحراف طويل ونهاية عهد سعيد بالوحي، تمثل في مائة وأربعة وعشرين ألف نبي، كما في بعض الروايات وكان بداية ظلام ومحن ومآس وفواجع وكوارث من ناحية اُخرى تمثل في ما عقب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أحداث في تاريخ العالم الإسلامي هذه الأحداث المرتبطة أرتباطاً شديداً وقوياً بما تم في هذا اليوم من الفاجعة على ما في زيارة الجامعة التي نقرؤها، بيعتهم التي عمت شؤمها الإسلام، وزرعت في قلوب الأمة الآثار وعنفت سلمانها، وضربت مقدادها، ونفت جندبها، وفتحت بطن عمارها، وأباحت الخمس للطلقاء أولاد الطلقاء وسلطت اللعناء على المصطفين الأخيار، وأبرزت بنات المهجرين والأنصار إلى الذلة والمهانة وهدمت الكعبة وأباحت المدينة وخلطت الحلال بالحرام إلى غير ذلك من الاوصاف.

وأود الآن أن أقتصر على الجزء الأول من هذه الفاجعة يعني أن أنظر إلى الحدث الذي وقع في هذا اليوم بوصفه حدثا قد وضع حداً لتلك الظاهرة العظيمة التي اقترنت مع هبوط الإنسان على وجه الأرض، ظاهرة الوحي ظاهرة أرتفاع الإنسان وتفانيه للإتصال المباشر مع الله سبحانه وتعالى.

ففي مثل هذا اليوم وضع حد نهائي لهذه الظاهرة المباركة الميمونة وفي بعض الروايات إن جبرائيل (عليه السلام) حينما أرتفع ملائكة السماء بروح محمد (صلى الله عليه وآله) إلى ربها راضية مرضية، التفت إلى الأرض مودعاً ثم طار إلى سماواته.

هذا اليوم كان يوم انقطاع الإنسانية عن الاتصال المباشر باللّه سبحانه بانتهاء حياة خاتم الأنبياء والمرسلين.

بهذه المناسبة أريد أن أعطي فكرة موجزة على مستوى بحث اليوم عن الوحي، الوحي الذي يتمثل في أتصال خاص بين الإنسان وبين الله.

فالوحي هو ضرورة من ضرورات تخليد الإنسان على وجه الأرض وبهذا خلق الله الإنسان وأودعه الاستعداد الكامل والارضية الصالحة بافاضة هذه الموهبة منه سبحانه لأن ضرورة الوحي يمكن أن توضع في قبال جانبين في الإنسان الآن اقتصر على أحد الجانبين:

الإنسان خلق حسياً أكثر منه عقلياً خلق يتفاعل مع حسه أكثر مما يتفاعل مع عقله، يعني إن النظريات والمفاهيم العقلية العامة في إطارها النظري هذه المفاهيم حتى لو آمن بها الإنسان إيماناً عقلياً حتى لو دخلت إلى ذهنه دخولاً نظرياً مع هذا لا تهزه ولا تحركه ولا تبنيه ولا تزعزع ما كان فيه ولا تنشئه من جديد إلا في حدود ضيقة جداً. على عكس الحس فان الإنسان الذي يواجه حساً، ينفعل بهذا الحس وينجذب إليه، وينعكس هذا الحس على روحه ومشاعره وانفعالاته وعواطفه بدرجة لا يمكن أن يقاس بها انعكاس النظرية والمفهوم المجرد عن أي تطبيق حسي.

وليس من الصدفة إن كان الإنسان على طول الخط في تاريخ المعرفة البشرية أكثر ارتباطاً بمحسوساته من معقولاته وأكثر تمسكاً بمسموعاته ومنظوراته من نظرياته.

فإن هذا هو طبيعة التسليم الفكري والمعرفي عند الانسان وليس من الصدفة أن قرن إثبات أي دين بالمعجرة وكانت أكثر معاجز الانبياء معاجز على مستوى الحس لأن الإنسان يتأثر بهذا المستوى أكثر مما يتأثر بأي مستوى آخر إذن: (فالإنسان بحسب طبيعة جهازه المعرفي وتكوينه النظري خلق حسياً أكثر منه عقلياً) خلق متفاعلاً مع هذا المستوى من الانخفاض من المعرفة أكثر مما هو متفاعل مع المستوى النظري المجرد عن المعرفة وهذا يعني إن الحس أقدر على تربية الإنسان من النظر العقلي المجرد ويحتل من جوانب وجوده وشخصيته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته أكثر مما يحتل العقل: المفهوم النظري المجرد.

بناء على هذا كان لا بد للإنسانية من حس مربي، زائد على العقل والمدركات العقلية الغائمة الغامضة التي تدخل إلى ذهن الإنسان بقوالب غير محدودة وغير واضحة.

إضافة إلى هذه القوالب كان لا بد لكي يربى الإنسان على أهداف السماء على مجموعة من القيم والمثل والاعتبارات كان لا بد من أن يربى على أساس الحس وهذا هو السبب في أن كل الحضارات التي يعرفها تاريخ النوع البشري إلى يومنا هذا إلى حضارة الإنسان الاوروبي التي تحكم العالم ظلماً وعدواناً كل هذه الحضارات التي انقطعت عن السماء رباهاً الحس ولم يربها العقل، لأن الحس هو المربي الأول دائماً فكان لا بد لكي يمكن تربية الإنسان على اساس حس يبعث في هذا الإنسان إنسانيته الكاملة الممثلة لكل جوانب وجوده الحقيقية كان لا بد من خلق حس في الإنسان يدرك تلك القيم والمثل والمفاهيم ويدرك التضحية في سبيل تلك القيم والمثل إدراكاً حسياً لا إدراكاً عقلانياً بقانون الحسن والقبح العقليين فقد وهذا يعني ما قلناه من إن ضرورة الإنسان في خط التربية تفرض أن يودع في طبيعة تكوينه وخلقه أرضية تكون صالحة، لأن تكون فيه حسيا بحسن العدل بقبح الظلم بآلام المظلومين، أن تكون فيه حسا بكل ما يمكن للعقل إدراكه وما لا يمكن إدراكه من قيم ومثل واعتبارات.

وهذه الأرضية أو هذا الاستعداد الكامل الذي كان الارتباط المباشر مع الله سبحانه وتعالى لكي تنكشف كل الصحف كل الستائر عن كل القيم وكل المثل وكل هذه الاعتبارات والاهداف العظيمة لكي ترى رؤية العين وتسمع سماع الأذن لكي يلمسها بيده يراها بعينه.

كان لا بد من أن توجد بذرة مثل هذا الحس في النوع البشري إلا أن وجدان هذه البذرة في النوع البشري لا يعني أن كل إنسان سوف يصبح له مثل هذا الحس وينفتق إدراكه عنه وانما يعني إن الامكانية الذاتية موجودة فيه إلا أن هذه الامكانية لن تخرج إلى مرحلة الفعلية إلا ضمن شروطها وظروفها وملابساتها الخاصة كأي إمكانية اخرى في الإنسان.

هناك شهوات وغرائز موجودة في الإنسان منذ يخلق وهو طفل ولكنه لا يعيش تلك الشهوات ولا يعيش تلك الغرائز إلى مراحل متعاقبة من حياته فإذا مر بمراحل متعاقبة من حياته تفتحت تلك البذور حينئذ أصبح يعيش فعلية تلك الشهوات والغرائز كذلك على مستوى هذا الحس الذي هو أشرف واعظم واروع ما أودع في طبيعة الإنسان.

هذا قد لا يعيشه مئات الملايين من البشر في عشرات الآلاف من السنين، قد لا يتفتح يبقى مجرد استعداد خام وأرضية ذاتية تمثل الامكان الذاتي لهذه الصيغة فقط دون أن تتفتح عن وجود مثل هذا الحس لأن تفتحه يخضع لما قلناه من الملابسات والشروط التي لها بحث آخر أوسع من كلامنا اليوم.

أرضية أن يحس الإنسان بتلك القيم والمثل تصبح امراً واقعياً في أشخاص مميزنين يختصهم الله تعالى بعنايته ولطفه واختياره وهؤلاء هم الأنبياء والمرسلون الذين يرتفعون إلى مستوى أن تصبح كل المعقولات الكاملة محسوسات لديهم يصبح كل ما نفهمه وما لا نفهمه من القيم والمثل أمراً حسياً لديهم يحسونه ويسمعونه ويبصرونه.

ذلك إن الافكار التي ترد إلى ذهن الإنسان تارة ترد إلى ذهنه وهو لا يدرك إدراكاً حسياً مصدر هذه الافكار، الافكار التي ترد إلى الإنسان كلنا نؤمن بأنها أفكار بقدرة الله وعنايته وردت إلى ذهن الإنسان و إلى فكره لكن إيماننا بذلك إيمان عقلي نظري لا حسيّ لأن اللّه سبحانه وتعالى هو مصدر العلم والمعرفة والأفكار الخيرة في ذهن الإنسان ولهذا أي فكرة من هذا القبيل تطرأ في ذهن الإنسان نؤمن عقلياً بأنها من اللّه سبحانه وتعالى.

لكن هناك فارق كبير بين حالتين: بين حالة أن ترد فكرة إلى ذهن الإنسان فيحس بأن هذه الفكرة القيت إليه من أعلى بحيث يدرك إلقاءها من أعلى كما تدرك أنت الآن أن الحجر وقع من أعلى يدرك هذا بكل حسه وبصره يدرك أن هذه القطرة هذا الفيض هذا الاشعاع قد وقع من اعلى ألقي عليه من اللّه سبحانه وتعالى.

واخرى لا يدرك هذا على مستوى الحس يدركه عقلياً يدرك إن هناك فكرة تعيش في ذهنه نيرة خيرة لكنه لم ير بعينه أن هناك يداً قذفت بهذه الفكرة إلى ذهنه.

وهذه الافكار التي تقذف في ذهن الإنسان فيتوفر لدى ذاك الإنسان حس بها بأنها قذفت إليه من الله سبحانه وتعالى وافيضت عليه من واجب الوجود واهب الوجود وواهب المعرفة فهي أيضاً على أقسام.

لأن هذا الإنسان تارة قد بلغ حسه إلى القمة فاستطاع أن يحس بالعطاء الإلهي من كل وجوهه وجوانبه يسمعه ويبصره يراه في جميع جهاته يتعامل معه ويتفاعل معه بكل ما يمكن للحس أن يتفاعل مع الحقيقة هذا هو الذي يعبر عنه بمصطلح الروايات على ما يظهر من بعضها بمقام عال من الإنبياء مقام الرسول الذي يسمع الصوت ويرى الشخص أيضاً.

ويمكن أن نفترض أن هناك ألواناً أخرى من الحس تدعم هذا الحس السمعي والبصري عند هذا الإنسان العظيم فهو يحس بالحقيقة المعطاة من الله تعالى من جميع جوانبها يحس بها بكل ما اوتي من أدوات الحس بالنسبة إليه هذه هي الدرجة العالية من الحس وقابلية الاتصال مع العمل الإلهي.

وأخرى يفترض أنه يحس بها من بعض جوانبها وهو الذي عبر عنه بأنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص هذا احساس إلا أنه احساس ناقص وقد يفترض أنه أقل من ذلك وهو الذي عبر عنه في بعض الروايات بأنه يرى الرؤيا في المنام هنا يرى هذه الرؤيا المنامية وهي طبعاً تختلف عن الرؤيات في اليقظة من حيث درجة الوضوح.

فهنا فارق كيفي بين الحس والرؤيا المنامية والرؤيا في عالم اليقظة والانتباه الكامل.

هناك درجات من الحس وعلى وفق هذه الدرجات وضعت مصطلحات الرسول والنبي والمحدّث والإمام، ونحو ذلك من المصطلحات، أنه الذي يمثل أعلى هذه الدرجات هو الوحي المتمثل في ملك يتفاعل معه النبي تفاعلاً حسياً من جميع جوانبه كما كان يعيش سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) مع جبرائيل (عليه السلام) هنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعيش الحقيقة الإلهية عيشاً حسياً من جميع جوانبها. يعيشها كما نعيش نحن على مستوى حسناً ووجود رفيقنا وصديقنا، لكن مع فارق بين هذين الحسين بدرجة الفارق بين المحسوسين.

هذا الحس هو الذي استطاع أن يربي شخص النبي (صلى الله عليه وآله) وأعد لكي يكون المثل الأول والرائد الأول لخط هذه القيم والمثل والأهداف الكبيرة.

يعني هذا الحس قام بدور التربية للنبي (صلى الله عليه وآله) لانه استنزل القيم والمثل والأهداف والاعتبارات العظيمة من مستواها الغائم المبهم من مستواها الغامض العقلي من مستوى النظريات العمومية فأعطاها معالم الحس التي لا ينفعل الإنسان كما قلنا بقدر ما ينفعل بها بهذا تصبح الصورة المحسوسة التي هبطت على النبي (صلى الله عليه وآله) على أي نبي من الأنبياء ملء وجوده ملء روحه ملء كيانه.

تصبح همه الشاغل في ليله ونهاره لأنها أمامه يراها يحسها... يلمسها ويشمها بأروع مما نلمس ونشم ونسمع ونبصر.

ثم هذا الشخص الذي استطاع أن يربيه الحس القائم على الوحي يصبح هو حساً مربياً للآخرين. فالآخرون من أبناء البشرية الذين لم تتح لهم الظروف، ظروفهم وملابساتهم وعناية الله أن يرتفعوا هم إلى مستوى هذا الحس الذين لم يتح لهم هذا الشرف العظيم سوف يتاح لهم الحس لكن بالشكل غير المباشر حس بالحس لا حس بالحقيقة الإلهية مباشرة، حس بالمرآة الحقيقية الإلهية انعكست على هذه الحقيقة الإلهية يعني المعطى الإلهي - الثقافة الإلهية - انعكست على هذه المرآة والآخرون يحسون بهذه المرآة بينما النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه كان يحس مباشرة بتلك الثقافة الإلهية بما هي امر حسي لا بما هي امر نظري أما نحن نحس محمداً (صلى الله عليه وآله) بما هو رجل عظيم بما هو رجل استطاع أن يثبت للبشرية أن هناك اعتباراً وهدفاً فوق كل المصالح والاعتبارات فوق كل الأنانيات فوق كل الامجاد المزيفة والكرامات المحدودة إن هناك إنساناً لاينقطع نفسه إذا كان دائماً بيسير على خط رسالة الله سبحانه وتعالى هذا المضمون الذي للإنسان أن يدركه عقلياً هذا المضمون الذي حشد ارسطو وافلاطون مئات الكتب بالبرهنة العقلية عليه على امكانية الاستمرار اللامتناهي من اللامتناهي هذا المعنى أصبح لدى البشرية امراً محسوساً خرج من نطاق اوراق ارسطو وافلاطون التي لم تستطع أن تصنع شيئاً والتي لم تستطع أن تفتح قلب إنسان على الصلة بهذا اللامتناهي وأصبحت أمراً حسياً يعيش مع تاريخ الناس لكي يكون هذا الأمر المحسوس هو التعبير القوي دائماً عن تلك القيم والمثل وهو المربي للبشرية على أساس تلك القيم والمثل.

فالوحي بحسب الحقيقة إذن هو المربي الأول للبشرية الذي لم يكن بالامكان للبشرية أن تربى بدونه لأن البشرية بدون الوحي ليس لديها إلا حس بالمادة وما على المادة من ماديات، وإلا إدراك عقلي غائم قد يصل إلى مستوى الإيمان بالقيم والمثل وباللّه إلا انه إيمان عقلي على أي حال لا يهز قلب هذا الإنسان ولا يدخل إلى ضميره ولا يسمع كل وجوده ولا يتفاعل مع كل مشاعره وعواطفه.

فكان لا بد أن يستنزل ذلك العقل على مستوى الحس لا بد أن تستنزل تلك المعقولات على مستوى الحس وحيث أن هذا ليس بالامكان أن يعمل مع كل الناس لأن كل إنسان مهيأ لهذا ولهذا استصفي لهذه العملية أناس معينون أوجد الله تبارك وتعالى فيهم الحس القائد الرائد هذا الحس رباهم هم أولا وبالذات ثم خلق وجوداً حسياً ثانوياً هذا الوجود الحسي الثانوي كان هو المربي للبشرية.

والخلاصة لئن بقيت القيم والمثل والأهداف والاعتبارات عقلية محضة فهي سوف تكون قليلة الفهم ضعيفة الجذب بالنسبة إلى الإنسان وكلما أمكن تمثيلها حسياً أصبحت أقوى وأصبحت أكثر قدرة على الجذب والدفع.

إذا كان هذا حقاً فيجب أن نخطط لأنفسنا ونخطط في علاقاتنا مع الآخرين على هذا الأساس.

يجب أن نخطط في أنفسنا على هذا المستوى ومعنى أن نخطط في أنفسنا على هذا يعني أن لا نكتفي بأفكار عقلية نؤمن بها نضعها في زاوية عقلنا كإيمان الفلاسفة بآرائهم الفلسفية لا يكفي أن نؤمن بهذه القيم والمثل إيماناً عقلياً صرفاً بل يجب أن نحاول... أن نستنزلها إلى أقصى درجة ممكنة من الوضوح الحسي طبعاً نحن لا نطمع أن نكون أنبياء ولانطمع أن نحظى بهذا الشرف العظيم الذي انغلق على البشرية بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ولكن مع هذا الوضوح مقول بالتشكيك على حسب اصطلاح المناطق ليس كل درجة من الوضوح معناها النبوة هناك ملايين من درجات الوضوح قبل أن تصبح نبياً. يمكن أن تكسب ملايين من درجات الوضوح، وهذه المراتب المتصاعدة قبل أن تبلغ إلى الدرجة التي اصبح فيها موسى (عليه السلام) في لحظة استحق فيها أن يخاطبه اللّه سبحانه وتعالى أو قبل أن يصل الإنسان إلى الدرجة التي بلغ إليها محمد (صلى الله عليه وآله) حينما هبط عليه اشرف كتب السماء هناك ملايين من الدرجات هذه الملايين بأبها مفتوح أمامنا ولا بد أن لا نقتصر أن لا نزهد في هذا التطوير العقلي للقيم والمثل الموجود عندنا لا بد لنا أن لا نقتصر وأن نطمع في أكثر من هذا الوضوح وفي أكثر من هذا من التحدد ومن الحسية لا بد لنا أن نفكر في أن يعبأ كل وجودنا بهذا القيم والمثل لكي تكون على مستوى المحسوسات بالنسبة إلينا.

من أساليب استنزال هذه القيم والمثل إلى مستوى المحسوسات هو التأثير الذهني عليها باستمرار حينما توحي إلى نفسك باستمرار بهذه الأفكار الرفيعة حينما توحي إلى نفسك باستمرار بانك عبد مملوك للّه سبحانه وتعالى وأن الله تبارك وتعالى هو المالك المطلق لامرك وسلوكك ووجودك وهو المخطط لوضعك ومستقبلك وحاضرك وأنه هو الذي يرعاك بعين لا تنام في دنياك وآخرتك حينما توحي إلى نفسك باستمرار بمستلزمات هذه العبودية من أنك مسؤول أمام هذا المولى العظيم مسؤول أن تطيعه أن تطبق خطه، أن تلتزم رسالته، أن تدافع عن رايته أن تلزم شعاراته حينما تسر إلى نفسك وتؤكد على نفسك باستمرار أن هذا المعنى للعبودية لأنك دائماً وأبداً يجب أن تعيش مع الله.

حينما توحي إلى نفسك بانك يجب أن تعيش للّه سوف تتعمق دقة العيش للّه في ذهنك سوف تتسع سوف تصبح بالتدريج شبحاً يكاد أن يكون حسياً بعد أن كان نظرياً عقلياً صرفاً.

أليس هناك أشخاص من الأولياء والعلماء والصديقين قد استطاعوا أن يبصروا محتوى هذه القيم والمثل بام أعينهم ولم يستطيعوا أن يبصروها بأم أعينهم إلا بعد أن عاشوها عيشا تفصيلياً مع الالتفات التفصيلي الكائن وهذه عملية شاقة جداً لأن الإنسان كما قلنا ينفعل بالحس وما أكثر المحسوسات من أمامه ومن خلفه الدنيا كلها بين يديه تمتع بحسه في مختلف الأشياء وهو يجب عليه دائماً وهو يعيش في هذه الدنيا التي تنقل إلى عينه مئات المبصرات، وتنقل مئات المسموعات، يجب عليه أن يلقن نفسه دائماً بهذه الافكار ويؤكد هذه الأفكار خاصة في لحظات ارتفاعه وفي لحظات تساميه لأن أكثر الناس إلا من عصم الله تحصل له لحظات التسامي، وتحصل له لحظات الإنخفاض.

ليس كل إنسان يعيش محمداً (صلى الله عليه وآله) مئة بالمئة وإلا لكان كل الناس من طلابه الحقيقيين كل إنسان لا يعيش محمداً إلا لحظات معينة تتسع وتضيق بقدر تفاعل هذا الانسان برسالة محمد (صلى الله عليه وآله).

إذن ففي تلك اللحظات التي تمر على أي واحد منا ويحس بأن قلبه منفتح لمحمد (صلى الله عليه وآله) وأن عواطفه ومشاعره كلها متأججة بنور رسالة هذا النبي العظيم (صلى الله عليه وآله). في تلك اللحظات يغتنم تلك الفرصة ليخترن وأنا اؤمن بعملية الاختران يعني أؤمن بأن الإنسان في هذه اللحظة إذا استوعب أفكاره وأكد على مضمون معين وخزنه في نفسه سوف يفتح له هذا الاختران في لحظات الضعف بعد هذا حينما يفارق هذه الجلوة العظيمة حينما يعود إلى حياته الاعتيادية سوف يتعمق بالتدريج هذا الرصيد هذه البذرة التي وضعها في لحظة الجلوة في لحظة الانفتاح المطلق على أشرف رسالات السماء تلك البذرة سوف تشعره وسوف تقول له في تلك اللحظة إياك من المعصية إياك من أن تنحرف قيد انملة عن خط محمد (صلى الله عليه وآله).

كلما ربط الإنسان نفسه في لحظات الجلوة والانفتاح بقيود محمد (صلى الله عليه وآله) واستطاع أن يعاهد نبيه العظيم (صلى الله عليه وآله) على أن لا ينحرف عن رسالته على أن لا يتململ عن خطه على أن يعيشه ويعيش أهدافه ورسالته وأحكامه حينئذ بعد هذا حينما تفارقه هذه الجلوة وكثيراً ما تفارقه إذا أراد أن ينحرف يتذكر عهده يتذكر صلته بمحمد (صلى الله عليه وآله) تصبح العلاقة حينئذ ليست مجرد نظرية عقلية بل هناك اتفاق هناك معاهدة هناك بيعة أعطاها لهذا النبي (صلى الله عليه وآله) في لحظة حس في لحظة قريبة من الحس.

كان كأنه يرى النبي أمامه فبايعه.

لو أن أي واحد منا استطاع أن يرى النبي (صلى الله عليه وآله) بأم عينه. أو رأى أمامه إمام زمانه عجل اللّه تعالى فرجه رأى قائده بأم عينه وعاهده وجهاً لوجه على أن لا يعصي على أن لا ينحرف على أن لا يخون الرسالة هل بالامكان لهذا الإنسان بعد هذا لو فارقته تلك الجلوة ولو ذهب إلى ما ذهب ولو عاش أي مكان وأي زمان هل بإمكانه أن يعصي؟ هل يمكنه أن ينحرف أو يتذكر دائماً صورة ولي الأمر عجل اللّه تعالى فرجه وهو يأخذ منه هذه البيعة وهذا العهد على نفسه.

نفس هذه العملية يمكن أن يعملها أي واحد منا لكن في لحظة الجلوة في لحظة الأنفتاح.

كل إنسان من عندنا يعيش لحظة لقاء الإمام عجل اللّه تعالى فرجه من دون أن يلقى الإمام عجل اللّه تعالى فرجه ولو مرة واحدة في حياته هذه المرة الواحدة أو المرتين والثلاثة يجب أن نعمل لكي تتكرر لأن بالامكان أن نعيش هذه اللحظة دائماً هذا ليس أمراً مستحيلاً بل هو أمر ممكن والقصة قصة إعداد وتهيئة لأن نعيش هذه اللحظة حتى في حالة وجود لحظات أكثر بكثير تعيش فيها الدنيا تعيش فيها أهواء الدنيا ورغبات الدنيا وشهوات الدنيا مع هذا يجب أن تخلف فينا هذه اللحظة رصيداً يجب أن تخلق فينا بذرة منعة عصمة قوة قادرة على أن تقول: لا، حينما يقول الإسلام: لا، ونعم حينما يقول الإسلام ذلك.

هذه اللحظة يجب أن نغتنمها ويجب أن نختزن لكي تتحول بالتدريج هذه المفاهيم إلى حقائق وهذه الحقائق إلى محسوسات وهذه المحسوسات إلى جهاد نعيشه بكل عواطفنا ومشاعرنا وانفعالاتنا أناء الليل وأطراف النهار ونحن ما أحوجنا إلى ذلك لأن المفروض أننا نحن الذين يجب أن نبلغ للناس نحن الذين يجب أننشع بنور الرسالة على الناس. نحن الذين يجب أن نحدد معالم الطريق للأمة والمسلمين إذن فما احوجنا إلى أن يتبين لنا الطريق تبيناً حسياً تبيناً اقرب ما يكون إلى تبين الأنبياء وطرقهم.

ليس عبثاً وليس صدفة أن رائد الطريق دائماً كان إنساناً يعيش الوحي لأنه كان لا بد له أن يعيش طريقه بأعلى درجة ممكنة للحس حتى لا ينحرف حتى لا يتململ حتى لا يضيع حتى لايكون سبباً في ضلال الآخرين. ونحن يجب أن ندعو أن نتضرع إلى اللّه دائماً لان يفتح أمام أعيننا معالم الطريق أن يرينا الطريق رؤية عين لا رؤية عقل فقط أن يجعل هذه القيم وهذه المثل والطريق إلى تجسيد هذه القيم وهذه المثل شيئاً محسوساً بكل منعطفات هذا الطريق وبكل صعوبات هذا الطريق وما يمكن أن يصادفه في أثناء هذا الطريق.

لا بد لنا أن نفكر في أن نحصل أكبر درجة ممكنة من الوضوح في هذا الطريق هذا بيننا وبين أنفسنا..

وأما العبرة التي نأخذها بالنسبة إلينا مع الآخرين نحن أيضاً يجب أن نفكر في أننا سوف لن نطمع في هداية الآخرين عن طريق إعطاء المفاهيم فقط عن طريق إعطاء النظريات المجردة فقط وتصنيف الكتب العميقة كل هذا لا يكفي القاء المحاضرات النظرية لا يكفي.

لا بد لنا أن نبني تأثيرنا في الآخرين أيضاً على مستوى الحس يجب أن نجعل الآخرين يحسون منا بما ينفعلون به إنفعالاً طيباً طاهراً مثالياً فان الآخرين مثلنا، الآخرون هم بشر والبشر ينفعلون بالحس أكثر مما ينفعلون بالعقل فلا بد إذن أن نعتمد على هذا الرصيد أكثر مما نعتمد على ذلك الرصيد.

كتاب مئة كتاب نظري لا يساوي أن تعيش الحياة التي تمثل خط الأنبياء حينما تعيش الحياة التي تمثل خط الأنبياء بوجودك بوضعك باخلاقك بإيمانك بالنار والجنة إيمانك بالنار والجنة حينما ينزل إلى المستوى الحس إلى مستوى الرقابة الشديدة إلى مستوى العصمة حينما ينزل إلى هذا المستوى يصبح أمراً محسوساً يصبح هذا الإيمان أمراً حسياً حينئذ سوف يكهرب الآخرين ولا نطمع بالتأثير عليهم على مستوى النظريات فحسب فان هذا وحده لا يكفي وإن كان ضرورياً أيضاً ولكن يجب أن نضيف إلى التأثير على مستوى النظريات تطهير أنفسنا وتكميل أرواحنا وتقريب سلوكنا من سلوك الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وأوصياء هؤلاء الأنبياء لنستطيع أن نجسد تلك القيم والمثل بوجودنا أمام حس الآخرين قبل أن نعطيها بعقول الآخرين أو توأماً مع إعطائها لعقول الآخرين...

اللهم وفقنا للسير في خط أشرف انبيائك والالتزام بتعالميه غفر اللّه لنا ولكم جميعاً.