بلاغة علي عليه السلام في خدمة الانسان – الثاني

جورج جرداق

 

ثمّ إليك هذا الخبر:

روى أحدهم عن نوف البكالي بصدد إحدى خطب الإمام عليَّ قال: خطّبّنا هذه الخطبةَ بالكوفة أميرُالمؤمنين عليه السلام، وهو قائم على حجارة نصبّها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مدرعةٌ من صوف ، وحمائل سيفه ليف، وفي رجليه نعلان من ليف، فقال عليه السلام، في جملة ما قال: ((إلّا أنّه أدبر من الدنيا ما كان مقبلاً، وأقبل منها ما كان مدبراُ.

وأزمع الترحالَ عبادُ الله الأخيار؛ وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى ، بكثيرٍ من الآخرة لا يفنى .

ماضرّ إخواننا الذين سُفكت دماؤهم وهم بصقّين أنْ لا يكونوا اليوم أحياء يُسغون الغّصَص، ويشربون الرّنِق [١] ؟!

قد، واللهِ لقوالله فوفّاهم اُجورَهم وأحلّهم دارَالأمن من بعد خوفهم ! أين إخواني الذين ركبوا الطريقَ ومضوا على الحقّ ؟ أين عمّار [٢] ؟ وأين ابن التيّهان؟ وأين ذوالشهادتين ؟ وأين نُظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على النيّة ؟)) [٣] .

قال : ثمّ ضرب بيده على لحيته الشريفة فأطال البكاء .

وأخبر ضرار بن حمزة الضابيء قال : فأشهد لقد رايتُه - يقصد الإمام - في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وهم قائمٌ في ظلامه قابضٌ على لحيته يتملل تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ويقول :

(( يا دنيا يا دنيا ، إليك عنّي ! أبي تعرّضتِ ،أم إليّ تشوفتِ ؟ لاحان حينك، هيهات ! غرّي غيري ، لاحاجة لي فيك ، قد طلّقتُك ثلاثاً لا رجعة فيها ! فعيشكِ قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير.آه من قلّة الزاد وطول الطريق وبُعد السفر وعظيم المورد!)) [٤] .

هذه العاطفة الحارّة التي عرفها الإمام في حياته تُواكبه أنّى اتّجه في (نهج البلاغة) وحيث سار.

تُواكبه في ما يحمل على الغضب والسخط ، كما تواكبه في ما يثيرالعطف والحنان .

حتّى إذا رأى تخاذُلَ أنصاره عن مسانده الحقّ فيما يناصرالآخرون الباطّل ، ويحيطونه بالسلاح والأرواح ، تألّم وشكا ، ووبّخ وأنّب .

كان شديداً قاصفاً ، مزمجراً ، كالرعد في ليالي الويل .

ويكفيك أن تقرأ خطبة الجهاد التي تبدأ بقوله :

(( أيّها الناس المجتمعةُ أبدانُهم ، المختلفة أهواؤهم ، كلامكم يوهي الصمّ الصِّلاب...الخ!)) [٥] لتدرك أيّةَ عاطفةٍ متوجّعةٍ ثائرة هي تلك التي تمدّ هذه الخطبةَ ينبْض الحياة وجَيَشانها .

وإنّه لمن المعيب أن نسوق الأمثلة على تدفّق العاطفة الحيّة التي تبثّ الدفء في مآثرالإمام ، فهي في أعماله وفي خطبه وأقواله مقياسٌ من المقاييس الاُسُس .

وما عليك إلّا أنْ تقرأ بعض آثاره فی فصل ((من روائع الإمام)) من هذا الكتاب، كي تقف على ألوانٍ من عاطفة ابن أبي طالب ، ذات القوّة الدافقة والعمق العميق .

 

الأسلوب والعبقرية الخطابية

بيانٌ لو تطّقَ بالتقريع لانقضّ على لسان العاطفة انقضاضاً .

ولوهدَد الفسادَ والمفسدينَ لَتَفّجرَبراكينَ لها أضواءٌ وأصوات.

ولودعا إلى تأمّلٍ لّرافقَ فيك منشأ الحسَّ وأصْلَ التفكير، فساقك إلى ما يريدُه سَوْقك ووَصَلَك بالكون وصلاً .

ویندمجُ الشكل بالمعنى اندماجَ الحرارة بالنار، والضوء بالشمس والهواء بالهواء ، فما أنتَ أزاءَه إلّا ما يكونُ المرءُ قبالةَ السيلِ إذْ ينحدروالبحرِإذ يتموّج والريح إذْ تطوف .

أمّا إذا تحدّثّ إليك عن بهاء الوجود وجمال الخلْق فإنّما يكتب على قلبك بمدادٍ من نجوم السماء.

ومن اللفظ ما له وميضُ البرق ، وابتسامةُ السماء في ليالي الشتاء .

هذا من حيث المادّة.

أمّا من حيث الاُسلوب ، فعليّ بن أبي طالب ساحرالأداء .

والأدب لا يكون إلّا باُسلوب، فالمبني ملازمٌ فيه للمعنى، والصورة لا تقلّ في شيء عن المادّة .

وأيّ فنً كانت شروط الإخراج فيه أقلّ شأناً من شروط المادّة ؟

وإنّ قسْط عليّ بن أبي طالب من الذوق الفنّي – أوالذوق الجمالي - لّمِمّا يندروجوُده .

وذوقه هذا كان المقياس الطبيعيّ الضابط للطبع الأدبيّ عنده.

أمّا طبعه هذا، فهوطبعُ ذوي الموهبة والأصالة الذين يرون فيشعرون ، ويُدركون فتنطلق ألسنتهم بما تجيش به قلوبهم ، وتنكشف عنه مداركهم انطلاقاً عفويّاً .

لذلك تَمَيّزعليُّ بالصدق كما تميّزت به حياته .

وما الصدق إلّاميزة الفنّ الاُولى، ومقياس الاُسلوب الذي لا يخادع .

وإنّ شروط البلاغة،التي هي موافقة الكلام لمقتضى الحال ، لم تجتمع لأديبِ عربيّ، كما اجتمعت لعليّ بن أبي طالب .

فإنشاءه أعلى مثلٍ لهذه البلاغة ، بعد القرآن .

فهو موجزٌ على وضوح ، قويٌ جيّاش، تامّ الانسجام لِما بين ألفاظه ومعانيه وأغراضه من ائتلاف ، حلوُالرنّة في الاُذن موسيقىّ الوقْع .

وهو يرفق ويلين في المواقف التي لا تستدعي الشدّة .

ويشتدّ ويعنف في غيرها من المواقف،ولا سيّما ساعةَ يكون القول في المنافقين والمراوغين وطلّاب الدنيا على حساب الفقراء والمستضعفين وأصحاب الحقوق المهدورة .

فاُسلوب عليّ صريحٌ كقلبه وذهنه ، صادق كطويّته ، فلا عجب أن يكون نهجاً للبلاغة !

وقد بلغ اُسلوب عليًّ من الصدق حدّاً تَرفَعَ به حتَى السجْعُ عن الصنعة والتكلّف .

فإذا هوعلى كثرة ما فيه من الجمل المتقاطعة الموزونة المسجّعة أبعد ما يكون عن الصنعة وروحها، وأقرب ما يكون من الطبع الزاخر.

فانظرإلى هذا الكلام المسجّع وإلى مقدارما فيه من سلامة الطبع:((يعلم عجيجَ الوحوش في الفلوات، ومعاصي العِباد في الخلوات،واختلافَ النينان في البحارالعامرات،وتلاطُمَ الماء بالرياج العاصفات [٦] .

أو إلى هذا القول من إحدى خطبه :

(( وكذلك السماء والهواء ، والرياح والماء، فانظرإلى الشمس والقمر، والنبات والشجر، والماء والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار، وتّفجّرهذه البحار، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال ، وتفرّق هذه اللغات ، والألسن المختلفات...الخ)) [٧] .

واُوصيك خيراً بهذا السجع الجاري مع الطبع :((ثمّ زيّنها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب [٨]. وأجرى فيها سراجاً مستطيراً [٩] وقمراً منيراً، في فّلّكٍ دائر، وسقفٍ سائر...الخ)) [١٠].

فإنّك لوحاولت إبداع لفظٍ مسجوع في هذه البدائع جميعاً بآخرغيرمسجوع لعّرفتَ كيف يخبو إشراقُها ، ويبهت جمالها ،ويفقد الذوقُ فيها أصالتّه ودقّته، وهُما الدليل والمقياس .

فالسجْع في هذه الأقوال العلوية ضرورةٌ فنّيةٌ يقتضيها الطبعُ الذي يمتزج بالصنعة امتزاجاً، حتّى لكأنّهما من معدنٍ واحد، يبعثُ النثرَشعراً له أوزانٌ وأنعامٌ تُرْفِق المعنى بصُوّرلفظيّة،لأ أبهى منها ولا أشهى .

ومن سجْع الإمام آیاتٌ تردّ النّغَمَ على النّغمِ رَدّاً جميلاً، وتُذيبُ الوقْعَ في الوقْعِ على قراراتٍ لا أوْزنَ منها على السّمعْ ولا أحبّ ترجيحاً .

ومثال ذلك ما ذكرناه من سجعاته منذُ حين، ثمّ هذه الكلماتُ الشهيّاتُ على الاُذن والذوق جميعاً:

((أنا يومٌ جديد، وأنا عليك شهيد، فاعملْ فيّ خيراً، وقُل خيراً)) [١١] .

وإذا قلنا: إنّ اُسلوب عليّ توفّرفيه صراحةُ المعنى، وبلاغةُ الأداء، وسلامةُ الذوقُ الفنّي، فأنّما نشيرإلى القارئ بالرجوع إلى نهج البلاغة ليرى كيف تتفجّركلماتُ عليًّ من ينابيعَ بعيدة القرارفي مادّتها،وبأيّةِ حُلّةٍ فنّيةٍ رائعة الجمال تمورُ وتجري .

وإليك هذه التعابيرالحسان في قوله:(( المرءُ مخبوءٌ تحت لسانه)) [١٢] .

وفي قوله:((الحلم عشيرة))[١٣] .

أو في قوله : (( مَن لان عوده كثفت أغصانه ))[١٤] .

أو في قوله:(( كلّ وعاءٍ يضيق بما جعل فيه إلّا وعاء العلم فإنّه يتّسع )) [١٥] .

أو في قوله أيضاً:(( لوأحبّني جبلٌ لتهافت)) [١٦].

أو في هذه الأقوال الرائعة : ((العلم يحرسك وأنت تحرس المال)) [١٧] .

((رُبّ مفتونٍ يحسن القول فيه)) [١٨] .

((إذا أقبلّتِ الدنياعلى أحدٍ أعارته محاسنَ غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسنَ نفسه)) [١٩] .

((ليكن أمرالناس عندك في الحقّ سواء)) [٢٠] .

((افعلوا الخيرولا تحقروا منه شيئاً فإنّ صغيره كبيرٌ وقليله كثير)) [٢١] .

((هلك خُزّان المال وهم أحياء)) [٢٢] .

((ما مُتَّع غنيٌّ إلّا بما جاع في فقير)) [٢٣] .

ثمّ استمعْ إلى هذا التعبيرالبالغ قمّةَ الجمال الفنّي وقد أراد به أن يصف تَمكَنَه من التصرف بمدينة الكوفة كيف شاء، قال:

((ما هي إلّا الكوفة أقبِضُها وأبسطُها...)) [٢٤] .

فأنت ترى ما في أقواله هذه من الأصالة في التفكيروالتعبير،هذه

الأصالة التي تلازم الأديب الحقّ بصورةٍ مطلقة ولا تفوته إلّا إذا فاتتْه الشخصية الأدبية ذاتها.

ويبلغ اُسلوب عليّ قمّةَ الجمال في المواقف الخطابية ، أي في المواقف التي تثوربها عاطفته الجيّاشة ، ويتّقد خياله فتعتلج فيه صوَرٌحارَةٌ من أحداث الحياة التي تَمرّس بها .

فإذا بالبلاغة تزخرفي قلبه وتتدفّق على لسانه تدفُّق البحار.

ويتميّزاُسلوبُه،في مصل هذه المواقف،بالتكراربُغيةَ التقريروالتأثير،وباستعمال المترادفات وباختيارالكلمات الجزلة [٢٥] ذات الرنين المتدفّق عذوبةً ومتانة، وقد تتعاقب فيه ضروب التعبيرمن إخبارإلى استفهامٍ إلى تعجّب إلى استنكار.

وتكون مواطن الوقف فيه قوّيةً شافيةً للنفس .

وفي ذلك ما فيه من معنى البلاغة وروح الفنّ .

وإليك مثلاً لهذا خطبة الجهاد المشهورة ، وقد خطب عليٌّ بها الناسَ لمّا أغارسفيان بن عوف الأسدي على مدينة الأنباربالعراق وقتل عامله عليها :

((هذا أخوغامدٍ قد بلغت خيلُه الأنبار، وقتل حسّان بن حسّان البكري ، وأزال خيلّكم عن مسالحها وقتل منكم رجالاً صالحين .

وقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة ، والاُخرى المعاهدة ، فينزعُ حِجلّها، قُلبها ، ورُعاثّها ، ثم انصرفوا وافريّن ما نال رجلاً منهم كلمٌ ، ولا اُريق لهم دم ، فلوأنّ امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسَفاً ، ما كان به مَلوماً ، بل كان به عندي جديراً [٢٦] .

فيا عجباً ، والله يميت القلبَ ويجلب الهمّ اجتماعُ هؤلاء على باطلهم وتفرّقُكم عن حقَّكم، فقبحاً لكم حين صرتم غرضاً يُرمى: يُغارعليكم ولا تغيرون ، وتُغّيرون ، وتُغزَون ولا تَغزُون، يُعصى الله وترضون )) [٢٧] .

فانظرإلى مقدرة الإمام الفنّية في هذا الكلمات الموجزة ، فإنّه تدرّج في إثارة شعورسامعيه حتى وصل بهم إلى ما يصبو إليه .

وسلك إلى ذلك طريقاً تتوفّرفيه بلاغةُ الأداء وقوّةُ التأثير.

فإنّه أخبرَ قومَه بغزْوسفيان بن عوف الأنبارَ، وفي ذلك ما فيه من عارٍ يلحق بهم .

ثم أخبرَهم بأنّ هذا المعتدي إنَما قتّل عامل أميرالمؤمنين في جملة من قتل، وبأنّ هذا المعتدي لم يكتف بذلك فاغمد سيوفه في نحورٍ كثيرة من رجالهم وأهليهم .

وفي الفقرة الثانية من الخطبة توجّه الإمام إلى مكن الحميّة من السامعين،إلى مثارالعزيمة والنخوة من نفس كلّ عربيّ وهوشرف المرأة .

وعلي يعلم أنّ من العرب مَن لا يبذل نفسه إلّا للحفاظ على سمعةِ امرأةٍ وعلى شرف فتاة ، فإذا هويعنّف هؤلاء القوم على القعود دون نصرة المرأة التي استباح الغزاةُ حماها ثم انصرفوا آمنین ، وما نالتْ رجلاً منهم طعنةٌ ولا اُريق لهم دم !

ثم إنّه أبدى ما في نفسه من دهَشٍ وحيرةٍ مِن أمرٍغريب فإنَّ أعداءَه يتمسكون بالباطل فيناصرونه ،ويدينون بالشرّ فيغزون الأنبارفي سبيله ، فيما يقعد أنصارُه حتى عن مناصرة الحقّ ، فيخذلونه ويفشلون عنه .

ومن الطبيعيّ أن يغضب الإمام في مثل هذا الموقف، فإذا بعباراته تحمل كلَّ ما في نفسه من الغضب، فتأتي حارّةً شديدةً مسجّعة مقطعّةً ناقمة:((فقبحاً لكم وترحاً صرتُم غرضاً يُرمى: يُغارعليكم ولا تغيرون،وتُغرّون ولاتَغزُون ويُعصى الله وترضون )) [٢٨] .

وقد تثورعاطفتُه وتتقطع، فإذا بعضُها يزحم بعضاً على مثل هذه الكلمات المتقطّعة المتلاحقة : (( ماضعُفْتُ ، ولاجبنْتُ ، ولاخُنْتُ، ولا وهَنْتُ!))[٢٩] .

وقد تصطلي هذه العاطفة بألمٍ ثائرٍ يأتيه من قومٍ أرادَلهم الخيرَ وما أرادوه لأنفسهم لغفلةٍ في مداركهم ووَهَنٍ في عزائمهم .

فيخطبهم بهذا القول الثائرالغاضب ، قائلاً : (( ما لي أراكم أيقاظاً نُوّما ، وشهوداً غُيّبا ، وسامعةُ صمّاء ، وناطقةُ بكماء الخ...؟)) [٣٠] .

والخطباء في العرب كثيرون ، فالخطابة من فنونهم الأدبية التي عرفوها في الجاهلية والإسلام ولا سيّما في عصرالنبي والخلفاء الراشدين ؛ لِما كان لهم بها من حاجة .

أمّا خطيب العهد النبويّ الأكبرفالنبيّ لا خلافَ في ذلك .

أمّا في العهد الراشدي ، وفي ما تلاه من العصورالعربية قاطبة، فإنّ أحداً لم يبلغ ما بلغ إليه عليّ ابن أبي طالب في هذا النحو.

فالنطق السهل لدى عليًّ كان منْ عناصرشخصيّته ، وكذلك البيان القوّي بما فيه من عناصرالطبع والصناعة جميعاً، ثم إنّ الله يسّرله العدّة الكاملة لِما تقتضيه الخطابة مِن مقوّمات اُخرى على ما مرّ بنا .

فقد ميّزَه الله بالفطرة السليمة ، والذوق الرفيع ، والبلاغة الآسرة [٣١] ، ثمّ بذخيرةٍ من العلم انفردَ بها عن أقرانه ، وبحجّةٍ قائمة، وقوّةٍ إقناع دامغة، وعبقريّةٍ في الارتجال نادرة .

أضفْ إلى ذلك صدقَه الذي لا حدود له ، وهوضرورةٌ في كلَّ خطبة ناجحة، وتجاربَه الكثيرة المرّةَ التي كشفتْ لعقله لجبّارعن طبائع الناس وأخلاقهم وصفات المجتمع ومحرَّكاته .

ثم تلك العقيدة الصلبة التي تصعب مداراتها،وذلك الألم العميق الممزوج بالحنان العميق، وبطهارة القلب وسلامة الوجدان وشرف الغاية .

وإنّه لمن الصعب أن تجد في شخصيات التاريخ مَن اجتمعت لديه كلّ هذه الشروط التي تجعل من صاحبها خطيباً فذّاً،غيرعليّ بن أبي طالب ، ونفّرٍمن الخلق قليل، وما عليك إلّا استعراض هذه الشروط ، ثمّ استعراض مشاهيرالخطباء في العالمين الشرقي والغربي، لكي تدرك أنّ قولنا هذا صحيح لاغلوّ فيه .

وابن أبي طالب على المنبررابط الجأش، شديد الثقة بنفسه وبعدْل القول، ثمّ إنّه قوّي الفراسة سريع الإدراك، يقف على دخائل الناس وأهواء النفوس وأعماق القلوب، زاخرٌ جنانُهُ بعواطف الحرّية والإنسانية والفضيلة،حتّى إذا انطلق لسانه الساحربما يجيش به قلبه ادركَ القومَ بما يحرّك فيهم الفضائل الراقدة والعواطف الحامدة .

أمّا إنشاؤه الخطابي فلا يجوزوصفُه إلّا بأنّه أساسٌ في البلاغة العربية .

يقول أبوهلال العسكري صاحب ((الصناعتين)): ليس الشأن في إيراد المعاني – وحدها – وإنّما هوفي جودة اللفظ، أيضاً، وصفائه وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، مع صحّة السبك والتركيب والخلوّ من أود النظم [٣٢] والتأليف .

من الألفاظ ما هو فخمٌ كأنّه يجرّ ذيول الأرجوان أنفَةُ وتيها .

ومنها ما هو ذو قعقعةٍ كالجنود الزاحفة في الصفيح .

ومنها ما هو كالسيف ذي الحدّين .

ومنها ما هو كالنقاب الصفيق يٌلقى على بعض العواطف ليسترمن حدّتها ، ويخفَّف من شدّتها .

ومنها ما له ابتسامة السماء في ليالي الشتاء، فمن الكلام ما يفعل كالمقرعة وهوكلام الانتقاد والتنديد .

ومنه ما يجري كالنبع الصافي وهوالمعدّ للرضى والغفران .

ومنه م يضيء كالشهاب وهوكلام التعظيم .

كذلك من الكلام ما ليس له طابع خاصّ، فيؤتي به لتقوية الجملة ودعم المعنى، فهويلائم كلّ حال .

كلّ ذلك ينطبق على خطّب عليّ في مفرداتها وتعابيرها .

هذا بلإضافة إلى أنّ الخطبة تحسن إذا انطبعت بهذه الصفات اللفظية على رأي صاحب الصناعتين ، فكيف بها إذا كانت كخطب ابن أبي طالب تجمع روعةَ هذه الصفات في اللفظ إلى روعة المعنى وقوّته وجلاله ؟

وإليك ما جاء في فصلٍ سابقٍ لنا من هذا الكتال تحت عنوان ((الضميرالعملاق)) بصدّد بيان الإمام عليّ، لاسيّما ما كان منه في خطّبه :

نهجٌ للبلاغة آخذٌ من الفكروالخيال والعاطفة آیاتٍ تتّصل بالذوق الفنّي الرفيع ما بقي الإنسان، وما بقي له خيالٌ وعاطفةٌ وفكر، مترابطٌ بآیاته متساوق، متفجّربالحسّ المشبوب والإدراك البعيد،متدفَّقٌ بلوعة الواقع وحرارة الحقيقة والشوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع ، متآلفٌ يجمع بين جمال الموضوع وجمال الإخراج، حتّى ليندمجَ التعبيرُ بالمدلول، أوالشكلُ بالمعنى، اندماجَ الحرارة بالناروالضوء بالشمس والهواء بالهواء .

فما أنت إزاءه إلّا ما يكون المرء قبالةَ إذ ينحدر، والبحرإذ يتموّج والريح إذ تطوف،أوقبالةَ الحّدّثِ الطبيعي الذي لا بدّ له أنّ يكون بالضرورة على ما هوكائنٌ عليه من الوحدة، لا تفرّق بين عناصرها إلّا لتمحووجودّها وتجعلها إلى غيركّوْن !

بيانٌ لونطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضاً!ولوهدّد للفسادوالمفسدين لَتفجّربراكينَ لها أضواءٌ وأصوات! وانبسط في منطقٍ لَخاطبَ العقولَ والمشاعرفأقفلَ كلَّ بابٍ على كلّ بابٍ على كلّ حجّةٍ غيرما ينبسط فيه ! ولودعا إلى تأمّل لَرافقَ فيك منشأ الحسّ وأصل التفكير، فساقك إلى ما يريده سّوْقاً، ووَصلَك بالكون وصْلاً ، ووحّد فيك القوى للاكتشاف توحيداً.

وهو لو راعاك لأدركتَ حنانَ الأب ومنطق الاُبوّة وصدْقَ الوفاء الإنساني وحرارةَ المحبّة التي تبدأ ولا تنتهي .

أمّا إذا تحدّث إليك عن بهاء الوجود وجمالات الخلق وكمالات الكون، فإنّما يكتب على قلبك بمدادٍ من نجوم السماء .

بيانٌ هو بلاغةٌ من البلاغة ، تنزيلُ من التنزيل.

بيان اتّصل بأساب البيان العربي ما كان منه وما يكون ، حتّى قال أحدهم في صاحبه : إنّ كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق .

وخُطّب عليَّ جميعاً تنضح بدلائل الشخصية ، حتّى لَكأنَ معانيها وتعابيرها هي خوالج نفسه [٣٣] بالذات , وأحداث زمانه التي تشتعل في قلبه كما تشتعل النارفي موقدها تحت نفخ الشمال .

فإذا هو يرتجل الخطبة حسّاً دافقاً وشعوراً زاخراً، وإخراجاً بالغاً غايةَ الجمال .

وكذلك كانت كلمات عليّ بن أبي طالب المرتجلة، فهي أقوى ما يمكن للكلمة المرتجلة أن تكون من حيث الصدق، وعمق الفكرة، وفنّية التعبير، حتّى إنّها ما نطقتْ بها شفتاه إلّا ذهبتْ مثلاً سائراً .

فمن روائعه المرتجلة قولهُ لرجلٍ أفرط في مدحه بلسانه وأفرط في انّهامه بنفسه:((أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك)) [٣٤] .

ومن ذلك أنّه لمّا اعتزم أن يقوم وحده لمهمّةٍ جليلةٍ تَردّد فيها أنصاره وتخاذلوا،جاءَه هؤلاء وقالواله ، وهم يشيرون إلى أعدائه : با أميرالمؤمنين ! نحن نكفيكَم .

فقال من فوره : ((ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفونني غيركم ؟ إن كانت الرعايا قبلي لتشكوحَيْفَ رُعاتها ، فإنني اليومَ لأشكو حيْفَ رعيّتي ، كأنّني المقود وهم القادة)) [٣٥] .

ولمّا قتل أصحاب معاوية محمد بن أبي بكرفبلغه خبرُ مقتله قال : (( إن حزننا عليه قدرسرورهم به، إلّا إنّهم نقصوا بغيضاً ونقصْنا حبيباً)) [٣٦] .

وسئل : أيّهما أفضل : العدل أم الجود ؟ فقال: ((العدل يضع الاُمورمواضعَها، والجود يُخرجها من جهتِها، والعدل سائسُ عامّ، والجود عارضٌ خاصّ فالعدل أشرفهما وفضلهما [٣٧] .

وقال في صفة المؤمن، مرتجلاً:

((المؤمن بشرُه في وجهه ، وحزنُه في قلبه، أوْسعُ شيء صدراً، وأذلّ شيء نفساً.

يكره الرفعة،ويَشنَأُ السمعة [٣٨]، طويلٌ غمّه، بعيدٌ همّه،كثيرٌ صمتُه، مشغولٌ وقتُه، شكورصبور، سهل الخليقة ، ليّن العريكة)) [٣٩] .

وسأله جاهل متعنّتٌ عن معضلة ـ فأجابه على الفور: (( أسألْ تفقّهاً ولا تسألْ تعنّتاً ، فإنّ الجاهل المتعلم شبيهٌ بالعالم، وإنّ العالم المتعسّف شبيهٌ بالجاهل المتعنّت)) [٤٠] .

والخلاصة أنّ عليّ بن أبي طالب أديبٌ عظيمٌ ، نشأ على التمرّس بالحياة ، وعلى المرانة بأساليب البلاغة فإذا هو مالكٌ ما يقتضيه الفنّ من أصالةٍ في شخصية الأديب،ومن ثقافة تنموبها الشخصية وتتركزالأصالة .

أمّا اللغة، لغتنا العربية الحبيبة التي قال فيها مرشلوس في المجلّد الأوّل من كتابه ((رحلة إلى الشرق))هذا القول الذكيّ:((اللغة العربية هي الأغنى والأفصح والأكثروالألطف وقعاً بين سائرلغات الأرض .

بتراكيب أفعالها تتبع طيران الفكروتُصوّره بدقّة،وبأنغام مقاطعها الصوتية تقلَّد صراخَ الحيواناتِ،ورقرقةَ المياه الهاربة،وعجيجَ الرياح وقصْفَ الرعد))،أمّاهذه اللغة، بما ذكرمرشلوس من صفاتها وبما لم يذكر، فإنّك واجدٌ اُصولها وفروعّها ، وجمالَ ألوانها وسحْرَ بيانها ، في أدب الإمام عليّ .

وكان أدباً في خدمة الإنسان والحضارة .

--------------------------------------------------------------------------------------
[١] . الماء الّرنِق : الماء الكدر.غريب الحديث : ٢ / ١٣٨ .
[٢] . يقصد عمّاربن ياسر.
[٣] . نهج البلاغة : الخطبة ١٨٢ – ٢٧ .
[٤] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٧٧ – ٢ .
[٥] . نهج البلاغة : الخطبة ٢٩ – ١.
[٦] . نهج البلاغة : الخطبة ١٩٨ – ٢ .
[٧] . نهج البلاغة : الخطبة ١٨٥ – ١٩ .
[٨] . الثواقب : المنيرة المشرقة. انظرمفردات الخطبة المرقمة في نهج البلاغة .
[٩] . سراجاً مستطيراً : منتشرالضياء، ويريد به الشمس.انظرالمصدرالسابق .
[١٠] . نهج البلاغة : الخطبة ١ – ١٧ .
[١١] . بحارالأنوار: ٧٤ / ٣٨٠ ، مستدرك سفينة البحار: ١٠ / ٦١٩ .
[١٢] . نهج البلاغة : قصارالحكم : ١٤٨ و ٣٩٢ .
[١٣] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٤١٨ .
[١٤] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٢١٤ .
[١٥] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٢٠٥ ، وجاء فيها : ... فإنه يتّسع به.
[١٦] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ١١١.
[١٧] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ١٤٧ – ٣ .
[١٨] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٤٦٢ .
[١٩] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٩ .
[٢٠] . نهج البلاغة ، نهج البلاغة : الكتاب ٥٩ – ١.
[٢١] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٤٢٢ .
[٢٢] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ١٧ – ٦ .
[٢٣] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٣٢٨ ، وفيه : فما جاع فقيرإلّا بما متّع به غني .
[٢٤] . نهج البلاغة : الخطبة ٢٥ –.١
[٢٥] . الجزلة : جزالة الكلام : قوّة الكلام. لسان العرب : ١١ / ١٠٩، مادة ((جزل)) .
[٢٦] . جدير: خليق ، حريّ ، قيمن .غريب الحديث : ٢ / ١٩٧ .
[٢٧] . نهج البلاغة : الخطبة ٢٧ – ١٠ .
[٢٨] . نهج البلاغة : الخطبة ٢٧ ، ١ / ٦٩ ، الكافي للكليني : ٥ / ٥ ، الغارات : ٢ / ٤٧٦ (تحقيق المحدث) ، نهج السعادة : ٥ / ٣١٥ ، أنساب الأشراف ترجمة الإمام علي (عليه السلام) باب غارة سفيان الغامدي : ٤٤٢ .
[٢٩] . نهج البلاغة : الخطبة ١٠٨ ، ١ / ٢٠٧ ، شرح نهج البلاغة : ٧ / ١٨٧ .
[٣٠] . البلاغة الآسرة : البلاغة التي تسح لبّ سامعها
[٣١] . أوِد النظم : أوِد الشيء: اعوجّ.القاموس المحيط :١ / ٢٧٥ ، مادة ((أود)).
[٣٣] . خوالج النفس : نوازع النفس، يقال تخالجه: تجاذبه وتنازعه. تاج العروس : ٢ / ٣٥ ، مادة ((خليج)) .
[٣٤] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٨٣ .
[٣٥] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٢٦١ .
[٣٦] . نهج البلاغة : قصارالحكم : ٣٢٥ .
[٣٧] . نهج البلاغة ، قصارالحكم : ٤٣٧ .
[٣٨] . يشنأ السمعة : يبغضها , ويكرهها . كتاب العين : ٦/ ٢٨٧ , مادة (شنأ) .
[٣٩] . نهج البلاغة , قصار الحكم : ٣٣٣-٣ .
[٤٠] . نهج البلاغة , قصار الحكم : ٣٢٠.

مقتبس من كتاب الإمام علي صوت العدالة الإنسانية – جورج جرداق