المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمّد وآله الطاهرين ، واللعن الدائم على أعدائهم ومنكري فضائلهم من الآن إلى قيام الدين.
أمّا بعد :
فاعلم أنّ الحديث والكلام عن أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين أسد الله الغالب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من الأمر الصعب المستصعب الذي لا يتحمّله إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان ، فإنّ ابن عمّ الرسول وزوج البتول إمام المتّقين ويعسوب الدين عليّ (عليه السلام) إنّما هو سرّ الله وسرّ الأسرار ، وإنّه جوهرة الوجود قد صنعها الله سبحانه وتعالى بيدي العلم والقدرة ، وصاغها النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) بروحه النوريّة ونفسه الملكوتية ، بل المولى الأمير (عليه السلام) هو شجرة التوحيد[2] في دوحة الوجود ، قد غرسها الله سبحانه
بيد المجد والعظمة ، وسقاها النبيّ المصطفى محمّد (صلى الله عليه وآله) بأنواره اللاهوتيّة وأسراره القدسيّة ، وإنّ الخلق ليعجز عن جمال معرفته ، وكشف سرّ من أسراره ، أو بيان كنهه وحقيقته ، فإنّه سرّ الوجود والموجود ، بل سرّ السرّ الذي لا يقف على فتح كنوزه وخزائنه إلاّ خالقه وربّه الذي فيه تجلّى وظهر ، لا يعرفه حقّ المعرفة إلاّ خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وقد اشتهر في الحديث النبويّ الشريف : «يا عليّ لا يعرفك إلاّ الله وأنا» وما معرفة الخلق لعليّ إلاّ كقطرة من بحار مواجّة ومتلاطمة ، بل نداوة سحر على زهرة حمراء من محيط لا يدركه البصر.
فلو كانت السماوات والأرضين قراطيس ، وكانت البحار مداداً ، والأشجار أقلاماً ، والملائكة والإنس والجنّ كُتّاباً ، على أن يكتبوا فضائل أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) لعجزوا عن ذلك ، فكيف لو أرادوا أن يفتحوا سرّاً من حقيقته المكنونة وولايته العظمى ؟ ! فإنّ الله سبحانه وتعالى هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، لا ثاني له في مقام الواحديّة ، ولا تركيب فيه في مقام الأحديّة ، فإنّه ليس بجسم وإلاّ للزم التركيب والاحتياج والإمكان الذي يتنافى مع كونه عزّ وجلّ واجب الوجود لذاته بذاته في ذاته ، إلاّ أ نّه لو[3] كان لله عزّ وجلّ أن يتجسّد ولن يتجسّد، لتجسّد في مثل مولانا الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وقد ورد نظير هذا في إذن الدخول على الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ، كما أ نّهم نور واحد وكلّهم محمّد كما ورد : «أوّلنا محمّد ، أوسطنا
محمّد ، وآخرنا محمّد ، كلّنا محمّد»[4] وقد ورد عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) : «عليّ منّي وأنا من عليّ» فكلاهما من شجرة واحدة ومن نور واحد[5] ، وهذا يعني أيضاً أنّ (أوّلهم عليّ ، وأوسطهم عليّ ، وآخرهم عليّ ، وكلّهم عليّ) ، كلّهم شؤونات متجلّية حسب الظروف والزمان للحقيقة المحمّدية الواحدة التي تجلّت في الأنبياء والأوصياء والأولياء.
وأمّا الذي ورد في إذن الدخول فإليك المقطع التالي شاهداً : «... والحمد لله الذي مَنَّ علينا بحكّام يقومون مقامه لو كان حاضراً في المكان ولا إله إلاّ الله»[6] ، وفي الزيارة الرجبيّة عن مولانا صاحب الأمر (عليه السلام) : «المأمونون على سرّك ... لا فرق بينك وبينهم إلاّ أ نّهم عبادك ...»[7].
هذا وربما يتبادر إلى ذهن بعض القرّاء أنّ مثل هذه المقولات ، وكذلك ما يذكر من فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ومقاماتهم القدسيّة وفيضهم الأقدس ، إنّما هو من الغلوّ المنهيّ عنه.
فإنّه ورد عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) : « هلك فيَّ رجلان : محبٌّ غال ، ومبغضٌ قال»[8].
وقال (عليه السلام) : «نحن النمرقة الوسطى[9] ، بنا يلحق التالي ، وإلينا يرجع
الغالي»[10].
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : صنفان من اُمّتي لا نصيب لهم في الإسلام : الناصب لأهل بيتي حرباً ، وغال في الدين مارق منه[11].
وقال (صلى الله عليه وآله) مخاطباً أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا عليّ مَثَلك في اُمّتي مثل المسيح ابن مريم ، افترق قومه ثلاث فرق : فرقة مؤمنون وهم الحواريون ، وفرقة عادوه وهم اليهود ، وفرقة غلوا فيه فخرجوا عن الإيمان ، وإنّ اُمّتي ستفترق فيك ثلاث فرق : ففرقة شيعتك وهم المؤمنون ، وفرقة عدوّك وهم الشاكّون ، وفرقة غلوا فيك وهم الجاحدون ، وأنت في الجنّة يا عليّ وشيعتك ومحبّو شيعتك ، وعدوّك والغالي في النار[12].
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : اللهمّ إنّي بريء من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى ، اللهمّ اخذلهم أبداً ولا تنصر منهم أحداً.
قال الصادق (عليه السلام) : احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدوهم ، فإنّ الغلاة شرّ خلق الله يصغّرون عظمة الله ويدّعون الربوبية لعباد الله ، والله إنّ الغلاة لشرّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا.
ثمّ قال (عليه السلام) : إلينا يرجع الغالي فلا نقبله ، وبنا يلحق المقصّر فنقبله . فقيل له : كيف ذلك يا بن رسول الله ؟ قال (عليه السلام) : الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصيام والحجّ ، فلا يقدر على ترك عادته وعلى الرجوع إلى طاعة الله عزّ وجلّ أبداً ، وإنّ المقصّر إذا عرف عمل وأطاع[13] ... وهناك أحاديث كثيرة في هذا المضمار لم نتعرّض لها طلباً للاختصار.
ولكن لا بدّ لنا من توضيح معنى الغلوّ ومعرفة الغلاة ولو على نحو الإشارة والإجمال وبمقدار ما يناسب هذه العجالة ، حتّى يتبيّن الحقّ ، ويعلم أنّ ما يقال ونقول فيهم ليس إلاّ قطرة من بحار مقاماتهم الشامخة ، وإنّما هو بمقدار عقولنا ووجودنا ، لا بمقدار ما هم عليه ، فإنّه في عالم الإمكان والممكنات لا يقاس بهم أحد ، وأ نّهم دون الخالق وفوق المخلوق في كلّ عوالمهم ومعالمهم ومقاماتهم الرفيعة.
 

الهوامش

[1]هذه الرسالة مقدّمة لكتاب (الأسرار العلويّة) بقلم الشيخ محمّد فاضل المسعودي دام مجده.
[2]إشارة إلى الحديثين الشريفين : «لا إله إلاّ الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي» و «ولاية عليّ بن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي» ، ومع حذف الحدّ الوسط المتكرّر تكون النتيجة : كلمة التوحيد ولاية عليّ (عليه السلام).
[3]«لو» حرف امتناع ، كما في النحويات والأدب العربي.
[4]بحار الأنوار 26 : 3.
[5]راجع إحقاق الحقّ وتعليقاته ، فإنّ الروايات عن كتب العامّة فضلا عن كتب أصحابنا الإماميّة.
[6]مفاتيح الجنان لخاتم المحدّثين الشيخ عبّاس القمّي : 312.
[7]مفاتيح الجنان : 134.
[8]نهج البلاغة : الحكمة 117.
[9]النمرقة : الوسادة.
[10]نهج البلاغة : الحكمة 109.
[11]الوسائل 14 : 426.
[12]البحار 25 : 265.
[13]المصدر 25 : 269.